Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة البقرة : الآية ٧٣ واحتجَّ مالكٌ بقتيل بني إسرائيل أنه قال: قتلني فلان(١). وقال الشافعيُّ: اللَّوْثُ: الشاهدُ العَدْل، أو تأتي بَيِّنَةٌ(٢) وإنْ لم يكونوا عُدُولاً (٣). وأوْجَبَ الثورِيُّ والكوفيون القَسامةَ بوجود القتيل فقط، واستَغْنَوْا عن مراعاة قولٍ المقتول وعن الشاهد، قالوا: إذا وُجد قتيلٌ في مَحلَّة قوم، وبه أثرٌ، حلَفَ أهلُ ذلك الموضع أنَّهم لم يقتلوه، ويكونُ عَقْلُه عليهم؛ وإذا لم يكن به أثرٌ لم يكن على العاقلة شيء، إلا أن تقومَ البيّنة على واحد . وقال سفيان: وهذا ممَّا أجمع (٤) عليه عندنا؛ وهو قولٌ ضعيفٌ خالفوا فيه أهل العلم، ولا سَلَفَ لهم فيه، وهو مخالفٌ للقرآنِ والسُّنَّةِ، ولأنَّ فيه إلزامَ العاقلةِ مالاً بغير بيِّنة ثبتت عليهم ولا إقرارٍ منهم . وذهب مالكٌ والشافعيُّ إلى أنَّ القتيلَ إذا وُجِدَ في مَحلَّةٍ قوم أنه هَذْرٌ، لا يؤخذ به أقربُ الناس داراً؛ لأنَّ القتيلَ قد يُقتل، ثم يُلْقَى على بابٍ قَومٍ ليلطّخوا به، فلا يؤاخذُ بمثل ذلك حتى تكون الأسبابُ التي شَرطوها في وجوبِ القَسامة. وقد قال عمر بن عبد العزيز: هذا ممَّا يؤخَّرُ فيه(٥) القضاءُ حتى يقضيَ الله فيه يومَ القيامة . مسألة: قال القاسم بنُ مسعدة(٦): قلت للنَّسائي: لا يقول مالكٌ بالقَسامة إلا بِاللَّوْث، فلِمَ أوْرَدَ حديثَ القَسامة ولا لَوْثَ فيه؟ قال النسائي: أنزل مالكٌ العداوَة التي كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة اللَّوْث، وأنزلَ اللَّوْثَ، أو قولَ الميت، بمنزلة العداوة(٧). (١) المفهم ٧/٥، وكذا ذكر ابن أبي زيد في النوادر والزيادات ١٣٦/٤، وابن العربي في أحكام القرآن ٢٤/١. وردّ ذلك ابن عبد البَرِّ في الاستذكار ٣٢٦/٢٥، فقال: وهذه غفلة شديدة أو شعوذة، لأن الذي ذُبحت البقرة من أجله كانت فيه آية، لاسبيلَ إليها اليوم، فلا تصحّ إلا لنبيِّ، أو بحضرة نبي ... (٢) في (م): ببيّنة. (٣) ولفظ الشافعي في الأم ٧٩/٦: أو يوجد قتيل، فتأتي بيِّنَةٌ متفرقة من المسلمين من نواح لم يجتمعوا، فيُثبت كلُّ واحد منهم على الانفراد على رجل أنه قتله، فتتواطأ شهادتُهم، ولم يسمع بعضُهم شهادة بعض، وإن لم يكونوا ممن يُعَدَّل في الشهادة، أو يشهد شاهد واحد عدل على رجل أنه قتله . (٤) في (ظ): اجتمع . (٥) في (د) : به . (٦) لم نعرفه . (٧) إكمال المعلم ٥/ ٤٥٢ . ٢٠٢ سورة البقرة : الآية ٧٣ قال ابن أبي زيد (١) : وأصلُ هذا في قصة بني إسرائيل حين أَحيا الله الذي ضُرِبَ ببعض البقرة فقال: قتلني فلان، وبأن العداوةَ لَوْث(٢) . قال الشافعي: ولا نرى قولَ المقتول لَوْثاً، كما تقدَّم. قال الشافعي : إذا كان بین قومٍ وقومٍ عداوةٌ ظاهرةٌ كالعداوة التي كانت بين الأنصار واليهود، ووُجِدَ قتيلٌ في أحدّ الفريقين (٣)، ولا يخالطهم غيرهم، وجَبَت القَسامة فيه(٤) . مسألة: واختلفوا في القتيل يوجد في المَحَلَّة التي أَكْراها أربابُها؛ فقال أصحاب الرأي: هو على أهل الخِطّة، وليس على السكان شيءٌ، فإنْ باعُوا دُورَهم، ثم وُجد قتيل، فالدِّيَةُ على المشتري، وليس على السُّكَّان شيء، وإن كان أربابُ الدُّورِ غُيَّياً وقد أَكْرَوْا دُورَهم؛ فالقَسامةُ والدّيَةُ على أرباب الدور الغُيَّب، وليس على السكان الذي وُجد القتيل بين أَظْهُرِهم شيءٍ. ثم رجعَ يعقوبُ من بينهم عن هذا القول، فقال: القَسامةُ والدِّيَةُ على السُّكَّان في الدُّور، وحكى هذا القولَ عن ابن أبي ليلى، واحتجَّ بأن أهلَ خَيْبَرَ كانوا عُمَّالاً سُكَّاناً يعملون، فوُجِد القتيل فيهم. قال الثوريُّ: ونحن نقول: هو على أصحاب الأصل، يعني أهل الدُّور. وقال أحمد: القول قولُ ابنٍ أبي ليلى في القَسامة، لا في الدية. وقال الشافعيّ: وذلك كلُّه سواءٌ، ولا عَقْلَ ولا قَوَدَ إلا ببيِّنة تقوم، أو ما يُوجب القَسامة فيُقسِمُ الأولياء. قال ابن المنذر: وهذا أصحّ. مسألة: ولا يُحلفُ في القَسامة أقلُّ من خمسين يميناً، لقوله عليه السلام في حديث حُوَيِّصَة ومُخَيِّصَة: ((يُقسم خمسون(٥) منكم على رجلٍ منهم))(٦). فإن كان المستَحِقُّون خمسين، حَلَفَ كلُّ واحدٍ منهم يميناً واحدةً، فإن كانوا أقلّ من ذلك، أو (١) هو عبد الله بنُ أبي زيد، أبو محمد، القيرواني المالكي، عالم أهل المغرب، صنف كتاب النوادر والزيادات، واختصر المدونة، وعلى هذين الكتابين المعوَّل في الفتيا بالمغرب، توفي سنة (٣٨٦هـ). السير ١٠/١٧. (٢) ينظر النوادر والزيادات ١٣٦/١٤-١٣٧. (٣) في (ظ): الطريقين. (٤) الكلام بنحوه في الأم ٧٨/٦-٧٩ . (٥) في (ظ) و(م): خمسين، وهو خطأ . (٦) في (د) و(ظ): رجل واحد منهم. وسلف الحديث ١٩٧/٢. ٢٠٣ سورة البقرة : الآية ٧٣ نّكّل منهم مَنْ لا يجوزُ عَفْوُه، رُدَّت الأيمانُ عليهم بحَسَبٍ عددِهم. ولا يَحلفُ في العَمْد أقلُّ من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحدُ من الرجال(١) ولا النساء، يحلِفُ الأولياء ومَن يستعينُ بهم الأولياءُ من العَصّبة خمسين يميناً. هذا مذهب مالك، واللَّيثِ، والثَّوْريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وداودَ(٢). ورَوَى مُطَرِّفٌ(٣) عن مالكِ أنه لا يَحلِفُ مع المُدَّعَى عليه أحدٌ، ويحلفُ هم أنفسُهم كانوا واحداً أو أكثر(٤) خمسين يميناً يبرّئون بها أنفسهم؛ وهو قولُ الشافعيّ. قال الشافعيُّ: لا يُقْسِمُ إلا وارثٌ، كان القتلُ عَمْداً أو خطأً. ولا يحلفُ على مال ويستحقُّه إلا مَنْ له المِلْكُ لنفسه، أو من جَعَلَ الله له المِلْكَ من الوَرَثة؛ والوَرَثَةُ يُقسِمُون على قَدْر مواريثهم. وبه قال أبو ثَوْر، واختاره ابنُ المنذر(٥)، وهو الصحيح؛ لأنَّ مَنْ لم يُدَّعَ عليه، لم يكن له سببٌ يَتوجَّه عليه به(٦) يمين(٧). ثم مقصودُ هذه الأيمان البراءةُ من الدعوى، ومَنْ لم يُدَّع عليه بَرِيءٌ . وقال مالك في الخطأ: يحلفُ فيها الواحدُ من الرجال والنساء، فمهما كملَتْ خمسون (٨) يميناً من واحد أو أكثر استحقَّ الحالفُ ميراثَه، ومَن نَكّل لم يَستحِقَّ شيئاً؛ فإن جاء مَن غاب حَلفَ من الأيمانِ ما كان يجبُ عليه لو حضرَ، بِحَسَبٍ ميراثهِ. هذا قول مالكِ المشهورُ عنه؛ وقد رُوِيَ عنه أنَّه لا يَرى في الخطأ قَسامةٌ(٩) . وتَتْميمُ مسائل القَسامةِ وفروعِها وأحكامِها مذكورٌ في كتب الفقه والخلاف، وفيما ذكرناه كفايةٌ، والله الموفِّق . (١) في (ظ): ولا يحلف فيه الواحد في الرجال . (٢) المفهم ٥/ ١١ . (٣) هو مُطرِّف بن عبد الله بن مُطرِّف بن يسار أبو مصعب، مولى ميمونة أم المؤمنين، صاحب مالك وابن أخته، وبه تفقَّه، روى عنه البخاري في صحيحه، وكانوا يقدِّمونه على أصحاب مالك. مات سنة (٢٢٠ هـ) بالمدينة. ترتيب المدارك ٣٥٩/١. (٤) في (د) و(م): كما لو كانوا واحداً أو أكثر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المفهم ١٤/٥. (٥) بنحوه في المفهم ٥/ ١٢ . (٦) في (ظ) و(م): فيه، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في المفهم ١٤/٥ . (٧) قوله: وهو الصحيح؛ لأن مَنْ لم يُدَّعَ عليه ... تابع لقوله: وروى مطرِّف عن مالك أنه لا يحلف مع المُدَّعى عليه أحد ... كما هو في المفهم ١٤/٥ . (٨) في (ظ) و(م): خمسين، والمثبت من (٥)، وهو موافق لما في المفهم ٥/ ١٢ . (٩) المفهم ٥/ ١٢ . ٢٠٤ سورة البقرة : الآية ٧٤ مسألة: في قصَّة البقرة هذه دليلٌ على أنَّ شَرْعَ مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا، وقال به طوائفُ من المتكلِّمين، وقومٌ من الفقهاء، واختاره الكَرْخيُّ(١)، ونصَّ عليه ابنُ بُكَيْر القاضي(٢) من علمائنا، وقال القاضي أبو محمد عبدُ الوهّاب: هو الذي تقتضيه أصولُ مالك ومَنازعُه في كتبه، وإليه مال الشافعيُّ(٣)، وقد قال الله: ﴿فَيْهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحِى اَللَّهُ الْمَوْنَى﴾ أي: كما أحْيَا هذا بعد موته؛ كذلك يُحيي الله كلَّ مَن مات. فالكافُ في موضع نَصْب، لأنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف (٤). ﴿وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ﴾ أي: علاماتِه وقُدْرَتَه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: كي تعقلوا. وقد تقدَّم(٥). أي: تمتنعون مِن عِصْيَانِه. وعَقَلْتُ نفسي عن كذا، أي: منعتُها منه. والمَعاقِل: الحصون . قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَُّ مِنْهُ الْأَنْهَدُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخُجُ مِنْهُ الْمَاءِ، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ القسوة(٦): الصَّلابةُ والشدَّةُ والِيُبْس. وهي عبارةٌ عن خُلُوِّها من الإنابة والإذعانِ لآيات الله تعالى (٧). قال أبو العالية وقتادة وغيرُهما : المرادُ: قلوبُ جميع بني إسرائيل(٨). وقال ابن عباس: المرادُ قلوبُ وَرَثةِ (١) عبيد الله بن الحسين بن دلَّال، أبو الحسن، البغدادي، مفتي العراق، شيخ الحنفية، انتهت إليه رئاسة المذهب، وكان رأساً في الاعتزال، توفي سنة (٣٤٠هـ). السير ٤٢٦/١٥ . (٢) محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير، أبو بكر، التميمي البغدادي الفقيه، توفي سنة (٣٠٥هـ). شجرة النور الزکیة ص٧٨. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢٣/١ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٨/١. (٥) ٣٤١/١ - ٣٤٢. (٦) في (د): القساوة . (٧) المحرر الوجيز ١٦٦/١. (٨) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٤٤/١، وابن الجوزي في زاد المسير ١٠٢/١، ولم ينسباه. وأخرجه ابن أبي حاتم (٧٦٠) عن أبي العالية . ٢٠٥ سورة البقرة : الآية ٧٤ القتيل؛ لأنهم حينَ حَيِيَ وأخبرَ بقاتله(١) وعادَ إلى موته، أنكروا قَتْلَه، وقالوا: كَذَبَ، بعد ما رَأَوْا هذه الآيةَ العُظمى، فلم يكونوا قظُ أعمى قلوباً، ولا أشدَّ تكذيباً لنبيِّهم منهم عند ذلك، لكنْ نَفَذَ حُكُمُ الله بقتله(٢). روى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسولُ الله وَلِ: ((لا تُكْثِروا الكلامَ بغير ذكر الله ، فإنَّ كَثْرةَ الكلام بغير ذكرِ الله قَسْوةٌ للقلب، وإنَّ أَبْعَدَ الناسِ من الله القلبُ القاسي)»(٣) . وفي مسند البزار عن أنس قال: قال رسول الله وَ له: ((أربعةٌ من الشقاء: جُمودُ العين، وقَسَاءُ القلب، وطول الأمل، والحرصُ على الدنيا))(٤) . قوله تعالى: ﴿فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ ((أو)) قيل: هي بمعنى الواو، كما قال: ﴿وَئِمَا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] وقال الشاعر: نالَ الخلافةَ أو كانّتْ له قَدَراً(٥) أي: وكانت. وقيل: هي بمعنى ((بل))؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، المعنى: بل يزيدون(٦)، وقال الشاعر : بَدَتْ مِثلَ قَرْنِ الشمسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى وصُورتِها أو أنتِ في العين أَمْلَحُ(٧) أي: بل أنت. (١) في (ظ): وأُخبروا بقاتله. (٢) المحرر الوجيز ١٦٦/١، وفيه: بقتلهم، بدل: بقتله. وأخرجه بنحوه الطبري ١٢٩/٢. (٣) سنن الترمذي (٢٤١١)، وقال: هذا حديث حسن غريب . (٤) كشف الأستار (٣٢٣٠) وهو من طريق هانئ بن المتوكل، عن عبد الله بن سليمان، عن أبان، عن أنس، به. قال البزار: عبد الله بن سليمان حدَّث بأحاديثَ لم يُتابع عليها. وأورده الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/ ٢٩١، وقال: هذا حديث منكر . (٥) هو صدر بيت لجرير، وعجزه: كما أتى ربَّه موسى على قَدَر. وسلف ٣٢٥/١. (٦) تفسير الطبري ١٣٢/٢، والنكت والعيون ١٤٥/١ - ١٤٦، والمحرر الوجيز ١٦٦/١. (٧) نسبه ابن جني في المحتسب ٩٩/١، والخصائص ٤٥٨/٢، إلى ذي الرُّمة، وهو في ملحقات ديوانه ١٨٥٧/٣، وأورده الفراء في معاني القرآن ١/ ٧٢ ولم ينسبه . ٢٠٦ سورة البقرة : الآية ٧٤ وقيل: معناها الإبهامُ على المخاطَب، ومنه قولُ أبي الأسود الدُّؤَليّ : أحبُّ محمداً حُبَّا شديداً وعبَّاساً وحمزةَ أو عَلِيًّا ولستُ بمخطئ إنْ كان غَيًّا(٢) فإنْ يكُ حِبُّهم رَشَداً أُصِبْه(١) ولم يَشُكَّ أبو الأسود أنَّ حبَّهم رَشَدٌ ظاهر، وإنما قَصَد الإبهام. وقد قيل لأبي الأسودِ حين قال ذلك: شكّكْتَ؟! قال: كلا، ثم استشهدَ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ ◌ِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدّى أَوْ فِي ضَلَلٍ تُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقال: أَوَ كان شائًا(٣) مَنْ أَخبرَ بهذا(٤)! وقيل: معناها التخيير، أي: شبِّهوها بالحجارة تُصيبوا، أو بأشدَّ من الحجارة تُصيبوا، وهذا كقول القائل: جالِسٍ الحسنَ، أو ابنَ سِيرِين، وتَعلّمِ الفقه، أو الحديثَ أو النحو . وقيل: بل هي على بابها مِن الشكّ، ومعناها عندكم أيُّها المخاطَبون وفي نظركم أَنْ(٥) لو شاهدتُم قَسْوَتها لَشَكَكْتُم: أَهِيَ كالحجارة، أو أشدُّ من الحجارة؟ وقد قيل هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أنَّ فيهم مَنْ قلبُه كالحجر، وفيهم مَنْ قلبُه أشدُّ من الحجر، فالمعنى: هم(٦) فرقتان(٧) . قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ ((أشدُّ» مرفوعٌ بالعطف على موضع الكاف في قوله: (١) في (ظ): أصبت . (٢) النكت والعيون ١٤٥/١، والمحرر الوجيز ١٦٦/١. ووقع في ديوانه ص١١٩-١٢٠، وتفسير الطبري ١٣١/٢: والوصيا، بدل: أو عليّا . (٣) في (د) و(ظ): شكًا . (٤) تفسير الطبري ١٣١/٢، والنكت والعيون ١٤٥/١، والمحرر الوجيز ١٦٦/١، قال ابن عطية: وهذه الآية - التي استدل بها أبو الأسود - مفارِقةٌ لبيت أبي الأسود، ولا يتم المعنى إلا بـ((أو)). (٥) في (ظ): أنكم . (٦) في (د) و(ظ): هي. (٧) المحرر الوجيز ١٦٦/١. ٢٠٧ سورة البقرة : الآية ٧٤ ((كالحجارة))؛ لأن المعنى: فهي مثلُ الحجارة أو أشدُّ. ويجوز: ((أو أشدَّ» بالفتح عطف على الحجارة (١). و﴿قَسْوَةٌ﴾ نصب على التمييز. وقرأ أبو حَيْوَةَ: ((قَساوً))، والمعنى واحد(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَرُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُ مِنْهُ الْمَةُ﴾ قد تقدَّم معنى الانفجار(٣). ويَشَقَّقُ؛ أصله: يَتَشَفَّق، أُدغمت التاء في الشين. وهذه عبارةٌ عن العيون التي لم تَعْظُم حتى تكون أنهاراً، أو عن الحجارة التي تَتَشقَّق وإنْ لم يجرِ ماءٌ مُنفسح (٤) . وقرأ ابن مُصَرِّف: ((يَنْشَقِقُ)) بالنون (٥)، وقرأ ((لمَّا يَتَفَجَّر))، ((لمَّا يَتَشَقَّق)): بتشديد (لمّا)) في الموضعين. وهي قراءةٌ غيرُ متَّجِهة(٦). وقرأ مالك بن دينار(٧): ((يَنْفَجِرُ)) بالنون وکسر الجيم(٨). قال قتادة: عَذَرَ الحجارةَ ولم يَعْذِر شَقيَّ بني آدم(٩)! (١) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٨/١، ونسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٧ قراءة ((أو أشدَّ) لأبي حيوة، ونسبها الزمخشري في الكشاف ١/ ٢٩٠ الأعمش . (٢) المحرر الوجيز ١٦٧/١. وذكر قراءة ((قساوة)) أيضاً الزمخشري ٢٩٠/١. (٣) ١٣٨/٢. (٤) المحرر الوجيز ١٦٧/١، وفيه: منسفح. (٥) المحرر الوجيز ١٦٧/١، قال أبو حيان في البحر المحيط ٢٦٥/١: والذي يقتضيه لسان العرب أن يكون بقاف واحدة مشدّدة، وقد يجيء الفكّ في شعر . فإن كان المضارع مجزوماً جاز الفك فصيحاً، وهو هنا مرفوع، فلا يجوز الفكّ، إلا أنها قراءة شاذة، فيجوز أن يكون ذلك فيها. (٦) المحرر الوجيز ١٦٧/١. وذكر قراءة ((لمّا يتفجّر) ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧ ونسبها لمالك بن دينار والأعمش، قال أبو حيان في البحر المحيط ٢٦٤/١: ما قاله ابن عطية من أنها قراءة غير متجهة لا يتمشّى إلا إذا نقل عنه - أي ابن مصرّف - أنه يقرأ: (وإنَّ) بالتشديد، فحينئذ يَعْسُرُ توجيه هذه القراءة، أمَّا إذا قرأ بتخفيف ((إن)) وهو المظنون به ذلك فیظهر توجيهها بعض ظهور؛ إذ تكون ((إن)) نافية، وتكون (لمَّا)) بمنزلة ((إلَّا)) كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَّهَا حَافِظٌ﴾ .. (٧) من ثقات التابعين، ومن أعيان كتبة المصاحف، ولد في أيام ابن عباس، وسمع من أنس بن مالك، توفي سنة (١٢٧ هـ) وقيل غير ذلك. السير ٣٦٢/٥ . (٨) الكشاف ٢٩٠/١، والمحرر الوجيز ١٦٧/١، وتفسير الرازي ١٣٠/١. (٩) تفسير الطبري ١٣٦/٢، والمحرر الوجيز ١٦٧/١. ٢٠٨ سورة البقرة : الآية ٧٤ قال أبو حاتم: يجوز: لَمَا تتفجَّر، بالتاء، ولا يجوز: لَمَا تَشَّقَّقُ (١)، بالتاء؛ لأنه إذا قال: تتفجر، أنَّهُ بتأنيث الأنهار، وهذا لا يكون في: تَشَّفَّقُ (٢). قال النحاس(٣): يجوز ما أَنكَرهُ على المعنى؛ لأنَّ المعنى: وإنَّ منها لحجارةَ تَشَّقَّقُ (٤)، وأما: يَشَقَّق [بالياء] فمحمولٌ على لفظ ((ما)). والشَّق واحدُ الشُّقُوق، فهو في الأصل مصدر، تقول: بِيَدِ فلان ورِجلِهِ(٥) شُقُوق، ولا تقل: شُقَاقٌ، إنما الشُّقَاقُ داءٌ يكون بالدوابّ، وهو تَشَقُّقٌ يُصيبُ أَرْساغَها، وربَّما ارتفعَ إلى وَظيفِها، عن يعقوب. والشَّقُّ: الصُّبْح(٦). و((ما)) في قوله: ((لمَا يَتَفَجَّرُ)) في موضع نصب، لأنها اسمُ ((إنَّ) واللام للتأكيد. (منه)) على لفظٍ ((ما))، ويجوزُ: ((منها)) على المعنى(٧)، وكذلك ((وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْه المَاءُ)). وقرأ قتادة: (وإنْ)) في الموضعين، مُخفَّفة مِن الثقيلة(٨). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشَةِ اللَّهُ﴾ يقول: إنَّ من الحجارة ما هو أَنْفَعُ مِن قلوبكم؛ لخروج الماء منها وتَرَدِّیها. قال مجاهد: ما تَردَّی حجرٌ من رأس جبل، ولا تَفَجَّر نهرٌ مِن حجر، ولا خَرَجَ منه ماءٌ إلَّا من خشية الله ، نزل بذلك القرآنُ الكريم. ومثلُه عن ابن جُرَيج (٩). (١) في (ز): يتشقق، وهو خطأ، وفي (د) و(م): تتشقق، والمثبت من (ظ) وهو موافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٢٣٨/١. (٢) في (د): تتشقق. (٣) إعراب القرآن ٢٣٨/١. وما بين حاصرتين منه. (٤) في (د) و(ز) و(م): تتشفَّق، والمثبت من (ظ). (٥) في (م): ورجليه . (٦) الصحاح: (شقق). قوله: وظيفها: هو مستدقُّ الذراع والساق من الخيل والإبل ونحوهما. الصحاح (وظف) . (٧) ذكر الفرَّاء في معاني القرآن ٤٩/١، والنحاس في إعراب القرآن ٢٣٨/١ أن قراءة أُبَيّ: ((وإن من الحجارة لما يتفجر منها الأنهار)). (٨) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٧، والمحتسب ٩١/١. (٩) المحرر الوجيز ١٦٧/١، وأخرجه الطبري ٢/ ١٣٧. ٢٠٩ سورة البقرة : الآية ٧٤ وقال بعض المتكلمين في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَْشَةِ الَّهِ﴾: البَرَدُ الهابطُ من السَّحاب(١). وقيل: لفظَة الهبوط مجَاز، وذلك أنَّ الحجارة لمَّا كانت القلوبُ تَعتَبر بخَلْقِها، وتَخْشَعُ بالنظر إليها، أُضيفَ تواضعُ الناظر إليها، كما قالت العرب: ناقةٌ تاجرةٌ، أي: تَبعثُ مَنْ يَراها على شرائها(٢) . وحكى الطبريُّ(٣) عن فرقة: أنَّ الخشية للحجارة (٤) مُسْتَعارةٌ؛ كما استُعيرت الإرادة للجدار في قوله: ﴿يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، وكما قال زيدُ الخيل: تَرَى الأُكْمَ فیه سُجَّداً للحَوافِرِ (٥) [بِجمْعِ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ وكما قال جرير (٢):] لما أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ وذكر ابنُ بَخْر أنَّ الضمير في قوله تعالى: ((وإنَّ مِنها)) راجعٌ إلى القلوب، لا إلى الحجارة، أي: مِن القلوب لَمَا يخضعُ من خشية الله (٧) . قلت: كلُّ ما قيل يَحتملُه اللفظ، والأوَّل صحيح، فإنَّه لا يمتنعُ أن يُعطيَ بعضَ الجمادات المعرفة (٨) فيَعْقِل، كالذي رُوِيّ عن الجذْعِ الذي كانَ يستندُ إلیه رسول الله ﴿﴿ إذا خَطَب، فلما تَحوَّل عنه حَلَّ(٩). (١) النكت والعيون ١٤٦/١. (٢) المحرر الوجيز ١٦٧/١. (٣) تفسير الطبري ١٣٧/٢، ونقله عنه المصنف بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٧/١، وما بين حاصرتين منه . (٤) قوله: للحجارة ، ليس في (د) و(ظ) . (٥) ديوانه ص٦٦، برواية: منه، بدل: فيه، وسلف ٤٣٤/١. (٦) ديوانه ٩١٣/٢، وهو في الكتاب ٥٢/١. (٧) النكت والعيون ١٤٦/١ . (٨) في (د): المعروفة . (٩) النكت والعيون ١/ ١٤٧، وخبر الجذع أخرجه أحمد (١٤٢٠٦)، والبخاري (٣٥٨٤) من حديث جابر. وأخرجه أحمد (٥٨٨٦)، والبخاري (٣٥٨٣) من حديث ابن عمر. وأخرجه أيضاً أحمد من حديث ابن عباس (٢٢٣٦)، ومن حديث أنس (٢٢٣٧)، ومن حديث أُبيِّ بن كعب (٢١٢٤٨)، رضي الله عنهم أجمعين. ٢١٠ سورة البقرة : الآية ٧٥ وثَبَتَ عنه أنَّه قال: ((إنَّ حَجَراً كانَ يُسَلِّمُ عليَّ في الجاهلية، إنِّي لأَغْرِفه الآن»(١). وكما رُوِيَ أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((قال لي ثَبِير: اهْبِظْ، فإنّي أخافُ أن يقتلوك على ظهري، فيعذّبَني الله، فناداه حِراء: إليَّ يارسولَ الله))(٢). وفي التنزيل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية. وقال: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْبَةِ اَللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] يعني تَذَلَّلاً(٣) وخُضوعاً. وسيأتي لهذا مزِيدُ بيانٍ في ((سبحان))(٤) إن شاء الله تعالى . قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ((بغافلٍ)) في موضع نَصْبٍ على لغةٍ أهلٍ الحجاز، وعلی لغة تمیم في موضع رفع، والباء توکید. ﴿عَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: عن عملكم، حتى لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلَّا يُحصيها(٥) عليكم ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ -٨]. ولا تحتاج ((ما)) إلى عائد إلّا أنْ يجعلَها بمعنى الذي فيُحذَفُ العائدُ لطول الاسم، أي: عن الذي تعملونه(٦). وقرأ ابن كثير: ((يعملون))، بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمَّد عليه السلام(٧). قوله تعالى ﴿أَفَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ فيه أربعُ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿أَفَظَمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾: هذا استفهامٌ فيه معنى الإنكار، (١) أخرجه أحمد (٢٠٨٢٨)، ومسلم (٢٢٧٧) من حديث جابر رضي الله عنه. (٢) أورده البغوي في التفسير ٨٦/١، والقاضي عياض في الشفا ٣٠٨/١. قوله: ثَبِير: جبل بمكة . (٣) في (ز): تذليلاً. (٤) في (م): سورة سبحان، والكلام سيأتي في الآية (٤٤) منها. (٥) في (ز): أحصاها، وهو لفظ الآية . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٩/١. (٧) المحرر الوجيز ١/ ١٦٧. وينظر السبعة ص ١٦٠، والتيسير ص ٧٤. ٢١١ سورة البقرة : الآية ٧٥ كأنه أَيْأَسَهُم من إيمان هذه الفِرْقةِ من اليهود، أي: إنْ كفروا، فلهم سابقةٌ في ذلك. والخطابُ لأصحابِ النبيِّ نَّهِ، وذلك أنَّ الأنصارَ كان لهم حِرْصٌ على إسلام اليهودِ للحِلْفِ والجوار الذي كان بينهم(١). وقيل: الخطابُ للنبيِّ وَّ* خاصَّةً. عن ابن عباس(٢)، أي: لا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيَّاكَ، وأَخبرَه أنَّهم من أهل السُّوء الذين مَضَوْا. و((أنْ)) في موضع نصب، أي: في أَنْ. ((يؤمنوا)): نصب بـ((أن))، ولذلك حُذفت منه النون(٣). يقال: طَمِع فيه طَمَعاً وَطَمَاعِيَةً - مخفَّف - فهو طَمِعٌ، على وزن: فَعِل. وأَظْمَعَهُ فيه غيرُه. ويُقال في التعجُّب: طَمُعَ الرجلُ، بضمُّ الميم، أي: صار كثيرَ الطَّمَع. والطّمَع: رِزْقُ الجُنْد، يقال: أَمَرَ لهم الأميرُ بأطماعهم، أي: بأرزاقِهم. وأمرأةٌ مِظْماع: تُطْمِعُ ولا تُمَكِّنُ (٤) . الثانية: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: الفريقُ: اسمُ جمع، لا واحِدَ له من لفظِهِ، وجمعُه في أدنى العددِ: أَفْرِقَة، وفي الكثير: أفْرِقاء . ﴿يَسْمَعُونَ﴾ في موضع نصب خبر ((كان)). ويجوزُ أن يكونَ الخبرُ ((مِنْهم))، ويكونَ (يسمعون)) نعتاً لـ ((فريق))(٥)، وفيه بُعْدٌ. ﴿كَلَمَ اَللَّهِ﴾ قراءةُ الجماعة. وقرأ الأعمشُ: ((كَلِمَ الله)) على جمع (كَلمة))(٦). قال سيبويه: واعلَمْ أنَّ ناساً من ربيعةً يقولون: ((مِنْهِم))، بكسر الهاء، إتباعاً لكسرةِ الميم، ولم يكن المسكَّنُ حاجزاً حَصِيناً عندهم (٧). ((كلام الله)) مفعولٌ بـ((يَسمعون)). (١) المحرر الوجيز ١٦٧/١. (٢) تفسير أبي الليث ١٣١/١، وزاد المسير ١٠٣/١، وتفسير الرازي ١٣٣/٣. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٩/١. (٤) الصحاح: (طمع) . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٩/١. (٦) القراءات الشاذة ص٧، والمحتسب ٩٣/١، والمحرر الوجيز ١٩٨/١. : (٧) الكتاب ١٩٦/٤. ٢١٢ سورة البقرة : الآية ٧٥ والمرادُ السبعونَ الذين اختارَهم موسى عليه السلام، فسمعُوا كلامَ الله ، فلم يمتثلُوا أَمْرَه، وحَرَّفُوا القولَ في إخبارِهم لقومِهم. هذا قولُ الربيعِ وابنِ إسحاقَ(١). وفي هذا القولِ ضَعْفٌ، ومن قال: إنَّ السبعينَ سَمِعُوا ما سمعَ موسى، فقد أَخطأ، وأَذَهَبَ بفضيلةِ موسى واختصاصِه بالتكليم(٢). وقد قال السُّدِّيُّ وغيرُه: لم يُطيقوا سماعَه، واختلطت أذهانُهم، ورَغِبُوا أن يكون موسى يَسمعُ(٣) ويُعيدهُ لهم، فلما فَرَغوا وخَرَجوا، بدَّلت طائفةٌ منهم ما سَمعت من كلام الله على لسان نبيِّهم موسى عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. فإن قيل: فقد رَوَى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنَّ قومَ موسى سألوا موسى أنْ يَسألَ ربَّه أنْ يُسْمِعَهُم كلامَه، فسمعوا صوتاً كصوتِ الشَّبُّور(٤): ((إِنِّي أنا الله لا إله إلا أنا الحيُّ القيُّوم، أخرجتُكم مِن مصرَ بيدٍ رفيعة، وذراعٍ شديدة))(٥). قلنا(٦): هذا حديثٌ باطلٌ لا يصحُّ، رواه ابنُ مَرْوان(٧) عن الكلبيِّ، وكلاهما ضعيفٌ لا يُحتجُّ به، وإنَّما الكلامُ شيءٌ خُصَّ به موسى مِن بين جميع ولدٍ آدَمَ، فإنْ كان كلَّم قومَه أيضاً حتى أَسمَعَهُم كلامَه، فما فَضْلُ موسى عليهم(٨)، وقد قال وقولهُ الحقُّ: ﴿إِنِّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَِ وَبِكَلَِّى﴾ [الأعراف: ١٤٤]؟ وهذا واضحٌ. (١) النكت والعيون ١/ ١٤٧. وأخرجه بنحوه الطبري ٢/ ١٤١-١٤٢، وابن أبي حاتم ٢٣٥/١ عن أبي العالية والربيع، والبغوي في تفسيره ١/ ٨٧ عن ابن عباس، وابن الجوزي في زاد المسير ١٠٣/١ عن مقاتل، والطبرسي في مجمع البيان ٣١٧/١ عن ابن عباس والربيع. (٢) المحرر الوجيز ١٦٨/١. (٣) في (ظ): سمعه. (٤) الشبُّور - وزن التَّنُّور -: البوق، يقال: هو معرَّب. الصحاح (شبر). (٥) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٦٤، وردّه. (٦) في (م): قلت. (٧) هو محمد بن مروان السُّدي الصغير، متهم بالوضع. ميزان الاعتدال ٣٢/٤. (٨) نوادر الأصول ص٦٤. ٢١٣ سورة البقرة : الآية ٧٥ الثالثة: واختلف الناسُ بماذا عَرَفَ موسى كلامَ الله ، ولم يكن سَمِعَ قَبْلَ ذلك خطابَه، فمنهم من قال: إنه سَمع كلاماً ليس بحروف ولا أصوات(١)، وليس فيه تقطيعٌ ولا نَفَسٌ، فحينئذٍ عَلِمَ أنَّ ذلك ليس هو كلامَ البشرِ، وإنَّما هو كلامُ ربِّ العالمين. وقال آخرون: إنَّه لمَّا سَمع كلاماً لا مِن جهة، وكلامُ البشر يُسمع من جهةٍ من الجهاتِ السِّتِّ، عَلِمَ أنَّه ليس مِن كلامِ البشر. وقيل: إنَّه صار جسدُه كلُّه مسامعَ حتى سَمِعَ بها ذلك الكلامَ، فعَلِمَ أنَّه كلامُ الله . وقيل فيه: إنَّ المعجزةَ دلَّت على أنَّ ما سَمِعَه هو كلامُ الله ، وذلك أنَّه قيل له: أَلْقِ عصاكَ، فَأَلقاها، فصارَتْ ثُعباناً، فكان ذلك علامةً له على صدق الحال، وأنَّ الذي يقولُ له: ﴿إِنَّ أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] هو الله جَلَّ وعَزَّ. وقيل: إنَّه قد كان أَضْمَرَ في نفسِه شيئاً لا يَقفُ عليه إلا علَّامُ الغُيوب، فأخبره الله تعالى في خطابِهِ بذلك الضمير، فعَلِمَ أنَّ الذي يخاطبُه هو الله جلَّ وعَزَّ. وسيأتي في سورة القَصص بيانُ معنى قولهِ تعالى: ﴿نُورِىَ﴾(٢) إن شاء الله تعالی. الرابعة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: هم علماءُ اليهودِ الذين يُحرِّفونَ التوراةَ، فيجعلونَ الحرامَ حلالاً، والحلالَ حراماً، اتِّباعاً لأهوائِهم(٣). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: عَرَفُوه وعَلِموه. وهذا توبيخٌ، أي: إنَّ هؤلاء اليهودَ قد سَلَفَتْ لآبائهم أفاعيلُ سُوءٍ وعِناد، فهؤلاء على ذلك السَّنَن، فكيف تَطمعون في إِیمانهم؟ !. ودَلَّ هذا الكلامُ أيضاً على أنَّ العالِمَ بالحقِّ المعانِدَ فيه بعيدٌ من الرُّشد؛ لأنَّه عَلِمَ الوعدَ والوعيدَ، ولم يَنْهَهُ ذلك عن عِناده(٤). (١) في (م): ليس بحروف وأصوات . (٢) تمامها ﴿مِن شَنْطٍِ الْوَادِ آلْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ﴾ [الآية: ٣٠]. (٣) النكت والعيون ١/ ١٤٧. وأخرج الطبري ١٤١/٢ قول مجاهد، وأخرج ابن أبي حاتم ٣٣٦/١ قول الشُّدِّي. (٤) بنحوه في تفسير الرازي ١٣٦/٣. ٢١٤ سورة البقرة : الآيتان ٧٦ ، ٧٧ قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَكَّجُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ (٣) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسْزُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُواْ ءَامَنَا﴾ هذا في المنافقين. وأصل ((لَقُوا)): لَقِيُوا، وقد تقدَّم(١). ﴿وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الآية في اليهود، وذلك أنَّ ناساً منهم أسلموا ثم نافقُوا، فكانوا يُحدِّثُون المؤمنينَ مِن العرب بما عُذِّبَ به آباؤهم، فقالت لهم اليهودُ: ﴿أَتُّحَدِقُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: حَكّمَ الله عليكم مِن العذابِ، ليقولوا: نحن أَكرمُ على الله منكم. عن ابنِ عباس والسُّدِّيِّ(٢) . وقيل: إنَّ عليًّا لمَّا نازلَ قُرَيْظةَ يومَ خَيْبر، سَمع سَبَّ رسول اللهِصَّهِ، فانصرفَ إليه وقال: يا رسولَ الله ، لا تَبْلُغْ إليهم، وعَرَّضَ له، فقال: ((أَظنُّك سمعتَ شَتْمي منهم، لو رَأَوْني لَكَفُّوا عن ذلك)) ونَهَضَ إليهم، فلما رَأَوْهُ أَمسكُوا، فقال لهم: (نَقَضْتُمْ(٣) العَهْدَ يا إِخوةَ القِرَدةِ والخنازيرِ، أَخزاكم الله، وأنزلَ بكم نقمته))، فقالوا: ماكنتَ جاهلاً يا محمَّد، فلا تَجْهَلْ علينا، مَنْ حَدَّثَكَ بهذا؟! ما خرجَ هذا الخبرُ إلا من عندنا! رُوي هذا المعنى عن مجاهد (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَا﴾ُ الأَصلُ في ((خلا)): خَلَوَ؛ قُلبت الواو ألفاً لتحرُّكها وانفتاحِ ما قَبْلَها (٥). وتقدَّمَ معنى (خَلَوا إلى))(٦) في أوَّل السورة. ومعنى ((فَتَحَ)): حَكْمَ. والفَتْحُ عند العرب: القضاءُ والحُكْم، ومنه قوله تعالى: (١) ٣١٢/١. (٢) النكت والعيون ١٤٨/١-١٤٩. وأخرج الطبريُّ ١٤٨/٢، وابن أبي حاتم ٢٣٩/١ قول السدّي، ولم نقف على قول ابن عباس. (٣) في (م): أنقضتم. (٤) أخرجه الطبري ١٤٨/٢، وابن أبي حاتم ٢٣٨/١. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٩/١. (٦) لم تجوّد اللفظة في النسخ، فقد وقع فيها: خلا وإلى، ووقع في (م): خلا، وسلف الكلام ٣١٣/١. ٢١٥ سورة البقرة : الآيتان ٧٦ ، ٧٧ ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِأَلْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْقَئِينَ﴾ (١) [الأعراف: ٨٩] أي: الحاكمين. والفَتَّاح: القاضي بلغة اليمن، يُقال: بيني وبينك الفَتَّاح. قيل ذلك؛ لأنَّه يَنْصُر المظلومَ على الظّالم، والفَتْحُ: النَّصر، ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتِعُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، وقولهُ: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُوا فَقَدْ جَءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، ويكون بمعنى الفَرْقِ بين الشيئين(٢). قوله تعالى: ﴿لِيُحَآتُوكُمْ﴾ نصب بلام ((كي))، وإنْ شئتَ بإضمار ((أنْ))، وعلامةُ النصب حذفُ النون. قال يونُس: وناسٌ من العرب يفتحون لام ((كي)). قال الأخفشُ: لأنَّ الفَتْحَ الأَصلُ. قال خَلَف الأحمر(٣): هي لغةُ بني العنبر(٤). ومعنى ((لِيُحاجُّوكُم)): لِيُعَيِّرُوكم ويقولوا: نحن أكرم على الله منكم. وقيل: المعنى: لِيحتجُّوا عليكم بقولكم، يقولون: كفرتُم به بعد أن وَقَفْتُم على صدقِه. وقيل : إِنَّ الرجلَ من اليهود كان يَلْقَى صديقه من المسلمين، فيقول له: تَمسَّكْ بدين محمد، فإنَّه نبيِّ حقًّا. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قيل: في الآخرة، كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِنْدَ رَيِّكُمْ تَخَْصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] وقيل: عند ذِكْرٍ ربِّكم. وقيل: ((عند)) بمعنى ((في)) أي: ليُحاجُّوكم به في ربِّكم، فيكونوا أحقَّ به منكم، لظهور الحُجَّة عليكم. رُوي عن الحسن(٥). والحُجَّةُ: الكلامُ المستقيمُ على الإطلاق، ومن ذلك مَحَجَّةُ الطريق. وحاجَجْتُ فلاناً فحَجَجْتُه، أي: غلبتُه بالحُجَّة، ومنه الحديثُ: ((فَحَجَّ آدمُ موسى))(٦). (١) في النسخ الخطية: ثم يفتح بيننا بالحق وهو خير الفاتحين، والمثبت من (م). (٢) ينظر تفسير الطبري ٢/ ١٥٠، والنكت والعيون ١٤٩/١، وتهذيب اللغة ٤٤٥/٤ و٤٤٨. (٣) ابنُ حيان، أبو مُحرز، مولى أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، كان عالماً بالغريب والنحو والنسب والأخبار، شاعراً، كثير الشعر، جيِّدَهُ، صنف كتاب جبال العرب، وما قيل فيها من الشعر. وتعبَّد في آخر عمره، مات في حدود سنة (١٨٠هـ). الشعر والشعراء ٧٨٩/٢. وإنباه الرواة ٣٤٨/١. (٤) إعراب القرآن للنخَّاس ٢٣٩/١ - ٢٤٠. (٥) النكت والعيون ١٤٩/١، وتفسير الرازي ١٣٧/٣. (٦) قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه أحمد (٧٨٥٦)، والبخاري (٤٧٣٧)، ومسلم (٢٦٥٢). ٢١٦ سورة البقرة : الآية ٧٨ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قيل: هو من قولِ الأخبار للأَتْباع، وقيل: هو خطابٌ من الله تعالى للمؤمنين، أي: أفلا تعقلونَ أنَّ بني إسرائيلَ لا يُؤمنون وهم بهذه الأحوال(١). ثم وبَّخَهم توبيخاً يُتْلَى، فقال: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية. فهو استفهامٌ معناه التوبيخُ والتقريعُ. وقَرأ الجمهور: ((يعلمون))، بالياء، وابنُ مُحَيْصِن بالتاء، خطاباً للمؤمنين. والذي أَسَرُّوه كُفرُهم، والذي أعلنوه الجَحْدُ به(٢). قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُّونَ VA فيه أربعُ مسائلَ : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: مِن اليهود(٣). وقيل: من اليهود والمنافقين. (أُمْيُّون)): أي: مَنْ لا يكتبُ ولا يَقرأُ، واحدُهم أُمِّيّ، منسوبٌ إلى الأمَّة الأُميَّة التي هي على أصل ولادات (٤) أمَّهاتِها لم تتعلَّم الكتابةَ ولا قراءتَها، ومنه قولُه عليه السلام: ((إنَّا أُمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نَكتُبُ ولا نَحْسُبُ))(٥). الحديث. وقد قيل لهم: أُميون(٦)؛ لأنَّهم لم يُصَدِّقُوا بأمِّ الكتاب، عن ابنِ عباس(٧). وقال أبو عبيدة: إنَّما قيل لهم أُمُّّون؛ لنزول الكتابِ عليهم، كأنَّهم نُسبوا إلى أمِّ الكتاب(٨)، فكأنَّه قال: ومنهم أهلُ الكتابِ لا يَعلمونَ الكتابَ. (١) المحرر الوجيز ١٦٩/١. (٢) المحرر الوجيز ١٦٩/١، وزاد ابن خالويه نسبة قراءة ((تعلمون)) في القراءات الشاذة ص٧ إلى قتادة. (٣) هو قول أبي العالية، كما أخرجه عنه الطبري ٢/ ١٥٣، وابن أبي حاتم ٢٤٠/١. (٤) في (خ) و(م): ولادة. (٥) أخرجه أحمد (٥١١٧)، والبخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٦) في (خ) و(م): إنهم أميون. (٧) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ١٥٣-١٥٤ بنحوه. (٨) كذا نقل المصنف رحمه الله عن أبي عبيدة، وكذا نقل عنه السمين الحلبي في الدر المصون ٤٤٥/٢، وابن عادل الحنبلي في اللباب ٣٠٣/٢، والذي في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٩٠ أن الأميين هم الذين لم يأتهم الأنبياء بالكتب. ٢١٧ سورة البقرة : الآية ٧٨ عكرمةُ والضخَّاكُ: هم نَصارَى العرب، وقيل: هم قومٌ مِن أهل الكتابِ، رُفع كتابُهم لذنوبِ ارتكبوها، فصارُوا أُمّيِّين. عليٍّ رضي الله عنه: هم المجوسُ(١). قلت: والقولُ الأَوَّلُ أَظهرُ، والله أعلم. الثانية: قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾ ((إلا)) هنا (٢) بمعنى ((لكن))، فهو استثناءٌ مُنقطِعٌ، كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا لَنْبَعَ الَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. وقال النابغة (٣): حلفتُ يميناً غيرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ ولا عِلْمَ إلَّا حُسْنَ ظنٌّ بصاحِبٍ وقَرأَ أبو جعفر وشيبةُ والأعرجُ: ((إلَّا أمانِيَ)) خفيفةَ الياء(٤)، حذفوا إحدى الياءين استخفافاً. قال أبو حاتم: كلُّ ما جاء مِن هذا النحو واحدُه مُشدَّدٌ، فَلَكَ فيه التَّشديدُ والتَّخفيفُ، مثلُ: أَثافي، وأَغاني، وأماني، ونحوه. وقال الأخفش(٥): هذا كما يُقال في جمع مفتاح: مفاتيح ومفاتح، وهي ياءُ الجمع. قال النخَّاس: الحذفُ في المعتلِ أكثرُ، كما قال الشاعر: وهل يَرْجِعُ التسليمَ أو يَكْشِفُ العَمَى ثلاثُ الأثافي والرُّسُومُ البَلَاقِعُ(٦) والأمانيُّ: جمع أُمِنِيَّة، وهي التلاوةُ، وأصلُها: أُمْنُويَة، على وزن: أُفعُولة، (١) المحرر الوجيز ١٦٩/١. (٢) في (خ) و(م): هاهنا. (٣) ديوانه ص ١١٠، وهو في الكتاب ٣٢٢/٢. (٤) المحرر الوجيز ١٦٩/١، وفيه بدل ((الأعرج)): ((نافع في بعض مارُوي عنه)). وزاد نسبتها ابن جني في المحتسب ٩٤/١ إلى الحسن، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧، والنحاس في إعراب القرآن ١/ ٢٤٠. أبو جعفر - وهو يزيد بن القعقاع - من العشرة. وذكر قراءته ابن الجزري في النشر ٢١٧/٢. (٥) معاني القرآن له ١/ ٢٩٧ بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٤٠/١. (٦) إعراب القرآن ٢٤٠/١، والبيت لذي الرُّمَّة، وهو في ديوانه ١٢٧٤/٢ قوله: ثلاث الأثاني: هي الحجارة التي تنصب عليها القِدْر، واحدتها أُثْفِيَّةً. الأغاني ١٨ / ٥٠. وقال أبو نصر الباهلي شارح ديوان ذي الرُّمَّه: ((العَمَى)) هاهنا الجهل. يريد هل ترد السلام أو تكشف الجهل ثلاث الأثاني ؟! و((بلاقع»: لا شيء فیھا. ٢١٨ سورة البقرة : الآية ٧٨ فأُدغمت الواو في الياء، فانكسرتِ النونُ من أجل الياء، فصارت: أُمْنِيَّة، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِلَّ إِذَا تَمَنََّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِيَّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، أي: إذا تلا، أَلقَى الشيطانُ في تلاوته. وقال کعب بن مالك: تَمَنَّى كتابَ الله أَوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَه لَاقى حِمامَ المقَادِرِ(١) وقال آخرُ : ثَمَنَّى كتابَ الله آخرَ لَيْلِهِ تَمَنِّيَ داودَ الزَّبُورَ على رِسْلٍ(٢) والأَّمانيُّ أيضاً: الأكاذيبُ، ومنه قولُ عثمانَ رضي الله عنه: ما تَمنَّيْتُ منذ أَسْلَمْتُ(٣)، أي: ما كَذَبْتُ. وقولُ بعضِ العربِ لابنِ دَأَب(٤) وهو يُحدِّثُ: أهذا شيءٌ رُوِّيْتَهُ، أم شيءٌ تَمنَّيْتَه؟ أي: افتعلْتَه. وبهذا المعنى فسَّر ابنُ عباس ومجاهدٌ ((أمانيّ)) في الآية(٥). والأَمانيُّ أيضاً: ما يَتَمَّنَّه الإنسانُ ويشتَهيه؛ قال قتادة: ((إلا أمانيَّ)) يعني أنَّهم يَتَمَنَّون على الله ماليس لهم(٦). (١) البيت في النكت والعيون ١/ ١٥٠، ومجمع البيان ٣٢٢/١، والمحرر الوجيز ١٦٩/١، والفائق ٣٩٢/٣. (٢) سيرة ابن هشام ٥٣٨/١، ومجمع البيان ١/ ٣٢٢، وصدرُه فيهما: تمنَّى كتاب الله بالليل خالياً. وهو بلفظ المصنف في الدر المصون ٤٤٧/١، واللباب ٢٠٤/٢، واللسان (منى)، والبيت في مرثية عثمان رضي الله عنه. (٣) أخرجه ابن ماجه (٣١١)، والطبراني (١٢٤) بنحوه أطول منه، وأورده ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص٥٥، والطبري في تفسيره ١٥٨/٢، وابن عبد البَرّ في التمهيد ٢٤٣/١٢، والزمخشري في الفائق ٣٥١/١، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٩/١، وابن الأثير في النهاية (منى). (٤) هو عيسى بن يزيد بن بكر الليثي المدني، قال خلف الأحمر: كان يضع الحديث، وقال البخاري وغيره: منكر الحديث. لسان الميزان ٤٠٨/٤. والقصة أوردها الفراء في معاني القرآن ١/ ٥٠، والزمخشري في الكشاف ٢٩٢/١. وابن الأثير في النهاية: (منى) . (٥) تفسير الطبري ١٥٦/٢، وابن أبي حاتم ٢٤٢/١. (٦) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٥٠، والطبري ١٥٦/٢ -١٥٧. وأخرجه أيضاً الطبري، وابن أبي حاتم ٢٤١/١ من قول أبي العالية . ٢١٩ سورة البقرة : الآية ٧٨ وقيل: الأمانيُّ: التقدير؛ يقال: مُنِيَ له، أي: قُدِّرَ، قاله الجوهريُّ(١)، وحكاه ابنُ بحر، وأنشدَ قول الشاعر : حتى تُلاقيَّ ما يَمْنِي لك المَانِي (٢) لا تَأْمَنَنَّ وإنْ أَمْسَيْتَ في حَرَمٍ أي: يُقَدِّرُ لك المقَدِّرُ. الثالثة: قوله تعالى ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ((إنْ)) بمعنى ((ما)) النافية، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِ غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]. و((يَظُنُّون)): يَكذِبون ويَحْدُسون(٣)؛ لأنه(٤) لا عِلْمَ لهم بصحّة ما يتلون، وإنَّما هم مقلّدون لأخبارِهم فیما يقرؤون به. قال أبو بكر الأنباريُّ: وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ يحيى النَّحْويُّ أنَّ العربَ تجعلُ الظنَّ عِلْماً وشَكًا وكَذِباً، وقال: إذا قامت براهينُ العِلْم، فكانت أكثرَ مِن براهينِ الشَّكِّ؛ فالظنُّ يقينٌ، وإذا اعتدلت براهينُ اليقينِ وبراهينُ الشَّكِّ؛ فالظنُّ شكٌّ، وإذا زادت براهينُ الشَّكِّ على براهينِ اليقينِ؛ فالظنُّ كَذِبٌ، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أراد: إلَّا يَكذِبُون. الرابعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: نَعتَ الله تعالى أحبارَهم بأنَّهم يُبدِّلون ويُحرِّفُون، فقال وقولُه الحقُّ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيَدِبِهِمْ﴾ الآية. وذلك أنه لمَّا درسَ الأمرُ فيهم، وساءت رعيَّة علمائهم، وأقبلُوا على الدنيا حِرْصاً وطَمَعاً، (١) الصحاح (منى) . (٢) وقع هذا البيت ضمن عدة أبيات لسويد بن عامر في حديثٍ أخرجه الدولابي في الكنى والأسماء ٨٩/١، والطبراني في الكبير ١٠٤٩/١٩ من حديث أبي مسلم (أو مسلم) الخزاعي أنه كان مع رسول الله ﴿ ومنشدٌ يُنشدُه قولَ سويد بن عامر المصطلقي ... وإسناده ضعيف. وأوردَ البيت ابنُ منظور في اللسان، وأورد عجزه الجوهري في الصحاح (منى). وورد في تهذيب اللغة ٥٣٠/١٥، والنكت والعيون ١/ ١٥٠ بلفظ: حتى تُلاقيّ ما يَمْني لك الماني ولا تقولَنْ لشيءٍ سوف أفعلُه وفي النكت والعيون: تَبَيَّنَ، بدل: تُلاقي. ونسبه ابن منظور في اللسان لأبي قلابة الهُذلي. وانظر الفائق ٣٩٠/٣. (٣) في (ظ): ويحسدون، وفي (م): ويحدثون. (٤) في (ز) و(م): لأنهم. ٢٢٠ سورة البقرة : الآية ٧٩ طلبُوا أشياءَ تَصرفُ وجوهَ الناسِ إليهم، فأخْدَثُوا في شريعتهم وبدَّلُوها، وأَلحقُوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم: هذا مِن عند الله ، لِيَقبلُوها عنهم، فتتأكَّدَ رِیاستُهم، ويَنالُوا به حُطامَ الدُّنيا وأوساخَها. وكان مما أحدثوا فيه أنْ قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُعْنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وهم العرب، أي: ما أَخذنا مِن أموالهِم فهو حِلٌّ لنا، وكان مما أحدثوا فيه أنْ قالوا: لا يَضرُّنا ذَنْبٌ، فنحن أحبَّاؤُه وأبناؤُه، تعالى الله عن ذلك! وإنما كان في التوراة: ((يا أَحبارِي، ويا أبناءَ رُسُلي))، فغيَّروه وكَتبوا: ((يا أَحبَّائي ويا أبنائي))، فأنزلَ الله تكذيبَهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْكَوْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]. فقالت: لن يُعذِّبَنا الله، وإن عذَّبنا، فأربعينَ يوماً مقدارَ أيامِ العِجْل، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا تَعْدُوَّةٌ قُلْ أَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا﴾. قال ابن مِقْسَم (١): يعني توحيداً؛ بدليل قولهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] يعني ((لا إله إلا الله)) ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهٌُ أَمْ نَغُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ثم أَكذبَهُم، فقال: ﴿بَلَ مَن كَسَبَ سَيِّئَةُ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَتَتُهُ فَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠، ٨١]. فَبَيَّنَ تعالى أنَّ الخلودَ في النارِ والجنةِ إنَّما هو بِحَسَبِ الكُفْرِ والإيمان، لا بما قالوه. قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندٍ. اَللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَثَبَتْ أَبْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّنَا يَكْسِبُونَ فیه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾ اختُلِفَ في الوَيْلِ ما هو، فَرَوَى عثمانُ بنُ عقَّان، عن النبيِّ وَّ أنَّه جبلٌ مِن نار(٢)، وروى أبو سعيد الخدرِيُّ أنَّ الويلَ وادٍ في جهنّم بين (١) المغيرة بن مقسم الضبي مولاهم، الكوفي، الأعمى، الفقيه، أبو هشام، مات سنة (٣٣٠هـ)، وقيل غير ذلك، روى له أصحاب الكتب الستة. سير أعلام النبلاء ٦/ ١٠. (٢) أخرجه الطبري ١٦٤/٢ و١٦٧ وذكره ابن كثير في تفسير الآية ٧٩، وقال: غريب جداً، وقال ابن رجب في التخويف من النار ص٨٢: في إسناده نظر .