Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سورة البقرة : الآية ٣٤ الصحيحُ عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّهِ: ((إذا قرأ ابنُ آدَمَ السجدةَ [فسَجَدَ] اعتزل الشيطانُ يبكي يقول: يا وَيْلَه - وفي رواية: يا ويلتا(١) - أُمِر ابنُ آدَمَ بالسجود فسَجَدَ، فله الجنةُ، وأُمِرتُ بالسجود فَأَبَيْتُ، فليَ النارُ)). خرجه مسلم(٢). يقال: أبَى يأَبَى إياءً، وهو حرفٌ نادرٌ جاء على فَعَل يَفْعَل، ليس فيه حرفٌ من حروف الحَلْق، وقد قيل: إنَّ الألفَ مُضارِعةٌ لحروفِ الحَلْق. قال الزَّجاجُ. سمعتُ إسماعيلَ بنَ إسحاقَ القاضيَ يقول: القولُ عندي أنَّ الألفَ مضارِعةٌ لحروف الحَلْق. قال النخَّاس(٣): ولا أعلمُ أنَّ أبا إسحاقَ(٤) روى عن إسماعيلَ نحواً غيرَ هذا الحرف. السابعة(٥): قولُه تعالى: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ﴾ الاستكبارُ: الاستعظامُ، فكأنه كَرِهَ السجودَ في حقِّه، واستعظمَه في حقِّ آدم، فكان تركه (٦) السجودَ لآدمَ تسفيهاً لأمرِ الله وحكمته، وعن هذا الكِبر عبَّر عليه السلام بقوله: ((لا يدخلُ الجنة مَن [كان] في قلبه مثقالُ حبَّة من خَرْدَلٍ من كِبْر)). في رواية: فقال رجل: إن الرجلَ يُحبُّ أن يكونَ ثوبُه حسناً، ونعلُه حسنةً، قال: ((إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناسِ)). أخرجه مسلم(٧). ومعنى بَطَر الحقّ: تسفيهُه وإبطالُه، وَغَمْط الناس: الاحتقار لهم والازدراء(٨) بهم. ويُروى: ((وغمص)) بالصاد المهملة، والمعنى واحد، يقال: غَمصه يَغْمِصه غَمْصاً واغتمصه، أي: استصغره، ولم يره شيئاً، وغَمَصَ فلانٌ النعمةَ: إذا لم يشكرها، وغَمَصْتُ عليه قولًا قاله، أي: عِبتُه عليه(٩). (١) في (ظ): يا ويلتي، وفي (م): يا ويلي. (٢) برقم (٨١)، وما بين حاصرتين منه، وهو في المسند (٩٧١٣). (٣) إعراب القرآن ٢١٣/١. (٤) يعني الزَّجَّاج. (٥) في النسخ: الثامنة، والمثبت من (م). (٦) في (م): ترك، وفي (د): تركه للسجود. (٧) برقم (٩١) و(١٤٧) من حديث ابن مسعود، وما بين حاصرتين منه، وفيه: ((مثقال ذرة»، وهو في المسند (٤٣١٠). (٨) في (ز) و(ظ): والإزراء. (٩) الصحاح (غمص). ٤٤٢ سورة البقرة : الآية ٣٤ وقد صرَّحِ اللّعينُ بهذا المعنى فقال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَِ مِن ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿وَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ. مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حٍَ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] فَكَفَّرَه الله بذلك. فكلُّ مَنْ سَقَّه شيئاً من أوامر الله تعالى، أو أمْرٍ رسوله عليه السلام، كان حُكْمُه حُكمه، وهذا ما لا خلافَ فيه. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: بلغني أنَّ أوّل معصيةٍ كانت الحسدَ والكِبْرَ [والشخَّ]، حَسَدَ إبليسُ آدَمَ [وتكبَّرَ]، وشخَّ آدمُ في أكله من شجرةٍ (١) [قد نُهي عن قُربها](٢). وقال قتادة: حَسَد إبليسُ آدم، على ما أعطاه الله من الكرامة، فقال: أنا ناريٌّ وهذا ◌ِطِينيٌّ، وكان بَدهُ الذنوب الكِبْر، ثم الحرصُ حتى (٣) أكلَ آدمُ من الشجرة، ثم الحسدُ إذ حسدَ ابنُ آدم أخاه(٤). الثامنة(٥): قولُه تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ قيل: ((كان)» هنا بمعنى ((صار))، ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]. وقال الشاعر: بِتَيهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنَّها قطا الحَزْنِ قد كانَتْ فِراخاً بُيوضُها (٦) أي: صارت. (١) في (م): الشجرة. (٢) المحرر الوجيز ١٢٥/١، وما بين حاصرتين منه. (٣) في (ظ): حين. (٤) أخرجه مختصراً الطبري في تفسيره ١٤/ ٦٣، وابن أبي حاتم في تفسيره ١٢٣/١. (٥) في النسخ: التاسعة، والمثبت من (م). (٦) البيت لابن أحمر، وهو في الحيوان للجاحظ ٥/ ٥٧٥، واللسان: (عرض) و(كون)، والخزانة ٢٠١/٩، وقبله: صحيح الشُّرى والعِيسُ تجري عروضُها ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة والتيهاء: الأرض التي لا يهتدي فيها، اللسان: (تيه)، والحَزْن: ما غلظ من الأرض، اللسان: (حزن)، وأضاف القطا إليه؛ لأنه يكون قليل الماء، فيكون قطاه أكثر عطشاً، فإذا أراد الماء كان سريع الطيران، وقد شبه الشاعر المطيَّ بالقطا التي فارقت فراخها لتحمل إليها الماء فتسقيها، فهو أسرع لطيرانها. وسيذكره المصنف عند تفسير الآية ٢٦ من سورة المائدة. ٤٤٣ سورة البقرة : الآية ٣٤ وقال ابن فُورَك: ((كان)» هنا بمعنى («صار)) خطأٌ تردُّه(١) الأصول، وقال جمهور المتأوّلين: المعنى: أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأنَّ الكافر حقيقةً والمؤمنَ حقيقةً هو الذي قد علم الله منه الموافاةً(٢). قلت: وهذا صحيحٌ، لقولهِ وَّر في ((صحيح)) البخاري: ((وإنَّما الأعمالُ بالخواتيم)»(٣). وقيل: إن إبليسَ عبَدَ الله تعالى ثمانين ألف سنة، وأُعطيَ الرياسةَ والخِزانةَ في الجنة على الاستدراج، كما أُعطيّ المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم، وكما أُعطِيَ بَلْعامُ الاسمَ الأعظمَ على طرف لسانه، فكان في ریاسته، والکېرُ في نفسه متمكّن. قال ابن عباس: كان يرى لنفسه أن له فضيلةً على الملائكة بما عنده، فلذلك قال: أنا خيرٌ منه، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَنِّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، أي: استكبرتَ ولا كِبْر لكَ، ولم أتكبّر أنا حين خلقتُه بيديَّ والكِبْرُ لي! فلذلك قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾. وكان أصلُ خِلقته من نار العِزَّة، ولذلك حَلَفَ بالعِزَّة، فقال: ﴿فَبِعِزَِّكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]. فالعِزَّةُ أورثته الكِبْرَ حتى رأى الفضلَ له على آدم عليه السلام(٤). وعن أبي صالح قال: خُلقت الملائكةُ من نُور العِزَّة، وخُلق إبليسُ من نار العِزَّة(٥). التاسعة(٦): قال علماؤنا رحمةُ الله عليهم: مَنْ أَظْهَرَ اللهُ تعالی علی یدیه ممَّن ليس بنبيِّ كراماتٍ وخَوارِقَ للعادات، فليس ذلك دالًّا على ولايته، خلافاً لبعض (١) في النسخ: يردّه، والمثبت من (م). (٢) المحرر الوجيز ١٢٦/١. (٣) سلف ص ٢٩٦. (٤) انظر ما سلف ص ٤٤٠. (٥) لم نقف عليه من قول أبي صالح، وأخرجه إسحاق في مسنده (٧٨٨)، وعبد الله بن أحمد في السنة (٩١٩) من طريق أبي صالح، عن عكرمة. (٦) في النسخ: العاشرة، والمثبت من (م). ٤٤٤ سورة البقرة : الآية ٣٤ الصُّوفية والرافضة؛ حيث قالوا: إنَّ ذلك يدلُّ على أنه وَليٍّ، إذ لو لم يكن وَلِيًّا ما أظهرَ الله على يديه ما أظهَرَ. ودليلُنا أنَّ العلمَ بأنَّ الواحدَ منَّا وليٍّ لله تعالى لا يصحُّ إلا بعد العلم بأنه يموتُ مؤمناً، وإذا لم يُعلم أنه يموتُ مؤمناً لم يُمكِنَّا أن نقطعَ على أنه وليٍّ اللهِ تعالى، لأن الوليَّ اللهِ تعالى مَنْ عَلِمَ اللهُ تعالى أنّه لا يوافيه إلا بالإيمان، ولمَّا اتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطعَ على أن ذلك الرجلَ يُوافي بالإيمان، ولا الرجلُ نفسُه يقطعُ على أنه يُوافي(١) بالإيمان، عُلِم أنَّ ذلك ليس يدلُّ على ولايته لله. قالوا: ولا نمنعُ(٢) أن يُظْلِعَ الله بعضَ أوليائه على حُسْن عاقبتِه وخاتمةٍ عملِه وغيرِهِ معه. قاله الشيخُ أبو الحسن الأشعريُّ وغيره. وذهب الطَّبريُّ(٣) إلى أن الله تعالى أرادَ بقصة إبليس تقريعَ أشباهِه من بني آدم، وهم اليهودُ الذين(٤) كفروا بمحمد ﴿ مع علمهم بنبوته، ومع قِدَم نِعَمِ الله عليهم وعلى أسلافهم. العاشرة(٥): واختُلف هل كان قبلَ إبليسَ كافرٌ أو لا؟ فقيل: لا، وإنَّ إبليسَ أولُ من كفرَ، وقيل: كان قبلَه قومٌ كفار، وهم الجنُّ، وهم الذين كانوا في الأرض. واختلف أيضاً هل كفر إبليسُ جهلاً أو عِناداً؟ على قولين بين أهل السُّنة، ولا خلافَ أنه كان عالماً بالله تعالى قبل كفره، فمن قال: إنه كفر جهلًا، قال: إنه سُلِبَ العلم عند كفره، ومن قال: كفر عِناداً، قال: كفر ومعه علمُه. قال ابنُ عطية (٦): والكفر [عِناداً] مع بقاء العلم مستبعدٌ، إلا أنه عندي جائزٌ لا يستحيلُ مع خَذْل الله لمن يشاء. (١) في النسخ: لا يوافي، في الموضعين، والمثبت من (م). (٢) في (د): يمتنع، وفي (ظ): يمنع. (٣) في تفسيره ٥٤٥/١. (٤) في (م): الذي. (٥) في النسخ: الحادية عشرة، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما قال قبل: فيه عشر مسائل. (٦) المحرر الوجيز ١٢٦/١، وما بین حاصرتين منه. ٤٤٥ سورة البقرة : الآية ٣٥ قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ١٣٥ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُوْنَا مِنَ الظَّالِمِينَ فيه ثلاثَ(١) عشرةَ مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَادَمُ أَسْكُنْ﴾: لا خلافَ أن الله تعالى أخرجَ إِبليسَ عند كفره(٢) وأبعَدَه عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدمَ: اسْكُن(٣)، أي: لازم الإقامةَ، واتَّخِذْها مسكناً، وهو محلُّ السكون، وسَكّنَ إليه يَسْكُنُ سُكوناً، والسَّكّن: النار، قال الشاعر: قد قُوَّمَتْ بِسَكّنٍ وأدهان(٤) والسَّكّن: كلُّ ما سُكِنَ إليه. والسِّكِّين معروفُ، سُمِّيَ به؛ لأنه يُسَكِّن حركةَ المذبوح. ومنه المِسْكین، لقلّة تصرُّفِه وحركته. وسُكَّان السفينة عربيٍّ؛ لأنه يُسَكِّنُها عن الاضطراب(٥). الثانية: في قوله تعالى: ﴿أَسْكُنْ﴾ تنبيهٌ على الخروج، لأن السُّكْنَى لا تكونُ مِلْكاً، ولهذا قال بعضُ العارفين: السُّكْنَى تكونُ إلى مدَّةٍ ثم تنقطعُ، فدخولُهما في الجنة كان دخولَ سُكْنَى لا دخولَ إقامة (٦). قلت: وإذا كان هذا، فيكونُ فيه دلالةٌ على ما يقولُه الجمهور من العلماء: إنَّ من أسكنَ رجلًا مسكناً له أنه لا يملكُه بالسُّكْنَى، وأنَّ له أن يُخرِجَه منه إذا انقضت مدَّةُ الإسكان. (١) في (د) و(ز): اثنتا، وفي (ظ): اثنتي، والمثبت من (م)، وهو الموافق لعدد المسائل الآتية. (٢) في (د): بكفره. (٣) المحرر الوجيز ١٢٦/١. (٤) مقاييس اللغة ٨٨/٣، ومجمل اللغة ٤٦٨/٢. وفي إصلاح المنطق ص ٦٥، وتهذيب اللغة ٦٥/١٠، واللسان (سكن) برواية: أقامها، بدل: قد قوّمت. والشاعر يصف قناة ثقَّفها بالنار والدهن. (٥) مجمل اللغة (سكن)، وسُّانُ السفينة يعني ذَيْلها الذي تسكّن به، وتُمنعُ به من الحركة والاضطراب. تاج العروس (سكن). (٦) في النسخ: ثواب، والمثبت من (م). وسيذكر المصنف أحكام السُّكْنَى والعمرى والرُّقْبَى، وكلام الفقهاء في ذلك؛ قال أبو حيان في البحر ١٥٦/١: ليس في الآية ما يدلُّ على شيءٍ مما ذكر. ٤٤٦ سورة البقرة : الآية ٣٥ وكان الشعبيُّ يقول: إذا قال الرجلُ: داري لك سُكْنَى حتى تموتَ، فهي له حياتَه وموته، وإذا قال: داري هذه اسكُنْها حتى تموتَ، فإنَّها ترجعُ إلى صاحبها إذا مات(١). ونَحوٌ من السُّكْنَى العُمْرَى، إلا أنَّ الخلافَ في العُمْرَى أقوى منه في السُّكْنَى. وسيأتي الكلامُ في العُمْرَى في ((هود)» إن شاء الله تعالى(٢). قال الحَرْبيّ(٣): سمعتُ ابنَ الأعرابيِّ يقول: لم يختلف العربُ في أن هذه الأشياءَ على مِلْك أربابها، ومنافعُها لمن جُعلت له: العُمْرَى، والرُّقْبَى، والإفقارُ، والإخبالُ، والمِنحةُ، والعَرِيَّةُ، والسُّكْنَى، والإطراق. وهذا حجةُ مالكٍ وأصحابِه في أنه لا يُملَكُ شيءٌ من العطايا إلا المنافعُ دون الرِّقاب، وهو قول اللَّيْث بن سعد والقاسم بن محمد، ويزيد بن قُسيط (٤). والعُمْرَى: هي(٥) إسكانُك الرجلَ في دارٍ لك مدَّةَ عمرٍك أو عُمُرِهِ، ومثلُه الرُّقْبَى: وهو أن يقول: إنْ مُتَّ قبلي رجعَتْ إليَّ، وإن مُتُّ قبلك فهي لك، وهي من المراقبة، والمراقبة: أن يَرْقُب كلُّ واحد منهما موتَ صاحبه، ولذلك اختلفوا في إجازتها ومنعها: فأجازها أبو يوسف والشافعيُّ، وكأنها وَصِيَّةٌ عندهم، ومنعها مالكٌ والكوفيون، لأنَّ كلَّ واحد منهم يقصدُ إلی عِوَضٍ لا يدري هل یحصُلُ له، و یتمثَّی کلُّ واحد منهما موتَ صاحبه. وفي الباب حديثان أيضاً بالإجازة والمنع ذکرهما ابنُ ماجه في ((سُنته)) : الأوَّل: رواه جابر بنُ عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((العُمْرَى جائزةٌ لمن (١) التمهيد ١١٩/٧، والاستذكار ٣٢٣/٢٢. (٢) عند قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾ [الآية: ٦١]. (٣) إبراهيم بن إسحاق، أبو إسحاق البغدادي، صنف غريب الحديث وغيره، مات سنة (٢٨٥هـ). السير ٣٧١/١٣. (٤) المفهم ٥٩٢/٤ - ٥٩٣، ويزيد بن قُسيط: هو أبو عبد الله الليثي، المدني، الأعرج، الفقيه، مات سنة (١٢٢ هـ). السير ٢٦٦/٥. (٥) في (ظ) و(م): هو. ٤٤٧ سورة البقرة : الآية ٣٥ أُغْمِرَها، والرُّقْبى جائزةٌ لمن أُرْقِبَها))(١) ففي هذا الحديث التسويةُ بين العُمْرَى والرُّقْبَى في الحكم. الثاني: رواه ابن عمر قال: قال رسول الله وَ له: ((لا رُقْبَى، فمن أُرْقِبَ شيئاً فهو له حَياتَه ومَماتَه))(٢). قال: والرُّقْبَى أنْ يقول هو للآخر: مِنِّي ومنك موتاً(٣). فقولُه: ((لا رُقْبِى)) نَهْيٌّ(٤) يدلُّ على المنع، وقولُه: ((فمن(٥) أُرْقِبَ شيئاً فهو له)) يدلُّ على الجواز، وأخرجَهما أيضاً النَّسائي(٦)، وذَكَرَ عن ابن عباس قال: العُمْرَى والرُّقْبَى سواء(٧). وقال ابن المنذر: ثبتَ أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قال: «العُمْرَى جائزةٌ لمن أُعْمِرَها، والرُّقْبَى جائزةٌ لمن أُرْقِبَها)). فقد صحَّحَ الحديثَ ابنُ المنذر، وهو حجةٌ لمن قال بأن العُمْرَى والرُّقْبَى سواءٌ، ورُوي عن عليٍّ(٨)، وبه قال الثَّوريُّ وأحمد، وأنها لا ترجعُ إلى الأوّل أبداً، وبه قال إسحاق. وقال طاوس: مَنْ أُرْقِبَ شيئاً فهو سبيلٌ(٩) الميراث (١٠). والإفقارُ: مأخوذ من فَقار الظّهر، أفْقَرْتُك ناقتي: أعَرْتُك فَقارَها لتركبَها، وأفقرَك الصيدُ: إذا أمكنك من فَقاره حتى ترميَه، ومثله الإخبالُ، يقال: أخبلتُ فلاناً: إذا أعَرْتَه ناقةً يركبها، أو فرساً يغزو عليه(١١)، قال زهير: (١) سنن ابن ماجه (٢٣٨٣). (٢) في (ظ): وموته. (٣) سنن ابن ماجه (٢٣٨٢)، والمجتبى ٢٧٣/٦، والسنن الكبرى (٦٥٢٨). (٤) في (ظ): نفي. (٥) في (م): من. (٦) في المجتبى ٦/ ٢٧٣ و٢٧٤، والكبرى (٦٥٢٨) و(٦٥٣٥). (٧) المجتبى ٦/ ٢٧٠، والكبرى (٦٥٠٦). (٨) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٤٤. (٩) في (ظ): سبيل إلى. (١٠) أخرجه النسائي في المجتبى ٦/ ٢٧٠، وفي الكبرى (٦٥٠٩) إلا أنه من طريق طاوس عن النبي وَّر، مرسلاً، وفيه: ((بسبيل)). (١١) في (د): عليها. ٤٤٨ سورة البقرة : الآية ٣٥ هنالك إن يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا وإن يُسألوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يُخْلُوا (١) والمِنْحَة: العَطِيَّة، والمِنْحَة: مِنحةُ اللَّبن، والمَنِيحة: الناقةُ أو الشاةُ يُعطيها الرجلُ آخرَ يحتلبها، ثم يردُّها، قال رسول الله وَّهِ: (العاريَّة مُؤدَّاةٌ، والمِنْحَةُ مَرْدُودٌ، والدَّيْنُ مَقْضِيٍّ، والزَّعيمُ غارٌ)). رواه أبو أمامة، أخرجه الترمذيُّ والدار قطنيُّ وغيرهما(٢)، وهو صحيحٌ. والإطراق: إعارةُ الفحل، استطرقَ فلانٌ فلاناً فَحْلَه: إذا طَلَبَه لِيضربَ في إبله، فأطرقَه إياه، ويقال: أَظْرِقني فَحْلَكَ، أي: أعِرْني فَحْلَكَ لِيضربَ في إبلي، وطَرَقَ الفحلُ الناقةَ يَظْرُق طُروقاً، أي قَعا عليها، وطَرُوقةُ الفحل: أُنثاه، يقال: ناقةٌ طَروقة الفحل للتي بلغت أن يضربَها الفَعْلُ. الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ ((أنت)) تأكيدٌ للمضمَر الذي في الفعل، ومثله ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولا يجوز: اسْكُنْ وزوجُك، ولا: اذْهَبْ وربُّك، إلا في ضرورة الشعر، كما قال: قلتُ إذْ أقبلتْ وزُهْرٌ تَهادَى كنِعاج المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا(٣) فـ (زُهْر)) معطوف على المضمر في ((أقبلتْ)) ولم يؤكّد ذلك المضمر، ويجوز في غير القرآن على بُعْدٍ: قم وزيدٌ. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَزَوْجُكَ﴾ لغةُ القرآن ((زَوْجٌ)) بغير هاء، وقد تقدَّم القولُ فيه (٤). وقد جاء في ((صحيح)) مسلم(٥) ((زوجة)): حدَّثنا عبد الله بنُ مَسْلَمة بن قَعْنَب، قال: حدَّثنا حماد بنُ سَلَمَة، عن ثابت البُنانيِّ، عن أنس، أنَّ النبيَّ ◌َّ كان مع إحدى (١) ديوانه ص ١١٢ (بشرح ثعلب)، وص ٤٢ (بشرح الأعلم الشنتمري)، ومعنى قوله: وإن ييسروا يغلوا: أنهم إذا قامروا بالميسر يأخذون سمان الجزر، فيقامرون عليها لا ينحرون إلا غاليةً. قاله الأعلم. (٢) سنن الترمذي (٢١٢٠)، وسنن الدار قطني ٤٠/٣ - ٤١، وهو في المسند (٢٢٢٩٤). (٣) البيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ملحق ديوانه ص ٤٩٨، وهو من شواهد سيبويه ٣٧٩/٢. قال الأعلم الشنتمري في شرحه: والزُّهر: جمع زهراء: وهي البيضاء المشرقة، وتَهادَى: تمشي المشي الرويد الساكن، والنعاج: بقر الوحش، والمّلا: الفَلاة الواسعة، وتعسَّفْن: سِرْن بغير هداية، وإذا مشت في الرمل كان أسكنَ لمشيها، لصعوبة ذلك. (٤) ص ٣٦١ - ٣٦٢. (٥) رقم (٢١٧٤)، وهو في مسند أحمد (١٤٠٤٢). ٤٤٩ سورة البقرة : الآية ٣٥ نسائه، فمرَّ به رجل، فدعاه فجاء، فقال: ((يا فلانُ، هذه زوجتي فلانٌ)) فقال: يا رسول الله، مَنْ كنتُ أظنُّ به فلم أكن أظنُّ بك! فقال رسول الله وَله: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مَجْرَى الدَّم». وزوجُ آدم عليه السلام هي حوَّاءُ عليها السلام، وهو أوّلُ مَنْ سمَّاها بذلك حين خُلقت من ضِلَعه من غير أن يُحِسَّ آدم عليه السلام بذلك(١)، ولو أَلِمَ بذلك لم يَعْطِف رجلٌ على امرأته، فلما انتبه قيل له: من هذه؟ قال: امرأةٌ، قيل: وما اسمُها؟ قال: حوّاء، قيل: ولِمَ سُمِّيت امرأة؟ قال: لأنها من المرء أُخِذت، قيل: ولمَ سُمِّيت حوّاء؟ قال: لأنها خُلقت من حيٍّ. رُوِيَ أن الملائكةَ سألته عن ذلك لتجربَ علمَه، وأنهم قالوا له: أتحبُّها يا آدمُ؟ قال: نعم. قالوا لحوَّاء: أتحبينَه یا حوَّاءُ؟ قالت: لا. وفي قلبها أضعافُ ما في قلبه من حبِّه. قالوا: فلو صَدَقتٍ امرأةٌ في حبِّها لزوجها لصدَقت حوّاء. وقال ابن مسعود وابن عباس: لما أُسْكِن آدمُ الجنةَ مشى فيها مستوحشاً، فلمَّا نام خُلقت حوّاءُ مِن ضِلَعه القُصَيْرِى(٢) مِن شقِّه الأيسر، ليسكن إليها ويأنَسَ بها، فلما انتبه رآها، فقال: من أنتِ؟! قالت: امرأةٌ خُلِقتُ من ضِلَعك لتسكن إليَّ(٣)، وهو معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وقال العلماء: ولهذا كانت المرأةُ عَوْجاءَ، لأنها خُلقت من أعوجَ، وهو الضِّلَع. (١) ليس في الآثار الصحيحة ما يشير إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم، ومن ذهب إلى ذلك جعل ((من)) في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (النساء: ١) تبعيضية. والأشبه أن تكون لبيان الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِّهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ (الروم: ٢١). وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((إن المرأة خلقت من ضلع)) إنما هو على جهة التمثيل كما جاء ذلك صريحاً في رواية الشيخين: ((المرأة كالضُّلّع)). (٢) في (ز): القصير، وفي (ظ) و(م): القصرى، والمثبت من (د)، وهو الموافق لمصادر تخريجه. (٣) أخرجهما باختصار الطبري في تفسيره ٥٤٨/١، وفي تاريخه ١٠٣/١ من طريقين: عن ابن عباس وابن مسعود، وفي إسنادهما ضعف. وانظر المحرر الوجيز ١٢٦/١، وعرائس المجالس ص ٣٠. ٤٥٠ سورة البقرة : الآية ٣٥ وفي ((صحيح)) مسلم(١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّله: ((إنَّ المرأةَ خُلقت من ضِلَع - في رواية: ((وإنَّ أعوجَ شيءٍ (٢) في الضِّلَع أعلاهُ)) - لن تستقيمَ لك على طريقةٍ واحدةٍ، فإن استمتعتَ بها استمعتَ [بها] وبها ◌ِوَجٌ، وإن ذَهْبْتَ تُقِيمُها كسرتَها، وكَسْرُها طلاقُها)). وقال الشاعر(٣): ألا إنَّ تَقْویمَ الضُّلوعِ انْکِسارُها هي الصِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيمُها. أليسَ عجيباً ضَغْفُها واقتدارُها أتجمعُ ضَعْفاً واقْتِداراً على الفَتَى ومن هذا الباب استدلَّ العلماء على ميراث الخُنْثَى المُشْكِل إذا تساوت فيه علاماتُ النساء والرجال من اللِّحية والثَّذي والمَبال بنقص الأعضاء، فإنْ نَقَصَتْ أضلاعُه عن أضلاع المرأة أُغْطِيَ نصيبَ رجلٍ - رُوِيّ ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه (٤) - لخلقِ حوّاءَ من أحدٍ أضلاعه، وسيأتي في المواريث بيانُ هذا إن شاء الله تعالى(٥). الخامسة: قوله تعالى: ﴿اَلْجَنَّةَ﴾ الجنَّة: البُستان، وقد تقدَّمَ القولُ فيها (٦). ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلةُ والقَدَرِيَّةُ من أنه لم يكن في جنة الخُلْد، وإنما كان في جنةٍ بأرضٍ عَدَن، واستدَلَّوا على بِدْعَتِهِم بأنها لو كانت جنةَ الخُلْد، لما وصلَ إليه إبليسُ، فإن الله يقول: ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِرٌ﴾ [الطور: ٢٣]، وقال: ﴿لَّا يَسَّمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا كِذَّبًا﴾ [النبأ: ٣٥]، وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا تَأْثِيمًا (١٥) إِلَّا قِيْلًا سَلَمًا سَلَمَا﴾. [الواقعة: ٢٥ -٢٦]، وأنه لا يُخرَجُ منها أهلُها لقوله: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَمِينَ﴾ [الحجر: ٤٩]. وأيضاً؛ فإنَّ جنةَ الخُلْدِ هي دارُ القُدْس، قُدِّسَتْ عن الخطايا والمعاصي تطهيراً لها، وقد لَغا فيها إبليسُ وكَذَب، وأُخْرِجَ منها آدمُ وحَوَّاءُ بمعصيتهما. (١) برقم (١٤٦٨) (٥٩) و(٦٠) وما بين حاصرتين منه، وهو أيضاً في صحيح البخاري (٣٣٣١). (٢) في (د): ما. (٣) هو حاجب بن دينار، والبيت الأول في اللسان: (ضلع)، ووقع فيه حاجب بن ذبيان. وانظر حاشية البيان والتبيين ١٨٣/٢. (٤) لم نقف على من أخرجه، وقد ذكر ابن قدامة في المغني ٩/ ١١٠ أن هذا القول مروي عن علي والحسن رضي الله عنهما. (٥) في تفسير الآية (١١) من سورة النساء. (٦) ص ٣٥٩. ٤٥١ سورة البقرة : الآية ٣٥ قالوا: وكيف يجوزُ على آدمَ مع مكانه من الله وكمالٍ عقلِه أن يطلبَ شَجَرةَ الخُلْدِ - وهو في دار الخُلْدِ - والمُلْكَ الذي لا يَبْلَى؟ فالجوابُ: أنَّ الله تعالى عَرَّفَ الجنةَ بالألف واللام، ومن قال: أسألُ الله الجنةَ، لم يُقْهَم منه في تعارُفِ الخلق إلا طلبُ جنةِ الخُلْد، ولا يستحيلُ في العقل دخولُ إبليسَ الجنةَ لتغرير (١) آدم، وقد لَقِيَ موسى آدمَ عليهما السلام، فقال له موسى: أنتَ أَشْقَيْتَ ذُرِّيَّتَك، وأخْرَجْتَهم من الجنة(٢)، فأدخلَ الألف واللامَ ليدلَّ على أنها جنةٌ الخُلْد المعروفةُ، فلم يُنْكِرْ ذلك آدمُ، ولو كانت غيرَها لَرَدَّ على موسى، فلمَّا سَكَتَ آدمُ على ما قَرَّرَه موسى صَحَّ أنَّ الدارَ التي أخْرَجَهم الله عزَّ وجلَّ منها بخلاف الدار التي أُخْرِ جُوا إليها. وأمَّا ما احتجُّوا به من الآي؛ فذلك إنما جعلَه الله فيها بعدَ دخولِ أهلِها فيها يومَ القيامة، ولا يمتنعُ أن تكون دارَ خُلْد (٣) لمن أرادَ الله تخليدَه فيها، وقد يخرجُ منها مَنْ قُضِيَ عليه بالفناء. وقد أجمعَ أهلُ التأويل على أن الملائكةَ يدخلون الجنةَ على أهل الجنة ويخرجون منها، وقد كان مفاتيحُها بيد إبليسَ، ثم انتُزِعَت منه بعد المعصية، وقد دخلَها النبيُّ وَّ ليلة الإسراء، ثم خرجَ منها، وأخبرَ بما فيها(٤)، وأنها هي جنةٌ الخُلْد حقًّا. وأما قولهم: إن الجنةَ دارُ القُدْس، وقد طهَّرها الله تعالى من الخطايا، فجهلٌ منهم، وذلك أن الله تعالى أمرَ بني إسرائيلَ أن يدخلوا الأرضَ المقدَّسةَ، وهي الشام، وأجمع أهلُ الشرائع على أنَّ الله تعالى قَدَّسها، وقد شُوهِدَ فيها المعاصي والكفرُ والكذبُ، ولم يكن تقديسُها مما يمنعُ فيها المعاصي، وكذلك(٥) دار القُدْس. قال أبو الحسن بنُ بطَّال: وقد حكى بعضُ المشايخ أن أهلَ السُّنّة مُجمعون على أنَّ جنةَ الخُلْد هي التي أُهْبِطَ منها آدمُ عليه السلام، فلا معنى لقولِ مَنْ خالَفَهم. (١) في (د): لتعذير، وفي (ز) و(ظ): لتعزير، والمثبت من (م). (٢) أخرجه البخاري (٧٥١٥)، ومسلم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) في (م): الخلد. (٤) سلف ص ٣٥٧. (٥) في (د): فلذلك سمّيت، وفي (ز) و(ظ): فكذلك، والمثبت من (م). ٤٥٢ سورة البقرة : الآية ٣٥ وقولهم: كيف يجوزُ على آدم في كمال عقله أن يطلبَ شجرةَ الخُلْد وهو في دار الخُلْد؟ فيُعكس عليهم، ويقال: كيف يجوزُ على آدم وهو في كمال عقلِه أن يطلبَ شجرةَ الخُلْد في دار الفناء؟! هذا ما لا يجوزُ(١) على مَنْ له أدنى مُسْكةٍ من عقل، فكيف بآدم الذي هو أرجحُ الخلقِ عقلاً! على ما قال أبو أمامة، على ما يأتي(٢). السادسة: قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ قراءةُ الجمهور: ((رَغَداً)) بفتح الغين، وقرأ النَّخَعَيُّ وابنُ وَثَّاب بسكونها(٣)، والرَّغَد: العيشُ الدَّارُ الهَنِيُّ الذي لا غَناءَ فیه. قال : بينما المرءُ تَراهُ ناعماً يأمَنُ الأحداثَ في عيشٍ رَغَد (٤) ويقال: رَغُدَ عيشُهم ورَغِدَ(٥) - بضمِّ الغين وكسرِها - وأرغَدَ القومُ: أَخْصَبُوا وصارُوا في رَغَدٍ من العيش، وهو منصوبٌ على الصفة لمصدر محذوف(٦). وحَيْثُ وحيثَ وحيثٍ، وحَوْثُ وحَوْثَ وحَوْثٍ(٧) وحاثَ، كلُّها لغاتٌ، ذكرها النَّحاسُ وغيره(٨). السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أي: لا تقرباها بأكل؛ لأن الإباحةَ فيه وقعت. قال ابن العربيّ: سمعتُ الشَّاشيَّ(٩) في مجلس النَّظَرِ (١٠) يقول: إذا قيل: (١) في (د): هذا مما لا يجوز، وفي (ظ): وهذا وهذا لا يجوز. (٢) ص ٤٥٧. (٣) المحرر الوجيز ١٢٧/١. ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٣ للنخعي. (٤) البيت لامرئ القيس، كما في تفسير الطبري ١/ ٥٥٠، والمحرر الوجيز ١٢٧/١. ولم نقف عليه في دیوانه. (٥) في (ظ): رغُد عيشهم يَرغَد ورغِد. (٦) أو أن يكون مصدراً في موضع الحال، كما حكاه النحاس في إعراب القرآن ٢١٣/١ عن ابن كيسان، وسیذكره المصنف ص ٤٦١. (٧) اللفظة الثالثة: وحَوْثٍ، من (د) و(ز)، وهو موافق لما في كتب اللغة. (٨) إعراب القرآن ٢١٣/١، وأمالي ابن الشجري ٥٩٩/٢. وانظر الصحاح: (حوث)، والدر المصون ٢٨٢/١. (٩) هو محمد بن أحمد بن الحسين، أبو بكر التركي، شيخ الشافعية، له حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء. كان يسمى الجنيد لورعه. مات سنة (٥٠٧هـ). السير ٣٩٣/١٩. (١٠) كذا في النسخ الخطية، ونقله عنه أبو حيان في ((البحر٤ ١٥٨/١ وقال: في مجلس النضر بن شُميل، ثم= ٤٥٣ سورة البقرة : الآية ٣٥ لا تقرَب - بفتح الراء - كان معناه: لا تَلَبَّس بالفعل، وإذا كان بضم الراء، فإنَّ معناه: لا تَدْنُ منه. وفي ((الصحاح)): قَرُبَ الشيءُ - بالضمّ - يقرُبُ قُرْباً، أي: دَنَا، وقَرِبْتُه - بالكسر - أقْرَبُه قُرْباناً، أي: دنَوْتُ منه، وقَرَبْتُ أقرُبُ قِرابةً - مثل: كَتَبتُ أكتُبُ كِتابةٌ - إذا سِرتَ إلى الماء وبينك وبينه ليلةٌ، والاسم: القَرَب، قال الأصمعيُّ: قلتُ لأعرابيٍّ: ما القَرَبُ؟ فقال: سَيْرُ الليل لوِرْد الغد. وقال ابن عطية(١): قال بعضُ الحُذَّاق: إنَّ الله تعالى لما أرادَ النهي عن أكل الشجرةِ، نهى عنه بلفظٍ يقتضي الأكلَ وما يدعو إليه(٢)، وهو القُرْب. قال ابن عطية: وهذا مثالٌ بَيِّنٌ في سَدِّ الذرائع. وقال بعض أرباب المعاني: قوله: ((ولا تَقْرَبا)) إشعارٌ بالوقوع في الخطيئة والخروجِ من الجنة، وأنَّ سُكْناه فيها لا يدوم، لأنَّ المُخَلَّدَ لا يُخْظَر عليه شيءٌ، ولا يُؤمَرُ ولا يُنْهَى، والدليلُ على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ فدلَّ على خروجه منها. الثامنة: قوله تعالى: ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ الاسمُ المبهَم يُنعَتُ بما فيه الألفُ واللام لا غير، كقولك: مررتُ بهذا الرجل، وبهذه المرأة، وهذه الشجرة. وقرأ ابن مُحَيْصِن: ((هذي الشجرة)) بالياء، وهو الأصل، لأنَّ الهاء في هذه بدلٌ من ياء، ولذلك انكسر ما قبلها، وليس في الكلام هاءُ تأنيثٍ قبلَها كسرةٌ سواها، وذلك لأنَّ أصلَها الياء(٣). = تعقبَه بقوله: وفي هذه الحكاية عن ابن العربي من التخليط ما يُتعجب من حاكيها ... ، وبين النضر والشاشيٍّ من السنين مئون! إلا إن كان ثَمَّ مكان معروف بمجلس النضر بن شميل، فيمكن. اهـ. وستتكرر عبارة مجلس النظر في ٧٤/٣، ٤٨٦ ولعل المراد به مجلس المناظرة، كما هو وارد في كتب الأصوليين. ينظر المنثور في القواعد للزركشي ٢١٧/٣، وأصول البزدوي ٢٦٩/٣. (١) المحرر الوجيز ١٢٧/١. (٢) في (م): وما يدعو إليه العرب، ولفظة ((العرب)) مقحمة. (٣) المحرر الوجيز ١٢٧/١. ونسب هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤ لابن كثير في بعض رواياته. ٤٥٤ سورة البقرة : الآية ٣٥ والشَّجَرة والشِّجَرة والشِّيرة: ثلاثُ لغات، وقُرئ: ((الشِّجَرة)) بكسر الشين(١). والشَّجَرة والشِّجَرة(٢): ما كان على ساقٍ من نبات الأرض، وأرضٌ شَجِيرة وشَجْراء، أي: كثيرةُ الأشجار، ووادٍ شَجِير، ولا يقال: وادٍ أشجر. وواحد الشَّجْراء شَجَرة، ولم يأتِ من الجمع على هذا المثال إلا أحرفٌ يسيرة: شَجَرة وشَجْراء، وقَصَبة وقَصْباء، وطَرَفة وطَرْفاء، وحَلَفة وحَلْفاء(٣)، وكان الأصمعيُّ يقول في واحد الحَلْفاء: حَلِفَة - بكسر اللام - مخالفةً لأخواتها. وقال سيبويه: الشَّجْراءُ واحدٌ وجَمْع، وكذلك القَصْباءُ والطَّرْفاء والحَلْفاء. والمَشْجَرةُ (٤): موضعُ الأشجار، وأرضٌ مَشْجَرة، وهذه الأرض أشجر من هذه، أي: أكثرُ شَجَراً، قاله ي(٥) الجوهريّ(٥). التاسعة: واختلفَ أهلُ التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نُهيَ عنها، فأكل منها، فقال ابنُ مسعود وابنُ عباس وسعيد بنُ جُبير وجَعْدة بنُ هُبيرة(٦): هي الگرْم، ولذلك حُرِّمت علينا الخمر. وقال ابنُ عباس أيضاً وأبو مالك وقتادةُ: هي السُّنْبُلة، والحَبَّهُ منها كَكُلَى البقر، أحْلَى من العسل، وألْيَن من الزُّبْد، قاله وَهْب بن مُنَبِّه. ولمَّا تاب الله على آدم جعلَها غذاءً لبنيه. وقال ابنُ جُريج عن بعض الصحابة: هي شجرةٌ التِّين(٧)، وكذا روى سعيد(٨) عن قتادة. ولذلك تُعَبَّر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم عليه السلام على أكلها. ذكره السُّهَيليُّ(٩). (١) المحرر الوجيز ١٢٧/١، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤ لأبي السمَّال، وابن جني في المحتسب ٧٤/١ لهارون الأعور عن بعض العرب. (٢) في (ظ): والشَّجرَ والشِّجَر، وفي (د): والشَّجر والشّجرة. (٣) في (د) و(ز): وحلقة وحلقاء، وفي (ظ): وخلفة وخلفاء، والمثبت من (م). (٤) في النسخ: والمشجر، والمثبت من (م) والصحاح. (٥) الصحاح (شجر). (٦) ابن أبي وهب، المخزومي، أمُّه أمّ هانئ بنت أبي طالب، وهو من رجال التهذيب. (٧) أخرج الأخبار السالفة الطبريُّ في تفسيره ١/ ٥٥٦٥٥١. (٨) في (د): شعبة، وأخرج الطبري ١/ ٥٥٢ من طريق سعيد، عن قتادة قال: هي السنبلة. (٩) التعريف والإعلام ص ٢٠. ٤٥٥ سورة البقرة : الآية ٣٥ قال ابن عطية(١): وليس في شيء من هذا التعيين ما يَعْضُده خبرٌ، وإنما الصوابُ أن يُعتقَد أن الله تعالى نهى آدمَ عن شجرةٍ، فخالف هو إليها، وعصى في الأكل منها. وقال القُشيري أبو نصر: وكان الإمام والدي رحمه الله يقول: يُعلَم على الجملة أنها كانت شجرةَ المِحْنة(٢). العاشرة: واختلفوا كيف أكَلَ منها مع الوعيد المقترن بالقُرب، وهو قوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الَّلِينَ﴾، فقال قوم: أكلا من غير التي أُشيرَ إليها، فلم يتأوَّلا النهيَ واقعاً على جميع جنسها، كأن إبليس غَرَّه [بالأخذ] بالظاهر. قال ابن العربي(٣): وهي أوّل معصيةٍ عُصِيَ الله بها على هذا القول. قال: وفيه دليلٌ على أنَّ من حلفَ ألا يأكل من هذا الخبز، فأكل من جنسه، حَنِثَ، وتحقيقُ المذاهب فيه أنَّ أكثر العلماء قالوا: لا حِنْثَ فيه، وقال مالك وأصحابه: إن اقْتَضَى بِساطُ اليمين(٤) تعيينَ المشارِ إليه، لم يَحْنَثْ بأكل جنسِه، وإن اقْتَضَى بِساطُ اليمين أو سَببُها أو نيَّتُها الجنسَ حُمِلَ عليه، وحَنِثَ بأكل غيرِه، وعليه حُمِلَتْ قصةُ آدَمَ عليه السلام، فإنه نُهِيَ عن شجرة عُيِنَتْ له وأُريدَ به(٥) جنسُها، فحَمَلَ القولَ على اللفظ دون المعنى. وقد اختلف علماؤنا في فَرْع من هذا: وهو أنه إذا حلَفَ ألا يأكل هذه الحنطةً، فأكل خبزاً منها، على قولين: قالَ في ((الكتاب))(٦): يحنّثُ، لأنَّها هكذا تؤكلُ، وقال ابنُّ المَوَّاز(٧): لا شيء عليه، لأنه لم يأكل حنطةً، إنما (٨) أكل خبزاً، فَرَاعَى الاسمَ (١) المحرر الوجيز ١٢٨/١. (٢) لطائف الإشارات ١/ ٨٠. (٣) أحكام القرآن ١٨/١ و١٩، والكلام السابق وما بين حاصرتين منه. (٤) هوا لسبب المثير لليمين لتُعرف منه، وسلف ذكره ص ٣٤٤. (٥) في (ظ) و(م): بها. (٦) المدونة الكبرى ١٢٧/٢، ونقله المصنف بواسطة ابن العربي. (٧) محمد بن إبراهيم بن زياد، أبو عبد الله، الإسكندراني، المالكي، فقيه الديار المصرية، صاحب التصانيف، توفي سنة (٢٦٩هـ). السير ٦/١٣. (٨) في (م) وأحكام القرآن: وإنما. ٤٥٦ سورة البقرة : الآية ٣٥ والصفةَ. ولو قال في يمينه: لا آكلُ من هذه الحنطة، لَحَنِثَ بأكل الخبز المعمولِ منها، وفيما اشتُرِيَّ بثمنها من طعام، وفيما أَنبتت خلافٌ. وقال آخرون: تأوّلا النَّهيَ على النَّدب. قال ابن العربيّ: وهذا وإن كانت(١) مسألة (٢) من أصول الفقه، فقد سقطَ ذلك هاهنا، لقوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الَّلِينَ﴾. فقرنَ النَّهْيَ بالوعيد، وكذلك قوله سبحانه: ﴿فَلَا يُخْرِجَتَّكْا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَ﴾ [طه: ١١٧]. وقال ابن المُسَيِّب: إنما أكلَ آدمُ بعد أن سَقَته حوَّاءُ الخمر، فسَكِر، وكان في غير عقلِه. وكذلك قال يزيدُ بن قُسيط(٣)، وكانا يحلفان بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقِلُ. قال ابن العربيّ(٤): وهذا فاسدٌ نقلًا وعقلًا، أما النّقْلُ فلم يَصِحَّ بحالٍ، وقد وَصَفَ الله عزَّ وجلَّ خمرَ الجنة، فقال: ﴿لَا فِهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]. وأما العقلُ فلأنَّ الأنبياءَ بعد النبوّة معصومون عما يؤدّي إلى الإخلال بالفرائض واقتحام الجرائم. قلت: قد استنبطَ بعضُ العلماء نبوّةً آدمَ عليه السلام قبل إسكانه الجنةً من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّ أَنْبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فأمرَه الله تعالى أن يُنبئَ الملائكةَ بما ليس عندهم من علم الله جلّ وعَزّ. وقيل: أكلَها ناسياً، ومن الممكن أنهما نَسِيا الوعيدَ. قلت: وهو الصحيحُ؛ لإخبار الله تعالى في كتابه(٥) بذلك حتماً وجزماً، فقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىْ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. لكن لمَّا كان الأنبياءُ عليهم السلام يلزمهم من التحقُّظ والتيقُّظ - لكثرة معارفهم وعُلُوّ منازلهم - ما لا يلزم غيرَهم، كان تشاغلُه(٦) عن تذكُّر النّهي تضييعاً صارَ به عاصياً، أي: مخالفاً. (١) في (م): كان. (٢) في أحكام القرآن ١٩/١: وأما حمل النهي على التنزيه فهي وإن كانت مسألة ... (٣) قول ابن المسيب أخرجه الطبري في تفسيره ٥٦٦/١ من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط، عنه، أنه سمعه يحلف بالله ما يستثني: ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل. وقول يزيد لم نقف على من ذكره منسوباً له. وانظر المحرر الوجيز ١٢٩/١. (٤) أحكام القرآن ١٩/١. (٥) في (ظ): الكتاب. (٦) في (د) و(ظ): تشاغلهم. ٤٥٧ سورة البقرة : الآية ٣٥ قال أبو أُمامة: لو أن أحلامَ بني آدمَ منذ خَلَقَ الله الخَلْقَ إلى يوم القيامة وُضِعت في كِفَّة ميزان، ووُضع حِلْم آدمَ في كِفَّة أخرى، لَرَجَحَهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾(١). قلت: قولُ أبي أمامةَ هذا عمومٌ في جميع بني آدم، وقد يَحتمِلُ أن يُخصَّ من ذلك نبيُّنا محمد ◌َّ؛ فإنه كان أوفَرَ الناس حِلْماً وعقلاً، وقد يَحْتَمِلُ أن يكون المعنى: لو أنَّ أحلامَ بني آدم من غير الأنبياء. والله أعلم. قلتُ: والقولُ الأوّل(٢) أيضاً حَسَن، فظَنًا أنَّ المرادَ العَيْنُ، وكان المرادُ الجنسَ، كقول النبيِّ ◌َ ﴿ حين أخذ ذهباً وحريراً، فقال: «هذانِ حرامانٍ علی ذکورٍ أُمتي)»(٣). وقال في خبرٍ آخر: ((هذان مُهلكانٍ أُمتي)) (٤). وإنما أرادَ(٥) الجنسَ لا العين. الحاديةَ عشرة: يقال: إن أوّل مَنْ أكل من الشجرة حوّاءُ بإغواء إبليس إياها، على ما يأتي بيانهُ(٦)، وإن أوّلَ كلامه كان معها؛ لأنها وسواسُ المِخَدَّة، وهي أوّلُ فِتنة دخلت على الرجال من النساء، فقال: ما مُنِعْتُما هذه الشجرةَ إلا أنها شجرةٌ الخُلْد؛ لأنه علمَ منهما أنهما كانا يُحِبّان الخُلْد، فأتاهما من حيث أحبًّا - حُبُّكَ الشيءَةِ يُعمي ويُصِمُّ(٧) - فلما قالت حوّاء لآدمَ أنكرَ عليها، وذكرَ العهدَ، فألحَّ على حوّاءَ، وألَخَّتْ حوّاءُ على آدم، إلى أن قالت: أنا آكلُ قبلكَ، حتى إنْ أصابني شيءٌ سَلِمْتَ أنت، فأكلتْ فلم يضرَّها، فأتَتْ آدمَ، فقالت: كُلْ، فإني قد أكَلْتُ فلم يضرَّني، فأكل، فبَدَتْ لهما سواتُهما، وحصلا في حكم الذنب، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا (١) أخرجه الطبري ١٦/ ١٨٥. (٢) يعني ما سلف في أول المسألة ص ٤٥٥. (٣) أخرجه أحمد (٧٥٠)، والنسائي ٨/ ١٦٠ - ١٦١ من حديث علي رضي الله عنه. (٤) لم نقف عليه. (٥) في (د): المراد. (٦) في الآية التالية. (٧) هو من كلام أبي الدرداء رضي الله عنه. المسند (٢١٦٩٤)، والقصة في تفسير الطبري ١ / ٥٦١ ٥٦٦، وتاريخه ١٠٧/١ - ١٠٨، والمحرر الوجيز ١٢٨/١. ٤٥٨ سورة البقرة : الآية ٣٥ هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فجمعهما في النَّهْي، فلذلك لم تنزل بهما(١) العقوبةُ حتى وُجِدَ المنهيُّ عنه منهما جميعاً، وخَفِيت على آدمَ هذه المسألةُ. ولهذا قال بعضُ العلماء: إنَّ مَنْ قالَ لزوجتيه أو أَمَتَيه: إن دخلتُما الدارَ، فأنتما طالقتان أو حُرَّتان: إن الطلاقَ والعتقَ لا يقعُ بدخول إحداهما. وقد اختلفَ علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال: قال ابن القاسم: لا تطلقان ولا تَعتِقان إلا باجتماعهما في الدخول، حملاً على هذا الأصل، وأخذاً بمقتضى مُطلَقِ اللفظ. وقاله سُخْنون. وقال ابن القاسم مرةً أخرى: تطلقان جميعاً وتعتِقان جميعاً بوجود الدخول من إحداهما؛ لأنّ بعضَ الحِنْثِ حِنْثٌ، كما لو حلفَ ألّا يأكلَ هذين الرغيفين، فإنه يحنَثُ بأكل أحدهما، بل بأكل لُقمةٍ منهما. وقال أشهب: تَعتِقُ وتَظْلُقُ التي دخلت وحدَها، لأن دخول كلّ واحدةٍ منهما شرط في طلاقها أو عِثْقها. قال ابن العربي(٢): وهذا بعيدٌ، لأن بعضَ الشرط لا يكون شرطاً إجماعاً. قلت: الصحيحُ الأوّل، وإنَّ النَّهْيَ إذا كان معلَّقاً على فعلين لا تتحقَّقُ المخالفةُ إلا بهما، لأنك إذا قلتَ: لا تدخلا الدار، فدخل أحدُهما، ما وُجدت المخالفةُ منهما، لأن قولَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ نَهْيٌ لهما ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّلِينَ﴾ جوابُه، فلا يكونا من الظالمين(٣) حتى يفعلا، فلما أكّلتْ لم يُصِبْها شيءٌ؛ لأن المنهيَّ عنه ما وُجد كاملاً، وخَفِيَ هذا المعنى على آدم، فطمعَ ونسيَ هذا الحكم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىْ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ﴾ [طه: ١١٥]، وقيل: نسي قوله: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَ﴾ [طه: ١١٧]. والله أعلم. الثانية عشرة: واختلف العلماءُ في هذا الباب: هل وقعَ من الأنبياء - صلوات الله (١) في (ز) و(م): بها، والمثبت من (د) و(ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن ١/ ١٧. (٢) أحكام القرآن ١/ ١٧. (٣) في (د) و(ز): فلا يكونا ظالمين. ٤٥٩ سورة البقرة : الآية ٣٥ عليهم أجمعين - صغائرُ من الذنوب يُؤاخذون بها، ويُعاتَبون(١) عليها، أم لا؟ بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر، ومن كلِّ رذيلةٍ فيها شَيْنٌ ونقصٌ، إجماعاً عند القاضي أبي بكر. وعند الأستاذ أبي إسحاق(٢) أنَّ ذلك مقتضى دليلِ المعجزة، وعند المعتزلة أنَّ ذلك مقتضى دليلِ العقل على أصولهم: فقال الطبريُّ وغيره من الفقهاء والمتكلّمين والمحدّثين: تقعُ الصغائر منهم، خلافاً للرافضة حيث قالوا: إنَّهم معصومون من جميع ذلك، واحتجُّوا بما وقعَ من ذلك في التنزيل، وثبتَ من تنصُّلهم(٣) من ذلك في الحديث، وهذا ظاهرٌ لا خفاءَ فيه. وقال جمهورٌ من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلّها كعصمتهم من الكبائر أجمعِها، لأنا أُمِرْنا باتِّباعهم في أفعالهم وآثارهم وسِيَرهم أمراً مطلقاً من غير التزام قرينةٍ، فلو جوَّزنا عليهم الصغائرّ لم يكن الاقتداءُ بهم، إذ ليس كلُّ فعل من أفعالهم يتميزُ مقصدُه من القُرْبة والإباحة، أو الحَظْر أو المعصية، ولا يصحُّ أن يؤمر المرءُ بامتثال أمرٍ لعلَّه معصيةٌ، لاسيّما على مَنْ يرى تقديمَ الفعلِ على القول إذا تعارضا من الأصوليين. قال الأستاذ أبو إسحاق الإسْفَرايني: واختلفوا في الصغائر، والذي عليه الأكثرُ أن ذلك غيرُ جائزِ عليهم، وصار بعضُهم إلى تجويزها، ولا أصلَ لهذه المقالة. وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأوّل: الذي ينبغي أن يقال: إنَّ الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوبٍ من بعضهم، ونَسَبَها إليهم، وعاتَبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم، وتنصَّلوا منها، وأشفقوا منها، وتابوا، وكلُّ ذلك وَرَد في مواضعَ كثيرةٍ لا يقبَلُ التأويلَ جملتها، وإن قَبِل ذلك آحادُها، و کلُّ ذلك مما لا يُزْرِي بمناصبهم، وإنما تلك الأمورُ التي وقعت منهم على جهة النُّدور(٤)، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويلٍ دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسناتٌ، وفي حقِّهم سيّئَاتٌ [بالنسبة] (١) في (ز) و(ظ): ويعاقبون. (٢) في النسخ: الأستاذ أبي بكر، وهو خطأ، ينظر الشفاء للقاضي عياض ٢/ ١٤٤. (٣) في (د) و(ز): تفضلهم، وفي (ظ) تفضيلهم. والمثبت من (م). (٤) في (ظ): النذير. ٤٦٠ سورة البقرة : الآية ٣٥ إلى مناصبهم وعُلوّ أقدارِهم، إذ قد يُؤاخَذُ الوزيرُ بما يُثابُ عليه السائسُ، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمانِ والسلامةِ. قال: وهذا هو الحقُّ. ولقد أحسن الجُنّيد حيث قال: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين(١)، فهم - صلواتُ الله وسلامُه عليهم - وإن كان قد شهدتِ النصوصُ بوقوع ذنوبٍ منهم، فلم يُخِلَّ ذلك بمناصبهم، ولا قَدَح في رُتَبهم، بل قد تلافاهم، واجتباهم، وهداهم، ومدحَهم، وزكَّاهم، واختارَهم، واصطفاهم، صلواتُ الله عليهم وسلامه. الثالثةَ عشرة: قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَِّينَ﴾ الظّلم: أصلُه وضعُ الشيءِ في غير موضعه، والأرضُ المظلومةُ: التي لم تُحفَر قٌ، ثم حُفِرت. قال النابغة: عَيّتْ جواباً وما بالرَّبع مِن أحدٍ وقفتُ فيها أُصَيْلالاً أُسائلُها والنُّؤْيُ كالحَوْض بالمظلومة الجَلَد (٢) إلا الأَوَارِيَّ لَأياً ما أُبَيِّنها ويُسمَّى ذلك التراب: الظّلِيم. قال الشاعر: فأصبَحَ في غبراءَ بعدَ إشاحةٍ على العيش مردودٍ عليها ظَلِيمُها(٣) وإذا نُحِرَ البعيرُ من غير داءٍ به فقد ظُلم، ومنه: ظَلّامون للـجـزر(٤) ويقال: سقانا ظَلِيمةً طَيِّبة: إذا سقاهم اللبنَ قبل إدراكِه، وقد ظَلَّمَ وَظْبَه(٥): إذا سَقَى منه قبل أن يَرُوبَ ويُخْرَجَ زُبْدُه، والّلبنُ مظلومٌ وظَليم. قال: (١) ذكر ابن عساكر في تاریخ دمشق ٦٥/٢ أنه من كلام أبي سعيد الخراز. (٢) ديوانه ص ٣٠. وأصيلالاً: تصغير أُضلان جمع أصيل، والأواري: جمع آريّ، وهو محبِسُ الدابة. واللأي: الشدة والإبطاء. والنؤي: حفيرة حول الخباء لئلا يدخله ماء المطر. والجلد: الأرض الصلبة. الصحاح (أرا) (أصل) (جلد) (تأى). (٣) البيت في رثاء رجل، وهو في الصحاح (ظلم) من غير نسبة. قال في اللسان (ظلم): يعني حفرة القبر یرد ترابها علیه بعد دفن الميت فيها. (٤) هذا جزء من بيت لابن مقبل، والبيت بتمامه: عادَ الأزِلَّةُ في دار وكان بها هُرْتُ الشقائِقِ ظلاّمون للجُزُر وهو في ديوانه ص ٨١، والصحاح (ظلم). (٥) الوَظْب: سِقاءُ اللبن خاصة، ويعمل من جلد الجَذَع فما فوقه. الصحاح (وطب).