Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة البقرة : الآية ٣٥
وهل يَخْفَى على العَكِدِ (١) الظَّلِيمُ(٢)
وقائلةٍ ظلمتُ لكم سِقائي
ورجلٌ ظِلِيم: شديدُ الظُّلم (٣).
والظّلم: الشِّرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ حُذفت النون من ((كُلاَ)) لأنه أَمْر، وحُذفت الهمزةُ
لكثرة الاستعمال، وحذفُها شاذٌّ. قال سيبويه (٤): من العرب من يقول: أُؤْكُل؛ فيُئِمُّ.
يقال منه: أَكَلْتُ الطعامَ أكْلاً ومَأْكَّلاً. والأَكْلة، بالفتح: المرّةُ الواحدةُ حتى
تشبَعَ، والأُكْلة، بالضم: اللُّقْمة، تقول: أكلتُ أُكْلَةٌ واحدةً [أي: لُقْمة]، وهي
القُرْصةُ أيضاً. وهذا الشيء أُكْلَةٌ لك، أي: طُعْمَةٌ لك، والأُكْلُ أيضاً: ما أُكل،
ويقال: فلانٌ ذو أُكْلٍ: إذا كان ذا حظّ من الدنيا ورزقٍ واسعٍ(٥).
﴿رَغَدًا﴾ نعتٌ لمصدر محذوف، أي: أَكْلاً رَغَداً. قال ابن كَيْسان: ويجوزُ أن
يكون مصدراً في موضع الحال، وقال مجاهد: ((رَغَداً)) أي: لا حسابَ عليهم(٦).
والرَّغَدُ في اللغة: الكثيرُ الذي لا يُعَنِّيكَ، ويقال: أرغَدَ القومُ، إذا وقعوا في خِصْب
وسَعَة. وقد تقدّم هذا المعنى(٧).
و﴿حَيْثُ﴾ مبنيَّة على الضَّم، لأنها خالفت أخواتِها الظروفَ في أنها لا تُضافُ،
فأشبهت ((قبلُ)) و(بعدُ)) إذا أُفْرِدتا، فضُمَّتْ(٨). قال الكسائيُّ: لغةُ قَيس وكِنانة الضمُّ،
ولغةُ تميم الفتحُ. قال الكسائيُّ: وبنو أسَدٍ يخفضونها في موضع الخفض، وينصبونها
(١) في النسخ: العكر (براء) والمثبت من المصدر. والعَكِد: السمين. معجم متن اللغة (عكد).
(٢) البيت في تهذيب اللغة ٣٨٣/١٤، ومقاييس اللغة ٤٦٩/٣، ومجمل اللغة ٦٠٢/١، والصحاح،
واللسان (ظلم).
(٣) الصحاح: (ظلم).
(٤) الكتاب ٢١٩/٤.
(٥) الصحاح (أكل)، وما بين حاصرتين منه.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٥٥٠.
(٧) في المسألة السادسة ص ٤٥٢.
(٨) في (ظ): بضم.

٤٦٢
سورة البقرة : الآية ٣٥
في موضع النصب، قال الله تعالى: ﴿سَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]
وتُضمُّ وتُفتح(١).
﴿وَلَا تَقَرَيَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ الهاء من ((هذه)) بدلٌ من ياء الأصل، لأنَّ الأصلَ:
هذي(٢). قال النحاس(٣): ولا أعلم في العربية هاءَ تأنيثٍ مكسوراً ما قبلَها إلا هاء
((هذه)). ومن العرب من يقول: هاتا هندٌ، ومنهم من يقول: هاتي هندٌ .
وحکی سیپویه(٤): هذه هندٌ، بإسكان الهاء.
وحكى الكسائيُّ عن العرب: ((ولا تَقْرَبا هذي الشجرة)».
وعن شِبْلِ بنِ عَبَّاد(٥) قال: كان ابنُ كَثير وابنُ مُحَيْصِن لا يُثْبِتانِ الهاءَ في ((هذه))
في جميع القرآن(٦).
وقراءةُ الجماعة: ((رَغَدا) بفتح الغين، ورُوِيَ عن ابن وَثَّاب والنَّخَعيِّ أنهما سَكَّنَا
الغين (٧). وحكى سلمةُ عن الفَرّاء قال: يقال: هذه فعلَتْ، وهذي فعلَتْ، بإثبات ياء
بعد الذال، وهذِ فعلَتْ، بكسرِ الذال من غير إلحاقٍ ياءٍ ولا هاء، وهاتا فعلَتْ. قال
هشام(٨): ويقال: تافعلَتْ. وأنشد:
خَلِيليَّ لَوْلًا ساكنُ الدَّارِ لم أُقِمْ
بِتا الدَّارِ إلّا عابرَ ابنَ سبيلٍ(٩)
قال ابنُ الأنباريِّ: و((تا)) بإسقاط ((ها)) بمنزلة ((ذي)) بإسقاط ((ها)) من ((هذي))
وبمنزلة ((ذه)) بإسقاط ((ها)) من ((هذه)). وقد قال الفرّاء: مَن قال: هذِ قامتْ، لا يُسقِط
((ها))، لأنَّ الاسمَ لا يكون على ذالٍ واحدة.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢١٣/١.
(٢) وسلف الكلام فيها ص ٤٥٣ - ٤٥٤ في المسألة الثامنة.
(٣) إعراب القرآن ٢١٤/١.
(٤) الكتاب ٤ / ١٨٢.
(٥) المكي صاحب عبد الله بن كثير المقرئ، مات سنة (١٤٨ هـ)، تهذيب الكمال ٣٥٦/١٢.
(٦) قراءة ابن محيصن سلفت ص ٤٥٣ - ٤٥٤،، وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤ أن في بعض
روایات ابن کثیر: هذي، بالياء.
(٧) المحرر الوجيز ١٢٧/١ وسلفت هذه القراءة ص ٤٥٢.
(٨) ابن معاوية النحوي، سلفت ترجمته ص ٣٠٨.
(٩) البيت من غير نسبة في الزاهر ٢٧٥/١، والمذكر والمؤنث ٢٢٨/١ لابن الأنباري.
٠٠

٤٦٣
سورة البقرة : الآية ٣٦
﴿فَتَكُونَ﴾ عطفٌ على ((تقربا))، فلذلك حُذفت النونُ، وزعم الجَرْميُّ أن الفاءَ هي
الناصبةُ، وكلاهما جائز.
قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخَجَهُمَا مِمَا كَنَا فِيْهِ وَقُلْنَا أَهْرِطُواْ بَعْضُكُمْ
(٣٦)
لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِ اُلْأَرْضِ مُسْنَقَرٌّ وَمَتَُ إِلَی حیٍ
قوله تعالى: ﴿فَأَزَّلَّهُمَا الشَّتْطِنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَةٌ﴾ فيه عشرُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأَزَّلَّهُمَا الشَّيْطَنُ عَنْهَا﴾: قرأ الجماعةُ: ((فَأَزَّلّهما)) بغير
ألف، من الزَّلَّة، وهي الخطيئةُ، أي: استزلَّهما، وأوقعَهما فيه، وقرأ حمزةُ:
((فأزالَهما)) بألف(١)، من التّنحية، أي: نَجَّاهما، يقال: أزلْتُه فزال. قال ابن كَيْسان:
فأزالَهما، من الزوال، أي: صَرَفَهما عمّا كانا عليه من الطاعة إلى المعصية.
قلتُ: وعلى هذا تكون القراءتان بمعنّى، إلّا أنَّ قراءةَ الجماعة أمكنُ في المعنى.
يقال منه: أزْلَلْته فَزَلَّ، ودلّ على هذا قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَّلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا
كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَمَا الشَّيْطَنُ﴾ [الأعراف: ٢٠]. والوسوسةُ
إنَّما هي إدخالُهما في الزَّلَلِ بالمعصية، وليس للشيطان قدرةٌ على زوال أحدٍ من مكان
إلى مكان، إنما قدرتُه [على] إدخاله في الزَّلَل، فيكون ذلك سبباً إلى زواله من مكانٍ
إلی مکان بذنبه.
وقد قيل: إن معنى ((أزلّهما)) مِن: زّلَّ عن المكان: إذا تَنّخَّى، فيكون في المعنى
كقراءة حمزة، من الزوال. قال امرؤ القيس :
ويُلْوي بأثواب العَنيفِ المُثَقَّلِ (٢)
يُزِلُّ الغلامَ الخِفَّ عن صَھَواتِه
وقال أيضاً:
كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالمُتنزِّلِ(٣)
كُمَیْتٍ یَزِلُّ اللُّبْدُ عن حال مَثْنِه
(١) السبعة لابن مجاهد ص١٥٣. والتيسير للداني ص ٧٣.
(٢) ديوانه ص٢٠، والبيت من معلقته، ورواية الديوان: يُطِير الغلامَ، وبمثل رواية المصنف رواه ابن
الأنباري في شرح القصائد ص ٨٧.
(٣) ديوانه ص ٢٠، والبيت من معلقته كذلك. قال الأعلم الشنتمري ١/ ٣٧ گمیت: أحمر اللون، وقيل: أملس
المتن سَهْلُه، والحال: موضعُ اللُّبد من ظهره، والصفواء: الصخرة الملساء، والمتنزَّل: الموضع المنحدر.

٤٦٤
سورة البقرة : الآية ٣٦
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَةٍ﴾ إذا جُعِلَ ((أزال)) من: زال عن
المكان، فقوله: ((فأخَرجَهما)» تأكيدٌ وبيانٌ للزوال، إذ قد يمكنُ أن يزولا عن مكانٍ
كانا فيه إلى مكانٍ آخرَ من الجنة، وليس كذلك، وإنَّما كان(١) إخراجُهما من الجنة إلى
الأرض، لأنهما خُلِقا منها، وليكون آدمُ خليفةً في الأرض.
ولم يَقصِدْ إبليسُ - لعنه الله - إخراجَه منها، وإنما قصَدَ إسقاطه من مرتبته،
وإبعادَه كما أُبعِدَ هو، فلم يبلُغْ مَقْصِدَه، ولا أدركَ مُرادَه، بل ازداد سُخْنَةَ عَين(٢)،
﴿ثُمَّ أَجْتَهُ رَبُُّ فَبَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾
وغَيظَ نفسٍ، وخَیبةً ظنّ. قال الله جلّ ثناؤه:
[طه: ١٢٢]، فصار عليه السلام خليفةَ الله في أرضه بعدَ أن كان جاراً له في داره، فكم
بين الخليفةِ والجار ◌َ ل. ونُسب ذلك إلى إبليس، لأنه كان بسببه وإغوائه.
ولا خلافَ بين أهل التأويل وغيرهم أنَّ إبليسَ كان متولِّي إغواء آدم، واختُلفَ في
الكيفية، فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء: أغواهما مشافهةً(٣)، ودليلُ
ذلك قولُه تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَاْ إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، والمقاسمةُ
ظاهرُها المشافهة. وقال بعضهم - وذكره عبد الرزاق(٤) عن وَهْبٍ بنِ مُنَبِّه ـ: دخل
الجنةَ في فم الحيّة، وهي ذاتُ أربعٍ كالبُخْتِيَّة(٥)، من أحسن دابةٍ خلقها الله تعالى،
بعد أن عرضَ نفسَه على كثيرٍ من الحيوان، فلم يُدْخِلْه إلا الحيّةُ، فلما دخلَتْ(٦) به
الجنةَ خرجَ من جَوْفها إبليسُ، فأخذَ من الشجرة التي نهى الله آدمَ وزوجَه عنها؛ فجاء
بها إلى حوّاءَ، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحَها، وأطيبَ طعمها،
وأحسنَ لونَها! فلم يزل يُغْوِيها حتى أَخَذَتْها حوّاءُ، فأكلَتْها، ثم أغْوَى آدَمَ، وقالت له
حوّاء: كُلْ؛ فإني قد أكلتُ، فلم يضرَّني(٧)، فأكلَ منها، فبدَتْ لهما سواتُهما،
(١) في (ظ): فإنما جاز.
(٢) سُخْنَةُ العين ضدُّ قُرَّتِها.
(٣) أخرجه الطبري ١/ ٥٦٣.
(٤) في تفسيره ٢٢٦/٢، والخبر من الإسرائيليات.
(٥) في (د): كالنجيبة.
(٦) في (ظ): فلما أدخلته.
(٧) في (د): تضرني.

٤٦٥
سورة البقرة : الآية ٣٦
وحصلا في حكم الذنب، فدخل آدمُ في جوف الشجرة، فناداه ربُّه: أين أنت؟ فقال:
أنا هذا يا ربّ، قال: ألا تخرجُ؟ قال: أستحيي(١) منك يا ربّ، قال: اهبِظُ إلى
الأرض التي خُلقت منها. ولُعنت الحيّةُ، ورُدَّت قوائمُها في جوفها، وجُعلت العداوةُ
بينها وبين بني آدم، ولذلك أُمِرنا بقتلها، على ما يأتي بيانُه. وقيل لحوّاء: كما أدْمَيْتِ
الشجرةَ فكذلك يصيبُكِ الدّمُ كلَّ شهرٍ، وتحملين وتضعين كُرْهاً تُشرِفين به على الموت
مراراً (٢)! زاد الطبريُّ(٣) والنقاش: وتكوني سَفِيهةً وقد كنتِ حَلِيمٌ.
وقالت طائفة: إنَّ إبليسَ لم يدخل الجنةَ إلى آدم بعد ما أُخرج منها، وإنَّما أَغوى
بشيطانه وسلطانه ووسواسه(٤) التي أعطاه الله تعالى؛ كما قال ◌َله: ((إنَّ الشيطانَ
يجري من ابن آدم مَجْرَى الدَّم»(٥). والله أعلم.
وسيأتي في الأعراف(٦) أنه لمَّا أكلَ بقيَ عُرْياناً، وطلبَ ما يَستَتِرُ به، فتباعَدَتْ عنه
الأشجارُ وبَكَّتُوه بالمعصية، فرحمته شجرةُ(٧) التّين، فأخذَ من ورقه(٨) فاستتر به،
فُلَيَ بالعُرْيِ دونَ الشجر(٩)! والله أعلم .
وقيل: إنَّ الحكمةَ في إخراج آدمَ من الجنة عمارةُ الدنيا(١٠).
(١) في (م) أستحي (بياء واحدة) وكلاهما صحيح.
(٢) أخرجه الطبري ٥٦١/١-٥٦٢، والخبر من الإسرائيليات التالفة. قال الشيخ محمد أبو شهبة رحمه الله
في الإسرائيليات في كتب التفسير ص ١٨٠: وسوسة إبليس لآدم لا تتوقف على دخوله في بطن الحية،
إذ الوسوسة لا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه، والحية خلقها
الله يوم خلقها على هذا، ولم تكن لها قوائم كالبختي، ولا شيء من هذا.
(٣) تفسير الطبري ١/ ٥٦٥-٥٦٦، ولكن هذه الزيادة في حديث ابن زيد، وليست في حديث ابن وهب،
وينظر المحرر الوجيز ١٢٨/١.
(٤) في (د) و(ظ): ووساوسه.
(٥) سلف تخريجه ص ٤٤٩.
(٦) عند تفسير الآية (٢٢).
(٧) في (ز): فرحمه شجر.
(٨) في (ظ): ورقها.
(٩) الخبر من الإسرائيليات، ولا يلتفت إليه.
(١٠) في (د) و (ظ): الأرض.

٤٦٦
سورة البقرة : الآية ٣٦
الثالثة: يُذكر أنَّ الحيةَ كانت خادمَ آدَمَ عليه السلام في الجنة، فخانته بأن مگنت
عدوَّ الله من نفسها، وأظهرتِ العداوةَ له هناك، فلمَّا أُهبِطوا تأكَّدت العداوةُ، وجُعِل
رزقُها الترابَ، وقيل لها: أنتِ عدوُّ بني آدم، وهم أعداؤك، وحيثُ لَقِيَك منهم أحدٌ
شَدَخِ رَأْسَك(١).
روى ابنُ عمر عن رسول اللهِوَ ◌ّ قال: ((خمسٌ يقتلُهنَّ المُحْرِمُ» (٢) فذكَر الحيةَ
فیھن(٣).
ورُويَ أنَّ إبليسَ قال لها: أدخِلِيني الجنةَ وأنتِ في ذِمَّتي. فكان ابنُ عباس يقول:
أخْفِرُوا ذِمَّةً إبليس(٤).
ورَوَتْ ساكنةُ بنتُ الجَعْد، عن سَرَّى(٥) بنت نَبْهان الغَنَويَّة قالت: سمعتُ
رسول الله وَله يقول: ((اقتُلوا الحيَّاتِ؛ صَغِيرَها وكَبِيرَها، وأسودَها وأبيضَها، فإنَّ مَنْ
قتلَها كانَتْ له فِداءً من النار، ومَنْ قَتَلَتْه كان شهيداً))(٦).
قال علماؤنا: وإنَّما كانت له فداءً من النار لمشاركتها إبليسَ وإعانته على ضررٍ
آدَمَ وولدِهِ، فلذلك كان مَن قتلَ حيَّةً فكأنَّما قتلَ كافراً (٧). وقد قال رسول الله وَله:
((لا يجتمعُ كافرٌ وقاتلُهُ في النار أبداً)). أخرجه مسلم(٨) وغيره.
(١) الخبر من الإسرائيليات، وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص ٥٠.
(٢) في (د) و(ظ): خمس يقتلن في الحرم.
(٣) ذكره بهذا اللفظ الحكيم الترمذي في نوادره ص ٥٠، وأخرجه أحمد (٤٥٤٣)، والبخاري
(١٨٢٨)، ومسلم (١١٩٩)، بنحوه، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٥٦٧٨)، ومسلم (١١٩٨) من حديث
عائشة رضي الله عنها.
(٤) ذكره الحكيم الترمذي ص ٥٠، وأخرجه الطبري في التفسير ٥٦٦/١-٥٦٧، وفي إسناده ضعف.
(٥) في (م): سرّاء، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: بفتح أولها وتشديد الراء، مع المد، وقيل القصر،
صحابية لها حديث.
(٦) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٤/ (٧٧٩)، (وتحرف فيه ساكنة إلى شاكية) وفيه أحمد بن الحارث
الغساني، قال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل ٢/ ٤٧: متروك الحديث.
(٧) إشارة إلى حديث ابن مسعود رضي الله عنه: ((من قتل حية فكأنما قتل رجلاً مشركاً قد حلَّ دمه» روي
مرفوعاً وموقوفاً، ووقفُه أصح كما في المسند (٣٧٤٦).
(٨) برقم (١٨٩١): (١٣٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أيضاً أحمد في المسند (٩١٦٣).

٤٦٧
سورة البقرة : الآية ٣٦
الرابعة: روى ابنُ جُريج، عن عَمرِو بنِ دِينار، عن أبي عبيدة، عن(١) عبد الله بن
مسعود قال: كنَّا مع النبيِّ وَ لا بمنّى، فمرَّت حيّة، فقال رسول الله بَّ: ((اقتلوها)).
فسبقتنا إلى جُخْر، فدخلَتْه، فقال رسول الله وَّهِ: ((هاتوا بسَعَفةٍ ونارٍ، فأضرِموها عليه
ناراً))(٢).
قال علماؤنا: وهذا الحديثُ يخصُّ نهيَه عليه السلام عن المُثْلة(٣)، وعن أن
يُعذِّبَ أحدٌ بعذابِ اللهِ تعالى، قالوا: فلم يُبقِ لهذا العدوّ حُرْمةً حيث فاتَه، حتى
أوصل إلیه الهلاك من حیث قَدِر.
فإن قيل: قد رُويَ عن إبراهيمَ النَّخَعيّ أنه كَرِهَ أن تُحرَّقَ(٤) العقربُ بالنار،
وقال: هو مُثْلَةٍ(٥). قيل له: يحتملُ أن يكون لم يبلُغه هذا الأثرُ عن النبيِّ وََّ،
وعَمِلَ على الأثر الذي جاء أنْ: ((لا تُعذِّبوا بعذابِ الله))(٦)، فكان على هذا سبيلٌ
العملِ عنده.
فإن قيل: فقد روى مسلمٌ(٧) عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع النبيِّ نَّر في غار
وقد أُنزلت عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا﴾، فنحن نأخُذُها مِنْ فِيهِ رَظْبةً، إذْ خرجَتْ علينا
حيّة، فقال: ((اقتُلُوها))، فابتدرناها لِنقتلَها، فسبَقَتْنا، فقال رسولُ الله وَلّ: ((وقاها الله
شَرَّكم كما وقاكم شَرَّها)». فلم يُضرِمْ ناراً، ولا احتالَ في قتلها؟
قيل له: يحتملُ أن يكون لم يجد ناراً فتركها، أو لم يكن الجُحْر بهيئةٍ يُنتفع بالنار
هناك مع ضررِ الدخان، وعدم وصوله إلى الحيوان. والله أعلم.
وقوله: ((وقاها الله شرّكم)) أي: قَتْلَكم إيّاها، ((كما وقاكم شَرَّها)) أي: لَسْعَها.
(١) في النسخ: بن، وهو خطأ، فالحديث من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، كما في
مصادر الحديث.
(٢) أخرجه أحمد (٣٦٤٩)، والنسائي في المجتبى ٢٠٩/٥، وينظر نوادر الأصول ص ٥٠.
.(٣) ينظر في مسند أحمد حديث ابن عمر (٤٦٢٢)، وحديث المغيرة بن شعبة (١٨١٥٢).
(٤) في (د) و(ظ): يحرق.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٤١٦).
(٦) أخرجه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.
(٧) في صحيحه (٢٢٣٤)، وأخرجه البخاري كذلك (١٨٣٠)، وهو في المسند (٤٠٦٣).

٤٦٨
سورة البقرة : الآية ٣٦
الخامسة: الأمْرُ بقتل الحَيَّات من باب الإرشاد إلى دَفْعِ المَضَرَّةِ المَخُوفة من
الحيَّات، فما كان منها متحقَّقُ الضَّرر، وجَبَتْ المبادرةُ إلى قتله، لقوله: ((اقتلوا
الحيَّات، واقتلوا ذا الطُّفْيَتَيْن والأبْتَر، فإنَّهما يَخْطِفانِ البصرَ، ويُسقِطانِ الحَبَلَ))(١).
فخصَّهما بالذِّكر مع أنَّهما دخلا في العموم، ونبَّه على [أن] ذلك بسببٍ عِظَم(٢)
ضررهما. وما لم يتحقَّق ضررُه؛ فما كان منها في غير البيوت قُتل أيضاً، لظاهر
الأمر العام، ولأنَّ نوعَ الحيات غالبُه الضَّرر، فيُستصحَبُ ذلك فيه، ولأنه كلَّه مُرَوِّعٌ
بصورته، وبما في النفوس من النُّفرة عنه، ولذلك قال ◌َله: ((إنَّ الله يحبُّ الشجاعةَ
ولو على قتل حيَّة))(٣). فشَجَّعَ على قتلها. وقال فيما خرَّجه أبو داود(٤) من حديث
عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((اقتلوا الحيَّاتِ [كلَّهن]، فمن خافَ ثأرهنَّ فليس منّي).
(٥)
والله أعلم(٥).
السادسة: ما كان من الحيّات في البيوت؛ فلا يُقتَلُ حتى يُؤذّنَ ثلاثةَ أيام، لقوله
عليه السلام: ((إنَّ بالمدينة جِنّاً قد أسلموا، فإذا رأيتُم منهم شيئاً؛ فآذِنُوه ثلاثةَ أيام))(٦).
وقد حملَ بعضُ العلماءِ هذا الحديثَ على المدينة وحدَها لإسلام الجنِّ بها؛ قالوا:
ولا نعلمُ هل أسلم مِن جنٍّ غيرِ المدينة أحدٌ أمْ(٧) لا. قاله ابنُ نافع. وقال مالك: يُنهى(٨)
(١) أخرجه البخاري (٣٢٩٧)، ومسلم (٢٢٣٣) (١٢٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وذو
الطفيتين: ضرب من الحيات في ظهره خطان أبيضان، وعنهما عبر بالطفيتين، وأصل الطفية: خُوص
المُقْل، فشبه الخط الذي على ظهر هذه الحية به. المفهم ٥/ ٥٣٢ - ٥٣٣.
(٢) في (د) و(ظ): عظيم.
(٣) أخرجه مطولاً ابن عدي في الكامل ١٥٠٢/٤، وذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة ٧٧/٢ نقلاً عن
ابن عدي، ثم قال: لا يصح، عبد الله بن محمد يروي الموضوعات عن الأثبات. وذكر الفتني في
تذكرة الموضوعات ص٦٤ أن الصغاني حكم عليه بالوضع.
(٤) في سننه (٥٢٤٩)، وما بین حاصرتین منه.
(٥) هذه الفقرة والتي تليها نقلهما المؤلف من شيخه أبي العباس القرطبي من المفهم ٥٣٠/٥ - ٥٣١. وما
بین حاصرتین منه.
(٦) سيرد تخريجه في الصفحة ٤٧٠.
(٧) في (م): أو.
(٨) في (م): نھی.

٤٦٩
سورة البقرة : الآية ٣٦
عن قتل جِنَّان(١) البيوت في جميع البلاد. وهو الصحيحُ؛ لأنَّ الله عز وجل قال: ﴿وَإِذْ
صَرَفْنَاْ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية. وفي ((صحيح))
مسلم(٢) عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ ◌َ لي قال: ((أتاني داعي الجنّ، فذهبتُ
معهم، وقرأتُ(٣) عليهم القرآنَ))، وفيه: وسألوه الزادَ، وكانوا من جِنّ الجزيرة.
الحديث. وسيأتي بكماله في سورة الجن إن شاء الله تعالى.
وإذا ثبتَ هذا؛ فلا يُقتل شيءٌ منها حتى يُحرَّجَ عليه ويُنذَر، على ما يأتي بيانهُ إن
شاء الله تعالى.
السابعة: روى الأئمةُ عن أبي السَّائب مَوْلى هشام بنِ زُهْرة، أنه دخل على أبي
سعيد الخُدْريّ في بيته، قال: فوجدتُه يصلِّي، فجلستُ أنتظر(٤) حتى يقضيّ صلاتَهِ،
فسمعتُ تحريكاً في عَراجِينَ ناحيةَ البيت، فالتفتُّ، فإذا حيَّةٌ، فوثبتُ لأقتلَها، فأشارَ
إليَّ أنِ اجْلِسْ، فجلستُ، فلما انصرفَ أشارَ إلى بيتٍ في الدار، فقال: أتّرى هذا
البيتَ؟ فقلتُ: نعم. فقال: كانَ فيه فَتَّى منَّا حديثُ عهدٍ بِعُرْس. قال: فخرَجْنا مع
رسول الله له إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذنُ رسولَ الله پڼ بأنصاف النهار،
فيرجعُ إلى أهله، فاستأذنَه يوماً، فقال [له] رسول الله وَله: ((خُذْ عليكَ سلاحكَ، فإنِّي
أخْشَى عليك قُرَيْظَة)). فأخذَ الرجلُ سلاحَه ثم رَجَع، فإذا امرأتهُ بين البابين قائمةٌ،
فأهْوَى إليها الرُّمح(٥) لِيطعُنَها به، وأصابته غَيرٌ، فقالت له: اكفُفْ عليك رمحَك،
وادخل البيتَ حتى تنظرَ ما الذي أخرجني. فدخل، فإذا بحيَّةٍ عظيمة منطوية على
الفراش، فأهْوَى إليها بالرمح، فانتظَمَها به، ثم خرج، فرَكّزه(٦) في الدار، فاضطربت
عليه، فما يُذْرَى (٧) أيُّهما كان أسرعَ موتاً، الحيّةُ أم الفتى! قال: فجئنا إلى
(١) في (د) و(ز): حيات، وفي (ظ): الحيات، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المفهم ٥٣١/٥
والجِنَّان بتشديد النون، جمع الجان، حيّة بيضاء صغيرة دقيقة. المفهم ٥٣٤/٥.
(٢) (٤٥٠): (١٥٠).
(٣) في (م): فقرأت.
(٤) في (م): أنتظره.
(٥) في (م): بالرمح.
(٦) في (ظ): فأركزها.
(٧) في (د) و(ظ): ندري.

٤٧٠
سورة البقرة : الآية ٣٦
رسول الله ﴿، فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادعُ الله يُحييه [لنا]، فقال: ((استغفروا
لأخيكم)). ثم قال: ((إنَ بالمدينة جِنّاً قد أسلموا، فإذا رأيتُم منهم شيئاً، فآَذِنوه ثلاثةً
أيام، فإنْ بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه؛ فإنَّما هو شيطانٌ))(١).
وفي طريق أُخرى: فقال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ لهذه البيوت عَوامِرَ، فإذا رأيتُم شيئاً
منها؛ فَحرِّجُوا عليها ثلاثاً، فإنْ ذهبَ؛ وإلا فاقتلوه، فإنه كافرٌ)). وقال لهم: ((اذهبوا
فادفِنُوا صاحبكم))(٢).
قال علماؤنا رحمة الله عليهم(٣): لا يُفهمُ من هذا الحديث أنَّ هذا الجانَّ الذي
قتلَه الفتى(٤) كان مسلماً، وأن الجنَّ قتلته به قِصاصاً؛ لأنه لو سُلِّم أنَّ القِصاصَ
مشروعٌ بيننا وبين الجنِّ، لكان(٥) إنما يكون في العمد المحض، وهذا الفتى لم يَقْصِدْ
ولم يَتَعمَّدْ قتلَ نفسٍ مسلمة، إذْ لم يكن عنده علمٌ من ذلك، وإنَّما قصدَ إلى قتل ما
سُوِّغَ قتلُ نوعهِ شرعاً، فهذا قتلُ خطأ، ولا قِصاصَ فيه، فالأولى أن يقال: إن كفارَ
الجنِّ - أو فَسَقَتَهم - قتلُوا الفتى بصاحبهم عَدْواً (٦) وانتقاماً.
وقد قتلتْ سعدَ بنَ عُبادة رضي الله عنه؛ وذلك أنه وُجِدَ ميتاً في مغتسله وقد
اخضرَّ جسدُه، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول ولا يرونَ(٧) أحداً:
رَجِ سَعْدَ بِنَ عُبادَه
قد (٨) قتلنا سيِّدَ الخَزْ
ورَمَيْناه بسهمَبـ
من فلم نُخْطِ فؤادَه(٩)
وإنما قال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ بالمدينةِ جِنّاً قد أسلمُوا)) لِيُبيِّنَ طريقاً يحصُلُ به التحرُّزُ
(١) أخرجه مسلم (٢٢٣٦): (١٣٩)، وما بين حاصرتين منه.
(٢) هو عند مسلم أيضاً (٢٢٣٦): (١٤٠).
(٣) قاله أبو العباس القرطبي، في المفهم ٥٣٨/٥.
(٤) في (م): قتله هذا الفتى.
(٥) في النسخ والمفهم: لكن، والمثبت من (م).
(٦) في (ظ): عدواناً.
(٧) في (٥): ولم يَرَو.
(٨) في (ظ): نحن.
(٩) الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ٣٩٠-٣٩١، والاستيعاب (بهامش الإصابة) ١٥٩/٤.

٤٧١
سورة البقرة : الآية ٣٦
من قتلِ المسلم منهم، ويتسلَّط به على قتل الكافر منهم.
رُوِيّ من وجوهٍ أنَّ عائشةَ زوجَ النبيّ ◌َّه قتلَتْ جانّاً(١)، فأُرِيتْ في المنام أن قائلاً
يقول لها: لقد قتلتٍ مسلماً، فقالت: لو كان مسلماً لم يدخُلْ على أزواج النبيِّ وَّل.
قال: ما دخلَ عليك إلا وعليكِ ثيابُك. فأصبحت فأمرَتْ باثني عشرَ ألفٍ درهم؛
فَجُعِلت في سبيل الله. وفي رواية: ما دخلَ عليكِ إلا وأنت مستترةٌ. فتصدَّقَتْ(٢)
وأعتقَتْ رِقاباً(٣).
وقال الربيع بنُ بدر(٤): الجانُّ من الحيَّات التي نَهى رسول الله وَّه عن قتلها هي
التي تمشي ولا تلتوي. وعن علقمةً نحوه(٥).
الثامنة: في صفة الإنذار؛ قال مالك: أحَبُّ إليَّ أنْ يُنْذَرُوا ثلاثةَ أيام. وقال(٦)
عيسى بنُ دينار: وإن ظهرَ في اليوم مراراً، ولا يُقتَصَر على إنذاره ثلاثَ مِرارٍ في يوم
واحد حتى يكونَ في ثلاثة أيام.
وقيل: يكفي ثلاثُ مِرارٍ، لقوله عليه السلام: ((فَلْيُؤْذِنْهُ ثلاثاً))، وقوله: ((حَرِّجُوا
عليه ثلاثاً))، ولأنَّ ثلاثاً للعدد المؤنث، فظهرَ أن المرادَ ثلاثُ مرَّات.
وقولُ مالكٍ أَولى؛ لقولهِ عليه السلام: ((ثلاثةَ أيام)». وهو نَصٌُّ صحيحٌ مقيِّد لتلك
المُظْلَقات، ويُحمل ((ثلاثاً) على إرادة ليالي الأيام الثلاث، فغلَّبَ الليلةَ على عادة
العرب في باب التاريخ، فإنها تُغلِّبُ فيها التأنيثَ.
قال مالك: ويكفي في الإنذار أن يقول: أُحَرِّجُ عليكَ بالله واليوم الآخر ألا تَبْدُوا
لنا، ولا تُؤْذُونا(٧).
(١) في (ز): جناناً، وفي (ظ): جناً.
(٢) في النسخ: فصدقت، والمثبت من (م).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٧٧/١١، والحارث في مسنده (٤١٩) (زوائد)، وأبو نعيم في الحلية ٤٩/٢،
وابن عبد البر في التمهيد ١١٨/١١.
(٤) لعله ابن عمرو، أبو العلاء البصري، الملقب عُليلة، مات سنة (١٧٨هـ)، من رجال التهذيب، ضعيف.
(٥) ذكر القولين الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٥١.
(٦) في (ز) و(م): وقاله، والمثبت من (د) و(ظ) والمفهم.
(٧) المفهم ٥٣٨/٥.

٤٧٢
سورة البقرة : الآية ٣٦
وذكر ثابتٌ البُنانيُّ عن عبد الرحمن بنِ أبي ليلى أنه ذُكِرَ عنده حياتُ البيوت،
فقال: إذا رأيتُم منها شيئاً في مساكنكم فقولوا: أَنشُدكم بالعهد الذي أخذَ عليكم نوحٌ
عليه السلام، وأَنشُدكم بالعهد الذي أخذَ عليكم سليمانُ عليه السلام، فإذا رأيتُم منهنَّ
شيئاً بعدُ، فاقتُلُوه(١).
قلتُ: وهذا يدلُّ بظاهره أنه يكفي في الإذْن مرَّةٌ واحدةٌ، والحديثُ يردُّه. والله أعلم.
وقد حكى ابنُ حبيب عن النبيِّ وَِّ أنَّه يقول: ((أَنْشُدُكنَّ بالعهد الذي أخذَ عليكنَّ
سليمانُ عليه السلام ألاّ تُؤْذِينَنا، وألاّ تَظْهَرْنَ علينا))(٢).
التاسعة: روى جُبيرُ بن(٣) نُفير، عن أبي ثعلبةَ الخُشَني - واسمه جُرْثُوم - أنَّ
رسولَ اللهِ وَ ﴿ قال: ((الجِنُّ على ثلاثة أثلاث: فثلُثُ لهم أجنحةٌ يطيرونَ في الهواء،
وثُلُثُ حياتٌ وكلابٌ، وثلثٌ يَحُلُّون (٤) ويَظعَنون))(٥).
وروى أبو الدَّرداء - واسمه عُوَيْمر - قال: قال رسولُ اللهِ له: ((خُلِقَ الجنُّ ثلاثةَ
أثلاث: فتُلُثْ كلابٌ وحيَّاتٌ وخَشاشُ الأرض، وثُلُثْ رِيحٌ هَقَّافةٌ، وثُلُثُّ كبني آدمَ،
لهم الثوابُ وعليهم العقابُ، وخَلَقَ اللهُ الإنسَ ثلاثةَ أثلاثٍ: فثُلُثْ لهم قلوبٌ
لا يفقهون بها، وأعينٌ لا يُبْصِرُون بها، وآذانٌ لا يسمعونَ بها، إنْ هم إلا كالأنعام،
بل هم أضلّ سبيلاً، وثلثٌ أجسادُهم كأجسادِ بني آدمَ، وقلوبُهم قلوبُ(٦) الشياطين،
وثلثٌ في ظلِّ الله يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه))(٧).
العاشرة: ما كانَ من الحيوان أصلُه الإذايةُ، فإنه يُقتلُ ابتداءً؛ لأجل إذايته من غير
(١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٦٤/١٦ - ٢٦٥.
(٢) المفهم ٥٣٨/٥ - ٥٣٩.
(٣) في (م): عن، وهو خطأ.
(٤) في (د): يرتحلون.
(٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٦٥/١٦، والاستذكار ٢٦٠/٢٧ -٢٦١، وقال عقبه: وهذا إسناد
جيد، رواته أئمة ثقات.
(٦) في (ز) و(ظ): كقلوب.
(٧) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٦٦/١٦ - ٢٦٧، وذكر ابن عبد البر أن حديث أبي ثعلبة (السالف
قبله) خير منه إسناداً .

٤٧٣
سورة البقرة : الآية ٣٦
خِلاف، كالحيّة، والعقرب، والفأر (١)، والوَزَغ، وشِبْهِه. وقد قال رسولُ الله وَله:
((خمسٌ فواسقُ يُقتلن في الحِلِّ والحَرَم)) (٢). وذكر الحديث.
فالحيّةُ أبدَتْ جوهرَها الخبيثَ حيث خانت آدمَ بأن أدخلت إبليسَ(٣) الجنةَ بين
فَكَّيها، ولو كانت تُبرِزُه ما تركها (٤) رضوانُ تدخلُ به، وقال لها إبليسُ: أنتِ في
ذِمَّتي(٥)، فأمرَ رسول الله وَّه بقتلها، وقال: ((اقتُلُوها ولو كنتمُ في الصلاة))(٦) يعني:
الحيةً والعقربَ.
والوَزَغةُ نفخت على نارٍ إبراهيم عليه السلام من بين سائر الدوابٌّ فلُعِنت، وهذا
من نوع ما يُرْوى(٧) في الحية (٨). ورُويَ عن رسول الله وَ له قال: ((مَنْ قتلَ وَزَغةً فكأنَّما
قتل كافراً))(٩). وفي ((صحيح) مسلم(١٠)، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌ٍَّ: ((مَن قتل
وَزَغةً في أوّل ضربةٍ، كُتبت له مئةُ حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون
ذلك)) وفي راويةٍ أنه قال: ((في أوَّل ضربةٍ سبعين(١١) حسنةً)).
والفأرةُ أبدَتْ جوهرَها بأن عمَدت إلى حبالٍ سفينة نوح عليه السلام، فقطعتها(١٢).
وروى عبد الرحمن بنُ أبي نُعْم (١٣)، عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ أنَّ رسولَ الله وَّه قال:
(١) في (ظ): والفأرة.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) (٦٧) من حديث عائشة.
(٣) في (٥): دخلت بإبليس.
(٤) في النسخ: تركه، والمثبت من (م).
(٥) تفسير الطبري ٥٦٦/١، والخبر من الإسرائيليات، ولا يلتفت إليه.
(٦) أخرجه الحاكم ٤/ ٢٧٠، والبيهقي ٧/ ٢٧٢ من حديث ابن عباس.
(٧) في (د) و(ز): روي.
(٨) أخرج البخاري (٣٣٥٩)، ومسلم (٢٢٣٧) من حديث أم شريك أن النبي ﴿ ﴿ أمرَ بقتل الأوزاغ. وقال:
((كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام)).
(٩) سلف ص ٤٦٦ بلفظ: من قتل حية، وأن وقفه أصح.
(١٠) (٢٢٤٠): (١٤٧).
(١١) في (م): ((سبعون)).
(١٢) تاريخ الطبري ١/ ١٨١، ونوادر الأصول ص١٣١، والخبر من الإسرائيليات.
(١٣) في النسخ: نعيم، وهو خطأ.

٤٧٤
سورة البقرة : الآية ٣٦
((يَقتل المُخْرِمُ الحيّةَ، والعقربَ، والحِدأةَ والسَّبُعَ العادِيَ، والكلبَ العقورَ،
والفُوَيْسِقَة)). واستيقظَ رسولُ اللهِوَّه وقد أخَذَتْ فَتِيلةً لِتَحْرِقَ البيتَ، فأمرَ رسولُ الهِله
بقتلها(١).
والغرابُ أبدى جَوْهرَه حيثُ بَعَثَه نبيُّ الله نوح عليه السلام في السفينة ليأتيَه بخبر
الأرض، فتركَ أمرَه، وأقبلَ على جِيفةٍ(٢).
هذا كلُّه في معنى الحيّة، فلذلك ذكرناه. وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيانٍ في التعليل
في المائدة وغيرها إن شاء الله تعالى(٣).
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا أَهْيِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فيه سبعُ(٤) مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا أَخْبِطُواْ﴾ حُذفت الألفُ من ((اهِطُوا)) في اللفظ؛
لأنها ألفُ وصل، وحُذفت الألفُ من ((قلنا)) في اللفظ لسكونها وسكون الهاء بعدَها.
وروى محمد بنُ مصَفَّى(٥) عن أبي حَيْوَةً ضمَّ الباء في ((اهبطوا))(٦)، وهي لغةٌ
يُقَوِّيها (٧) أنه غيرُ متعدٍّ، والأكثرُ في غير المتعدِّي أن يأتيَ على يَفْعُل.
والخطابُ لآدمَ وحواءَ والحيةِ والشيطان في قول ابن عباس(٨)، وقال الحسن:
آدم وحواءُ والوسوسة(٩)، وقال مجاهدٌ والحسنُ أيضاً: بنو آدمَ وبنو إبليس(١٠).
(١) أخرجه أحمد (١١٧٥٥)، وأبو داود (١٨٤٨)، والترمذي (٨٣٨)، وابن ماجه (٣٠٨٩)، وفي الباب عن
ابن عمر أخرجه أحمد (٤٤٦١)، والبخاري (١٨٢٧)، ومسلم (١١٩٩)، وعن جابر أخرجه البخاري
(٣٣١٦)، وعن عائشة رضي الله عنها أخرجه أحمد (٢٤٠٥٢)، والبخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨).
(٢) تاريخ الطبري ١٨١/١، ونوادر الأصول ص ١٣٢، والخبر من الإسرائيليات.
(٣) في تفسير الآية (٩٥) من سورة المائدة.
(٤) في (ظ): تسع.
(٥) أبو عبد الله القرشي، الحافظ، عالم أهل حمص، العبد الصالح، مات سنة (٢٤٦هـ). السير ١٢/ ٩٤.
(٦) المحرر الوجيز ١٢٩/١. وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٦ لقوله تعالى: ﴿أقبِطُوا
مِصْرًا﴾، الآية (٦١)، وليس لهذه الآية، وزاد نسبتها للحسن.
(٧) في (د): يقرأ بها.
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٥٧٣، ونقله ابن عطية في المحرر الوجيز ١٢٩/١ عن السدي.
(٩) المحرر الوجيز ١٢٩/١.
(١٠) قول مجاهد أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٥٧٣، وقول الحسن ذكره الماوردي في النكت والعيون ١٠٨/١.

٤٧٥
سورة البقرة : الآية ٣٦
والهبوطُ: النزول من فوق إلى أسفل، فأُهبِطَ آدمُ بسَرَنْدِيبَ في الهند بجبل يقال
له: (نَوْذ))(١)، ومعه ريحُ الجنة، فعَلِقَ بشجرها وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طِيباً، فمن
ثَمَّ يُؤتى بالطّيب من ريح آدَمَ عليه السلام. وكان السحابُ يمسحُ رأسَه فأصلع، فأورث
ولدَه الصَّلَعِ(٢)!
وفي البخاريِّ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ بَ ◌ّ قال: ((خَلَقَ اللهُ آدَمَ وطولُه ستُّون
ذراعاً)) الحديث. وأخرجه مسلم وسيأتي(٣). وأُهبطت حواء بجُدَّة، وإبليسُ بالأُبُلّة،
والحيّة بِبَيْسان، وقيل: بِسَجِستان، وسجستان أكثرُ بلاد الله حياتٍ، ولولا العِرْبَدُّ
الذي يأكلُها ويُفني كثيراً منها، لأُخليت سجستانُ من أجل الحيات. ذكره أبو الحسن
المسعوديُّ(٤).
الثانية: قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ((بعضكم)) مبتدأ، ((عدوّ)) خبرُه،
والجملةُ في موضع نصبٍ على الحال، والتقديرُ: وهذه حالُكم. وحُذفت الواو من:
وبعضُكم؛ لأنَّ في الكلام عائداً، كما يقال: رأيتُك السماءُ تمطر عليك.
والعدوّ: خلافُ الصَّدِيقِ، وهو مِنْ: ((عدا)): إذا ظَلَم، وذئب عَدَوان: يَعْدُو على
الناس، والعُذْوان: الظّلم الصُّراح. وقيل: هو مأخوذٌ من المجاوزَة؛ من قولك: لا
يَعْدُوك هذا الأمرُ؛ أي: لا يتجاوزك، وعدَاه: إذا جاوزه، فسُمِّي عدوّاً لمجاوزة
الحدّ في مكروهِ صاحبِه؛ ومنه العَدْوُ بالقَدَم لمجاوزة المَشْي(٥)، والمعنيان متقاربان،
فإنَّ من ظلم فقد تجاوز (٦).
(١) في النسخ الخطية: بود، وفي (م): بوذ. وهي بفتح النون وسكون الواو وبالذال المعجمة. كما قيدها
ياقوت في معجم البلدان ٣١٠/٥.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٣٥ مطولاً. وفي إسناده الكلبي، وهو متهم بالكذب.
(٣) صحيح البخاري (٣٣٢٦)، وصحيح مسلم ٢٨٤١). وهو في مسند أحمد (٨١٧١)، وسيرد في تفسير
الآية (٨٦) من سورة النساء، والآية (٧) من سورة الفجر.
(٤) مروج الذهب ٦٠/١. والعِرْبَدُّ: نوع من الحيات. الحيوان للجاحظ ٢١/٦، ٣٣، ٤٧٣. وأبو الحسن
المسعودي: هو علي بن الحسين، البغدادي، كان معتزلياً، توفي سنة (٣٤٥ هـ). السير ١٥/ ٥٦٩.
(٥) في (م) و(د) و(ز): ((الشيء))، والمثبت من (ظ).
(٦) مجمل اللغة: (عدا).

٤٧٦
سورة البقرة : الآية ٣٦
قلت: وقد حملَ بعضُ العلماء قولَه تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ على الإنسان
نفسِه، وفيه بُعْدٌ، وإن كان صحيحاً معنًى، يدلُّ عليه قولُه عليه السلام: ((إنَّ العبدَ إذا
أصبَحَ تقول جوارحُهُ للسانه: اتَّقِ اللهَ فينا، فإنك إن(١) استقمتَ استقمنا، وإنٍ
اعْوَ جَجْتَ اعْوَ جَجْنا))(٢).
فإن قيل: كيف قال: ((عدوّ))، ولم يقل: أعداء؟ ففيه جوابان:
أحدهما: أن ((بَعْضاً)) و((كُلاَ)) يُخبّر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى،
وذلك في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] على
اللفظ، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] على المعنى.
والجواب الآخر: أنّ عدوّاً يُفرد في موضع الجمع، قال الله عز وجل : ﴿مِن دُونِ
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِِّمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] بمعنى أعداء، وقال تعالى ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ
صَيْحَةٍ عَلَهِمْ هُ الْعَدُوُ﴾ [المنافقون: ٤]. وقال ابنُ فارس(٣): العدوّ اسمٌ جامعٌ للواحد
والاثنين والثلاثة والتأنيث، وقد يُجمع.
الثالثة: لم يكن إخراجُ اللهِ تعالى آدمَ من الجنة وإهباطُه منها عقوبةً له؛ لأنه أهبطَه
بعدَ أن تابَ عليه وقَبِلَ توبتَه، وإنما أهبطَه إما تأديباً، وإما تغليظاً للمِخنة، والصحيحُ
في إهباطه وسُكْناه في الأرض ما قد ظهرَ منَ الحكمة الأزليّة في ذلك، وهي نشرُ نَسله
فيها لِيُكلِّفَهم ويَمتحِنَهم، ويرتِّبَ على ذلك ثوابَهم وعقابَهم الأُخْرَوِيِّ، إذ الجنةُ والنار
ليستا (٤) بدار تكليف، فكانت تلك الأكلةُ سببَ إهباطه من الجنة، وللهِ أن يفعل ما
يشاء، وقد قال: ﴿إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠]. وهذه مَنْقَبَةٌ عظيمةٌ،
وفضيلةٌ كريمة شريفة، وقد تقدَّمت الإشارةُ إليها مع أنه خُلِقَ من الأرض(٥). وإنَّما
قلنا: إنَّما أهبطَه بعد أن تابَ عليه لقوله ثانيةً: ﴿قُلْنَا أَهْبِطُواْ﴾ وسيأتي.
(١) في (م): إذا.
(٢) أخرجه أحمد (١١٩٠٨)، والترمذي (٢٤٠٧) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(٣) مجمل اللغة: (عدو).
(٤) في النسخ: ليست، والمثبت من (م).
(٥) ص ٤١٧.

٤٧٧
سورة البقرة : الآية ٣٦
الرابعة: قولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ ابتداءٌ وخبر، أي: موضع استقرار.
قاله أبو العالية وابنُ زيد. وقال السُّدِّيّ: ((مُسْتَقَرٌ)) يعني القبور(١).
قلت: وقولُ الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [المؤمن: ٦٤] يحتملُ
المعنيين. والله أعلم.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَتَعُ﴾ المتاعِ: ما يُستمتع به من أكلٍ ولُبْسٍ، وحياة
وحديث، وأُنْس، وغير ذلك، ومنه سُمِّت مُتعة النكاح، لأنها يُتَمَتَّع(٢) بها. وأنشد
سليمان بنُ عبد الملك(٣) حين وقف على قبر ابنه أيوب إثْرَ دفنهِ :
متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارقٍ(٤)
وقفتُ على قبرٍ غَريبٍ بِقَفْرةٍ
السادسة: قولُه تعالى: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ اختلف المتأوّلون في الحين على أقوال:
فقالت فرقةٌ: إلى الموت. وهذا قولُ من يقول: المستقَرُّ هو المقام في الدنيا. وقيل:
إلى قيام الساعة. وهذا قولُ من يقول: المستقَرُّ هو القبر(٥). وقال الربيع: ((إلى حين)):
إلى أجل(٦).
والحين: الوقت البعيد، فحينئذ: تبعيدٌ من قولك: الآن. قال خُوَيلد(٧):
كابي الرَّمادِ عظيمُ القِدْرِ جَفْنَتُهُ حِينَ الشتاءِ كحوض المُنْهِلِ اللَّقِفِ (٨)
(١) أخرج هذه الأقوال الطبري في تفسيره ١/ ٥٧٥-٥٧٦.
(٢) في (د): تمتع، وفي (ز): تنتفع، وفي (ظ): تتنفع، والمثبت من (م).
(٣) ابن مروان بن الحكم، أبو أيوب، الخليفة الأموي، بُويع بعد أخيه الوليد سنة (٩٦هـ)، كان ديّناً فصيحاً
عادلاً، واستَخْلَفَ بعده عمر بن عبد العزيز، مات سنة (٩٩هـ). السير ١١١/٥.
(٤) البيان والتبيين ٥٩/٤، والكامل للمبرد ١٤١٨/٣. وفي البيان والتبيين: ((وقوف)) بدل: ((وقفت))،
وفيهما : (مقیم) بدل: ((غریب)).
(٥) في (م): القبور.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٧٨/١.
(٧) هو خويلد بن مرة، أبو خراش الهذلي.
(٨) البيت في الصحاح (لقف) و(حين)، وفي ديوان الهذليين ١٥٦/٢، والاشتقاق لابن دريد ص٢٠٤،
والرواية فيهما: ((عند الشتاء)).

٤٧٨
سورة البقرة : الآية ٣٦
لَقِفَ الحوضُ لَقَفاً، أي: تهوَّرَ من أسفله واتَّسعَ، يقال: فلان كابي الرَّماد، أي:
عظيم الرماد ينهال(١).
وربَّما أدخلوا عليه التاء. قال أبو وَجْزَة:
والمُظْعِمونَ زمانَ أيْنَ المُظْعِمُ(٢)
العاطفون تَحِينَ ما مِن عاطفٍ
والحِينُ أيضاً: المدّة، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ مِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ﴾
[الدهر: ١]. والحِينُ: الساعة، قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾
[الزمر: ٥٨]. قال ابن عَرَفة (٣): الحِينُ: القطعةُ من الدهر، كالساعةِ فما فوقَها. وقولهِ:
﴿فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ حَى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤]، أي: حتى تَفْنَى آجالُهم. وقوله تعالى:
﴿تُؤْقِّ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥]. أي: كلَّ سنة، وقيل: بل كلَّ ستة أشهر،
وقيل: بل غُذْوةً وعَشِيّاً.
قال الأزهريّ(٤): الحينُ: اسمٌ كالوقت، يصلُحُ لجميع الأزمان كلِّها، طالَتْ
أو (٥) قَصُرَتْ. والمعنى أنه يُنْتَفَعُ بها كلَّ(٦) وقتٍ، ولا ينقطعُ نفعُها البَنَّةَ. قال: والحِينُ
يوم القيامة.
والحينُ: الغُذْوة والعَشِيّة، قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ
تُصّبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]. ويقال: عاملتُه مُحايَنةً، من الحِين. وأحينتُ بالمكان: إذا
(١) قوله: يقال: فلان كابي الرماد ... من (ز)، وهو في الصحاح (كبى). وقوله: المُنْهِل، يعني الذي قد
أنهلَ إِيلَه، أي سقاها أول سقية. قاله ابن دريد.
(٢) البيت في الصحاح: (حين)، والإنصاف ١٠٨/١، والشطر الأول منه في مجالس ثعلب ٣٧٤/١.
وهو من قصيدة مدح بها أبو وجزة السعدي آل الزبير بن العوام، لكنه مركب من مصراعي بيتين.
الخزانة ١٧٥/٤ - ١٧٩. وأبو وجزة: هو يزيد بن عبيد، السعدي، المدني، الشاعر، ثقة، مات سنة
(١٣٠ هـ). تقريب التهذيب.
(٣) هو إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان، أبو عبد الله، الحافظ النخوي، الأخباري، المشهور
بنفطویه، توفي سنة (٣٢٣هـ). السير ١٥/ ٧٥.
(٤) تهذيب اللغة ٢٥٥/٥. والأزهري إنما ينقل عن الزجاج، وهو في معاني القرآن له ١٦١/٣، وتفسير
الحين بيوم القيامة نقله الأزهري عن الليث.
(٥) في (د) و(ظ): أم.
(٦) في (م): في كل.

٤٧٩
سورة البقرة : الآية ٣٦
أقمتَ به حِيناً. وحان حينُ كذا، أي: قُرُب. قالت بُثَيْنة(١):
وإنَّ سُلُوِّي عن جميلٍ لَساعةٌ من الدهر ما حانّتْ ولا حانَ حِينُها
السابعة: لمَّا اختلفَ أهلُ اللسان في الحِين اختلف فيه أيضاً علماؤنا وغيرُهم:
فقال الفَرَّاء: الحينُ حِينان: حِينٌ لا يُوقَفُ على حدِّه، والحِينُ الذي ذكره(٢) الله جل
ثناؤه: ﴿تُؤْقٍ أُكُلَهَا كُلَّ ◌ِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ ستةُ أشهر.
قال ابن العربي (٣): الحِينُ المجهول لا يتعلَّق به حُكم، والحين المعلومُ هو الذي
تتعلّق به الأحكام، ويرتبط به التكليف، وأكثرُ المعلوم سنةٌ، ومالك يرى في الأحكام
والأَيمان أعمَّ الأسماء والأزمنة، والشافعيُّ يرى الأقَلَّ، وأبو حنيفة توسَّطَ، فقال:
ستةُ أشهر. ولا معنى لقوله؛ لأنَّ المُقَدَّرات عنده لا تثبتُ قياساً(٤)، وليس فيه نصّ عن
صاحب الشريعة(٥)، وإنما المعوَّل على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغةً، فمن نَذَر
أن يُصَلِّيَ حِيناً، فيُحمّلُ على ركعة عند الشافعيِّ؛ لأنه أقلُّ النافلة، قياساً على ركعة
الوتر، وقال مالك وأصحابه: أقلُّ النافلة ركعتان، فيتقدَّر الزمانُ بتقدير (٦) الفعل.
وذكر ابن خُوَيْزِ مَنْداد في ((أحكامه)): أنَّ مَنْ حلفَ ألّا يُكلِّمَ فلاناً حِيناً، أو لا
يفعلَ كذا حيناً، أنَّ الحينَ سَنَةٌ. قال: وانَّفقوا في الأحكام أنَّ مَنْ حلفَ ألّا يفعلَ كذا
حيناً، أو لا يُكلِّمَ فلاناً حيناً، أنَّ الزيادةَ على سَنّةٍ لم تدخلْ في يمينه.
قلت: هذا الاتفاقُ إنَّما هو في المذهب. قال مالك رحمه الله: مَنْ حَلَفَ ألا
يفعل شيئاً إلى حينٍ أو زمانٍ أو دَهْر، فذلك كلُّ سَنَةٌ. وقال عنه ابنُ وهب: إنه شكَّ
في الدهر أن يكون سَنَّةً. وحكى ابنُ المنذر عن يعقوبَ وابن الحسن (٧): أنَّ الدهر
(١) هي بثينة بنت حبأ بن ثعلبة، صاحبة جميل، وقصتهما معروفة، الأغاني ٨/ ٩٢. والبيت قالته ترثي
جميلاً، وهو في الأضداد ص٢٤٤، والصحاح: (حين)، والأغاني ٨/ ١٥٤.
(٢) في (د) و(م): ذكر.
(٣) أحكام القرآن ١١٠٨/٣.
(٤) في (ظ): فيه قياساً.
(٥) في (د): الشرع.
(٦) في (م): بقدر.
(٧) يعني أبا يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة رحمهم الله.

٤٨٠
سورة البقرة : الآية ٣٧
ستة أشهر (١). وعن ابن عباس وأصحاب الرأي وعكرمةً وسعيد بن جُبير وعامرٍ
الشَّعْبِيِّ وعَبِيدةَ في قوله تعالى: ﴿تُؤْقِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ أنه ستةُ أشهر(٢).
وقال الأوزاعيُّ وأبو عُبَيد: الحينُ ستةُ أشهر. وليس عند الشافعيِّ في الحين وقتٌ
معلوم، ولا للحينِ غايةٌ، قد يكون الحينُ عنده مدّةَ الدنيا. وقال: لا نُحَنِّئُهُ أبداً،
والوَرَع أن يقضيَّه قبل انقضاء يوم. وقال أبو ثور وغيره: الحين والزمان على ما
تحتمله اللغةُ، يقال: قد جئتُ من حين، ولعلَّه لم يجئ من نصفِ يوم (٣).
قال الكِيًا الطبريُّ الشافعيُّ(٤): وبالجملة، الحينُ له مصارف، ولم ير الشافعيُّ
تعيينَ محمَلٍ من هذه المحامل، لأنه مجملٌ(٥) لم يوضع في اللغة لمعنّى معيَّن.
وقال بعضُ العلماء(٦): في قوله تعالى: ﴿إِلَى ◌ِينٍ﴾ فائدةُ بِشارةٍ لَآدَمَ عليه
السلام(٧)، ليعلم أنه غيرُ باقٍ فيها، ومنتقلٌ إلى الجنة التي وُعِدَ بالرجوع إليها، وهي
لغير آدم دالةٌ على المعاد فحسب، والله أعلم.
٣٧
قوله تعالى: ﴿فَلَقََّ ءَادَمُ مِنْ زَّيٍِّ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
قوله تعالى: ﴿فَلَفََّ ءَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَتٍ﴾ فيه ثمان مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَفََّ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَتٍ﴾ تَلَقّى؛ قيل: معناه: فَهِمَ وفَطِنَ.
وقيل: قَبِلَ وأخَذَ، وكان عليه السلام يتلقّى الوَحْيَ، أي: يستقبلُه ويأخذُه ويتلقَّفُه(٨).
تقول: خرجنا نتلقَّى الحجيجَ، أي: نستقبلُهم.
(١) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٢٦٣/٣.
(٢) تفسير الطبري ٦٤٦/١٣-٦٤٨، والمحلى ٥٨/٨. وعَبيدة: هو ابن عمرو السلماني.
(٣) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٢٦٣/٣، والمحلى ٥٨/٨_٥٩، والمغني لابن قدامة ١٣/ ٥٧٢.
(٤) علي بن محمد بن علي، أبو الحسن الهراسي، شيخ الشافعية، مدرس النظامية إلى أن مات سنة
(٥٠٤هـ). السير ١٩/ ٣٥٠. وكلامه في أحكام القرآن ٢/ ٢٣٨.
(٥) في (د): محل، وفي (ز) و(ظ): محمل.
(٦) المحرر الوجيز ١٣٠/١.
(٧) في (د) و(م): إلى آدم، ولفظة ((بشارة)) ليست في (ز).
(٨) في (د) و(ظ): ويتلقنه.