Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سورة البقرة : الآية ٣١ قال: ((ويجتمعُ المؤمنون يومَ القيامة، فيقولون: لو استَشْفَعْنا إلى ربِّنا، فيأتون آدمَ، فيقولون: أنت أبو النَّاس، خَلَقَكَ الله بيدِه، وأسجدَ لك ملائكته، وعَلَّمَكَ أسماءَ كلِّ شيء)) (١) الحديث. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد(٢): في هذه الآية دليلٌ على أنَّ اللُّغة مأخوذةٌ توقیفاً، وأن الله تعالی علّمها آدم عليه السلام جملةً وتفصيلا. وكذلك قال ابن عباس: علَّمه أسماءَ كلِّ شيءٍ حتى الجَفْنة والمِحْلَب. وروى شيبان، عن قتادة قال: علّم آدمَ من الأسماء أسماءَ خلقِه ما لم يُعلّم الملائكةَ، وسمَّى كلَّ شيء باسمه وأنْحَى منفعةً كلِّ شيء إلى جنسه(٣). قال النَّحاس: وهذا أحسَنُ ما رُوِيَّ في هذا. والمعنى: عَلَّمَه أسماءَ الأجناسِ وعَرَّفَهُ مَنافِعَها، هذا كذا، وهو يصلح لكذا. وقال الطبريّ: علَّمه أسماء الملائكة وذرِّيتِه، واختار هذا ورجّحه بقوله: عَضَهُمْ عَلَى الْمَلَبِكَةِ﴾. وقال ابنُ زيد: علَّمه أسماء ذرِّيته كلّهم. الربيع بن خُثَيْم (٤): أسماء الملائكةِ خاصَّة(٥). القُتَبِيّ: أسماء ما خلقَ في الأرض(٦). وقيل: أسماء الأجناسِ والأنواع. قلتُ: القولُ الأوَّلُ أصحُّ، لما ذكرناه آنفاً، ولِمَا نبيُّه إن شاء الله تعالى. الرابعة: واختلفَ المتأوَّلُون أيضاً: هل عَرَضَ على الملائكةِ أشخاص الأسماء(٧) أو الأسماء دونَ الأشخاص، فقال ابنُ مسعود وغيره: عرضَ الأشخاص(٨) لقوله تعالى: ﴿عَهُمْ﴾، وقوله: ﴿أَشُِّونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ﴾ وتقولُ (١) صحيح البخاري (٧٤١)، وصحيح مسلم (١٩٣)، وهو في المسند (١٢١٥٣). (٢) في (د) و(ظ): ابن خواز منداد، وفي (ز): أبو خواز منذاد، والمثبت من (م)، وانظر ص ١٨٠. (٣) تفسير الطبري ١/ ٥١٧، وتاريخه ٩٨/١. (٤) أبو يزيد الثوري، الكوفي، أدرك زمان النبي و *، وكان أورع أصحاب ابن مسعود، مات قبل سنة (٦٥ هـ). السير ٢٥٨/٤. (٥) تفسير الطبري ٥١٧/١، واختيار الطبري وترجيحه في ٥١٨/١، وتاريخه ٩٩/١. (٦) غريب القرآن ص ٥٦، والقُتَبيّ هو: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الكاتب صاحب : التصانيف، كان رأساً في علم اللسان العربي والأخبار وأيام الناس، صنف غريب القرآن والحديث وأدب الكاتب والشعر والشعراء وغيرها، توفي سنة (٢٧٦هـ). السير ٢٩٦/١٣. (٧) في (م): أسماء الأشخاص. (٨) المحرر الوجيز ١١٩/١. ٤٢٢ سورة البقرة : الآية ٣١ العربُ: عَرَضْتُ الشيءَ فَأَعْرَض، أي: أظهرتُه فظهَر. ومنه: عَرَضْتُ الشيء للبيع (١). وفي الحديث: ((إنه عَرَضَهم أمثالَ الذَّرِّ»(٢). وقال ابنُ عباس وغيرُه: عرضَ الأسماء(٣). وفي حرفِ ابنِ مسعود: ((عَرَضَهُنَّ)) فأعاد على الأسماء دون الأشخاص، لأنّ الهاء والنون أخصُّ بالمؤنث. وفي حرف أُبيّ ((عَرَضَها))(٤). مجاهد: أصحاب الأسماء(٥). فمَنْ قال في الأسماء: إنها المسمَّيات(٦)، فاستقامَ على قراءةٍ أُبَيّ: ((عَرَضَها)). ويقول(٧) في قراءة مَنْ قرأ: ((عَرَضَهُم): إنَّ لفظَ الأسماء يدلُّ على أشخاص، فلذلك سَاغَ أن يقول(٨) للأسماء: ((عَرَضَهُم)). وقال في ((هؤلاء)): المرادُ بالإشارة إلى أشخاص الأسماء، لكنْ وإن كانت غائبةً؛ فقد حَضَرَ ما هو منها بسَبَبٍ، وذلك أَسماؤها. قال ابنُ عطيَّةٍ(٩): والذي يظهرُ أنَّ الله تعالى عَلَّمَ آدَمَ الأسماءَ وعَرَضَ عليه مع ذلك الأجناسَ أشخاصاً (١٠) ثم عرضَ تلكَ على الملائكة، وسألهم عن تسمياتها(١١) التي قد تعلَّمها، ثم إنَّ آدمَ قال لهم: هذا اسمُه كذا، وهذا اسمُه كذا. وقال الماوَرْدِيّ(١٢): فكانَ(١٣) الأصحُّ توجُّهَ العَرْضِ إلى المُسَمَّيْن. ثم في زمن عَرْضِهم (١) الصحاح (عرض). (٢) سيذكره المصنف عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]. (٣) تفسير الطبري ١/ ٥٢٠، والمحرر الوجيز ١٢٠/١. (٤) ذكر القراءتين ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص ٤، والماوردي في النكت والعيون ٩٩/١، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٢٠/١. (٥) تفسير الطبري ١/ ٥٢١. (٦) في (ز) و(ظ) و(م): التسميات، وهو خطأ، والمثبت من (د). (٧) في (م): وتقول. (٨) في (م): يقال. (٩) المحرر الوجيز ١٢١/١. (١٠) اضطربت العبارة في (د) و(ظ) و(م)، فقد وقع فيها: وعرضهن عليه مع ذلك الأجناس بأشخاصها، إلا أن في (ظ): أشخاصاً، بدل: بأشخاصها، وفي (م): تلك، بدل: ذلك. والمثبت من (ز) وهو المناسب لما في المحرر الوجيز، فاللفظ فيه: وعرض مع ذلك عليه الأجناسَ أشخاصاً. (١١) في (د): مسمياتها. (١٢) في النكت والعيون ٩٩/١-١٠٠. (١٣) في (م): وكان. ٤٢٣ سورة البقرة : الآية ٣١ قولان: أحدهما: أنَّه عرَضَهم بعد أنْ خَلَقَهم. الثاني: أنَّه صوَّرهم لقلوبِ الملائكَةِ، ثُمَّ عَرَضَهُم. الخامسة: واختُلِفَ في أوَّل مَنْ تكَلَّمَ باللِّسان العربيّ(١)، فرُوِيّ عن كعب الأحبار أنَّ أوَّل مَنْ وَضَعَ الكتابَ العربيَّ والسُّرْيانيَّ والكتبَ كلَّها وتكلَّمَ بالألسنة كلِّها آدمُ عليه السلام. وقاله غيرُ كعب الأحبار. فإن قيل: قد رُوِيَ عن كعب الأحبار من وجهٍ حَسَن قال: أوَّلُ مَنْ تكلَّم بالعربيَّةِ جبريلُ عليه السلام، وهو الذي ألقاها على لسانِ نوح عليه السلام، وألقاها نوحٌ على لسانِ ابنه سام، رواه ثَوْرُ بنُ یزید (٢)، عن خالدِ بنِ مَعْدان، عن کعب. ورُوِيَ عن النبيِّ وَّ أنَّه قال: ((أوَّلُ مَنْ فُتِقَ لسانُه بالعربيَّةِ المُبِينة إسماعيلُ وهو ابنُ عشرٍ سنين))(٣). وقد رُوِيَ أيضاً: أنَّ أوّلَ مَنْ تكلَّمَ بالعربية يَعْرُبُ بنُ قَحْطان، وقد رُوِيَ غیرُ ذلك. قلنا: الصَّحِيحُ أنَّ أوَّل مَن تكلّم باللُّغاتِ كلِّها من البشر آدمُ عليه السلام، والقرآنُ يشهد له، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، واللُّغاثُ كلُّها أسماء، فهي داخلةٌ تحتَه، وبهذا جاءت السُّنَّة، قال ◌َّهِ: ((وعَلَّمَ آدَمَ الأسماءَ كلَّها حتَّى القَضعةَ والقُصَيعَة)»(٤) وما ذكروه يَحتمِلُ أن يكونَ المرادُ به: أوَّلُ مَنْ تكلَّم بالعربيَّةِ من ولدِ إبراهيمَ عليه السلام إسماعيلُ عليه السلام. وكذلك إن صحَّ ما سواه؛ فإنَّه يكونُ محمولًا على أنَّ المذكورَ أوَّلُ مَنْ تكلّم من قبيلتِهِ بالعربيَّة بدليلٍ ما ذكرنا، والله أعلم. وكذلك جبريلُ أوَّلُ مَنْ تكلَّم بها من الملائكةِ، وألقاها على لسانٍ نُوح بعد أنْ عَلَّمها الله آدمَ أو جِبريل، على ما تقدَّم، والله أعلم. (١) القصد والأمم لابن عبد البر ص ١٩-٢٦. (٢) في (م): ورواه ثور بن زيد. (٣) أخرج الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٥٢-٥٥٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من نطق بالعربية ووضع الكتاب على لفظه ومنطقه ... إسماعيل بن إبراهيم، وأورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) من حديث علي رضي الله عنه ونسبه للشيرازي في ((الألقاب)) وفيه: وهو ابن أربع عشرة سنة. (٤) أخرجه الطبري ٥١٥/١ و٥١٦ موقوفاً على ابن عباس. ٤٢٤ سورة البقرة : الآية ٣١ قولُه تعالى: ﴿هَؤُلاءِ﴾: لفظً مبنيٌّ على الكسر، ولغةُ تَميم وبعضٍ قيس وأسَد فيه القَصْرُ(١)، قال الأعشى(٢): هَؤُلًا ثم هَؤُلًا كلَّ أعطبـ ـتَ نِعالاً مَحْذُوَّةٌ بمثالٍ ومن العرب مَنْ يقولُ: هَؤلاء، فيحذفُ الألفَ والهمزة(٣). السادسة: قولُه تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ شرطٌ، والجوابُ محذوفٌ تقديرُه: إنْ كنتُم صادقين أنَّ بني آدم يُفسدون في الأرض فأنبئوني، قاله المبرِّد(٤). ومعنى ((صادقين)) عالِمِينَ، ولذلك لم يَسُغْ للملائكةِ(٥) الاجتهادُ، وقالوا: ((سُبحانَك)). حكاه النّقَّاش قال: ولو لم يشترِظ عليهم الصِّدق(٦) في الإنباءِ لجازَ لهمُ الاجتهادُ كما جاز للَّذي أماته الله مئةَ عامٍ حين قال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فلم يشترط عليه الإصابةَ، فقالَ، ولم يُصِبْ، ولم(٧) يُعتَّفْ، وهذا بيِّنٌ لا خفاءَ فيه(٨). وحكى الطبريُّ وأبو عُبَيْد: أنَّ بعضَ المفسّرين قال: معنى(٩) ((إن كنتم)): إذْ كنتم، وقالا: هذا خطأ(١٠). و(أَنْبِتُوني)) معناه أخبروني. والنَّبأ: الخَبر، ومنه النبيُ بالهمز (١١)، وسيأتي بيانُه إن شاء الله تعالى(١٢). السابعة: قال بعضُ العلماء: يخرج من هذا الأمرِ بالإنباء تَكْليفُ ما لا يُطاق؛ (١) المحرر الوجيز ١٢١/١. (٢) ديوانه ص ٦١ من قصيدة يمدح فيها الأسود بن المنذر اللخمي. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢١٠/١، يعني حذف ألف ((ها))، وقلب همزة ((أولاء)) واواً، كما في خزانة الأدب ٤٣٨/٥. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢١٠/١، والمحرر الوجيز ١٢١/١. (٥) في (د) و(ز): لم يسعِ الملائكة. (٦) في (ز) و(ظ) و(م): إلا الصدق، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز. (٧) في (ز) و(ظ): فلم. (٨) المحرر الوجيز ١/ ١٢١. (٩) في (م): إن معنى. (١٠) تفسير الطبري ٥٢٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢١٠/١، والمحرر الوجيز ١٢١/١. (١١) المحرر الوجيز ١٢٠/١. (١٢) في تفسير قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ اَلْحَقْ﴾ [البقرة: ٦١]. ٤٢٥ سورة البقرة : الآية ٣٢ لأنَّه عَلِمَ أنَّهم لا يعلمون. وقال المحقّقون من أهلِ التَّأويل: ليسَ هذا على جهةٍ التَّكليفِ، وإنَّما هو على جهةِ التقرير والتَّوقيفِ(١). وسيأتي القولُ في تكليفٍ ما لا يُطاق: هل وقعَ التكليفُ به أمْ لا، في آخر السُّورة إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَّا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَا عِلَّمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ﴿سُبْحَتَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك عن أنْ يعلَمَ الغيبَ أحدٌ سواك. وهذا جوابُهم عن قوله: (أَنْبِئُوني))، فأجابوا أنَّهم لا يعلمون إلا ما أعلَمَهم به، ولم يتعاطَوْا ما لا عِلْمَ لهم به كما يفعلُه الجُهَّالُ منَّا. و((ما)) في ((ما عَلَّمتَنا)) بمعنى ((الذي))، أي: إلا الذي علَّمتَنا، ويجوزُ أن تكون مَصدريَّة بمعنى: إلا تعليمَكَ إِيَّانا. الثانية: الواجبُ على مَنْ سُئِل عن علمٍ أنْ يقولَ إن لم يعلمْ: الله أعلَم، ولا أَدْري، اقتداءً بالملائكةِ والأنبياءِ والفُضَلاء من العُلَماءِ، لكنْ قد أخبرَ الصادِقُ أنَّ بموتٍ العُلَماءِ يُقْبَضُ العِلمُ، فيبقَى ناسٌ جُهَّالٌ يُستفتَوْن، فيُقْتُون برأيهم، فَيَضِلُّونَ ويُضِلُّون(٢). وأمَّا ما وردَ من الأخبار عن النبيِّ وَّهِ وأصحابِهِ والتَّابعين بعدَهم في معنى الآية؛ فَرَوَى البُسْتِيّ(٣) في المسندِ الصَّحيح لهُ عن ابنِ عُمرَ أنَّ رجلاً سألَ رسولَ الله وَليهِ: أيُّ البقاعِ شَرٌّ؟ قال: ((لا أَدري حتَّى أسألَ جبريلَ))، فسألَ جبريلَ، فقال: ((لا أدري حتَّى أسألَ ميكائيلَ))، فجاءَ فقال: ((خيرُ البِقاع المساجِدُ، وشَرُّها الأسواقُ)). وقال الصِّدِّيقُ للجَدَّة: ارجعي حتَّى أسألَ النَّاسَ (٤). وكان عليٍّ يقول: وابَرْدَها على الكبِد! ثلاثَ مرَّات. قالوا: وما ذلك يا أميرَ المؤمنين؟ قال: أنْ يُسألَ الرَّجلُ عمَّا لا يعلمُ، فَيَقُول: الله أعلمُ. (١) المحرر الوجيز ١٢٠/١. (٢) أخرجه أحمد (٦٥١١)، والبخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. (٣) في (د) و(ظ): النسائي، وهو خطأ، والحديث في صحيح ابن حبان (١٥٩٩)، ولم يرد في الكتب الستة. (٤) أخرجه أحمد (١٧٩٨٠)، وأبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠١)، والنسائي في الكبرى (٦٣٠٥)، وابن ماجه (٢٧٢٤) من حديث قبيصة بن ذؤيب. ٤٢٦ سورة البقرة : الآية ٣٢ وسألَ ابْنَ عمر رجلٌ عن مَسْألةٍ، فقال: لا عِلْمَ لي بها، فلمَّا أدبرَ الرجُلُ قال ابنُ عمر: نِعْمَ ما قالَ ابنُ عُمَر، سُئِلِ عمَّا لا يَعْلَمُ، فقالَ: لا عِلْمَ لي به. ذكره الدَّارمِيُّ في مسنده(١). وفي صحيح مسلم(٢) عن أبي عَقِيل يحيى بنِ المتوكّل صاحبٍ بُهَيَّة قال: كنتُ جالساً عندَ القاسمِ بن عُبيدِ الله ويَحيى بنِ سعيد(٣)، فقال يحيى للقَاسم: يا أبا محمَّد، إنَّه قَبيحٌ عَلَى مثلِكَ عظيمٌ أن يُسْألَ عن شيءٍ من أمرٍ هذا الدِّين، فلا يُوجَدَ عندَك منه عِلْمٌ ولا فَرَجٌ، أو عِلْمٌ ولا مَخْرَجٌ؟ فقال له القاسم: وعَمَّ ذاك؟ قال: لأنَّك ابنُ إِمَامَيْ هُدًى: ابنُ أبي بكر وعُمرَ. قال: يقولُ له القاسم: أقْبَحُ مِن ذاكَ عندَ مَنْ عَقَلَ عن الله أن أقُولَ بغير عِلْم، أو آخُذَ عن غيرِ ثِقَةٍ. فسكتَ فما أجابَهُ. وقال مالكُ بنُ أنس: سمعتُ ابنَ هُرْمُزِ(٤) يقول: يَنبغي للعالِم أن يُوَرِّثَ جُلَساءَه مِن بعدِه لا أدري، حتَّى يكونَ أَصلًا في أيديهم، فإذا سُئل أحدُهم عمَّا لا يدري قال: (٥) لا أدري(٥). وذكر الهَيْثَمُ بنُ جَميل(٦) قال: شَهِدْتُ مالكَ بنَ أنس سُئل عن ثمانٍ(٧) وأربعينَ مَسألةً، فقال في اثنتَينٍ وثلاثينَ منها: لا أدري(٨). (١) الأثران عن علي وابن عمر في مسند الدارمي (١٨٤) و(١٨٥)، وأخرجهما الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه ١٧١/٢ و١٧٢ وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ص ٣٠٨. (٢) في مقدمته ص ١٧. (٣) يحيى بن المتوكل: هو العُمري المدني، الحذَّاء الضرير، مات ببغداد سنة (١٦٧هـ)، روى له مسلم في مقدمة كتابه وأبو داود. والقاسم بن عُبيد الله: هو ابنُ عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، أبو محمد المدني، روى له البخاري في الأدب، ومسلم والنسائي، مات في حدود الثلاثين ومئة. ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري، أبو سعيد المدني، قاضي المدينة، كان ثقة كثير الحديث، مات سنة (١٤٣ هـ) وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال ٣٩٩/٢٣ و٣٤٦/٣١، ٥١١. (٤) في (د): أبا هريرة، وهو خطأ، وابن هرمز هو عبد الله بن يزيد الأصم، أبو بكر، فقيه المدينة، كان عابداً زاهداً، مات سنة (١٤٨ هـ). السير ٣٧٩/٦. (٥) الفقيه والمتفقه ١٧٣/٢، والتمهيد لابن عبد البر ٧٣/١. (٦) أبو سهل الأنطاكي، البغدادي، الحافظ، مات سنة (٢١٣ هـ). السير ٣٩٦/١٠. (٧) في النسخ: ثمانية، والمثبت من (م). (٨) التمهيد ١/ ٧٣. ٤٢٧ سورة البقرة : الآية ٣٢ قلتُ: ومثلُه كثيرٌ عن الصَّحابة والتَّابعين وفقهاءِ المسلمين، وإنَّما يَحمل على تركٍ ذلك الرِّياسةُ، وعدمُ الإنصافِ في العلم. قال ابنُ عبد البَرّ: مِن بركَةِ العِلم وآدابِهِ الإنصافُ فيه، ومن لم يُنْصِفْ لم يَفْهَم ولم يَتَفَّهَّم. روى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى قال: سمعتُ ابنَ وَهْب يقول: سمعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يقول: ما في زمانِنا شيءٌ أقلّ من الإنصافٍ(١). قلتُ: هذا في زمنٍ مالك، فكيفَ في زماننا اليوم الذي عمَّ فيه(٢) الفسادُ، وکثُر فيه الطَّغَام(٣)، وطُلِبَ فيه العلمُ للرِّياسَةِ لا للدِّراية، بل للظُهورِ في الدُّنيا، وغلَبَة الأقران بالمِراءِ والجِدال الذي يُقَسِّي القلبَ ويُورِثُ الضِّغن، وذلك مما يَحمِلُ على عدمِ التَّقوى، وتركِ الخوفِ من الله تعالى؟! أينَ هذا مما رُوِيَّ عن عمرَ رضي الله عنه وقد قال: لا تَزِيدوا في مُهورِ النِّساء على أربعينَ أُوقِيَّة ولو كانت بنتَ ذي الغَصَّةَ(٤) - يعني يزيدَ بنَ الحُصين الحارثي (٥) - فَمَنْ زادَ ألقيتُ زيادته في بيت المال؛ فقامت امرأةٌ من صَوْبٍ(٦) النِّساء طويلةٌ فيها فَطَسٌ، فقالت: ما ذلكَ لكَ. قال: ولِمَ؟ قالت: لأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئً﴾ [النساء: ٢٠]. فقال عُمَر: امرأةٌ أصابَتْ ورجلٌ أخطأ(٧). وروى وكيع، عن أبي مَعْشَر، عن محمَّد بنِ كعب القُرَِيِّ قال: سألَ رجلٌ عليًّا رضي الله عنه عن مسألةٍ، فقال فيها، فقال الرجُل: ليس كذلك يا أميرَ المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال عليٍّ: أصبْتَ وأخطأُتُ، وفوقَ كلِّ ذي عِلْمٍ عليم(٨). (١) جامع بيان العلم ص ١٧٤ و١٧٥. (٢) في (م): فينا. (٣) هم أوغاد الناس، كما في الصحاح (طغم). (٤) في النسخ: ذي العصبة. (٥) كذا وقع الاسم عند القرطبي هنا، وعند ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَمُهُنَّ قِنَطَارًا﴾، وسماه ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن الأثير في أسد الغابة، والحافظ ابن حجر في الإصابة: الحصين بن يزيد، قال الحافظ: ذو الغَصَّة: بفتح المعجمة وتشديد المهملة ... لُقِّب بذلك لأنه كان في حلقه شبه الحوصلة، ويقال: إنه رَأَس بني الحارث بن كعب مئة سنة. اهـ (٦) في جامع بيان العلم ص ١٧٥ : صفّ. (٧) أخرجه سعيد بن منصور في السنن (٥٩٨)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ص ١٧٤ _ ١٧٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٣٣/٧. (٨) جامع بيان العلم ص ١٧٥. ٤٢٨ سورة البقرة : الآية ٣٢ وذكر أبو محمَّد قاسمُ بنُ أَصْبَغ(١) قال: لمَّا رَحَلْتُ إلى المشرق نزلْتُ القَيْرَوان، فأخذتُ على بكر بنِ حَمَّاه(٢) حديثَ مُسَدّد(٣)، ثمَّ رحلتُ إلى بَغداد ولقيْتُ النَّاس، فلمَّا انصرفتُ عدتُ إليه لتمام حديث مُسَدّد، فقرأتُ عليه فيه يوماً حديثَ النبيِّ وَّ أنَّه قَدِمِ عليه قومٌ من مُضَر مِن مُجْتَابِي النِّمار، فقال: إنَّما هو مُجْتابي الثِّمار، فقلتُ: إنَّما هو مُجتابي النِّمار، هكذا قرأتُه على كلِّ مَنْ قرأتُه عليه بالأنْدَلُس والعراق، فقال لي: بدخولكَ العراقَ تُعارضُنا وتفخَرُ علينا! أو نحو هذا. ثم قال لي: قُمْ بنا إلى ذلك الشَّيخ - لشيخ كان في المسجدِ - فإنَّ له بمثلِ هذا عِلماً، فقُمنا إليه، فسألناه عن ذلك فقال: إنَّما هو مُجْتابي النِّمار - كما قلتُ، وهم قَومٌ كانوا يلبسونَ الثِّيابَ مشقّقةً، جيوبُهم أمامَهم. والنِّمار: جَمعُ نَمِرة - فقال بَكرُ بنُ حَمَّاد - وأخذَ بأنفِهِ - رَغِمَ أنْفِي للحقِّ، رَغِمَ أنْفِي للحقِّ. وانصرفَ(٤). وقال يزيدُ بنُ الوليد بن عبد الملك(٥) فأحسنَ: تَناهَى حديثي إلى ما عَلِمتْ إذا ما تَحَدَّثْتُ في مجلسٍ وكان إذا ما تَناهَى سَكّتْ ولم أَعْدُ علمي إلى غيرِهِ الثالثة(٦): قولُه تعالى: ﴿سُبْحَنَكَ﴾ سُبحانَ: منصوبٌ على المصدر عند الخليلِ وسيبويه، يؤدِّي عن معنى: نُسَبِّحُك تسبيحاً. وقال الكِسائيّ: هو منصوبٌ على أنَّه نداءٌ مُضاف (٧). (١) الحافظ، محدث الأندلس، القرطبي، مولى بني أمية، صنف كتاب برّ الوالدين، والمنتقى في الآثار، مات سنة (٣٤٠هـ). السير ١٥/ ٤٧٢. (٢) هو أبو عبد الرحمن، الفقيه، الإمام، الثقة، مات بالقاهرة سنة (٢٩٥ هـ). شجرة النور الزكية ص ٧٢. (٣) هو ابن مُسَرْهَد بن مُسَرْبَل، أبو الحسن، الأسدي، البصري، الحافظ، روى له الجماعة سوى مسلم وابن ماجه، مات سنة (٢٢٨ هـ). السير ٥٩١/١٠. (٤) الحديث أخرجه أحمد (١٩١٧٤)، ومسلم (١٠١٧)، والقصة بتمامها أخرجها ابن عبد البر في جامع بیان العلم ص ١٧٨. (٥) أبو خالد، الأموي، القرشي، الخليفة، مات سنة (١٢٦ هـ). السير ٣٧٤/٥، والبيتان المذكوران له في جامع بيان العلم ص ١٧٦ . (٦) في (م) الثانية، وهو خطأ. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٢١٠/١، والمحرر الوجيز ٢٢٦/١. ٤٢٩ سورة البقرة : الآية ٣٢ و﴿ اَلْعَلِيُ﴾ فَعيل للمبالغة والتَّكثيرِ في المعلومات في حقِّ (١) الله تعالى. و﴿ اَلْحَكِيمُ﴾ معناه الحاكِمُ، وبينهما مَزِيَّة (٢) المبالغة. وقيل: معناه المُحْكِم، ويجيءُ الحكيمُ على هذا من صفاتِ الفِعْلِ (٣)، صُرِفَ عن مُفعِل إلى فَعِيل، كما صُرف عن مُسْمِع إلى سَميع، ومُؤلِم إلى أليم. قاله ابنُ الأَنباري(٤). وقال قوم: الحكيمُ: المانعُ من الفساد، ومنه سُمِّيت حَكَمَةُ اللِّجام، لأنَّها تمنعُ الفرسَ من الجَرْي والذَّهابِ في غيرِ قَصْدِ(٥). قال جرير(٦): أَبَني حَنِيفةَ أَحْكِموا سُفهاءَكم إِنِّي أخافُ عليكُمُ أنْ أَغْضَبًا أي: امنَعوهم من الفساد. وقال زُهير(٧): القائدُ الخيلَ مَنْكوباً دوابِرُها قد أُحْكِمَتْ حَكَمَاتِ القِدِّ وَالأَبَقَا القِدِّ: الجِلْد. والأَبَق: القِنَّب(٨). والعربُ تقول: أحْكِم اليتيمَ عن كذا وكذا، يريدون: امْنَعْهُ (٩). والسُّورةُ المُحْكَمة: الممنوعةُ من التَّغييرِ وكُلِّ التَّبديلِ، وأن يُلحقَ بها ما يَخرُجُ عنها، ويُزادَ عليها ما ليس منها. والحِكمةُ من هذا، لأنَّها تمنعُ صاحبَها من الجَهْلِ، ويُقال: أَحْكُمَ الشيءَ: إذا أتقنَّهُ ومنَعهُ من الخروجِ عمَّا يريدُ. فهو مُحْكِمٌ وحَكِيمٌ على التَّكثيرِ(١٠). (١) في (د) و(م): خلق، وهو خطأ. (٢) في (د) و(م): مزید. (٣) المحرر الوجيز ١٢٢/١. (٤) الزاهر ٨٠/١. (٥) المحرر الوجيز ١٢٢/١، والصحاح (حكم). (٦) ديوانه ص ٤٤٦. (٧) ديوانه (بشرح ثعلب) ص ٤٩. (٨) في النسخ: القتب، وهو خطأ، والمثبت من (م)، والقنَّب: ضرب من الكتان. اللسان. (٩) في (م): منعه. (١٠) تهذيب اللغة للأزهري ١١٠/٤، والصحاح، واللسان (حكم). ٤٣٠ سورة البقرة : الآية ٣٣ قوله تعالى: ﴿قَالَ يَدَمُ أَنْبِهُم بِأَسْمَاءِّ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَِّهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْنُونَ ٣٣ قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَدَمُ أَنَِّتْهُم بِأَسْمَاءِهِمْ﴾ فيه خمسُ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ﴿أَنْبِهُم بِأَسْمَاءِمْ﴾ أمَرَه الله أن يُعْلِمَهم بأسمائهم بعد أنْ عَرَضَهم على الملائكةِ، ليعلموا أنّه أعلمُ بما سألَهم عنه، تنبيهاً على فَضْلِه وعُلُوِّ شأنِهِ، فكان أفضلَ منهم بأن قدَّمَه عليهم، وأسجدَهم له، وجعلَهم تلامذَتَه، وأمرَهم بأن يتعلَّموا منه، فحصلَتْ له رتبةُ الجَلال والعَظَمَةِ بأن جعلَه مسجوداً(١) له، مختصًا بالعِلم. الثانية: في هذه الآية دليلٌ على فضلِ العلمِ وأهلِه، وفي الحديث: ((وإنَّ الملائكةَ لَتَضِعُ أجْنِحَتَها رِضًا لطالب العلم)»(٢) أي: تخضعُ وتتواضَعُ، وإنما تفعلُ ذلك لأهلٍ العلم خاصَّةً مِن بين سائر عِيالِ الله، لأنَّ الله تعالى ألزَمَها ذلك في آدمَ عليه السلام، فتأَذَّبَتْ بذلك الأدب، فكُلَّما ظهرَ لها عِلْمٌ في بَشَرٍ خَضَعَتْ له، وتواضعَتْ وتذلَّلَتْ، إعظاماً للعِلم وأهلِه، ورِضَى منهم بالطَّلَبِ له والشُّغْلِ به. هذا في الظُّلَّاب منهم، فكيف بالأحبارِ فيهم والربّانيِّين منهم؟! جعلنا الله منهم وفيهم، إنَّه ذو فضلٍ عظيم. الثالثة: اختلَفَ العلماءُ من هذا (٣) الباب: أيُّما أفضلُ: الملائكةُ، أو بنو آدم، على قولين : فذهبَ قومٌ إلى أنَّ الرُّسُل من البشر أفضلُ من الرُّسلِ من الملائكة، والأولياء من البشر أفضلُ من الأولياءِ من الملائكة. وذهبَ آخرون إلى أنَّ الملأَّ الأعلى أفضلُ. احتجَّ مَنْ فَضَّلَ الملائكةَ بأنَّهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوَّلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنبياء]. ﴿لَا يَعْصُونَ اَللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وقوله: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا اُلْمَلَتِكَةُ الْمُقْرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]. (١) في (د): حصل سجوداً، وفي (ز): حصل مسجوداً، وفي (ظ): جعل مسجوداً، والمثبت من (م). (٢) رواه أحمد (٢١٧١٥)، وأبو داود (٣٦٤١) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. (٣) في (د): في هذا. ٤٣١ سورة البقرة : الآية ٣٣ وقوله: ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَآِنُ اللَّهِ وَلَّ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّ مَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وفي البخاريّ(١): ((يقولُ الله عز وجل: مَنْ ذكّرني في مَلَأ ذكرتُه في ملأ خير منهم)). وهذا نَصُّ. واحتجَّ(٢) مَنْ فضَّلَ بني آدم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيئَةِ﴾ [البينة: ٧]. بالهَمْز، مِن: بَرَأ الله الخلقَ، وبقوله(٣) عليه السلام: ((وإنَّ الملائكةَ لتَضَعُ أجنحتها رِضاً لطالبِ العلم)) الحديث، أخرجه أبو داود(٤). وبما جاء في أحاديثَ مِن أنَّ الله تعالى يُباهي بأهل عَرفات الملائكة(٥)، ولا يُباهي إلا بالأفضلِ، والله أعلم. وقال بعضُ العُلماء: ولا طريقَ إلى القَطْعِ بأنَّ الأنبياءَ أفضلُ من الملائكةِ، ولا القَطْعِ بأنَّ الملائكةَ خيرٌ منهم؛ لأنَّ طريقَ ذلك خبرُ الله تعالى وخبرُ رسولِه، أو (٦) إجماعُ الأمَّة، وليس ها هنا شيءٌ من ذلك، خلافاً للقَدَريَّة والقاضي أبي بكر (٧) رحمه الله، حيثُ قالوا: الملائكةُ أفضّلُ. قال: وأمَّا مَنْ قال مِن أصحابنا والشِّيعةِ: إنَّ الأنبياءَ أفضلُ، لأنَّ الله تعالى أمرَ الملائكةَ بالسُّجودِ لآدم، فيُقال لهم: المسجودُ له لا يكونُ أفضلَ من السَّاجد، ألا ترى أنَّ الكعبةَ مسجودٌ لها(٨)، والأنبياءُ والخلقُ يسجدون نحوَها، ثمَّ إنَّ الأنبياءَ خيرٌ من الكعبة باتِّفاق الأُمَّة، ولا خِلافَ أنَّ السُّجودَ لا يكونُ إلَّا لله تعالى، لأنَّ السُّجودَ عِبادةٌ، والعبادةُ لا تكون إلا لله، فإذا كان كذلك؛ فكَونُ (١) صحيح البخاري (٧٤٠٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم أيضاً (٢٦٧٥): (٢). وهو في المسند (٧٤٢٢). (٢) في (ز) و(ظ) و(م). احتج، دون واو، والمثبت من (د). (٣) في (م): وقوله. (٤) في سننه (٣٦٤١) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. (٥) من ذلك ما أخرجه أحمد (٨٠٤٧)، وابن خزيمة (٢٨٣٩)، وابن حبان (٣٨٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٦) في (د) و(ظ): وإجماع. (٧) هو الباقلاني. انظر تفسير الرازي ٢١٥/٢. (٨) ليس السجود للكعبة، بل السجود لله عزّ وجلّ، وقد أمرنا بالتوجّه لها، فالسجود عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، وهو ما سيذكره المصنف. ٤٣٢ سورة البقرة : الآية ٣٣ السُّجودِ إلى جهةٍ لا يدُلُّ على أنَّ الجِهةَ خيرٌ من السَّاجدِ العابد، وهذا واضحٌ. وسيأتي له مزيدُ بيان في الآية بعد هذا(١). الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ دليلٌ على أنَّ أحداً لا يعلمُ من الغيب إلّا ما أعلمَه الله، كالأنبياء، أو مَنْ أعلمَهُ(٢) الله تعالى، فالمنَجِّمون والكُهَّان وغيرُهم كَذَبَةٌ. وسيأتي بيانُ هذا في الأنعام إنْ شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [الآية: ٥٩]. الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي من قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ حكاه مَكِّيّ والماوَرْدِيّ(٣). وقال الزَّهْراويُّ: ما أبدَوْه هو بِدارُهُم(٤) بالسُّجود لآدم. ﴿وَمَا كُمْ تَكْتُهُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس وابنُ مسعود وسعيدُ بنُ جُبير(٥): المرادُ ما كِتَمَه إبليسُ في نفسه من الكبْرِ والمعصیّةِ. قال ابنُ عطيَّةٍ(٦): وجاءَ ((تكتُمون)) للجماعَةِ؛ والكاتِمُ واحد في هذا القول على تجوُّزِ العرب واتِّساعِها، كما يُقال لقوم قد جَنَى سَفِيهٌ منهم: أنتمُ فعلتُم كذا. أي: منكم فاعِلُه، وهذا مَعَ قَصْدٍ تعنيف، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ اَلْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]. وإنما ناداه منهم عُيَيْنَةُ، وقيل: الأقرعُ. وقالت طائفةٌ: الإبداءُ والمكتُوم ذلك على معنى العُموم في معرفةٍ أسرارهم وظواهرهم أجمع. وقال مَهديُّ بنُ مَيمون(٧): كنّا عندَ الحسَنِ، فسألَه الحسنُ بنُ دِينار(٨): ما الذي (١) ص ٤٣٥. (٢) تكرر قوله: من أعلمه، في (م). (٣) النكت والعيون ١/ ١٠١. (٤) في (ز) و(ظ): بداؤهم. (٥) أخرج هذه الآثار الطبري في تفسيره ٥٣١/١-٥٣٢. (٦) المحرر الوجيز ١٢٣/١. (٧) أبو يحيى، الكردي، الأزدي، أحد الأثبات المعمرين، مات سنة (١٧٢ هـ). السير ١٠/٨. (٨) أبو سعيد البصري، التميمي، مولى بني سليط، قال النسائي: متروك، وقال أبو خيثمة: كذاب. تهذيب التهذيب ٣٩٣/١. ٤٣٣ سورة البقرة : الآية ٣٤ كتمتِ الملائكةُ؟ قال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا خلقَ آدَمَ رأتِ الملائكةُ خَلْقاً عَجَباً، وكأنَّهم دخلَهم من ذلك شيءٌ، قال: ثمَّ أقبلَ بعضُهم على بعضٍ، وأسرُّوا ذلك بينَهم، [فقالوا: و] ما يُهِمُّكُم من هذا المخلوق؟! إنَّ الله لم (١) يَخْلُقْ خلقاً إلا كُنَّا أكرمَ عليه منه(٢). و((ما)) في قوله: ((ما تُبدون)) يجوزُ أن ينتصب بـ ((أعلمُ)) على أنَّه فِعلٌ، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى عالم، وتنصبُ به ((ما)) فيكونُ مثلَ: حَوَاجٌ بيتَ الله، وقد تقدّم (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُّلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُواْ لَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ (٣٤) وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ فيه عشر مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ أي: واذكر. وأما قولُ أبي عُبيدة: إنَّ ((إِذْ)) زائدةٌ، فليس بجائز، لأن ((إذ)) ظرفٌ، وقد تقدّم(٤). وقال: ((قلنا)» ولم يقل: قلتُ، لأن الجبارَ العظيمَ يُخبِرُ عن نفسه بفعل الجماعة تفخيماً وإشادةً بذكره. والملائكة جمع مَلَك، وقد تقدّم(٥). وتقدّم القولُ أيضاً في آدم واشتقاقه(٦)، فلا معنی لإعادته. ورُوي عن أبي جعفر بن القَعْقاع (٧) أنه ضَمَّ تاء التأنيث من ((الملائكة)) إتباعاً (١) في سنن سعيد بن منصور: ((لا))، وفي تفسير الطبري: ((لن)). (٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (التفسير) (١٨٥)، والطبري في تفسيره ٤٩٩/١. وما بين حاصرتين منهما. وقد صرح مهدي بن ميمون في هذا الإسناد بأنه سمع جواب الحسن البصري حين سأله الحسن بن دينار، قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على الطبري: وقد نبهتُ على هذا خشية أن يظن أنه من رواية مهدي عن الحسن بن دينار، والحسن بن دينار كذاب لا يوثق به. (٣) ص ٤١٥. (٤) ص ٣٩١. (٥) ص ٣٩٢ - ٣٩٣. (٦) ص ٤١٧. (٧) هو يزيد بن القعقاع المدني، أحد الأئمة العشرة في القراءات، مات سنة (١٢٧ هـ). السير ٢٨٧/٥. ٤٣٤ سورة البقرة : الآية ٣٤ الضمة (١) الجيم في ((اسجُدوا))(٢). ونظيرُه: ((الحمدِ لِلّه)). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَسْجُدُوا﴾ السجودُ معناه في كلام العرب التذلُّلُ والخضوع، قال الشاعر: بِجَمْعِ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراته ترى الأُكْمَّ فيها سُجَّداً للحوافِرِ(٣) الأُكْمُ: الجبال الصِّغار، جعلها سُجَّداً للحوافر، لقهر الحوافرِ إياها، وأنها لا تمنعُ عليها. وعَيْنٌ ساجدةٌ، أي: فاترةٌ عن النظر. وغايتُه وضعُ الوجه بالأرض. قال ابن فارس(٤): سَجَد: إذا تطامَنَ، وكلُّ ما سجدَ فقد ذَلَّ، والإسجادُ: إدامةُ النَّظَر، قال أبو عمرو: وأسجد: إذا طأطأ رأسه، قال : فُضُولَ أزِمَّتِها أَسجدَتْ سجود النصارى لأربابها(٥) قال أبو عُبيد(٦): وأنشدني أعرابيٍّ من بني أسد: (١) في (م): لضم. (٢) هي من القراءات العشر، وقد ضعف هذه القراءة الزجاج في معاني القرآن ١١١/١-١١٢، والنحاس في إعراب القرآن ٢١٢/١، وابن جني في المحتسب ٧١/١، والزمخشري في الكشاف ١/ ٢٧٣، وذكرها ابن عطية ١٢٤/١، ونقل عن أبي علي قوله: وهذا خطأ. وقد ردًّ أبو حيان في البحر المحيط ١٥٢/١، وابن الجزري في النشر ٢/ ٢١٠-٢١١ قول من ضعفها، وذكرا أنها لغة أزد شنوءة. وسلف الكلام على قراءة ((الحمدِ لِله)) و((الحمدُ لُله)) ص ٢١٠-٢١١. (٣) قائله زيد الخيل، والبيت في ديوانه ص ٦٦، والكامل ٢/ ٧٣٥، وتفسير الطبري ٧١٥/١، باختلاف في الرواية، وهو في الصحاح: (سجد) بمثل رواية المصنف. والبُلْق: جمع أبلق وبلقاء، والبَلَق: سواد وبياض، وارتفاع التحجيل إلى الفخذين. اللسان (بلق). والحجرات: مفرده حَجْرة، وحَجْرة القوم: ناحية دارهم. الصحاح: (حجر). (٤) مجمل اللغة: (سجد). (٥) البیت لحمید بن ثور، يصف نساءً، وقبله: فلما لَوَيْنَ على مِعْصَمٍ وكفّ خَضيبٍ وإسوارِها يقول: لما ارتحلن ولوين فضول أزمة أجمالهن على معاصمهن أسجدت الجمالُ لهن، وطأطأت رؤوسها ليركبنها. والبيت في ديوانه ص ٩٦، وإصلاح المنطق ص ٢٧٥، والمجمل، والصحاح (سجد). ووقع في (م): ((لأحبارها))، وهي رواية الديوان، ونقل ابن منظور في اللسان (سجد) عن ابن بري أنها الصواب في رواية البيت. (٦) في (ز) و(م): أبو عبيدة (وذكر محقق المجمل أنه في الغريب المصنف لأبي عبيد). ٤٣٥ سورة البقرة : الآية ٣٤ فقلنَ(١) له أسْجِدْ لِلَيلَى فأسجدا(٢) يعني البعيرَ إذا طأطأ رأسه. ودَراهِمُ الإسجاد: دَراهِمُ كانت عليها صُور كانوا يسجدون لها، قال: وافَى بها لدراهم (٣) الإسجاد(٤) الثالثة: استدلَّ مَنْ فضَّل آدَمَ وبنِيه بقوله تعالى للملائكة: ﴿أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ﴾ قالوا(٥): وذلك يدلُّ على أنه كان أفضلَ منهم. والجوابُ أن معنى ﴿أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ﴾: اسجدوا لي مستقبلين وَجْهَ آدم، وهو كقوله تعالى: ﴿أَفِ الصَّلَوَةَ لِّدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: عند دُلوك(٦) الشمس، وكقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَِدِينَ﴾ [ص: ٧٢]، أي: فقعوا لِي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين، وقد بيَّنَّا أن المسجودَ له لا يكونُ أفضلَ من الساجد، بدليل القِبْلة(٧). فإن قيل: فإذا لم يكن أفضلَ منهم، فما الحكمةُ في الأمر بالسجود له؟ قيل له: إنَّ الملائكةَ لمَّا استعظَمُوا بتسبيحهم(٨) وتقديسهم، أمَرَهُم بالسجودِ لغيره، لِيُرِيَهم استغناءَه عنهم وعن عبادتهم. وقال بعضُهم: عَيَّرُوا آدمَ واستَصْغَرُوه، ولم يَعرِفُوا خصائصَ الصُّنْع به، فَأُمِرُوا بالسجود له تكريماً. (١) في (م): ((وقلن)). (٢) هو في المجمل والصحاح: (سجد). (٣) في النسخ: وأوفى، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمصادر البيت، وفي (م): كدراهم. (٤) عجز بيت للأسود بن يعفر، وصدره: من خمرٍ ذي نَطَفٍ أَغَنَّ مُنَظّقٍ. والبيت في المفضليات ص ٢١٨، وهو في المجمل والصحاح: (سجد) من غير نسبة. (٥) في (د): قال. (٦) في (ظ): طلوع. (٧) ص ٤٣١ - ٤٣٢. (٨) في (ز) و(ظ): تسبيحهم. ٤٣٦ سورة البقرة : الآية ٣٤ ويَحتملُ أن يكون الله تعالى أَمَرَهم بالسجود له معاقبةً لهم على قولهم: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيَهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ لمَّا قال لهم: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وكان عَلِمَ منهم أنه إن خاطَبَهم أنهم قائلُون هذا، فقال لهم: ﴿إِنّ خَلِقٌّ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ﴾ [ص: ٧١]. وجاعلُه خليفةً، فإذا نَفَخْتُ فيه من رُوحِي فقَعوا له ساجدين. والمعنَى: ليكونَ ذلك عقوبةً لكم في ذلك الوقت على ما أنتُم قائلون لي الآن. فإن قيل: فقد استدلَّ ابنُ عباس على فضل البشر بأنَّ الله تعالى أقسمَ بحياة رسوله وَّه، فقال: ﴿لَعَتْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَئِمْ يَعْمَهُونَ﴾(١) [الحجر: ٧٢]. وأَمَّنَه من العذاب بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَّكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. وقال للملائكة: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتِ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمُ﴾ [الأنبياء: ٢٩]. قيل له: إنما لم يُقسِمْ بحياة الملائكة كما لم يُقسم بحياة نفسه سبحانه، فلم يقل: لَعَمري، وأقسمَ بالسماء والأرض، ولم يدلَّ(٢) على أنهما أرفعُ قدراً من العرش والجِنانِ السَّبع، وأقسمَ بالتِّين والزيتون، وأمَّا قوله سبحانه: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنَّ إِلَه مِّن دُونٍِ﴾ فهو نظيرُ قوله لنبيِّه عليه السلام: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فليس فيه إذاً دلالةٌ، والله أعلم. الرابعة: واختلفَ الناسُ في كيفية سجودِ الملائكة لآدمَ بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجودَ عِبَادةٍ. فقال الجمهور: كان هذا أمراً (٣) للملائكة بوضع الجِباهِ على الأرض لآدم، كالسجود المُعتاد في الصلاة، لأنه الظاهرُ من السجود في العُرف والشرع؛ وعلى هذا قيل: كان ذلك السجودُ تكريماً لآدمَ وإظهاراً لفضله، وطاعةً لله تعالى، وكان آدمُ كالقِبْلة لنا، ومعنى ((لآدم)): إلى آدم، كما يقال صلَّى للقِبْلة، أي: إلى القبلة. وقال قوم: لم يكن هذا السجودَ المعتادَ اليومَ، الذي هو وضعُ الجبهة على الأرض، ولكنَّه مُبْقَى على أصل اللُّغة، فهو من التذلُّلِ والانقياد، أي: اخضعوا (١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ٩١-٩٢، وليس فيه أن ابن عباس استدل بذلك على فضل البشر، والله أعلم. (٢) في (د): يدلا. (٣) في (د): الأمر، وفي (ظ): أمرٌ. ٤٣٧ سورة البقرة : الآية ٣٤ لآدم، وأَقِرُّوا له بالفضل، ﴿فَسَبَدُوّا﴾ أي: امتثَلُوا ما أُمِرُوا به. واختُلِف(١) أيضاً: هل كان ذلك السجودُ خاصًّا بآدمَ عليه السلام، فلا يجوزُ السجودُ لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى: أم كان جائزاً بعدَه إلى زمانٍ يعقوب عليه السلام، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، فكان آخرَ ما أُبِيحَ من السجود للمخلوقين؟ والذي عليه الأكثرُ أنه كان مباحاً إلى عصر رسول الله وَل﴾، وأنَّ أصحابَه قالوا له حين سجدَتْ له الشجرةُ والجمل: نحن أَوْلَى بالسجود لك من الشجرة والجملِ الشارد، فقال لهم: ((لا ينبغي أن يُسْجَد (٢) لأحدٍ إلا لله ربِّ العالمين))(٣). روى ابنُ ماجه في ((سُننه))، والبُسْتِيُّ في («صحيحه) عن أبي واقِدٍ (٤)، قال: لمَّا قَدِمَ معاذُ بنُ جَبَلٍ من الشام سجَدَ لرسول الله ◌ِوَّه، فقال رسول الله وَلِّ: ((ما هذا؟!)) فقال: يا رسولَ الله، قدمتُ الشامَ، فرأيتُهم يسجدون لِيَطارِقَتهم وأساقِفَتهم، فأردتُ أن أفعلَ ذلك بك، قال: ((فلا تفعل(٥)؛ فإني لو أمرتُ شيئاً أن يسجدَ لشيء لأمرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجها، [والذي نفسي بيده] لا تُؤدي المرأةُ حقَّ ربِّها حتى تؤدي حقَّ زوجها، حتى لو سألَها نفسَها وهي على قَتَب لم تمنعه)). لفظ البُسْتيِّ. ومعنى القَتَب أنَّ العربَ يَعِزُّ عندهم وجودُ كرسيٍّ للولادة، فيحملون نساءهم على القَتَب عند الولادة(٦)، وفي بعض طرق معاذ: ونهى عن السجود للبشر، وأَمَرَ بالمصافحة(٧). (١) في النسخ: والخامسة: واختلف، والمثبت (م) وهو الموافق لقول المصنف فيه عشر مسائل. (٢) في (د): لا ينبغي السجود، وفي (ظ): أن تسجد. (٣) أخرج نحوه الإمام أحمد في المسند (٢٤٤٧٠) من حديث عائشة رضي الله عنها، وابن حبان (٤١٦٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٤) الحارث بن عوف المدني، شهد بدراً والفتح، وقيل: أسلم يوم الفتح، توفي سنة (٦٨هـ). السير ٥٧٤/٢. والحديث في سنن ابن ماجه (١٨٥٣)، وصحيح ابن حبان (٤١٧١)، وما بين حاصرتين منه، وهو من حديث ابن أبي أوفى، لا من حديث أبي واقد. (٥) في (ظ): فقال: لا تفعل. (٦) غريب الحديث لأبي عبيد ٣٣٠/٤. والقَتّب: رَحْلٌ صغير على قدر السَّنام. الصحاح (قتب). (٧) لم نقف عليها. ٤٣٨ سورة البقرة : الآية ٣٤ قلتُ: وهذا السجودُ المنهيُّ عنه قد اتخذَه جُهَّالُ المتصوِّفةِ عادةً في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم، فتَرى(١) الواحدَ منهم إذا أخَذَه الحالُ بزعمه، يسجدُ للأقدام لجهله، سواءٌ كان للقِبلة أم(٢) غيرِها جهالةً منه(٣)، ضلَّ سَعْیُهم وخابَ عملُهم. الخامسة(٤): قوله: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ﴾ نصب على الاستثناء المتَّصل، لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور: ابنِ عباس، وابنِ مسعود، وابنٍ جُريج، وابنِ المُسَيّب وقَتادةَ، وغيرهم(٥)، وهو اختيارُ الشيخ أبي الحسن، ورَجَّحَه الطبريُّ(٦)، وهو ظاهرُ الآية. قال ابن عباس: وكان اسمُه عزازيل(٧)، وكان من أشراف الملائكة، وكان من أولي(٨) الأجنحة الأربعة، ثم أَبْلَسَ بعدُ(٩). روى سِمَاك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان إبليسُ من الملائكة، فلمَّا عصى الله غضبَ عليه، فلعنَه، فصار شيطاناً(١٠). وحكى الماورديُّ عن قتادة: أنه كان من أفضل صِنْف من الملائكة يقال لهم: الجِنَّةِ(١١). (١) في (م): فیری. (٢) في (د) و(ظ): أو، وفي (ز): وغيرها، والمثبت من (م). (٣) في (د) و(ظ): منهم. (٤) في النسخ: السادسة، والمثبت من (م) وهو الموافق لقول المؤلف: فيه عشر مسائل. (٥) أخرج هذه الآثار - عدا قول ابن جريج - الطبري في تفسيره ٥٣٥/١_٥٣٩، وذكرها الماوردي في النكت والعيون ١/ ١٠٢. (٦) في تفسيره ١/ ٥٤٢. (٧) في (ظ): عزاييل. (٨) لفظ: أولي، ليس في (م). (٩) أخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص ٣٣٦، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٢٢، وأبلس من رحمة الله؛ أي : يئس. (١٠) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١١٤٩). (١١) لم نجد قول قتادة هذا في تفسير الماوردي، وقد حكى ١/ ١٠٣ عن ابن عباس أنهم حي من الملائكة يسمون جناً كانوا من أشد الملائكة اجتهاداً. ٤٣٩ سورة البقرة : الآية ٣٤ وقال سعيد بنُ جُبير: إن الجِنَّ سِبْطٌ من الملائكة خُلقوا من نارٍ، وإبليسُ منهم، وخلق سائر(١) الملائكة من نور. وقال ابنُ زيد والحسنُ وقتادةُ أيضاً: إبليسُ أبو الجنِّ، كما أنَّ آدمَ أبو البشر، ولم يكن مَلَكاً (٢)، ورُوي نحوه عن ابن عباس، وقال: اسمُه الحارث(٣). وقال شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ (٤) وبعضُ الأصوليين: كان من الجِنِّ الذين كانوا في الأرض، وقاتَلَتْهم الملائكةُ، فسَبَوْه صغيراً، وتَعَبَّد مع الملائكة، وخُوطِبَ، وحكاه الطبريُّ عن ابن مسعود(٥). والاستثناءُ على هذا منقطعٌ، مثل قوله تعالى: ﴿مَا لَمُم پِ. مِنْ عِلٍّ إِلَّ أَنْبَعَ الَّنْ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَّكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] في أحد القولين، وقال الشاعر: ليس عليك عطشٌ ولا جوغْ إلا الرُّقادَ والرُّقادُ ممنوعْ(٦) واحتجَّ بعضُ أصحابٍ هذا القولِ بأنَّ الله جلَّ وعزَّ وصفَ الملائكةَ، فقال: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَّآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّ إِلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾ [الكهف: ٥٠]، والجنُّ غيرُ الملائكة. أجابَ أهلُ المقالة الأُولى بأنه لا يمتنعُ أن يَخرِجَ إبليسُ من جملة الملائكة لما سبقَ في علم الله بشقائه عدلاً منه ﴿لَا يُسْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وليس في خلقه من نارٍ ولا في تركيب الشهوة حين غضَبَ عليه ما يدفعُ أنه من الملائكة. وقول من قال: إنه كان من جِنِّ الأرض فسُبِيَ، فقد رُوي في مقابلته أنَّ إبليسَ هو الذي قاتلَ الجنَّ في الأرض مع جُندٍ من الملائكة(٧)، حكاه المهدَويُّ وغيره. (١) في (د) و(ز): معاشر، وفي (ظ): آدم ومعاشر، والمثبت من (م)، ولم نقف على تخريجه. (٢) قول ابن زيد والحسن أخرجهما الطبري في تفسيره ٥٣٩/١-٥٤٠، وقول قتادة لم نقف عليه. (٣) سيذكره المصنف قريباً مطولاً. (٤) أبو سعيد الأشعري، الشامي، مولى أسماء بنت يزيد الأنصارية، من كبار علماء التابعين، توفي سنة (١١٢ هـ). السير ٣٧٢/٤. (٥) في تفسيره ١/ ٥٤٠-٥٤١، وفيه: عن سعد بن مسعود، وكذلك نقله عنه ابن كثير ١/ ٢٣١، وتابع المصنف ابنَ عطية ١٢٤/١ في قوله: عن ابن مسعود. (٦) لم نقف عليه. (٧) أخرجه الطبري ١/ ٤٨٢-٤٨٤ عن ابن عباس، وانظر ما سلف ص ٤٠٩. ٤٤٠ سورة البقرة : الآية ٣٤ وحكى الثَّعلبيُّ عن ابن عباس: أنَّ إبليسَ كان من حيٍّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجنُّ، خُلِقُوا من نار السَّمُوم، وخُلِقتِ الملائكةُ من نور، وكان اسمُه بالسّريانية عزازيل، وبالعربية الحارث، وكان من خُزَّان الجنة، وكان رئيسَ ملائكةِ السماءِ الدنيا، وكان له سلطانُها وسلطانُ الأرض، وكان من أشدِّ الملائكة اجتهاداً وأكثرِهم علماً، وكانَ يَسُوسُ ما بينَ السماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفاً وعظمةً، فذلك الذي دعاه إلى الكفر، فعصى، فمسخَه شيطاناً رجيماً(١). فإذا كانت خطيئة الرجل في كِبْرِ فلا تَرْجُهُ، وإن كانت خطيئْتُه في معصية فارْجُه، وكانت خطيئةُ آدم عليه السلام معصيةً، وخطيئةُ إبليس كِبْراً. والملائكةُ قد تُسَمَّى جِنَّا؛ لاستتارها، وفي التنزيل: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلْجِنَّةِ نَسَبََّ [الصافات: ١٥٨]، وقال الشاعر(٢) في ذِكْر سليمان عليه السلام: وسَخَّرَ مِن جِنِّ الملائِكِ تِسعةً قياماً لَدَيهِ يعملونَ بلا أجرٍ وأيضاً لمَّا كان من خُزَّان الجَنَّ نُسِب إليها، فاشتُقَّ اسمُه من اسمها، والله أعلم. وإبليسُ وزنُه إفعيل، مشتقٍّ من الإبلاس: وهو اليأسُ من رحمة الله تعالى، ولم(٣) ينصرف؛ لأنه معرفةٌ، ولا نظيرَ له في الأسماء، فشُبِّه بالأعجمية (٤). قاله أبو عُبيدة(٥) وغيره، وقيل: هو أعجميٍّ لا اشتقاقَ له، فلم ينصرِفْ للعُجْمة والتعريف، قاله الزجَّاج(٦) وغيره. السادسة(٧): قوله تعالى: ﴿أَبَ﴾ معناه امتنعَ من فعل ما أُمِرَ به، ومنه الحديثُ (١) أخرجه مقطعاً الطبري في تفسيره ٥٣٥/١-٥٣٧، وأبو الشيخ في العظمة (١١٣٦) و(١١٤٨)، ولم يثبت في ذلك نصّ صحيح. (٢) هو أعشى بني قيس، والبيت في الأضداد لابن الأنباري ص ٣٣٥، وتفسير الطبري ٥٣٩/١، والنكت والعيون ١٠٣/١، والمحرر الوجيز ١٢٥/١. (٣) في (ظ): ولا. (٤) في (د) و (ظ): بالعجمية. (٥) مجاز القرآن ٣٨/١، وانظر تفسير الطبري ١/ ٥٤٤. (٦) معاني القرآن ١١٤/١. (٧) في النسخ: السابعة، والمثبت من (م).