Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
سورة البقرة : الآية ٥٨
كما انتَفضَ السَّلواةُ من بلَلِ القَطْر(٣)
وإني لتَعروني لذِكْراك(١) هِزَّةٌ(٢)
وقال الكسائيُّ: السَّلْوى واحدةٌ، وجمعه سَلاوَى(٤).
السادسة: ((السَّلْوَى)) عطفٌ على ((المنّ))، ولم يَظهر فيه الإعرابُ لأنه مقصورٌ،
ووجَبَ هذا في المقصور كلِّه، لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألفٌ. قال الخليل:
والألفُ حرف هوائيٌّ لا مستقَرَّ له، فأشبه الحركةَ، فاستحالت حركتُه. وقال الفرَّاء:
لو حُرِّكت الألفُ صارت همزةٌ(٥).
السابعة: قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ ((كلوا)) فیه حذف، تقدیرہ:
وقلنا: كلوا، فَحُذِف اختصاراً لدلالة الظاهر عليه. والطيباتُ هنا قد جَمَعت الحلالَ
واللذيذ(٦).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ يقدَّر قبله: فعَصوْا ولم يُقابِلُوا النِّعَمَ
بالشكر(٦). ﴿وَلَكِنْ كَانُّواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لمقابلتهم النِّعَمَ بالمعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ
اٌلْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
فيها (٧) تسع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ حُذفت الألف من ((قلنا))
(١) في (ز) و(م) لذكرك، والمثبت من (د) و(ظ) وهو الموافق للمصادر.
(٢) في النسخ سلوة، والمثبت من (م).
(٣) البيت لعبد الله بن سلم السهمي الهذلي أبي صخر، من شعراء الدولة الأموية، وهو في الخزانة ٢٥٤/٣،
وشرح المفصل ٦٧/٢، والإنصاف ٢٥٣/١، وعندهم: العصفور بدل السلواة. وعند بعضهم: نفضة،
بدل : هزة.
(٤) المحرر الوجيز ١٤٩/١.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/١.
(٦) المحرر الوجيز ١٤٩/١.
(٧) في (م): فيه.

١٢٢
سورة البقرة : الآية ٥٨
لسكونها وسكون الدَّال بعدها، والألف التي يُبتدأ بها قبل الدال ألفُ وصلٍ؛ لأنه من
(يدخل))(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: المدينة، سُمِّيت بذلك لأنها تقَرَّت،
أي: اجتمعتْ، ومنه: قَرَيْتُ الماء في الحوض، أي: جمعتُه(٢)، واسمُ ذلك الماء:
قِرّى، بكسر القاف، مقصورٌ. وكذلك ما قُرِيَ به الضيف، قاله الجوهري(٣). والمِقْراة
للحوض(٤). والقَرِيُّ لمَسِيل الماء. والقَرَا للّهْر، ومنه قوله:
لاحِقِ بَطْنٍ بِقَراً سَمِينٍ(٥)
والمَقارِي: الجِفَان الكبار، قال:
عِظامُ المَقَاري ضيفُهم لا يُفَزَّع(٦)
وواحد المَقَارِي: مِقْراة، وكلَّه بمعنى الجمع، غير مهموز. والقِرِيةُ - بكسر القاف -
لغة اليمن.
واختُلفَ في تعيينها، فقال الجمهور: هي بيتُ المَقْدس. وقيل: أرِيحاءُ من بيت
المقدس.
قال عمر بن شَبَّةً: كانت قاعدةً ومسكّنَ ملوك(٧). ابنُ كَيْسان: الشام.
الضخَّاك(٨): الرَّمْلةُ والأُرْدُنُّ وفلسطينُ وتَدْمُرُ(٩). وهذه نعمةٌ أخرى، وهي أنه أباح
لهم دخول البلدة، وأزال عنهم التِّيه.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٨/١.
(٢) المحرر الوجيز ١٤٩/١.
(٣) الصحاح: (قرأ).
(٤) في (ظ): الحوض.
(٥) الرجز لحميد الأرقط، وقبله: لا خَطِلِ الرَّجْعِ ولا قَرونٍ، وهو في الكتاب ١٩٧/١، والمقتضب
١٥٩/٤، وشرح المفصل ٨٥/٦، واللسانَ (رَزن). قال ابن يعيش: اللاحق: الضامر، وحقيقته أن
يلحق بطنه ظهره ضمراً، ثم نفى أن يكون ضمره من هزال، فقال: بِقّراً سمين.
(٦) لم نقف على قائله، وأورده الطبرسي في مجمع البيان ١/ ٢٦١، وعنده: جارهم، بدل: ضيفهم.
(٧) المحرر الوجيز ١٤٩/١، وينظر تفسير الطبري ٧١٢/١-٧١٣.
(٨) في (ز) و(ظ): قال ابن كيسان ... قال الضحاك.
(٩) قصص الأنبياء للثعلبي ص ٢٣٨، وتفسير البغوي ١/ ٧٦.

١٢٣
سورة البقرة : الآية ٥٨
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا﴾ إباحة. و﴿رَغَدًا﴾ كثيراً واسعاً، وهو نعتٌ
لمصدر محذوف، أي: أكْلاً رَغَداً. ويجوز أن يكون في موضع الحال، على ما
تقدَّم(١). وكانت أرضاً مباركة عظيمة الغَلَّة، فلذلك قال: ((رَغَدًا))(٢).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُبَدًا﴾ الباب يُجمع أبواباً، وقد قالوا:
أبوِبة للازدواج، قال الشاعر:
هنَّاكِ أخبيةٍ ولَّاجِ أبْوِيةٍ يَخْلِطُ بالجِدِّ منه البِرَّ واللِّينا(٣)
ولو أفردَه لم يَجُزْ. ومثله قولُه عليه السلام: ((مرحباً بالقوم - أو بالوفد - غير خَزَايا
ولا نَدامَى))(٤). وتبؤَّبتُ بوَّاباً: اتخذتُه. وأبوابٌ(٥) مبوَّبَة، كما قالوا: أصنافٌ مصنَّفة.
وهذا شيءٌ من بابَتِك، أي: يصلح لك(٦).
وقد تقدَّم معنى السجود(٧)، فلا معنى لإعادته، والحمد لله.
والباب الذي أُمِروا بدخوله هو بابٌ في بیت المقدس، يُعرفُ الیوم بـ ((باب
حِطَّة))، عن مجاهد وغيره. وقيل: باب القُبَّة(٨) التي كان يصلِّي إليها موسى وبنو
إسرائيل .
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٨/١، وقد تقدم ١/ ٤٦١.
(٢) المحرر الوجيز ١٤٩/١.
(٣) في (م): يخلط بالبر منه الجد واللينا. وقد اختلف في قائله، فقيل: ابن مُقْبل، كما في الصحاح:
(بوب)، وقيل: هو القُلاخ بن حُبّاب أحد بني حَزْن بنِ مِنْقَر، كما في الاقتضاب ص ٤٧٢، وهو في
ذيل ديوان ابن مقبل ص ٤٠٦. قال في اللسان (بوب): إنما قال: أبوبة، للازدواج، لمكان: أخبية.
اهـ وازدواج الكلام: شبهُ بعضه بعضاً في السجع أو الوزن. المعجم الوسيط (زوج).
(٤) أخرجه أحمد (٢٠٢٠)، والبخاري (٥٣) و(٨٧) و(٤٣٦٨)، ومسلم (٢٤) من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما. قولُه: ولا ندامى؛ نقل الحافظ ابن حجر في الفتح ١٣١/١ عن الخطابي قال: كان
أصله ((نادمين)) جمع ((نادم)) لأن ((ندامى)) إنما هو جمع («ندمان)) أي: المنادم في اللهو، ولكنه هنا خرج
على الإتباع.
(٥) في النسخ: وأبواباً، والمثبت من (م).
(٦) الصحاح: (بوب).
(٧) ٢٦/٢.
(٨) في (د): القبلة.

١٢٤
سورة البقرة : الآية ٥٨
و﴿سُجَّدًا﴾ قال ابن عباس: مُنْحَنين ركوعاً. وقيل: متواضعين خضوعاً لا على
هيئةٍ متعيِّنة(١).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ﴾ عطف على: ادخلوا. و﴿حِظَةٌ﴾ بالرفع قراءة
الجمهور، على إضمار مبتدأ، أي: مسألتُنا حِظَّةٌ، أو يكون حكايةً. قال الأخفش:
وقُرئتْ ((حِظَّةً)) بالنصب، على معنى: اخْطُطْ عنا ذنوبنا حِظَّةً(٢). قال النحاس(٣):
الحديثُ عن ابن عباس أنه قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله (٤). وفي حديثٍ آخرَ عنه قیل
لهم: قولوا: مغفرةٌ(٥)، تفسيرٌ للنصب، أي: قولوا شيئاً يحظُ ذنوبَكم، كما يقال: قلْ
خيراً. والأئمة من القرَّاء على الرفع، وهو أَوْلى في اللغة؛ لما حُكيَ عن العرب في
معنى («بدَّلَ))، قال أحمد بن يحيى(٦): يقال: بدَّلتُه، أي: غيَّرتُه ولم أُزِلْ عَيْنَه.
وأبدلتُه: أزلتُ عينَه وشخصه، كما قال(٧):
عزلَ الأمير للأمير المُبْدَل
وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَلَنَا آَتْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدَِّةُ﴾
[يونس: ١٥]. وحديث(٨) ابن مسعود قالوا: ((حِنْطَة))(٩) تفسيرٌ على الرفع. هذا كلُّه قول
النحاس.
(١) المحرر الوجيز ١٤٩/١ - ١٥٠، وقول مجاهد وابن عباس أخرجهما الطبري ٧١٤/١.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٢٦٩/١، والقراءة المذكورة هي لابن أبي عبلة، ذكرها ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص٥.
(٣) إعراب القرآن ٢٢٨/١.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٧١٧، من طريق حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن
عكرمة، وأخرجه أيضاً البيهقي في الأسماء والصفات ٢٧١/١ من الطريق المذكورة غير أنه قال: عن
عكرمة عن ابن عباس. اهـ. وحفص بن عمر العدني ضعيف، والحكم بن أبان: صدوق له أوهام.
(٥) أخرجه الطبري ٧١٨٢٧١٧/١، والحاکم ٢/ ٢٦٢، وصححه.
(٦) هو ثعلب، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٢٢٨/١.
(٧) هو أبو النجم العجلي، والرجز في ديوانه ص ٢٠٤، وفي معاني القرآن للفراء ٢٥٩/٢.
(٨) في النسخ الخطية: ولحديث، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس.
(٩) في (د) و(م): حطة، والمثبت من (ز)، وهو الصواب. وخبر ابن مسعود أخرجه الطبري ٧٢٥/١،
والطبراني في الكبير (٩٠٢٧)، ولفظه: حنطة حمراء فيها شعيرة.

١٢٥
سورة البقرة : الآية ٥٨
وقال الحسن وعكرمة: ((حِطّة)) بمعنى: حُطّ ذنوبَنا، أُمِروا أن يقولوا: لا إله
إلا الله؛ ليَحُطَّ بها ذنوبَهم(١).
وقال ابن جبير: معناه الاستغفار(٢). أبان بن تَغْلِب(٣): التوبة، قال الشاعر:
فاز بالحِظّة التي جَعَلَ اللّهُ بها ذَنْبَ عبدِه مغفورا(٤)
وقال ابن فارس في «المُجْمَل»(٥): ((حِظَّة)» كلمةٌ أُمِرَ بها بنو إسرائيلَ، لو قالوها
لحُطّت أوزارهم. وقاله الجوهري أيضاً في ((الصحاح)) (٦).
قلت: يحتمل أن يكونوا تُعُبِّدوا بهذا اللفظِ بعينه، وهو الظاهر من الحدیث؛ روى
مسلمٌ(٧) عن أبي هريرةً قال: قال رسول الله وَّر: ((قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب
سُجَّداً، وقولوا حِظّةٌ يغفر لكم خطاياكم [فبدّلوا] فدخلوا الباب يَزْحَفُون على أستاهِهم
وقالوا: حَبّة في شَعَرة)). وأخرجه البخاري(٨) وقال: ((فبدَّلُوا وقالوا: حِطّةٌ حبّةٌ في
شَعَرة). في غير ((الصحيحين)): ((حنطةٌ في شَعَر))(٩). وقيل: قالوا: هِظَّا سُمْهاثا. وهي
لفظةٌ عبرانية، تفسيرها: حنطةٌ حمراءُ، حكاها ابن قتيبة(١٠)، وحكاه الهروي عن
السُّدِّيِّ ومجاهد. فكان(١١) قَصْدُهم خلافَ ما أمرهم الله به، فعصَوا وتمرَّدوا
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧، وتفسير الطبري ٧١٧/١.
(٢) أخرج الطبري ٧١٦/١ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: وقولوا حطة، قال: أمروا أن
يستغفروا.
(٣) أبو سعد، وقيل: أبو أمية، الرَّبعي، الكوفي، الشيعي، المقرئ، وبدعته خفيفة، روى له الجماعة
إلا البخاري. توفي سنة (١٤١هـ). السير ٣٠٨/٦.
(٤) لم نقف على قائله، وأورده أبو حيان في البحر ٢١٧/١.
(٥) ٢١٤/١.
(٦) مادة (خطط).
(٧) رقم (٣٠١٥) وما بين حاصرتين منه، وهو عند البخاري (٣٤٠٣) (٤٦٤١)، وأحمد (٨٢٣٠).
(٨) رقم (٤٤٧٩).
(٩) أخرجه أحمد (٨١١٠) وعنده: شعرة، والطبري ٧٢٤/١، وعنده: شعيرة.
(١٠) في تفسير غريب القرآن ص ٥٠، وأخرجه الطبري ٧٢٥/١ وابن أبي حاتم (٥٩٣) عن ابن مسعود
رضي الله عنه موقوفاً.
(١١) في (م): وكان.

١٢٦
سورة البقرة : الآية ٥٨
واستهزؤوا، فعاقبهم الله بالرِّجْز، وهو العذاب. قال ابن زيد: كان طاعوناً أهلك منهم
سبعين ألفاً (١).
ورُوِيَ أن الباب جُعِل قصيراً ليدخلوه رُكَّعاً، فدخلوا(٢) مُتَوَرِّكين على
أَسْتاهِهم (٣). والله أعلم.
السادسة: استَدلَّ بعضُ العلماء بهذه الآية على أنَّ تبديل الأقوال المنصوص
عليها في الشريعة لا يخلُو أن يقع التعبُّد بلفظها أو بمعناها، فإن كان التعبُّد وقع
بلفظها، فلا يجوز تبديلُها، لذمِّ الله تعالى من بَدَّلَ ما أمرَه بقوله، وإن وقع بمعناها
جاز تبديلُها بما يؤدِّي إلى ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلُها بما يَخْرج عنه (٤).
وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فحُكِيَ عن مالك والشافعيِّ وأبي حنيفة
وأصحابهم أنه يجوزُ للعالم بمواقع الخطابِ البصير بآحاد كلماته نقلُ الحديث
بالمعنى، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله، وهو قول الجمهور(٥).
ومنَعَ ذلك(٦) جمعٌ كثير من العلماء، منهم ابنُ سِيرين، والقاسمُ بن محمد،
ورجاء بن حَيْوَةُ(٧). وقال مجاهد: انْقُصْ من الحديث إن شئتَ ولا تَزِدْ فيه. وكان
مالك بن أنس يُشَدِّد في حديث رسول الله وَّه في التاء والياء ونحوِ هذا (٨).
وعلى هذا جماعةٌ من أئمة الحديث لا يَرَوْن إبدال اللفظ ولا تغييرَه حتى إنهم
يسمعون ملحوناً ویعلمون ذلك ولا يُغيِّرونه.
(١) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ١٥١، والبغوي في التفسير ٧٦/١ ولم ينسبه.
(٢) في (م): فدخلوه.
(٣) أخرجه الطبري ٧٢٤/١، والحاكم ٢/ ٢٦٢، عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً. وقال: صحيح
على شرط مسلم.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢١/١.
(٥) ينظر إكمال المعلم ٩٤/١، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص ٣٠٠.
(٦) في (ظ): ومنع من ذلك.
(٧) أبو نصر الكندي، الفقيه، الوزير العادل، من جلة التابعين، توفي سنة (١١٢ هـ). السير ٤ / ٥٥٧.
(٨) تنظر الأقوال في المحدّث الفاصل (٦٩١) (٦٩٢) (٦٩٣) (٧١٤) (٧١٥)، والكفاية في علم الرواية
ص ٢٧٥ و٢٨٤ و٢٨٩ و٣١١، والإلماع ص ١٧٩، وجامع بيان العلم ص ١٠٤ - ١٠٥.

١٢٧
سورة البقرة : الآية ٥٨
وروى ابن أبي مِجْلَز(١) عن قيس بن عُبَاد، قال: قال عمر بن الخطاب: مَنْ سَمِعَ
حديثاً فحدَّث به كما سمع، فقد سَلِمَ. وروى نحوه عن عبد الله بن عمرو، وزيد بن أرقم.
وكذا الخلاف في التقديم والتأخير، والزيادة والنُّقصان، فإن منهم من يَعتدُّ
بالمعنى ولا يعتدُ باللفظ، ومنهم من يشدِّد في ذلك ولا يفارق اللفظ (٢)، وذلك هو
الأحوط في الدِّين والأتقى والأَوْلى، ولكنَّ أكثر العلماء على خلافه.
والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وذلك أن المعلوم من سيرة
الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يَرْؤُون الوقائعَ المتحدةَ بألفاظ مختلفة، وما ذاك
إلا أنهم كانوا يَصْرِفون عنايَتَهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ولا كَتْبَها .
ورُوِيَ عن واثلةَ بنِ الأَسْفَع(٣) أنه قال: ليس كلُّ ما أخبرَنا به رسولُ اللهِّ نقلناه
إليكم، حَسْبُكم المعنى. وقال قتادة عن زُرارَة بن أَوْفى(٤): لقيتُ عِدَّة من أصحاب النبيِّ
وَّة، فاختلفوا عليَّ في اللفظ، واجتمعوا في المعنى. وكان النَّخَعِيُّ والحسن والشَّعبيُّ
رحمهم الله يأتون بالحديث على المعاني. وقال الحسن: إذا أصبتَ المعنى أجزأَكَ(٥).
وقال سفيان الثوريُّ رحمه الله: إذا قلت لكم: إني أحدِّثكم كما سمعتُ فلا تصدِّقوني،
إنما هو المعنى(٦). وقال وكيع رحمه الله: إن لم يكن المعنى واسعاً، فقد هلك الناس (٧).
(١) واسمه الرُّديني، ووقع في النسخ: وروى أبو مجلز، وهو خطأ، واسم أبي مجلز لاحق بن حميد.
والخبر أخرجه الرامهرمزي في المحدِّث الفاصل (٧٠١)، وأخرجه من طريقه الخطيبُ البغدادي في
الكفاية ص ٢٦٧، وسقط من مطبوعه اسم قيس بن عباد.
(٢) المحدِّث الفاصل (٦٨٠).
(٣) من أصحاب الصُّفَّة، أسلم سنة تسع، وشهد غزوة تبوك، وهو آخر من مات من الصحابة بدمشق سنة
(٨٣هـ). السير ٣٨٣/٣.
(٤) العامري، كنيته أبو حاجب، قاضي البصرة، توفي وهو في صلاة الصبح سنة (٩٣هـ)، وكان يقرأ:
نُقِرَ فِى النَّافُورٌ﴾ السير ٥١٥/٤.
(٥) في (ظ): إذا أصيب المعنى أجزأه.
(٦) أخرج الأقوال السابقة (أو بعضها) الرامهر مزي في المحدث الفاصل (٦٨٥) (٦٨٦) (٦٨٩) (٦٩١)
(٦٩٢) (٦٩٤) (٦٩٨)، والخطيب البغدادي في الكفاية ص ٢٨٤ و٣٠٨ و٣١١ و٣١٢، وابن عبد البر
في جامع بيان العلم ص ١٠٢ و١٠٤. وينظر تدريب الراوي ٩٩/٢ - ١٠٠.
(٧) أورده السيوطي في تدريب الراوي ١٠١/٢، ونسبه للبيهقي في المدخل.

١٢٨
سورة البقرة : الآية ٥٨
واتفق العلماء على جواز نقلِ الشرع لِلعَجَم بلسانهم وترجمته لهم، وذلك هو
النقلُ بالمعنى، وقد فعلَ اللهُ ذلك في كتابه فيما قصَّ من أنباء ما قد سلف، فقَصَّ
قِصصاً ذكَرَ بعضَها في مواضعَ بألفاظِ مختلفة، والمعنى واحدٌ، ونقَلَها من ألسنتهم إلى
اللسان العربيٍّ، وهو مخالفٌ لها في التقديم والتأخير، والحذفِ والإلغاء، والزيادةِ
والنُّقصان. وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية، فَلأَنْ يجوزَ بالعربية أَوْلى. احتجَّ بهذا
المعنى الحسنُ والشافعيُّ(١)، وهو الصحيح في الباب.
فإن قيل: فقد قال النبي وَّهِ: (نَضَّرَ اللهُ امْرَأَ سمعَ مَقالتي فبلَّغَها كما سَمِعَها)).
وذكر الحديث(٢). وما ثبت عنه وَلَ﴾ أنه أمرَ رجلاً أن يقول عند مَضْجَعه في دعاءٍ
علَّمه: ((آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، ونبيِّك الذي أرسلت)) فقال الرجل: وبرسولِك
الذي أرسلتَ، فقال النبيُّ وَله: ((وينبيِّك(٣) الذي أرسلت))(٤). قالوا: أفلا ترى أنه لم
يسوِّغ لمن علَّمه الدعاء مخالفةً اللفظ، وقال: ((فأدَّاها كما سمعها)»؟
قيل لهم: أما قوله: ((فأدَّاها كما سمعها))؛ فالمراد حكمُها لا لفظُها، لأن اللفظ
غير معتبر(٥) به. ويدلُّك على أن المراد من الخطاب حكمُه قولُه: ((فرُبَّ حامل فقهٍ غير
فقيه، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقّهُ منه)).
ثم إن هذا الحديثَ بعينه قد نُقِل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، وإن أمكن أن
يكون جميعُ الألفاظ قولَ النبيِّ وَّ في أوقاتٍ مختلفة، لكنَّ الأغلبَ أنه حديثٌ واحد
نُقل بألفاظ مختلفة، وذلك أدلُّ دليل على الجواز.
(١) المحدث الفاصل (٦٨١).
(٢) أخرجه أحمد (٤١٥٧)، والترمذي (٢٦٥٧) و(٢٦٥٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. قال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه أحمد (٢١٥٩٠)، وأبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦) وحسنه، من حديث زيد بن ثابت
رضي الله عنه. وأخرجه أحمد (١٣٣٥٠) وابن ماجه (٢٣٦) من حديث أنس رضي الله عنه. وأخرجه
أحمد (١٦٧٣٨)، من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه.
(٣) في (د) و(ظ) و(م): ورسولك الذي أرسلت ... ونبيك الذي أرسلت، والمثبت من (ز)، وهو الموافق
للمحدث الفاصل ص ٥٣١، ومنه نقل.
(٤) أخرجه أحمد (١٨٥٨٨) والبخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.
(٥) في (م): معتد.

١٢٩
سورة البقرة : الآية ٥٨
وأما ردُّه عليه السلامُ الرجلَ من قوله: وبرسولك، إلى قوله: ((وبنبيك(١))، فإن
النبي(٢) أمدحُ، ولكلِّ نعتٍ من هذين النعتين موضعٌ. ألا ترى أن اسمَ الرسول يقع
على الكافَّة، واسمَ النبيِّ لا يستحقُّه إلا الأنبياء عليهم السلام؟ وإنما فُضِّل المرسَلون
من الأنبياء لأنهم جمعوا النبؤَّة والرسالةَ. فلما قال: ((ونبيِّك))، جاء بالنعت الأمدَح،
ثم فيَّدَه بالرسالة بقوله: ((الذي أرسلت)).
وأيضاً؛ فإنَّ نقْلَه من قوله: ورسولِك، إلى قوله: ((ونبيِّك))؛ ليجمع بين النبوّة
والرسالة. ومستقبَحٌ في الكلام أن تقول: هذا رسولُ فلانٍ الذي أرسله، وهذا قتيلُ
زيدٍ الذي قتله؛ لأنك تجتزئ بقولك: رسول فلان، وقتيل فلان، عن إعادة المرسل
والقاتِل؛ إذ كنت لا تُفيد به إلا المعنى الأوَّل. وإنما يحسُنُ أن تقول: هذا رسولُ
عبدِ الله الذي أرسله إلى عمرو، وهذا قتيلُ زيدٍ الذي قتله بالأمس، أو في وقعةِ كذا.
والله وليُّ التوفيق (٣).
فإن قيل: إذا جاز للراوي الأوّلِ تغييرُ ألفاظ الرسول عليه السلام، جاز للثاني
تغييرُ ألفاظِ الأوَّل، ويؤدِّي ذلك إلى طمس الحديث بالكلِّيَّة لدقَّةِ الفروق وخفائها.
قيل له: الجوازُ مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا، فإن عُدِمَتْ لم يَجُز.
قال ابن العربيٍّ: الخلاف في هذه المسألة إنما يُتَصوَّر بالنظر إلى عصر الصحابة
والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجبلِية الذَّوقية، وأما من بعدهم، فلا نشُكُ(٤) في
أن ذلك لا يجوز، إذ الطَّباعُ قد تغيَّرت، والفُهومُ قد تبايَنَتْ، والعوائد قد اختلفت،
وهذا هو الحقُّ(٥). والله أعلم.
قال بعضُ علمائنا: لقد تعاجَمَ ابنُ العربيِّ رحمه الله، فإنَّ الجوازَ إذا كان
(١) في (د) و(ظ) و(م): ورسولك إلى قوله: ونبيك، والمثبت من (ز) وهو الموافق للمحدث الفاصل.
(٢) في (ز): فإن لفظ النبي، وفي (م) لأن لفظ النبي، والمثبت من (د) و(ظ)، وهو الموافق للمحدث
الفاصل، ووقع في (ظ) و(م) وهامش (ز) زيادة: وَّه، ولا داعي لها.
(٣) المحدث الفاصل ص ٥٣١ - ٥٣٢.
(٤) في (د) و(ز): فلا يشك، وفي (ظ): شك، والمثبت من (م).
(٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢٢/١.

١٣٠
سورة البقرة : الآية ٥٨
مشروطاً بالمطابقة، فلا فرقَ بين زمنِ الصحابة والتابعين وزمنٍ غيرهم؛ ولهذا لم
يفصِّل أحدٌ من الأصوليين ولا أهلِ الحديث هذا التفصيلَ. نعم، لو قال: المطابقةُ في
زمنه أبعدُ، كان أقربَ، والله أعلم.
السابعة: قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾ قراءةُ نافع بالياء مع ضَمِّھا. وابن
عامر (١) بالتاء مع ضمِّها، وهي قراءةُ مجاهد. وقرأها الباقون بالُّون مع نصبها(٢)،
وهي أبْيَنُها؛ لأنَّ قَبْلَها: ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُواْ﴾ فجرى (نَغْفِرْ)) على الإخبار عن الله تعالى،
والتقدير: وقلنا: ادخلوا البابَ سُجَّداً نغفرْ، ولأنَّ بعده: ((وسَنَزِيدُ)) بالنون.
و((خطاياكم)) اتباعاً للسواد، وأنه على بابه(٣).
ووجهُ مَن قرأ بالتاء أنه أنَّث لتأنيث لفظ الخطايا؛ لأنها(٤) جمعُ خطيئة على
التكسير. ووجهُ القراءة بالياء أنه ذكَّر لمَّا حالَ بين المؤنَّث وبين فعله، على ما تقدَّم في
قوله: ﴿فَلَفََّ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمٍَ﴾(٥). وحَسُن الياءُ والتاءُ وإن كان قبله إخبارٌ عن الله
تعالى في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾؛ لأنه قد عُلِم أن ذنوبَ الخاطئين لا يغفرُها إلا اللهُ
تعالى، فاستُغنِي عن النون، وردَّ الفعل إلى الخطايا المغفورة(٦).
الثامنة: واختُلِف في أصل الخطايا جمعُ خطيئةٍ، بالهمز(٧)، فقال الخليل(٨):
الأصلُ في ((خطايا)) أن يقول: خطابِئ، ثم قُلب، فقيل: خطائي، بهمزة بعدها ياء،
ثم تُبدِلُ من الياء ألفا بدلاً لازماً، فتقول: خطاءا، فلما اجتمعت ألفان بينهما همزةٌ
والهمزةُ من جنس الألف. صِرتَ كأنك جمعت بين ثلاث أَلِفات، فأبدَلْتَ من الهمزة
(١) في (ز): قراءة نافع ومن تابعه من أهل المدينة ... وابن عامر ومن تابعه من أهل الشام.
(٢) السبعة في القراءات ص ١٥٦، والتيسير للداني ص ٧٣، وقراءة مجاهد ذكرها النحاس في إعراب
القرآن ٢٣٠/١.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٣٠/١.
(٤) في (ز) و(ظ): لأنه.
(٥) ٤٨٤/١ - ٤٨٥ .
(٦) الكشف عن وجوه القراءات ٢٤٣/١.
(٧) في (م): بالهمزة.
(٨) العين ٢٩٢/٤، ونقله بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٢٩/١.

١٣١
سورة البقرة : الآية ٥٩
ياءً، فقلت: خطايا. وأما سيبويه(١): فمذهبُه أن الأصل مثلُ الأوَّل: خطابِئ، ثم
وجب بهذه أن تهمزَ الياء كما همزْتَها في ((مدائنَ)) فتقول: خطائئ، ولا تجتمعُ همزتان
في كلمة، فأبدَلْتَ من الثانية ياءً، فقلت: خطائي، ثم عملْتَ كما عملتَ في الأول.
وقال الفرّاء: خطايا جمعُ خطيّة، بلا همز، كما تقول: هديّة وهدایا.
قال الفراء: ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت: خطاءا. وقال الكسائي: لو
جمعْتَها مهموزةً أدغمتَ الهمزة في الهمزة، كما قلتَ: دوابٌ(٢).
التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: في إحسان مَن لم يعبد العجل.
ويقال: يَغْفِرُ خطايا مَن رفع المنَّ والسَّلْوَى للغد، وستَزيدُ في إحسان من لم يرفع للغد.
ويقال: يغفرُ خطايا مَن هو عاصٍ، وسيزيد في إحسان من هو مُحسنٌ (٣)، أي:
نزيدُهم إحساناً على الإحسان المتقدِّم عندهم.
وهو اسم فاعل من أحسَنَ، والمحسن: مَن صَحَّح عَقْدَ توحيدِه، وأحسنَ سياسةً
نفسِه، وأقبلَ على أداء فرائضه، وكفى المسلمين(٤) شرَّه. وفي حديث جبريل عليه
السلام: ما الإحسان؟ قال: ((أنْ تَعْبُدَ الله كأنك تراه، فإنْ لم تَكُنْ تراهُ، فإنه يَراك»
قال: صدقت. وذكر الحديث. خرَّجه مسلم(٥).
قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَزَّلْنَا عَلَى الَّذِينَ
٥٩٦
ظَلَمُواْ رِجْزًّا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
فیه أربعُ(٦) مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا﴾ ((الذين)) في موضع رفع، أي:
فبدَّلَ الظالمون منهم قولاً غيرَ الذي قيل لهم. وذلك أنه قيل لهم: قولوا حِطّة، فقالوا:
(١) الكتاب ٥٥٣/٣، ونقله بواسطة النحاس أيضاً ٢٢٩/١.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٩/١ - ٢٣٠.
(٣) تفسير أبي الليث ١/ ١٢٢.
(٤) في (ظ): أداء فريضة الله تعالى وكفى الناس.
(٥) برقم (٨) من حديث عمر رضي الله عنه، وهو عند أحمد (١٨٤).
(٦) في (ز): خمس، وفي (ظ): ثلاث.

١٣٢
سورة البقرة : الآية ٥٩
حنطة - على ما تقدم - فزادوا حرفاً في الكلام، فلَقُوا من البلاء ما لقُوا، تعريفاً (١) أنَّ
الزيادةَ في الدِّين والابتداعَ في الشريعة عظيمةُ الخطر، شديدةُ الضَّرر. وهذا في تغيير
كلمةٍ هي عبارةٌ عن التوبة أوجبت(٢) كلَّ ذلك من العذاب، فما ظنُّك بتغيير ما هو من
صفات المعبود؟! هذا والقولُ أنقصُ من العمل، فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل؟!
الثانية: قولُه تعالى: ﴿فَبَدَّلَ﴾ تقدم معنى بدَّل وأبْدَلَ (٣)، وقُرِئَ ﴿عَى رَبَّا أَنْ
يُبْدِلَا﴾ [القلم: ٣٢] على الوجهين(٤). قال الجوهريُّ(٥): وأبْدَلْتُ الشيءَ بغيره. وبدَّله الله
من الخوف أمْناً. وتبديلُ الشيء أيضاً تغييرُه. وإن لم يأتِ ببدل. واستبدَلَ الشيء بغيره،
وتبدَّله به: إذا أخذه مكانه. والمبادلة: التبادل. والأَبْدالُ: قومٌ من الصالحين لا تخلُو
الدنيا منهم، إذا مات واحدٌ منهم أَبدلَ الله مكانَه بآخَرَ (٦). قال ابنُ دُرَيد (٧): الواحد
بديل، والبديل: البَدَل. وبَدَلُ الشي: غيره، يقال: بَدَلٌ وبِدْلٌ، لغتان، مثل: شَبَهِ وشِبْهِ،
ومَثَلٍ ومِثْلٍ، ونَكّلٍ ونِكْلٍ.
قال أبو عبيد(٨): لم يُسمع في فَعَل وفِعْل غير هذه الأربعة الأحرف.
والبَدَل: وَجَع يكون في اليدين والرِّجْلَين. وقد بَدِل، بالكسر، يَبْدَلُ بَدَلاً.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ كَرَّر لفظ: ((ظلموا)) ولم يُضمره
تعظيماً للأمر. والتکریرُ یکون علی ضَرْبین:
(١) في (ز): فكان في هذا تعريفاً.
(٢) في (ز): التوبة والمغفرة على ما تقدم أوجبت.
(٣) في الآية السابقة.
(٤) قرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر بفتح الباء وتشديد الدال، وقرأ الباقون بإسكان الباء وتخفيف الدال.
السبعة ص ٣٩٧، والتيسير ص ١٤٥، والنشر ٣١٤/٢.
(٥) الصحاح (بدل)، والكلام منه إلى آخر المسألة الثانية.
(٦) بعدها في (ز) زيادة: وسيأتي الكلام فيهم في هذه السورة إن شاء الله تعالى. اهـ. ويشير المصنف (نقلاً
عن الجوهري) إلى ما ورد من بعض آثار في الأبدال، كما في مسند أحمد (٨٩٦) و(٢٢٧٥١). قال
الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على الأول منهما: أحاديث الأبدال التي رُويت عن غير واحد من
الصحابة، أسانيدُها كلُّها ضعيفة.
(٧) جمهرة اللغة ٢٤٧/١. وابن دُريد: هو محمد بن الحسن، أبو بكر الأزدي، البصري، شيخ الأدب.
توفي سنة (٣٢١هـ). السير ٩٦/١٥.
(٨) في النسخ الخطية: أبو عبيدة، والكلام في غريب الحديث ٣/ ٤٤ لأبي عبيد القاسم بن سلّام.

١٣٣
سورة البقرة : الآية ٥٩
أحدهما: استعمالُه بعد تمام الكلام، كما في هذه الآية وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ
يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾، ثم قال بعدُ: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَثَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩].
ولم يقل: مما كتبوا. وكرَّر الويلَ تغليظاً لفعلهم، ومنه قولُ الخنساء:
تَعَرَّقَني الدهرُ نَهْساً (١) وحزًّا وأوجعني الدهرُ قَرْعاً وغَمْزا(٢)
أرادَتْ أنَّ الدهرَ أوجعها بكُبْرَيات نوائبه وصُغْرَياتها.
والضَّربُ الثاني: مجيءُ تكريرِ الظاهر في موضع المُضمَر قبل أن يتمَّ الكلام،
كقوله تعالى: ﴿اَلَقَّةُ ﴿ مَا الْخَفَّةُ﴾ و﴿ اَلْفَارِعَهُ ﴿ مَا الْقَارِعَةُ﴾ كان القياسُ لولا
ما أريدَ به من التعظيم والتفخيم: الحاقَّة ما هي، والقارعةُ ما هي، ومثله: ﴿فَأَصْحَبُ
اَلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ﴾ وَأَصْحَبُ الْشِئَّمَةِ مَّا أَضْحَبُ اَلْمَشْفَمَةِ﴾ [الواقعة: ٨ - ٩]. كرَّر
((أصحاب الميمنة)) تفخيماً لِمَا يُنيلُهم من جزيل الثواب؛ وكرَّر لفظ ((أصحاب
المشأمة)) لما ينالُهم من أليم العذاب. ومِن هذا الضَّرب قول الشاعر:
ليتَ الغرابَ غداةً ينعَبُ دائباً كان الغرابُ مقطَّعَ الأَوْداج(٣)
وقد جَمِع عَدِيُّ بن زيد(٤) المعْنَيَين فقال:
لا أرى الموتَ يسبِقُ الموتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا(٥)
فكرَّر لفظَ الموت ثلاثاً، وهو من الضرب الأوَّل(٦).
(١) في النسخ: نهشاً (بمعجمة)، والمثبت من (م) والمصادر.
(٢) ديوان الخنساء ص ٨١. قولها: تعرَّقني الدهرُ؛ قال ابن الشجري في أماليه ٣٦٨/١: يقال: تعرَّقْتُ
العظم: إذا أخذتَ ما عليه من اللحم ... والنهس: القبض على اللحم بالأسنان ونتره، والحزّ: قطعٌ غير
نافذ.
(٣) البيت لجرير، وهو في ديوانه ص ٧٣، وتفسير الطبري ٣٠٣، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٧٠.
وفي الديوان: بالنوى، وعند الطبري: دائماً، بدل: دائباً.
(٤) العبادي التميمي، نصراني، جاهلي، من فحول الشعراء. قال الذهبي في السير ١١١/٥: أظنه مات في
الفترة.
(٥) أمالي ابن الشجري ١/ ٣٧٠. ونسبه سيبويه في الكتاب ١/ ٦٢ إلى ابنه سواد بن عدي، ونسبه الأعلم في
تحصيل عين الذهب ص ٨٦ إلى سوادة بن عدي. قال: وقيل لأمية بن أبي الصلت.
(٦) من أمالي ابن الشجري ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.

١٣٤
سورة البقرة : الآية ٥٩
ومنه قول الآخر(١):
وهِنْدٌ أتّى مِنْ دُونها النّأْيُ والبُعدُ
ألا حبَّذا هِنْدٌ وأرضٌ بها هِنْدُ
فَكرَّرَ ذكرَ محبويتِه ثلاثاً، تفخيماً لها.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿رِجْزًا﴾: قراءةُ الجماعة ((رِجْزاً)) بكسر الراء، وابن
مُحَيْصن(٢): بضم الراء (٣). والرِّجْز بالزاي: العذاب؛ قيل: كان ظُلمةً وطاعوناً،
أهلكَ منهم في ساعة واحدة سبعين ألفاً. قاله أبو رَوْق(٤). وقيل: عذابٌ من السماء،
وهو موت الفجأة.
وقيل: نزلت بهم نارٌ فاحترقوا. ويقال: وقعَ بينَهم قتالٌ، فقتلَ بعضُهم بعضاً.
والرِّجز(٥) بالسين: النَّتْن والقذر، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسَا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾
[التوبة: ١٢٥] أي: نَتْناً إلى نَتْنِهم. قاله الكسائيُّ. وقال الفرَّاء: الرِّجْز هو الرِّجس.
قال أبو عبيد: كما يقال: السُّدْغ والزُّدْغ، وكذا رِجْس ورِجْز، بمعنَى. قال
الفرَّاء: وذكرَ بعضهم أن الرُّجز - بالضم - اسمُ صنم كانوا يعبدونه، وقُرئ بذلك في
قوله تعالى: ﴿وَلُّجْزَ فَأَهْجُزْ﴾(٦) [المدثر: ٥].
والرَّجَز. بفتح الراء والجيم. نوعٌ من الشِّعْر، وأنكر الخليل أن يكون شعراً(٧)،
وهو مشتقُّ من الرَّجَز، وهو داءٌ يصيبُ الإبل في أعجازها، فإذا ثارَت ارتعشَت
أفخاذُها(٨).
(١) هو الحطيئة وقد تقدم البيت ٢/ ١٠٧.
(٢) في (ظ): وقرأ ابن محيصن.
(٣) القراءات الشاذة لابن خالويه ص ٥.
(٤) تحرفت في (ز) (والكلام منها) إلى: ((أبو رزق))، وأبو روق، بفتح الراء وسكون الواو، هو عطية بن
الحارث الهمداني، وسلف ذكره ٢٤٨/١.
(٥) من قوله: والرجز بالزاي ... إلى هذا الموضع من (ز)، وليس في باقي النسخ. وهو بنحوه في تفسير أبي
الليث ١/ ١٢٢.
(٦) قرأ أبو جعفر ويعقوب وحفص بضم الراء، وقرأ الباقون بكسرها. السبعة ص ٦٥٩، والتيسير ص ٢١٦،
والنشر ٣٩٣/٢.
(٧) العين ٦٤/٦.
(٨) مجمل اللغة ٤٢١/١، والصحاح: (رجز).

١٣٥
سورة البقرة : الآية ٦٠
﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾(١) أي: بفِسْقِهِم، والفِسْق: الخروج، وقد تقدَّم(٢). وقرأ ابن
وَثَّاب والنَّخَعِيُّ(٣): ((يَفْسِقُون)) بكسر السين.
قوله تعالى: ﴿وَإِذِ أُسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِّعَصَاكَ الْحَبِّ
فَأَنفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَثْرَةَ عَيْنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ تَشْرَبَهُمٌ كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ مِن
رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾
فيه ثماني مسائل(٤):
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ،﴾ رجعَ إلى قصّة موسی حین
كانوا في التِّيه، وأصابهم العطش، فاستغاثوا بموسى، فدعا موسى ربَّه، فأوحى إليه
أن اضرب بعصاك الحجر، على ما يأتي(٥)، وكُسِرت الذال من ((إذا لالتقاء
الساكنين.
والسين سينُ السؤال، مثل: استعلَمُ، واستَخْبَرَ، واستَنصَرَ، ونحو ذلك، أي:
طلبَ وسألَ السَّقْيَ لقومه. والعربُ تقول: سقَيْتُه وأَسْقَيتُه، لغتان بمعنَّى، قال(٦):
سَقَى قومي بني مَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْراً والقبائلَ من هِلال
وقيل: سقيتُه: مِن سَفْيِ الشَّفَة، وأسقيتُه: دَلَلْته على الماءِ(٧).
الثانية: الاستسقاءُ إنما يكون عند عدمِ الماء وحَبْسٍ القَطْر، وإذا كان كذلك؛
فالحكمُ حينئذٍ إظهارُ العبوديّة والفقرِ والمسكنةِ والذّلَّةِ، مع التوبة النَّصوح.
(١) في (ز): الخامسة: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُّونَ﴾.
(٢) ٣٦٨/١.
(٣) القراءات الشاذة ص ٥، والمحرر الوجيز ١٥١/١.
(٤) في (ز): فيه عشر مسائل.
(٥) من قوله: رجع إلى قصة موسى ... إلى هذا الموضع من (ز)، وليس في سائر النسخ، وهو في تفسير أبي
الليث ١/ ١٢٢.
(٦) هو لبيد بن ربيعة، والبيت في ديوانه ص ١١٠، والصحاح (سقى).
(٧) النكت والعيون ١/ ١٢٧.

١٣٦
سورة البقرة : الآية ٦٠
وقد استسقى نبيّنا محمدٌ وَلَ، فخرجَ إلى المصلَّى متواضعاً متذلِّلاً متخَشِّعاً
متوسِّلاً(١) متضرِّعاً(٢)، وحَسْبُك به! فكيف بنا ولا توبةَ معنا إلا العِنَاد، ومخالفة ربِّ
العباد، فأنَّى نُسْقَى! ولكن قد قال وَّهِ في حديث ابنِ عُمر: ((ولم يَمنعوا زكاةً أموالهم
إلا مُنِعُوا القَظْرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمْطَرُوا)) الحديث. خرَّجه ابن ماجه في
سُنته، وأبو بكر البزَّار في كتابه، وقد ذكرناه في كتابنا التذكرة بكماله من رواية مالك
أيضاً، والحمد لله(٣).
الثالثة: سُنَّة الاستسقاء الخروجُ إلى المصلَّى - على الصفة التي ذكرنا - والخطبةُ،
والصلاة، وبهذا قال جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سُنَّته صلاةٌ
ولا خروج، وإنما هو دعاءٌ لا غير. واحتَجَّ بحديث أنس الصحيح؛ أخرجه البخاري
ومسلم، وأنه عليه الصلاة والسلام دعا على المنبر يوم الجمعة، فسُقُوا (٤).
ولا حُجَّةَ له فيه، فإنَّ ذلك كان دعاءً عُجِّلتْ إجابته، فاكتفى به عما سواه، ولم
يقصد بذلك بيانَ ستَّته(٥)، ولمَّا قصدَ البيان بيَّن بفعله(٦)، حسْبَ ما رواه عبد الله بنُ
زيدِ المازنيُّ(٧)، قال: خرج رسول الله وَّل إلى المصلَّى، فاستسقى، وحوَّلَ رداءه، ثم
(١) في (ز) و(م): مترسِّلاً.
(٢) يشير المصنف إلى حديث ابن عباس في الاستسقاء، أخرجه عبد الرزاق (٤٨٩٣)، وأحمد (٣٣٣١)،
وأبو داود (١١٦٥)، وابن ماجه (١٢٦٦)، والترمذي (٥٥٨)، والنسائي ١٥٦/٣-١٥٧.
(٣) قوله: الحديث خرَّجه ابن ماجه في سننه ... إلى آخر الكلام، من (ز)، ووقع بدله في النسخ:
الحديث وسيأتي بكماله إن شاء الله. والحديث عند ابن ماجه (٤٠١٩)، والبزار (١٦٧٦) (كشف
الأستار)، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١٣٦١٩)، والحاكم ٤/ ٥٤٠، وأبو نعيم في الحلية
٣٢٠/٣ و٣٣٤/٨، وأبو عمرو الداني في الفتن (٣٢٧)، والبيهقي في الشعب (٣٣١٤). قال
الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وسيذكره المصنف عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَكَْالُواْ
عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو في الموطأ (٢٦).
(٤) قوله: وأنه عليه الصلاة والسلام دعا على المنبر يوم الجمعة، فسُقُوا، من (ز). والحديث في صحيح
البخاري (٩٣٢) وصحيح مسلم (٨٩٧)، وهو في مسند أحمد (١٣٥٦٦).
(٥) في (م): سنة، وفي (ظ): سنته.
(٦) ينظر عارضة الأحوذي ٣٢/٣ - ٣٣.
(٧) من فضلاء الصحابة، صاحب حديث الوضوء، قتل مسيلمة بالسيف مع رمية وحشي له بحربته، قيل:
إنه قتل يوم الحرة سنة (٦٣هـ). السير ٣٧٧/٢.

١٣٧
سورة البقرة : الآية ٦٠
صلَّى ركعتين. رواه مسلمٌ(١). وسيأتي من أحكام الاستسقاء زيادةٌ في سورة هود
ونوح(٢) إن شاء الله.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِّعَصَاكَ الْحَجَرِّ﴾ العصا: معروف، وهو اسمٌ
مقصور مؤنَّث، وأَلِفُه منقَلبةٌ عن واو، قال:
على عَصَوَيْها سابِرِيٌّ مُشَبْرَقُ(٣)
والجمع عُصِيّ وعِصِيّ، وهو فُعول، وإنما كُسرت العين لِما بعدها من الكسرة،
وأَعْصِ أيضاً مثله، مثل زَمَن وأزْمُن.
وفي المثل: العَصَا من العُصَيَّة(٤)، أي: بعضُ الأمر من بعض.
وقولهم: أَلْقَى عصاه، أي: أقام وترك الأسفار، وهو مَثَل. قال:
فألقَتْ عصاها واستقرَّ بها النَّوَى كما قَرَّ عَيْناً بالإياب المسافِرُ(٥)
وفي التنزيل: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى (٣) قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَُّا عَلَيْهَا﴾
[طه: ١٧ - ١٨]. وهناك يأتي الكلام في منافعها إن شاء الله تعالى.
قال الفرَّاء: أوَّلُ لَخن سُمع بالعراق: هذه عصاتي.
وقد يعبّر بالعصا عن الاجتماع والافتراق، ومنه يقال في الخوارج: قد شَقُّوا
عصا المسلمين، أي: اجتماعَهم وائتلافهم (٦). وانشقَّت العصا، أي: وقع الخلاف.
(١) برقم (٨٩٤)، وهو عند البخاري أيضاً (١٠١٢)، وأحمد (١٦٤٣٦).
(٢) قوله: ونوح، من (ز)، ولم يذكر المصنف أحكام الاستسقاء في سورة هود، إنما ذكرها في سورة نوح
عند قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَّةَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا﴾ [الآية: ١٠].
(٣) عجز بيت لذي الرُّمَّة، وصدرُه: فجاءت بنسج العنكبوت كأنه، وهو في ديوانه ٤٩٦/١. قوله: فجاءت،
أي: البئر، وعَصَوَيْها، يعني عَرفُوتيها، وهما خشبتا البئر، وسابري: رقيق من الثياب، ومشبرق:
مقطّع مشفّق.
(٤) جمهرة الأمثال ٢/ ٤٠، ومجمع الأمثال ١٥/١، واللسان (عصا).
(٥) اختلف في قائله فنسبه الميداني في مجمع الأمثال ٣٦٤/١ إلى مُعَقِّر البارقي، ونسبه الجاحظ في البيان
والتبيين ٤٠/٣ إلى مضرّس الأسدي، وقال ابن بري كما في اللسان: (عصا): هذا البيت لعبد ربه
السلمي، ويقال لسليم بن ثمامة الحنفي، وهو في المجمل ٦٧١/٣، والصحاح: (عصا)، وخزانة
الأدب ٦/ ٤١٣ دون نسبة.
(٦) في النسخ: وافتراقهم!

١٣٨
سورة البقرة : الآية ٦٠
قال الشاعر:
إذا كانت الهَيْجاءُ وانشقَّتِ العصا فحسْبُك والضَّحاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ (١)
أي: يكفيك ويكفي الضحاكَ. وقولُهم: لا تَرفع عصاك عن أهلك، يُراد به
الأدب(٢). والله أعلم.
والحجر(٣): معروفٌ، وقياس جمعه في أدنى العدد: أحجار، وفي الكثير:
حجار، وحجارة، والحجارة نادر. وهو كقولنا: جَمَل وجِمالَة، وذكّر وذِكارة، كذا
قال ابن فارس والجوهريّ(٤).
قلت: وفي القرآنِ ﴿فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ﴾، ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤]. ﴿قُلْ
كُونُواْ حِجَارَةٌ﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿تَرْمِهِم بِحِجَارَةٍ﴾ [الفيل: ٤]. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً ﴾
[الحجر: ٧٤] فكيف يكون نادراً؟! إلا أن يريدا (٥) أنه نادرٌ في القياس، كثيرٌ في
الاستعمال، فَصَحيحٌ(٦). والله أعلم.
قوله(٧) تعالى: ﴿ فَانْفَجَرَتْ﴾ في الكلام حذفٌ تقديره: فضربَ فانفجرتْ. وقد
كان تعالى قادراً على تفجير الماء وفَلْق الحجر من غير ضرب، لكن أراد أن يربط
المسَبَّبات بالأسباب؛ حكمةً منه للعباد في وصولهم إلى المراد، وليرتِّب على ذلك
ثوابهم وعقابهم في المَعاد. والانفجارُ: الانشقاق، ومنه: انشقَّ الفجر. وانفجر الماء
انفجاراً: انفتح. والفُجْرة: موضعُ تَفَتُّح (٨) الماء. وفي الأعراف: ﴿فَالْبَجَسَتْ﴾(٩).
والانِجاسُ أضيقُ من الانفجار؛ لأنه يكون انبجاساً ثم يصيرُ انفجاراً. وقيل: انبجس
وتبجَّس وتفجّر وتفتّق، بمعنى واحد، حكاه الهَرَوِيُّ وغيره.
(١) شرح المفصل ٤٨/٢، والصحاح: (عصا)، ونسبه في ذيل الأمالي ص ١٤٠ لجرير وليس في ديوانه.
(٢) الصحاح: (عصا)، والكلام منه من قوله: والجمع عصي.
(٣) زاد في (ز): دليله قوله عقيبه: أخفهم. الخامسة: قوله تعالى: ﴿اَلْحَبَرِّ﴾ الحجر معروف.
(٤) المجمل ٢٦٤/١، والصحاح (حجر).
(٥) في (د) يراد، وفي (ز) و(ظ): يريد، والمثبت من (م).
(٦) في (د) و(ز) و(م): فصيح.
(٧) في (ز): السادسة قوله.
(٨) في (م): تفجر.
(٩) قوله: وفي الأعراف فانبجست، من (ز).

١٣٩
سورة البقرة : الآية ٦٠
الخامسة(١): قولُه تعالى: ﴿ أَثْنَا عَثْرَةَ عَيْنًا﴾ (اثنتا)) في موضع رفع بـ ((انفجرت))
وعلامةُ الرفع فيها الألفُ. وأُعربت دون نظائرها؛ لأن التثنيةَ معربَة أبداً لصحة معناها.
((عَيْناً)) نُصِب على البيان. وقرأ مجاهدٌ وطلحة(٢) وعيسى: ((عَشِرة)) بكسر الشين(٣)،
وهي لغة بني تميم، وهذا من لغتهم نادرٌ؛ لأن سبيلهم التخفيفُ. ولغةُ أهل الحجاز
((عَشْرة)) وسبيلُهم التثقيل. قال جميعَه النحاسُ(٤).
والعَيْنُ من الأسماء المشتركة، يقال: عَيْنُ الماءِ، وعَيْنُ الإنسان، وعينُ
الرُّكْبة(٥)، وعين الشمس. والعَيْن: سحابة تُقبِلُ من ناحية القِبلة. والعين: مطرٌ يدوم
خمساً أو سِتّاً لا يُقلع(٦). وبلدٌ قليل العَيْن: أي قليل الناس. وما بها عَيَنْ، محرَّكة
الياء. والعين: الثقبُ في المزادة. والعَيْنُ من الماء مُشَبَّهةٌ بالعين من الحيوان؛ لخروج
الماءِ منها كخروج الدمع من عين الحيوان. وقيل: لمَّا كان عينُ الحيوان أشرف ما
فيه، شُبِّهت به عينُ الماء؛ لأنها أشرفُ ما في الأرض.
السادسة(٧): لمَّا استسقى موسى عليه السلام لقومه أُمِرَ أن يضرِبَ عند استسقائِه
بِعصاهُ حجراً، قيل: مربَّعاً طُورِيًّا - من الطور - على قَدْر رأسِ الشاةَ(٨) يُلْقَى في كِسْرِ
جُوالِقٍ(٩)، ويُرحَلُ به، فإذا نزلوا وُضع في وسط محلّتهم. وذُكر أنَّهم لم يكونوا
(١) في (ز): السابعة.
(٢) هو طلحة بن مصرِّف، أبو محمد اليامي، الكوفي، المقرئ، تلا على يحيى بن وثّاب وغيره. توفي سنة
(١١٢ هـ). السير ١٩١/٥.
(٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥ إلى الأعمش، ونسبها الرازي في تفسيره ٩٤/٣ إلى أبي
جعفر، ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ١٥٢ إلى ابن وثّاب وابن أبي ليلى.
(٤) إعراب القرآن ٢٣٠/١.
(٥) في (ز): الركية، وهو خطأ. قال ابن الشجري في أماليه ١/ ٤٢٣: وعين الرُّكبة: النُّقرة التي فيها.
(٦) في (ز): لا ينقطع.
(٧) في (ز): الثامنة.
(٨) بعدها في (ز): وقيل مثل رأس الإنسان.
(٩) في (ز): كيس جُوالق. اهـ. قوله: الكِسْر: الجانب من كل شيء. والجُوالق: وعاء من صوف أو شعر
أو غيرهما، وهو عند العامة: شوال، معرّب. كذا في المعجم الوسيط.

١٤٠
سورة البقرة : الآية ٦٠
يحملون الحجرَ، لكنهم كانوا يجدونه في كلِّ مرحلةٍ في منزلته من المرحلة الأولى،
وهذا أعظمُ في الآية والإعجاز(١).
وقيل : إنه أَطلق له اسمَ الحجر ليضربَ موسى أيَّ حجرٍ شاء، وهذا أبلغُ في
الإعجاز.
وقيل: إن الله تعالى أمرَه أن يضربَ حجراً بعينه، بيَّنه لموسى عليه السلام،
ولذلك ذُكر بلفظ التعريف. قال سعيد بن جُبير: هو الحجرُ الذي وَضَع عليه موسى
ثوبَه لمَّا اغتسل، وفرَّ بثوبه حتى بَرَّأه الله مما رماه به قومُه(٢).
ويُقال: كان حَجَراً من أحجار الأرض. ويُقال: رفَعَه موسى من أسفَلِ البحر
حيث مرَّ [فيه مع قومه). والله أعلم(٣).
قال ابن عطيةً(٤): ولا خلافَ أنه كان حجراً منفصلاً مربَّعاً، تَطَّردُ من كلِّ جهة
ثلاثُ عيون إذا ضربه موسى، وإذا استَغْنَوْا عن الماء ورحلُوا جفَّت العيون.
قلتُ: قد ذكر أبو اللّيث السّمرقندي(٥) في هذا خلافاً، فقال: ويُقال: كان
يخرجُ عيناً واحدةً، ثم يتفرَّق على اثنتي عشرة فرقة، ويصيرُ اثني عشر نهراً. وقال
بعضهم: كان الحجر اثني عشر ثُقباً، يخرجُ منها اثنتا عشرة عيناً، لا يختلط بَعضُه
ببعض(٦) .
قلت: ما أُوتِيَ نبيُّنا محمد ﴿ من نَبْعِ الماء وانفجارِه من يده بين أصابعِه أعظمُ
في المعجزة، فإنَّا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار آناء الليل وآناء النهار، ومعجزةٌ
نبيِّنا عليه السلامُ لم تكن لنبيٍّ قبلَ نبيِّنا وَّةِ، يخرج الماء من بين لحمٍ ودمٍ! روى
(١) المحرر الوجيز ١٥٢/١.
(٢) قصص الأنبياء للثعلبي ص ٢٤٨، وتفسير البغوي ١/ ٧٧.
(٣) قوله: ويقال: كان حجراً من أحجار الأرض ... إلى هذا الموضع، من (ز)، وليس في باقي النسخ،
وهو في تفسير أبي الليث السمرقندي ١٢٣/١، وما بین حاصرتین منه.
(٤) المحرر الوجيز ١٥٢/١.
(٥) في تفسيره ١٢٣/١.
(٦) من قوله: قلت: قد ذكر أبو الليث ... إلى هذا الموضع، من (ز).