Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة البقرة : الآية ٥١
قال ابن إسحاق: وموسی هو موسی بنُ عمران بن یصهر بن قاهٹ بن لا وِي بن
يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق بن إبراهيم عليهم(١) السلام(٢).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ ((أربعين)) نُصِبَ على المفعول الثاني، وفي
الكلام حذفٌ، قال الأخفشُ(٣): التقديرُ: وإذ واعَدْنا موسى تمام أربعينَ ليلةً، كما
قال: ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. والأربعون كلُّها داخلةٌ في المِيعاد.
والأربعون في قول أكثر المفسرين: ذو القَعْدة، وعَشْر(٤) من ذي الحجة(٥)،
وكان ذلك بعد أن جاوزَ البحرَ، وسألَه قومُه أن يأتيهم بكتابٍ من عند الله، فخرج إلى
الطُّور في سبعين من خيار بني إسرائيلَ، وصَعِدُوا الجبلَ، وواعَدَهم إلى تمام أربعين
ليلةً، فعدُّوا - فيما ذكر المفسِّرون - عشرين يوماً وعشرين ليلةً، وقالوا: قد أَخْلَفَنا
موعدَه، فاتخذوا العجلَ، وقال لهم السامريُّ: هذا إلهكم وإله موسى، فاطمأنُّوا إلى
قوله، ونهاهم هارون وقال: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَّعُونِ وَأَطِيعُواْ
أَغْرِى ﴿ قَالُواْ لَنْ تَّْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَّى يَرْجَعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩٠ - ٩١] فلم يتَّبع هارونَ
ولم يُطِعْه في تركِ عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً فيما رُوي في الخبر، وتهافتَ في
عبادته سائرُهم، وهم أكثرُ من ألفي ألفٍ، فلما رجَعَ موسى ووجَدَهم على ذلك(٦)
الحال، ألقى الألواح، فرُفع من جملتها ستةُ أجزاء، وبقي جزءٌ واحدٌ، وهو الحلالُ
والحرامُ وما يحتاجون، وأَحرقَ العجلَ، وذَراه في البحر، فشربُوا من مائه حُبّاً
للعجل، فظهرت على شِفاههم صُفْرةٌ ووَرِمَتْ بُطونُهم، فتابوا، ولم تُقبلْ توبتُهم دون
أن يَقتُلوا أنفسَهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيُمْ فَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
فقاموا بالخناجر والسُّيوف بعضُهم إلى بعض، من لَدُن طلوع الشمس إلى ارتفاع
الضُّحى، فقَتَلَ بعضُهم بعضاً، لا يَسألُ والدٌ عن ولده، ولا ولَدٌ عن والده، ولا أخٌ
(١) في (م): عليه.
(٢) تفسير الطبري ٦٦٦/١، والنكت والعيون ١/ ١٢٠، والمحرر الوجيز ١٤٢/١.
(٣) معاني القرآن ٢٦٤/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٢٤/١.
(٤) في (م): وعشرة.
(٥) النكت والعيون ١/ ١٢٠، والمحرر الوجيز ١٤٢/١.
(٦) في (م): تلك.

١٠٢
سورة البقرة : الآية ٥١
عن أخيه، ولا أحدٌ عن أحدٍ، كلُّ من استقبَلَه ضربَه بالسَّيف، وضربَه الآخرُ بمثله،
حتى عَجَّ موسى إلى الله صارخاً: يا ربَّاه، قد فَنِيَتْ (١) بنو إسرائيل! فرَحِمَهم الله،
وجادَ عليهم بفضله، فقبِلَ توبةً مَنْ بَقيَ، وجعلَ مَنْ قُتِلَ في الشهداء(٢)، على ما
يأتي(٣).
الرابعة: إن قيل: لِمَ خصَّ اللياليَّ بالذِّكر دون الأيام؟ قيل له: لأنَّ الليلةَ أسبقُ
من اليوم، فهي قبلَه في الرُّتبة، ولذلك وقَعَ بها التاريخُ، فالليالي أوّلُ الشهور،
والأيامُ تَبَعٌ لها(٤).
الخامسة: قال النقّاش: في هذه الآية إشارةٌ إلى صِلَةِ الصَّوم؛ لأنه تعالی لو ذكّر
الأيامَ لأمكن أن يُعتَقدَ أنه كان يُفطِرُ بالليل، فلما نصَّ على الليالي اقتضت قوَّةُ الكلام
أنه عليه السلام واصَلَ أربعينَ يوماً بلياليها(٥).
قال ابن عطية(٦): سمعتُ أبي(٧) يقول: سمعتُ الشيخَ الزاهدَ الإمامَ الواعظ
أبا الفَضْل الجوهريّ(٨) رحمه الله يَعِظُ الناسَ في الخلوة بالله، والدُنوِّ منه في الصلاة
ونحوه، وأن ذلك يَشْغَلُ عن كلِّ طعام وشراب، ويقول: أين حالُ موسى في القُرب
من الله، ووصل(٩) ثمانينَ من الدَّهر من قوله حين سار إلى الخَضِر لفتاه في بعض
يوم: ﴿مَئِنَا غَدَآءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢].
(١) في (د): أفنيت.
(٢) نوادر الأصول ص ١٠١.
(٣) ١١٠/٢.
(٤) النكت والعيون ١/ ١٢٠، والمحرر الوجيز ١٤٢/١.
(٥) في المحرر الوجيز ١/ ١٤٢ : أربعين ليلة بأيامها.
(٦) المحرر الوجيز ١٤٢/١.
(٧) هو أبو بكر غالب بن عبد الرحمن، ابن عطية الأندلسي، الغرناطي، المالكي، كان حافظاً للحديث
وطرقه وعللِه، عارفاً بالرجال، ذاكراً لمتونه ومعانيه، أديباً، شاعراً، أكثر الناس عنه. توفي سنة
(٥١٨هـ) السير ٥٨٦/١٩ - ٥٨٧.
(٨) هو عبد الله بن الحسين المصري، واعظ العصر، كان أبوه من العلماء العاملين، توفي سنة (٤٨٠هـ).
السير ٤٩٥/١٨.
(٩) في (م): ووصال.

١٠٣
سورة البقرة : الآية ٥١
قلتُ: وبهذا استدلَّ علماءُ الصُّوفية على الوصال، وأنَّ أفضلَه أربعون يوماً(١).
وسيأتي الكلامُ في الوصال في آي الصِّيام من هذه السورة إن شاء الله تعالى، ويأتي
في ((الأعراف)) زيادةُ أحكام لهذه الآية عند قوله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةٌ﴾
[١٤٣]، ويأتي لقصة العجل بيانٌ في كيفيَّتهِ وخُوارِه هناك وفي (طه)) إن شاء الله
تعالى(٢).
السادسة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: اتخذتُموه إلهاً من بعد
موسى.
وأصلُ الَّخذتُم: انْتَخَذْتم، من الأَخْذ، ووزنُه: افتعلتُم، سُهِّلت الهمزةُ الثانيةُ
لامتناع همزتين، فجاء ايتَخَذتُم، فاضطربت الياءُ في التصريف: جاءت ألفاً في
ياتَخِذُ، وواواً في مُوتَخِذ، فبُدِّلَت بحرفٍ جَلْدٍ ثابتٍ من جنس ما بعدَها، وهي التاءُ،
وأُدغمت، ثم اجْتُلِبَتْ ألفُ الوصل للنطق، وقد يُستغنى عنها إذا كان معنى الكلام
التقريرُ، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: ٨٠]، فاستغنَى عن ألفٍ
الوَصْل بألفِ التقرير. قال الشاعر(٣):
أستحدَثَ الرَّكْبُ عن أشياءهم خَبَراً
أم راجع القلب من أطرابه طَرَبُ
ونحوُه في القرآن: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]، ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ [الصافات: ١٥٣]،
﴿أَسْتَكْبَتَ أَمْ كُنتَ﴾ [ص: ٧٥].
ومذهبُ أبي عليَّ الفارسيّ أنَّ((اتخذتم))، من: تَخِذَ، لا من أَخَذَ(٤).
﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ جملةٌ في موضع الحال. وقد تقدَّم معنى الظلم(٥)، والحمدُ لله.
(١) لا اجتهاد في مورد النص، فقد صحَّ النھيُ عن الوصال في الصوم، وسيفصِّل المصنّف الكلام فيه (كما
ذكر) في آي الصيام عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَيِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الآية: ٨٨].
(٣) هو ذو الرمة، والبيت في ديوانه ١/ ١٣.
(٤) الحجة ٢/ ٧٢، وانظر المحرر الوجيز ١٤٣/١
(٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ التَّلِينَ﴾ ٤٦٠/١.

١٠٤
سورة البقرة : الآية ٥٢
قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
فیہ أربعُ مسائل :
الأولى: قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمْ﴾ العَفْوُ: عفوُ الله جلَّ وعزَّ عن خلقه، وقد
يكونُ بعد العقوبة وقبلَها، بخلافِ الغُفران، فإنَّه لا يكون معه عقوبةٌ البتّة. وكلُّ من
استحَقَّ عقوبةً فتُرِكت له، فقد عُفِيَ عنه. فالعَفْو: مَحْوُ الذَّنب، أي: مَحَوْنا ذنوبَكم،
وتجاوزْنا عنكم.
مأخوذٌ من قولك: عَفَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ، أي: أذهبته(١). وعفا الشيءُ: كَثُرَ. فهو من
الأضداد(٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿حَّ عَفَوا﴾ [الأعراف: ٩٥].
الثانية: قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد عبادتكم العجلَ.
وسُمِّيّ العجلُ عجلاً لاستعجالهم عبادَته(٣)، والله أعلم. والعجلُ: ولدُ البقرة،
والعِجَّوْل مثلُه، والجمعُ العَجاجِيل، والأنثى عِجْلةٌ. عن أبي الجرَّاح(٤).
الثالثة: قولُه تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: كي تشكُرُوا عَفْوَ الله عنكم. وقد
تقدَّم معنى (لعل))(٥). وأما الشكر؛ فهو في اللغة: الظهور، من قوله: دابَّة شَكُور؛ إذا
ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تُعْطَى من العَلَف(٦). وحقيقتُه: الثناءُ على الإنسان
بمعروف يُؤْلِيكُه، كما تقدَّم في الفاتحة(٧). قال الجوهري: الشكر: الثناء على
(١) ينظر اشتقاق أسماء الله ص ١٣٤.
(٢) مجالس ثعلب ص ٤٩٠، والأضداد للأنباري ص ٨٦.
(٣) أخرجه الطبري ١/ ٦٧٤ عن أبي العالية قال: إنما سمي العجل لأنهم عجلوا، فاتخذوه قبل أن يأتيَهم
موسى، وردّه ابن عطية في المحرر ١٤٥/١ وقال: ليس هذا القول بشيء، وقال ابن عادل الحنبلي في
اللباب ٧١/٢: كان العجل موجوداً قبل أن يتخذ بنو إسرائيل العجل.
(٤) الصحاح: (عجل)، وأبو الجراح، هو العقيلي ذكره القفطي في إنباه الرواة ١١٤/٤ من الأعراب الذين
دخلوا الحاضرة.
(٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَثَّقُونَ﴾، ٣٤١/١ -٣٤٢.
(٦) في كتب اللغة: الشكور من الدواب ما يكفيه العَلَفُ القليل، واللفظ الذي أورده المصنف هو في
الرسالة القشيرية ٦٦/٣.
(٧) ٢٠٥/١ - ٢٠٧.

١٠٥
سورة البقرة : الآية ٥٢
المُحسِن بما أوْلاكَه من المعروف، يقال: شكرتُه وشكرتُ له، وباللام أفصح.
والشُّكْران: خلاف الكُفران. وتشكّرتُ له مثل: شَكَرتُ له(١).
وروى الترمذيُّ وأبو داود(٢) عن أبي هريرة عن النبيِّ نَّه قال: ((لا يشكرُ الله من
لا يَشْكُرُ الناس».
قال الخطابيُّ(٣): هذا الكلام يُتأوَّل على معنيين:
أحدهما: أنَّ مَن كان مِن طبعه كُفْرانُ نعمةِ الناس وتركُ الشكرِ لمعروفهم، كان
من عادته كفرانُ نعمة الله عزَّ وجلَّ وتركُ الشكر له.
والوجه الآخَرُ: أن الله سبحانه لا يقبلُ شُكْرَ العبدِ على إحسانه إليه إذا كان العبدُ
لا يشكرُ إحسانَ الناسِ إليه، ويكفرُ معروفَهم، لاتِّصال أحدِ الأمرَيْنِ بالآخر.
الرابعة؛ في عبارات العلماء في معنى الشكرِ؛ فقال سَهْل بنُ عبد الله: الشكر:
الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السرِّ والعلانية.
وقالت فرقة أخرى: الشُّكر: هو الاعترافُ في تقصير الشكر للمنعِم، ولذلك
قال تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]؛ فقال داود: كيف أشكرك يا ربّ،
والشكر نعمةٌ منك؟! قال: الآن قد عرفتَني وشكرتَني؛ إذ قد عرفتَ أنَّ الشكرّ مني
نعمة (٤). قال: يا ربّ، فأرني أخْفى نِعَمك عليَّ. قال: يا داود تنفّس، فتنفَّس داود.
فقال الله تعالى: مَن يُحصِي هذه النعمةَ الليلَ والنهارَ(٥) .
وقال موسى عليه السلام: إلهي (٦) كيف أشكرك وأصغرُ نعمة وضعتها بيدي من
نعمك لا يجازي بها عملي كلّه! فأوحى الله إليه: يا موسى الآن شكرتني(٧).
(١) الصحاح (شكر).
(٢) سنن الترمذي (١٩٥٤)، وسنن أبي داود (٤٨١١)، وهو في مسند أحمد (٧٥٠٤).
(٣) معالم السنن ١١٣/٤.
(٤) أخرجه بنحوه البيهقي في الشعب (٤٤١٣) من كلام المغيرة بن عقبة، و(٤٤١٤) من كلام أبي الجلد
الجوني جيلان بن فروة (أو ابن أبي فروة) قال أبو حاتم فيه كما في الجرح والتعديل ٥٤٧/٢ : صاحب
کتب التوراة ونحوها، ونقل توثيقه عن الإمام أحمد بن حنبل.
(٥) أخرجه بنحوه البيهقي في الشعب (٤٦٢٣) من كلام أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم.
(٦) قوله: إلهي، ليس في (م).
(٧) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٤١٥) من كلام أبي الجلد.
:

١٠٦
سورة البقرة : الآية ٥٣
وقال الجُنَيْد: حقيقةُ الشكر العجزُ عن الشكر(١). وعنه قال(٢): كنتُ بين يدي
السَّرِيِّ السَّقَّطيّ (٣) ألعبُ وأنا ابنُ سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر،
فقال لي: يا غلام ما الشُّكر؟ فقلت: ألَّا يُعْصَى اللهُ بِنِعَمِه. فقال لي: أخشى أن يكون
حظّك من الله لسانك. قال الجُنيد: فلا أزالُ أبكي على هذه الكلمة التي قالها السَّرِيُّ لي.
وقال الشِّبليُّ(٤): الشكر: التواضع، والمحافظةُ على الحسنات، ومخالفةٌ
الشهوات، وبذلُ الطاعات، ومراقبةُ جبَّار الأرض والسماوات.
وقال ذو النُّون المِصريُّ أبو الفَيْض(٥): الشكرُ لمن فوقَك بالطاعة، ولنظيرك
بالمكافأة، ولمن دونَك بالإحسان والإفضال.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِثَبَ وَالْقُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
((إذ)) اسمُ للوقت الماضي، و((إذا)) اسم للوقت المستَقْبَل(٦)، و((آتينا)»: أعطينا.
وقد تقدَّم جميع هذا(٧) .
والكتاب: التوراة بإجماع من المتأوّلين(٨). واختلف في الفرقان، فقال الفَرَّاء
وقُطْرُب(٩): المعنى: آتينا موسى التوراةَ، ومحمداً عليه السلام الفرقانَ. قال
(١) ذكره البغوي في التفسير ١/ ٦١ ولم ينسبه.
(٢) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٣) هو السَّريُّ بن المُغَلِّس، أبو الحسن البغدادي، صحب معروفاً الكرخيَّ، وهو أجلُّ أصحابه، توفي سنة
(٢٥٣هـ) وقيل غير ذلك. السير ١٢/ ١٨٥.
(٤) أبو بكر البغدادي، قيل اسمه: دُلَف بن جحدر، وقيل: جعفر بن يونس، وقيل: جعفر بن دُلَّف، كان
حاجباً للموفق، فتاب، ثم صحب الجنيد وغيره، وكان فقيهاً عارفاً بمذهب مالك. توفي سنة (٣٨٤هـ).
السير ١٥/ ٣٦٧.
(٥) ثوبان بن إبراهيم، وقيل: فيض بن أحمد، النُّوبي الإخميمي، الزاهد، توفي سنة (٢٤٥هـ). السير
٠٥٣٢/١١
(٦) النكت والعيون ١/ ١٢١.
(٧) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ﴾ ٣٩١/١.
(٨) المحرر الوجيز ١٤٤/١.
(٩) معاني القرآن للفراء ٣٧/١، وللزجاج ١٣٤/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٥/١، والمحرر الوجيز
١ /١٤٤.

١٠٧
سورة البقرة : الآية ٥٣
النحاس(١): هذا خطأ في الإعراب والمعنى، أما الإعرابُ: فإن المعطوف على
الشيء مثلُه، وعلى هذا القولِ يكون المعطوفُ على الشيء خلافَه. وأما المعنى: فقد
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَّيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]. قال أبو إسحاقَ
الزجَّاجُ(٢): يكون الفرقان هو الكتاب، أُعيد ذكرُه باسمَيْنٍ تأكيداً. وحُكي عن
الفرَّاء(٣)، ومنه قولُ الشاعر:
وأَلْفَى قَوْلَها كَذِباً ومَيْنَا(٤)
وقَدَّمتِ الأدِيمَ لِراهِشَيْهِ
وقال آخر(٥):
أَلا حبَّذا هِنْدٌ وأرضٌ بها مِنْدُ
وهِنْدٌ أتى من دونها النَّأْيُ والبُعْدُ
فَتَسقَ البُعْدَ على النَّأْي، والمَيْنَ على الكذب، لاختلاف اللفظين تأكيداً. ومنه
قولُ عنترة (٦):
حُيِّيتَ من طَلَلٍ تَقَادَمَ عهدُه أقْوَى وأقفرَ بعد أمِّ الهيْئمِ
قال النحاس(٧): وهذا إنما يجيءُ في الشعر.
وأحسنُ ما قيل في هذا قول مجاهد (٨): فرقاً بين الحق والباطل، أي: الذي علّمه إياه.
وقال ابن زيد: الفرقان: انفراقُ البحرِ له حتى صار فِرَقاً فعبروا(٩).
وقيل: الفرقان: الفَرَج من الكَرْب؛ لأنهم كانوا مُستعبَدين مع القِبْطِ، ومنه قولُه
تعالى: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أي: فَرَجاً ومَخْرجاً.
(١) إعراب القرآن ٢٢٥/١.
(٢) معاني القرآن له ١٣٤/١.
(٣) معاني القرآن له ١/ ٣٧.
(٤) البيت لعدي بن زيد، وهو في ديوانه ص ١٨٣. والراهشان: عرقان في باطن الذراعين. قاله الجوهري:
(رهش).
(٥) هو الحطيئة، والبيت في ديوانه ص ٣٩.
(٦) في ديوانه ص ١٤٣.
(٧) إعراب القرآن ٢٢٥/١.
(٨) أخرجه الطبري ١/ ٦٧٧.
(٩) المحرر الوجيز ١٤٤/١.

١٠٨
سورة البقرة : الآية ٥٤
وقيل : إنه الحجة والبيان. قاله ابن بحر(١).
وقيل: الواو صِلة، والمعنى: آتينا موسى الكتابَ الفرقان(٢)، والواوُ قد تُزاد في
النعوت، كقولهم: فلان حسن وطويل، وأنشد:
إلى المَلِكِ القَرْم وابنِ الهُمام وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ(٣)
أراد: إلى الملك القَرْم ابنِ الهمام ليثِ الكتيبة .
ودليل هذا التأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ
وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي: بَيَّنَ الحرامَ والحلال، والكفر والإيمان،
والوعد والوعيد، وغير ذلك.
وقيل: الفرقان: الفَرْقُ بينهم وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء، وأغرَقَ أولئك.
ونظيرهُ: ((يَوْمَ الفُرْقان)). فقيل: يعني به يومَ بَدْر، نَصَر الله فيه محمداً وَلِهِ وأصحابَه.
وأهلك أبا جهلٍ وأصحابه(٤) ...
﴿وَلَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لكي تهتدوا من الضلالة. وقد تقدّم(٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِنْخَاذِكُمُ
اَلْمِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَّكُمْ فَقُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِيَكُمْ فَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ
هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
قوله(٦) تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ القومُ: جماعة (٧) الرجالِ دون النساء،
(١) علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر، أبو الحسن القطان، عالم قزوين، جمع وصنف وتفنن في العلوم،
توفي سنة (٣٤٥هـ). السير ١٥/ ٤٦٣.
(٢) ذكره البغوي في التفسير ٦١/١ ونسبه للكسائي. واستغربه ابن كثير ١٢٤/١، وضعفه أبو حيان في
البحر المحيط ٢٠٢/١.
(٣) الخزانة ٤٥١/١، والإنصاف ٤٦٩/٢، والكشاف ١٣٣/١. وسلف ص ٨٥.
(٤) أخرجه الطبري ١/ ٦٧٧ من كلام ابن زيد.
(٥) ٢٤٦/١ - ٢٤٨.
(٦) في (د): فيه سبع مسائل، الأولى قوله تعالى ...
(٧) في (م): الجماعة.

١٠٩
سورة البقرة : الآية ٥٤
قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾، ثم قال: ﴿وَلَ نِسَاءُ مِّنْ نِسَاءٍ﴾(١). وقال
زُهير(٢) :
وما أدري وسوفَ إخالُ أَذري أقومٌ آلُ حِصْنِ أم نساءُ
وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾﴾ أراد الرجال دون النساء.
وقد يقعُ القوم على الرجال والنساء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾﴾
وكذا كلُّ نبيِّ مرسَلٌ إلى النساء والرجال جميعاً.
قوله تعالى: ﴿يَقَوْرِ﴾ منادى مضاف. وحذفت الياء في ((يا قَوْم)) لأنه موضعُ
حذفٍ، والكسرةُ تدل عليها، وهي بمنزلة التنوين فحذفتَها(٣) كما تحذفُ التنوين من
المفرد. ويجوز في غير القرآن إثباتُها ساكنة، فتقول: يا قومي، لأنها اسم، وهي في
موضع خفض. وإن شئتَ فتحتَها، وإن شئتَ ألحقتَ معها هاءً، فقلت: يا قومِيَهْ. وإن
شئتَ أبدَلْتَ منها ألفاً لأنها أخفُّ، فقلت: يا قوما، وإن شئتَ قلت: يا قومُ، بمعنى
يا أيها القومُ. وإن جعلتَهم نكرةً نصبتَ ونوَّنت(٤). وواحدُ القوم امرؤٌ على غير اللفظ.
وتقول: قومٌ وأقوام، وأَقاوِمُ: جَمْعُ الجمع(٥). والمراد هنا بالقوم عَبَدَةُ العجل،
وكانت مخاطبتُه عليه السلام لهم بأمر من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم﴾ استغنى بالجمع القليل عن الكثير،
والكثيرُ: نُفوس(٦).
وقد يُوضع الجمعُ الكثير موضعَ جمع القِلَّة، والقليلُ موضع الكثرة، قال الله
تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١].
ويقال لكلِّ مَن فعلَ فعلاً يعود عليه ضررُه: إنما أسأتَ إلى نفسك.
(١) الصحاح (قوم)، والمجمل ٧٣٨/٢.
(٢) ديوانه ص ١٣٦.
(٣) في (د) و(ظ): فحذفها.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٦/١.
(٥) المجمل ٧٣٨/٢.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٢٢٦/١.

١١٠
سورة البقرة : الآية ٥٤
وأصل الظلم وَضْعُ الشيء في غير موضعه .
ثم قال تعالى: ﴿بَأَتَّخَاذِكُمُ الْعِعْلَ﴾ قال بعضُ أرباب المعاني: عِجلُ كلِّ إنسان
نفسُه، فمن أسقَطَه وخالفَ مرادَه فقد بَرِئ مِن ظلمه. والصحيح أنه هنا عِجلٌ على
الحقيقة عبدُوہ کما نطقّ به التنزيل. والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ﴾ لما قال لهم: فتوبوا إلى بارئكم، قالوا: كيف؟
قال: ﴿فَقُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾(١). قال أربابُ الخواطر: ذَلِّلوها بالطاعات وكُفُّوها عن
الشهوات. والصحيح أنه قَتْلٌ على الحقيقة هنا. والقتلُ: إماتةُ الحركة. وقتلْتُ الخمر:
كسرت شدَّتها بالماء.
قال سفيان بن عُيَيْنَة: التوبة نعمةٌ من الله، أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها
من الأمم، وكانت توبةُ بني إسرائيلَ القتلَ. وأجمعوا على أنه لم يؤمر كلُّ واحد من
عَبَدَة العِجل بأن يَقتل نفسَه بيده(٢).
قال الزُّهرِيّ: لمَّا قيلَ لهم: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَقُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قاموا صفَّين وقتلَ
بعضُهم بعضاً، حتى قيل لهم: كُفُوا. فكان ذلك شهادةً للمقتول وتوبةً للحيّ، على ما
(٣)
تقدم (٣).
وقال بعض المفسّرين: أرسل الله عليهم ظلاماً ففعلوا ذلك. وقيل: وقف الذين
عبدوا العجلَ صفًّا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم(٤). وقيل: قام
السبعون الذين كانوا مع موسى فقَّتَلُوا ۔ إذ لم يعبدوا العجل - مَن عَبَدَ العجل(٥).
ويُروَى أن يوشعَ بن نونٍ خرج عليهم وهم مُخْتَبُون، فقال: ملعونٌ من حلَّ حَبْوَته، أو
مدَّ طرفه إلى قاتله، أو اتَّقاه بيدٍ أو رِجل. فما حلَّ أحد منهم حبوته حتى قتل منهم -
يعني مَن قُتل - وأقبل الرجل يقتلُ من يليه. ذكره النحاس وغيره.
(١) تفسير أبي الليث ١١٩/١، ومجمع البيان ٢٥١/١.
(٢) تفسير الرازي ٨١/٣.
(٣) أخرجه الطبري ١/ ٦٨٢-٦٨٣ عن الزهري وقتادة.
(٤) المحرر الوجيز ١٤٤/١.
(٥) مجمع البيان ١/ ٢٥١، وتفسير الرازي ٣/ ٨٢، وقد أخرجه الطبري ١/ ٦٨٠ من كلام ابن عباس.

١١١
سورة البقرة : الآية ٥٤
وإنما عوقبَ الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم - على القول الأوَّل- لأنهم لم
يغيِّروا المنكرَ حين عبدوا (١)، وإنما اعتزلوا، وكان الواجبُ عليهم أن يقاتلوا مَنْ عَبَدَه(٢).
وهذه سنَُّ الله في عباده: إذا فشا المنکر ولم يُغيّر، عوقب الجميع؛ روی جَرِیر
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما من قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصي هم أعزُّ منهم وأمنع لا
يُغيِّرُون إلا عَمَّهم الله بعقاب)). أخرجه ابن ماجه في سننه(٣). وسيأتي الكلامُ(٤) في هذا
المعنى إن شاء الله تعالى.
فلما استَحَرَّ فيهم القتلُ، وبلغَ سبعين ألفاً، عفا الله عنهم. قاله ابن عباس وعليٍّ
رضي الله عنهما(٥). وإنما رَفع الله عنهم القتلَ لأنهم أعطوا المجهودَ في قتل أنفسِهم.
فما أنعمَ الله على هذه الأمةِ نعمةً بعد الإسلام هي أفضل من التوبة .
وقرأ قتادةُ: فأقيلوا أنفسكم - من الإقالة (٦) - أي: استقيلوها (٧) من العثرة بالقتل.
قوله تعالى: ﴿بَارِيكُمْ﴾ البارئ: الخالق، وبينهما فرقٌ، وذلك أن البارئ هو
المبدعُ المُحدِث. والخالقُ هو المقدِّر الناقلُ من حالٍ إلى حال. والبَريَّة: الخلق، وهي
فَعِيلة بمعنى مفعولة، غير أنها لا تُهمَز (٨). وقرأ أبو عمرو: ((بارتكم))(٩) - بسكون
الهمزة - ويشعركم وينصركم ويأمركم.
(١) في (م): عبدوه.
(٢) المحرر الوجيز ١٤٤/١.
(٣) رقم (٤٠٠٩)، وهو عند أحمد (١٩١٩٢).
(٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
(٥) المحرر الوجيز ١٤٤/١، وأخرجه الطبري ١/ ٦٨٠، ٦٨٣ من كلام ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم
٥٣٦ من کلام علي رضي الله عنه.
(٦) القراءات الشاذة لابن خالويه ص ٦. ونقل ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٦/١ عن قتادة أنه قرأ:
فاقتالوا، وقال: هي من الاستقالة، ونقل عن ابن جني قوله: التصريف يضعف أن تكون من الاستقالة،
ولكن قتادة رحمه الله ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة. وينظر المحتسب ٨٣/١.
(٧) في (م): استقبلوها (بالباء)، وهو خطأ.
(٨) مجمع البيان ٢٤٩/١ - ٢٥٠.
(٩) السبعة في القراءات لابن مجاهد ص ١٥٤، والحجة للفارسي ٧٦/٢، والتيسير للدائي ص ٧٣،
ولكنهم نقلوا عن سبيويه قوله: كان أبو عمرو يختلسُ الحركة من بارئكم، ويأمركم، وما أشبه ذلك مما
تتوالى فيه الحركات، فیری من سمعه أنه قد أسكن، ولم يكن يسكن. اهـ. وقرأ أبو عمرو من رواية
الدوري بالوجهين، ومن رواية السوسي بالإسكان فقط، ووجه تسكين الهمزة في ((بارئكم))، والراء في=

١١٢
سورة البقرة : الآية ٥٤
واختلف النحاة في هذا، فمنهم من يُسكِّن الضمةَ والكسرةَ في الوصل، وذلك في
الشعر.
وقال أبو العباس المبرِّد: لا يجوز التسكينُ مع تَوالي الحركات في حرف
الإعراب في كلام ولا شِعر. وقراءةُ أبي عمرو لَحْن(١).
قال النحاس(٢) وغيره: وقد أجازَ ذلك النَّخْويُّون القدماءُ الأئمة، وأنشدوا:
بالدَّوّ أمثالَ السَّفِين العُوَّمِ (٣)
إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحِبْ قَوِّمِ
وقال امرؤ القيس :
إثماً من الله ولا واغِلٍ (٤)
فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ
وقال آخر :
قالت سُليمى اشترْلنا سَوِيقًا(٥)
= (يشعركم)) و((ينصركم)) و((يأمركم)) ثابت مشهور عن أبي عمرو، وقد ردَّ ابن الجزري في النشر ٢١٣/٢
كلام سيبويه هذا، وقال: وجهها في العربية ظاهر غير منكر، وهو التخفيف، وإجراء المنفصل من
كلمتين مجرى المتصل من كلمة، نحو: إبل، وعضد، وعنق.
(١) نقله المصنف عن المبرّد بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٥/١، وردّه ابن جني في المحتسب
١١٠/١، وفي الخصائص ١/ ٧٥. وقد ردَّ أبو حيان في البحر ٢٠٧/١ كلام المبرّد هذا وقال: ما ذهب
إليه ليس بشيء؛ لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله وَطير، ولغة العرب توافقه على ذلك،
فإنکار المبرد لذلك منکر .
(٢) إعراب القرآن ٢٢٦/١.
(٣) نسبه أبو محمد السيرافي في شرح أبيات سيبويه ٣٩٨/٢، والاستراباذي في شرح الشافية ٢٢٥/٤ لأبي
نُخيلة، ونسبه في اللسان (عوم) للعجاج، وهو في الكتاب ٢٠٣/٤، والحجة للفارسي ٨٠/٢،
والخصائص لابن جني ٧٥/١ و٣١٧/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٦/١، ومعاني القرآن للأخفش
٢٦٧/١، والمحرر الوجير ١٤٥/١، قال السيرافي: الشاهد على حذفه الكسرة من: صاحب، أراد:
يا صاحبي، وحذف الياء، واكتفى بالكسرة، وحذفها جيد، ثم اضطر فحذف الكسرة. والدوّ: يعني
الفلاةَ الواسعة، والعوَّم: جمع عائمة، وهي السفينة التي تشق الماء وتدخل فيه.
(٤) هو في الكتاب ٢٠٤/٤، ومعاني القرآن للأخفش ٢٦٧/١، والحجة للفارسي ٨٠/٢، والخصائص
لابن جني ٧٤/١، و٣١٧/٢، والمحرر الوجيز ١٤٥/١، وفي خزانة الأدب ٤٨٤/٤. وفي رواية
الأصمعي للديوان ص ١٢٢ : فاليوم أُسقى، وفي رواية الطوسي ص ٢٥٨: فاليوم فاشرب. قوله: غير
مستحقب إثماً، أي: غیر مکتسبه ولا محتمله.
(٥) المحرر الوجيز ١٤٥/١، والحجة ٦٧/١ و٧٩/٢، ونسبه أبو زيد في النوادر ص ٣٠٦، والبغدادي=

١١٣
سورة البقرة : الآية ٥٥ و ٥٦
وقال الآخر :
رُخْتِ وفي رجليكِ ما فيهما وقد بدا هَنْكِ من المِئزرِ(١)
فَمَن أنکرَ التسکینَ في حرف الإعراب فحجَتُه أن ذلك لا يجوزُ من حیث کان
عَلَماً للإعراب.
قال أبو عليّ (٢): وأما حركةُ البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي
الحركات.
وأصل بَرَأ من: تبرَّى الشيءُ من الشيء، وهو انفصالُه منه. فالخلق قد فُصِلُوا من
العدم إلى الوجود(٣)، ومنه بَرَأْتُ من المرض بَرْءاً، بالفتح. كذا يقول أهلُ الحجاز.
وغيرُهم يقول: بَرِئتُ من المرض بُرْءاً، بالضم، وبَرِئتُ منك ومن الديون (٤) والعيوب
براءة، ومنه المباراةُ للمرأة. وقد بارا شريكه وامرأته(٥).
قوله تعالى: ﴿فَابَ عَلَيْكُمْ﴾ في الكلام حذفٌ، تقديره: ففعلْتم ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي:
فتجاوز عنكم، أي: على الباقين منكم. ﴿إِنَّهُ هُوَ النَّبُ الرَّحِيمُ﴾ تقدَّم معناه(٦)، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَقََّ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الضَّعِقَةُ
وَأَنْتُمْ ثَنْظُرُونَ (® ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّرْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
فيه (٧) خمس مسائل:
= في شرح شواهد الشافية ٢/ ٢٢٥ إلى العذافر الكندي.
(١) البيت في الكتاب ٢٠٣/٤، ومعاني القرآن للأخفش ٢٦٦/١، والمحرر الوجيز ١٤٥/١، وشرح
المفصل ٤٨/١، والخصائص ٧٤/١ و٣١٧/٢، والحجة ٨٠/٢، والخزانة ٤٨٤/٤ ونسبه فيه
البغدادي للأُقيشر الأسدي، ونسبه ابن الشجري في الأمالي ٢٣٥/٢ إلى الفرزدق. قال البغدادي:
والصواب الأول.
(٢) الحجة ٧٩/٢، وقد نقل المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٦/١.
(٣) مجمع البيان ١/ ٢٥٠.
(٤) في (ظ): الذنوب.
(٥) الصحاح: (برأ).
(٦) ٤٨٣/١ .
(٧) في (د): فيها.

١١٤
سورة البقرة : الآية ٥٥ و ٥٦
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾ معطوف. ﴿يَمُوسَى﴾ نداء مفرد. ﴿لَن تُؤْمِنَ
لَكَ﴾ أي: نصدِّقك. ﴿حَّ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قیل: هم السبعون الذين اختارهم موسی،
وذلك أنهم(١) لمَّا أَسمَعهم كلامَ الله تعالى قالوا له بعد ذلك: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ﴾.
والإيمانُ بالأنبياء واجبٌ بعد ظهورٍ معجزتهم(٢). فأرسَلَ الله عليهم ناراً من السماء
فأحرقهم(٣)، ثم دعا موسى ربَّه فأحياهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ
مَّوْتِكُمْ﴾. وستأتي قصة السبعين في الأعراف (٤) إن شاء الله تعالى. قال ابن فُورَك:
يُحتمل أن تكون معاقبتُهم لإخراجهم طلبَ الرؤيةِ عن طريقه بقولهم لموسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ
جَهْرَةً﴾ وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام(٥).
وقد اختُلِف في جواز رؤيةِ الله تعالى؛ فأكثرُ المبتدعة على إنكارها في الدنيا
والآخرة.
وأهلُ السُّنَّة والسلفِ على جوازها فيهما، ووقوعِها في الآخرة، فعلى هذا لم
يطلبوا من الرؤية مُحالاً، وقد سألها موسى عليه السلام. وسيأتي الكلام في الرؤية في
((الأنعام)) و((الأعراف))(٦) إن شاء الله تعالى.
الثانية: قوله تعالى: ﴿جَهْرَةٌ﴾ مصدرٌ في موضع الحال، ومعناه: علانيةً. وقيل:
عِياناً، قاله ابن عباس(٧). وأصلُ الجهر الظهور، ومنه الجهرُ بالقراءة: إنما هو
إظهارُها. والمجاهرة بالمعاصي: المظاهرةُ بها. ورأيتُ الأميرَ جِهاراً وجهرة، أي:
غيرَ مستترٍ بشيءٍ(٨).
(١) في (د) و(ظ): أنه.
(٢) في (م): معجزاتهم.
(٣) في (د): فأحرقتهم، والخبر في الوسيط للواحدي ١/ ١٤١.
(٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَِنَّ﴾.
(٥) المحرر الوجيز ١/ ١٤٧.
(٦) عند تفسير قوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾.
(٧) ذكر الماوردي في النكت والعيون ١٢٣/١، والواحدي في الوسيط ٤٠/١ أن ((علانية)) قول ابن
عباس، وأما ((عياناً)) فهو قول قتادة، وأخرجهما الطبري ٦٨٨/١.
(٨) النكت والعيون ١٢٣/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/١.
١٠٠

٠
١١٥
سورة البقرة : الآية ٥٥ و ٥٦
وقرأ ابن عباس ((جَهَرة) بفتح الهاء، وهما لغتان، مثل: زَهْرة وزَهَرة(١).
وفي الجهر وجهان: أحدهما: أنه صفةٌ لخطابهم لموسى أنهم جَهَروا به
وأعلنوا، فيكون في الكلام تقديمٌ وتأخير، والتقدير: وإذ قلتم جهرةً: يا موسى.
الثاني: أنه صفة لِمَا سألوه من رؤية الله تعالى أن يَرَوْه جهرةً وعِياناً، فيكون الكلام
على نَسَقه لا تقديمَ فيه ولا تأخير (٢). وأَّد بالجهر، فَرْقاً بين رؤية العِيان ورؤية المنام.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الضَّعِقَةُ﴾ قد تقدَّم في أول السورة معنى
الصاعقة(٣). وقرأ عمرُ وعثمانُ وعليٍّ: ((الصَّعْقة))(٤)، وهي قراءة ابن مُحَيْصن في
جميع القرآن(٥) .
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ جملةٌ في موضع الحال. ويقال: كيف يموتون وهم ينظرون؟!
فالجوابُ أن العرب تقول: دُوْرُ آل فلانٍ تَراءى، أي: يقابل بعضُها بعضاً. وقيل:
المعنى: وأنتم تعلمون، وقيل(٦): ﴿تَنْظُرُونَ﴾ أي: إلى حالكم وما نزل بكم من
الموت وآثارِ الصعقة.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَشْتَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ أي: أحييناكم. قال قتادة:
ماتوا وذهبت أرواحهم، ثم رُدُّوا لاستيفاء آجالهم(٧). قال النحاس: وهذا احتجاج
(١) كذلك نسبها أبو حيان في البحر المحيط ٢١١/١ لابن عباس، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص٥، وابن جني في المحتسب ١/ ٨٤ لسهل بن شعيب، ونسبها ابن عطية ١/ ١٤٧ لسهل بن شعيب
وحمید بن قیس.
(٢) مجمع البيان ١/ ٢٥٥.
(٣) ٣٣٠/١ -٣٣١.
(٤) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥، ونسبها لعلي، وابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ١٤٧
ونسبها لعمر وعلي.
(٥) إتحاف فضلاء البشر ص ١٧٩. وذكر مصنفه أنه اختلف عنه في سورة الذاريات، في قوله تعالى:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصََّمِقَةُ﴾ (الآية: ٤٤). وقد وافق الكسائيُّ - وهو من السبعة - ابنَ مُحيصن في قراءته:
الصعقة، في آية الذاريات هذه. ينظر السبعة ص ٦٠٩، والتيسير ص ٢٠٣ .
(٦) قوله: وأنتم تعلمون وقيل، ليس في (م).
(٧) النكت والعيون ١٢٣/١، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٤٦/١، والطبري ١ / ٦٩٦-٦٩٧، بنحوه.

١١٦
سورة البقرة : الآية ٥٥ و ٥٦
على مَن لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاجٌ على أهل الكتاب إذ خبِّروا بهذا،
والمعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ما فُعل بكم من البعث بعد الموت. وقيل: ماتوا مَوْتَ
همودٍ يعتبر به الغير، ثم أُرسلوا. وأصلُ البعث الإرسالُ. وقيل: بل أصلُه إثارةُ الشيء
من محله(١)، يقال: بعثتُ الناقة: أَثَرتُها، أي: حرَّكتُها؛ قال امرُؤُ القيس:
وفتيانِ صدْقٍ قد بعثتُ بِسُحْرةٍ فقاموا جميعاً بين عاثٍ ونَشْوان (٢)
وقال عنترة:
وصحابةٍ شُمّ الأنوفِ بعثتُهم
ليلاً وقد مال الكرى بِطُلاها(٣)
وقال بعضهم: ((بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ)): علَّمناكم من بعد جهلكم.
قلت: والأول أصحُّ، لأن الأصل الحقيقةُ، وكان موتَ عقوبة، ومنه قوله تعالى:
﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوُفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ
أَحْيَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] على ما يأتي.
الخامسة: قال الماوَزْدِيُّ(٤): واختُلِف في بقاء تكليفٍ مَن أُعيد بعدَ موته ومعاينةٍ
الأحوالِ المضطرة إلى المعرفة على قولين:
أحدهما : بقاءُ تكليفهم لئلا يخلوَ عاقلٌ مِن تعبُّد.
الثاني: سقوط تكليفهم ليكون تكليفهم(٥) معتبراً بالاستدلال دون الاضطرار.
قلت: والأول أصح، فإنَّ بني إسرائيل قد رأَوا الجبلَ في الهواء ساقطاً عليهم
والنارَ محيطٌ بهم، وذلك مما اضطرَّهم إلى الإيمان، وبقاءُ التكليف ثابتٌ عليهم،
ومثلُهم قوم يونس. ومحالٌ أن يكونوا غيرَ مكلَّفين. والله أعلم.
(١) النكت والعيون ١/ ١٢٣.
(٢) ديوانه ص ٩١. قال شارحه: العالي: المتناول للشيء، والسُّخرة: السحر الأعلى، أول الأسحار،
أراد: أنه لما أثارهم من نومهم تناول هذا ثوبه، أو ناول غيره، وهو كالسكران من النعاس.
(٣) ديوانه ص ٧٥، قوله: الكّرى، أي: النعاس، والُّلى: الأعناق.
(٤) لم نقف عليه، ونقله عنه كذلك أبو حيان في البحر المحيط ٢١٣/١.
(٥) قوله: لیکون تكلیفهم، ليس في (م).

١١٧
سورة البقرة : الآية ٥٧
قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَّ كُلُوا مِن
طَئِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمّ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
OV)
فيه ثماني (١) مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ أي: جعلناه عليكم كالظُلَّة.
والغمام جمع غمامة، كسحابة وسحاب. قاله الأخفشُ سعيدٌ. قال الفرَّاء: ويجوز:
غمائم(٢)، وهي السحاب؛ لأنها تغمُّ السماء، أي: تستُرها، وكلُّ مغطّى، فهو
مغموم، ومنه المغمومُ على عقله. وغُمَّ الهلال: إذا غطاه الغَيْم. والغَينُ مثلُ الغيم،
ومنه قولُه عليه السلام: ((إنه ليُغان على قلبي)»(٣). قال صاحب ((العين)) غِينَ عليه:
غُِّي عليه. والغَيْن: شجر ملتفٍّ. وقال السُّدِّي: الغمام: السحاب الأبيض(٤).
وفَعَلَ هذا بهم لِيقِيَهم حرَّ الشمس نهاراً، وينجلي في آخره ليستضيئوا بالقمر ليلاً.
وذكر المفسرون أن هذا جَرَى في التِّيه بين مصرَ والشام لمَّا امتنعوا من دخول مدينة
الجبَّارين وقتالِهم، وقالوا لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤].
فعوقبوا في ذلك الفَخْص أربعين سنةً يتيهون في خمسة فراسخَ، أو ستّة. رُوي أنهم
كانوا يمشون النهارَ كلَّه وينزلون للمبيت، فيصبحون حيث كانوا بُكْرَةَ أمسٍ. وإذا كانوا
بأجمعهم في التِّيه قالوا لموسى: مَن لنا بالطعام؟ فأنزل الله عليهم المنَّ والسَّلْوَى.
قالوا: مَنْ لنا من حَرِّ الشمس؟ فظلَّل عليهم الغمامَ. قالوا: بم(٥) نستصبحُ؟ فضَرَب
لهم عمودَ نورٍ في وسط محلَّتهم. وذكر مكِّيّ: عمود نار. قالوا: مَنْ لنا بالماء؟ فأُمِرَ
موسى بضرب الحجر. قالوا: من لنا باللباس؟ فأُعطُوا أَلَّا يَبْلَى لهم ثوبٌ ولا يَخْلَق
ولا يَذْرنَ، وأن تنموَ صغارُها حَسْبَ نموِّ الصبيان(٦). والله أعلم.
(١) في (د): فيها سبع.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٢٦٨/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/١.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٨٤٨)، ومسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغرّ المزني رضي الله عنه.
(٤) ذكره الطبري ٦٩٩/١ دون نسبة، وابن عطية ١٤٨/١.
(٥) في (د): مما، وفي (م): فيم، والمثبت من (ز) و(ظ).
(٦) المحرر الوجيز ١٤٨/١، وينظر تفسير الطبري ٧٠٧/١-٧١٠.

١١٨
سورة البقرة : الآية ٥٧
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَّ﴾ اختُلِف في المنِّ ما هو؟ وتعيينه
على أقوال، فقيل: التَّرَّنْجبين - بتشديد الراء وتسكين النون، ذكره النحاس، ويقال:
الظَّرَّنجبين(١) بالطاء - وعلى هذا أكثرُ المفسرين. وقيل: صمغة حُلوة، وقيل: عسل،
وقيل: شراب حلو، وقيل: خبز الرُّقاق، عن وهب بن مُنَبِّه، وقيل: ((المنُّ)) مصدرٌ
يعمُّ جميعَ ما منَّ الله به على عباده من غير تعبٍ ولا زرع(٢)، ومنه قولُ رسول الله ◌ِّل
في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَّيل: «الكَمْأَة من المنِّ الذي أنزل الله على بني
إسرائيل، وماؤها شفاءٌ للعين))(٣). في رواية: ((من المنِّ الذي أنزلَ اللهُ على موسى)).
رواه مسلم(٤).
قال علماؤنا(٥): وهذا الحديث يدلُّ على أن الكمأة مما أنزلَ الله على بني
إسرائيل، أي: مما خلقه الله لهم في التِّيه. قال أبو عبيد (٦): إنما شبَّهها بالمنِّ لأنه لا
مؤونةَ فيها ببَذْرٍ ولا سَقْي ولا عِلاج، فهي منه. أي: مِن جنس مَنٌّ بني إسرائيل في أنه
كان دون تكلُّف. رُويّ أنه كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس،
كالثلج، فيأخذ الرجلُ ما يكفيه ليومه، فإن ادَّخر منه شيئاً فَسَد عليه، إلا في يوم
الجمعة، فإنهم كانوا يدَّخرون ليوم السبت، فلا يفسد عليهم، لأن يوم السبت يومُ
عبادة، وما كان يَنزل عليهم يومَ السبت شيءٍ(٧).
الثالثة: لما نصَّ عليه السلام على أنَّ ماء الكَمْأة شِفاءٌ للعين، قال بعضُ أهل
العلم بالطبِّ: إما لتبريد (٨) العين من بعض ما يكونُ فيها من الحرارة، فتُستعمل
(١) في (د) و(ظ): الطرنجين.
(٢) تفسير الطبري ٧٠٠/١-٧٠٣، والمحرر الوجيز ١٤٨/١، والنكت والعيون ١٢٤/١، وقصص الأنبياء
للتعلبي ص ٢٤٦ - ٢٤٨، ومعاني القرآن للزجاج ١٣٨/١.
(٣) أخرجه أحمد (١٦٢٥)، والبخاري (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩): (١٥٩).
(٤) رقم (٢٠٤٩): (١٦٠).
(٥) المفهم ٣٢٤/٥.
(٦) غريب الحديث ١٧٣/٢.
(٧) المحرر الوجيز ١٤٨/١ - ١٤٩، وأخرج الخبر الأخير ابن أبي حاتم (٥٦٠) عن قتادة.
(٨) في (د): لتبرئة.

١١٩
سورة البقرة : الآية ٥٧
بنفسها مفردةً، وإما لغير ذلك فمركّبةً مع غيرها(١). وذهب أبو هريرةَ رضي الله عنه إلى
استعمالها بَحتاً في جميع مرض العين(٢). وهذا كما استعملَ أبو وَجزَةَ العسلَ في
جميع الأمراض كلِّها حتى في الكُحل، على ما يأتي بيانُه في سورة النحل، إن شاء
الله تعالى(٣).
وقال أهلُ اللغة: الكَمْء واحد، وكَمْآن اثنان، وأَكْمُؤْ ثلاثة، فإذا زادوا قالوا:
گماة، بالتاء، على عكس شجرة وشجر. والمنُّ اسم جنس لا واحد له من لفظه، مثلُ
الخير والشر، قاله الأخفش(٤).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالسَّلْوَقُّ﴾ اختُلِف في السَّلْوى، فقيل: هو السُّمَانَى
بعينه، قاله الضحاك(٥). قال ابن عطية(٦): السَّلْوَى طير بإجماع المفسرين، وقد غَلِط
الهُذَلِيُّ(٧) فقال:
ألذُّ من السَّلوَى إذا ما نَشُورُها(٩)
. و (٨)
ـهْداً لأنّـ
وقاسمها بالله جَـ
ظنَّ السلوى العسل.
قلت: ما ادَّعاه من الإجماع لا يصحّ؛ وقد قال المؤرّج(١٠) أحد علماء اللغة
(١) المفهم ٣٢٤/٥.
(٢) أخرج الترمذي (٢٠٦٩) عن أبي هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ، أو خمساً، أو سبعاً، فعصرتُهن،
فجعلتُ ماءهن في قارورة، فكحلت به جارية لي، فبرأت. قال ابن العربي في عارضة الأحوذي ٢٢٦/٨:
فمذهب أبي هريرة أنه یکتحل به بصفته، کما قاله الترمذي عنه.
(٣) عند قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَّةٌ لِلنَّاسِِّ﴾.
(٤) معاني القرآن ٢٦٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/١.
(٥) تفسير الطبري ٧٠٦/١. قوله: السُّمانَى، بتخفيف الميم: طائر .
(٦) المحرر الوجيز ١٤٩/١.
(٧) هو خالد بن زهير، ابن أخت أبي ذؤيب.
(٨) في النسخ: وقاسمهما بالله جهداً لأنتما، والمثبت من (م) والمصادر.
(٩) البيت في ديوان الهذليين القسم الأول ص ١٥٨. قوله: نَشُورُها، أي: نجتنيها.
(١٠) ابن عمرو، أبو فيد السدوسي، كان يعد مع سيبويه والنضر بن شُميل، وهو من أصحاب الخليل، توفي
سنة (١٩٥ هـ). السير ٣٠٩/٩. وقد أورد كلامه الثعلبي في قصص الأنبياء ص ٢٤٧، والبغوي في
التفسير ٧٥/١.

١٢٠
سورة البقرة : الآية ٥٧
والتفسير: إنه العسل، واستدلَّ ببيت الهُذليِّ، وذكر أنه كذلك بلغة كنانة، سُمِّيَ به،
لأنه يُسلى به، ومنه: عين السُّلْوان(١)؛ وأنشد (٢):
لو أشربُ السُّلْوانَ ما سَلٍتُ ما بي غِنّى عنك وإن غَنِيتُ
وقال الجوهريُّ(٣): والسلوى العسل، وذكر بيت الهُذَليّ:
ألذُّ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها
ولم يذكر غلطاً .
والسُّلْوانة، بالضم: خَرَزة، كانوا يقولون: إذا صُبَّ عليها ماء المطر، فشَربَه
العاشقُ سلا، قال:
شَرِبتُ على سُلْوانةٍ ماءَ مُزْنَةٍ
فلا وجَدِيدِ العيش يا مَيُّ ما أسْلُو(٤)
واسم ذلك الماء: السُّلْوان .
وقال بعضهم: السُّلوان دواءٌ يُسقاه الحزين فيسلُو، والأطباء يسمونه المُفَرِّح.
يقال: سَلِيتُ وسَلَوْتُ، لغتان. وهو في سَلْوة من العيش، أي: في رَغَد، عن أبي زيد(٥).
الخامسة: واخْتُلِف في السَّلْوى، هل هو جمعٌ أو مفرد؟ فقال الأخفش(٦): لا
واحدَ له(٧) من لفظه، مثل الخير والشر، وهو يُشبهُ أن يكون واحدُه سَلْوَى، مثل
جماعته، كما قالوا: دِفلَى للواحد والجماعة، وسُمَانَى وشُكّاعَى في الواحد
والجميع(٨). وقال الخليل(٩): واحدُه سَلْواة، وأنشد:
(١) في معجم البلدان ١٧٨/٤: سلوان محلة في ربض بيت المقدس تحتها عين عذبة، تسقي جناناً عظيمة،
وقفها عثمان بن عفان رضي الله عنه على ضعفاء البلد، ونقل ياقوت عن عبيد الله الفقير قوله: ليس من
هذا الوصف اليوم شيء ... ولعل هذا كان قديماً.
(٢) هو رؤبة بن العجاج، والبيت في دیوانه ص ٢٥.
(٣) الصحاح: (سلا).
(٤) أمالي ابن الشجري ٢٠٩/١، والصحاح: (سلا).
(٥) الصحاح: (سلا).
(٦) معاني القرآن ٢٦٨/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٧/١ - ٢٢٨.
(٧) في (م): جمع لا واحد له.
(٨) في الصحاح: الدَّفْلَى: نبت مرّ، والشُّكاعی: نبتٌ يُتداوى به.
(٩) المحرر الوجيز ١٤٩/١.