Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة البقرة : الآية ٣٠
على سعد بن أبي وَقَّاص، وهو خبرُ واحدٍ (١). ورُويَ في مقابلته لأبي بكر وعمر ما
هو أَولى منه. ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ◌َّه لما أنْفَذَ معاذَ بنَ جَبَلٍ إلى اليمن قيل له: ألا تُنْفِذُ
أبا بكر وعمر؟ فقال: ((إنَّهما لا غِنَّى بي عنهما، إنَّ منزلَتَهما منِّي بمنزلة السَّمع
والبصر من الرأس)»(٢). وقال: ((هما وَزِيرايَ في أهلِ الأرض)»(٣). ورُوي عنه عليه
السلام أنَّه قال: ((أبو بكرٍ وعمرُ بمنزلة هارون من موسى)) (٤). وهذا الخبرُ ورد
ابتداءً، وخبرُ عليٍّ ورَدَ على سببٍ، فوجَبَ أن يكون أبو بكرٍ أولى منه بالإمامة،
والله أعلم.
السابعة: واختُلِفَ فيما يكون به الإمامُ إماماً، وذلك ثلاث طرق: أحدُها:
النصُّ، وقد تقدَّم الخلافُ فيه، وقال به أيضاً الحنابلةُ، وجماعةٌ من أصحاب
الحديث، والحَسَنُ البصريُّ، وبَكْر ابنُ أختٍ عبد الواحد(٥) وأصحابُه، وطائفةٌ من
= ابن عبد البر في الاستيعاب ٤٥/١٠، وابن الأثير في أسد الغابة ١١٢/٥.
ومحمد بن مسلمة هو أبو عبد الله الأنصاري الأوسي، شهد بدراً وغيرها، وكان ممن اجتنب الفتنة فلم
يحضر الجمل ولا صفين، مات سنة (٤٣ هـ). السير ٣٦٩/٢.
(١) سلف في تخريج الحديث ص ٣٩٨ أن السيوطي عده من الأحاديث المتواترة.
(٢) أخرجه بنحوه ابن أبي عاصم في السنة (١٢٢٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٤٩٤) من حديث عبد
الله بن عمرو. ولفظه: ((إن منزلتهما من الدين بمنزلة السمع والبصر من الجسد)»، وفي إسناده بقية بن
الوليد، مدلِّس، وقد عنعن، وفيه أيضاً من لم نعرفه. وأخرجه بنحوه كذلك أبو نعيم في الحلية ٧٣/٤
من حديث ابن عباس، وفيه الوليد بن الفضل العنزي، قال ابن حبان: يروي موضوعات، لا يجوز
الاحتجاج به بحال. وأخرجه بنحوه كذلك الطبراني في الأوسط (٤٩٩٦)، وابن عدي ٧٨٦/٢ من
حديث ابن عمر، وفيه حمزة بن أبي حمزة النصيبي: كان يضع الحديث.
وأخرجه بنحوه كذلك الحاكم ٧٤/٣ من حديث حذيفة بن اليمان، وفيه حفص بن عمر العدني، قال
الذهبي: هو واهٍ.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٦٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري، وفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف. قال
الترمذي: هذا حسن غريب.
(٤) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٧٣٠/٥، والخطيب في تاريخ بغداد ٣٨٤/١١ - ٣٨٥ من حديث ابن
عباس. وهو حديث منكر فيما ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال ٣٩٠/٣.
(٥) هو البصري الزاهد، قال الحافظ في لسان الميزان ٢/ ٦٠: ذكره ابن حزم في الملل والنحل في جملة
الخوارج، وعبد الواحد: هو ابن زيد البصري الزاهد شيخ الصوفية. لسان الميزان ٤/ ٨١.

٤٠٢
سورة البقرة : الآية ٣٠
الخوارج. وذلك أنَّ النبيَّ نَ ◌ّهَ نصَّ على أبي بكر بالإشارة(١)، وأبو بكر على عمر(٢).
فإذا نصَّ المسْتَخْلِفُ على واحدٍ معيَّنٍ كما فعلَ الصدِّيقُ، أو على جماعةٍ كما فعل
عمر (٣) - وهو الطريقُ الثاني - ويكون التخييرُ إليهم في تعيين واحد منهم كما فعلَ
الصحابةُ رضي الله عنهم.
الطريقُ الثالث: إجماعُ أهل الحَلِّ والعَقْد، وذلك أنَّ الجماعةَ في مصرٍ من أمصار
المسلمين إذا ماتَ إمامُهم ولم يكن لهم إمامٌ، ولا اسْتَخْلَفَ، فأقام أهلُ ذلك المِصْرِ
الذي هو حضرةُ الإمام وموضعُه إماماً لأنفسهم اجتمعوا (٤) عليه ورَضُوه، فإنَّ كلَّ مَنْ
خَلْفَهم وأمامَهم من المسلمين في الآفاق يَلزمُهم الدخولُ في طاعة ذلك الإمام، إذا لم
يكن الإمامُ مُعْلِناً بالفسق والفساد، لأنَّها دعوةٌ محيطةٌ بهم، تجبُ إجابتُها، ولا يَسَعُ
أحداً التخلُّفُ عنها، لما في إقامة إمامَيْنٍ من اختلاف الكلمةِ وفسادِ ذات البَيْن، قال
رسول الله ◌َّ﴾: ((ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمنٍ: إخلاصُ العمل لله، ولزومُ
الجماعة، ومناصحةُ وُلاةِ الأمر، فإنَّ دعوةَ المسلمين من ورائهم محيطةٌ))(٥).
الثامنة: فإنْ عَقَدَها واحدٌ من أهل الحَلِّ والعَقْد، فذلك ثابت، ويلزمُ الغيرَ فعلُه،
خلافاً لبعض الناس حيث قال: لا تنعقدُ إلا بجماعةٍ من أهل الحَلِّ والعَقْد، ودليلُنا
أنَّ عمر رضي الله عنه عقَّدَ البيعةَ لأبي بكرٍ، ولم يُنْكِرْ أحدٌ من الصحابة ذلك(٦)،
ولأنَّه عقدٌ، فوجَبَ ألا يفتقر إلى عددٍ يعقدونه، كسائر العقود. قال الإمام
(١) من ذلك ما أخرجه البخاري (٧٢١٧)، ومسلم (٢٣٨٧) - واللفظ له - من حديث عائشة، قالت: قال لي
رسول الله وَ﴿ في مرضه: ((ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً؛ فإني أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ،
ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)).
ومن ذلك أيضاً ما أخرجه أحمد (٢٣٢٤٥)، والترمذي (٣٦٦٢)، وابن ماجه (٩٧) من حديث حذيفة بن
الیمان، أن النبي ټټ قال: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر». قال الترمذي: حديث حسن.
(٢) سلف تخريجه ص ٣٩٦.
(٣) سيرد تخريجه ص ٤٠٣.
(٤) في (ز) و(ظ): أجمعوا.
(٥) أخرجه أحمد (١٦٧٣٨)، وابن ماجه (٣٠٥٦) من حديث جبير بن مطعم. وأخرجه أحمد كذلك
(٢١٥٩٠) من حديث زيد بن ثابت. وينظر التمهيد ٢٧٦/٢١ -٢٧٨.
(٦) سلف حديث السقيفة ص ٣٩٦.

٤٠٣
سورة البقرة : الآية ٣٠
أبو المعالي(١): من انعقدت له الإمامةُ بعقدٍ واحدٍ فقد لزمت، ولا يجوزُ خلعُه من
غير حَدَث وتغيُّرِ أمرٍ، قال: وهذا مُجْمَعٌ عليه.
التاسعة: فإنْ تَغَلَّبَ مَنْ له أهليَّةُ الإمامة، وأخَذَها بالقَهْر والغَلَبَة، فقد قيل: إنَّ
ذلك يكون طريقاً رابعاً، وقد سُئل سهلُ بنُ عبد الله التُّسْتَريُّ(٢): ما يجبُ علينا لمن
غَلَبَ على بلادنا وهو إمام؟ قال: تُجيبُه، وتؤدِّي إليه ما يُطالبُكَ(٣) من حقِّه، ولا تُنكِرُ
فِعالَه، ولا تَفِرُّ (٤) منه، وإذا ائتمنَك على سرٍّ من أمرِ الدِّين لم تُفْشِهِ. وقال ابن
خُوَيزِ مَنداد(٥): ولو وثبَ على الأمرِ مَنْ يصلُحُ له من غير مشورةٍ ولا اختيارٍ، وبايَعَ له
الناسُ، تَمَّتْ له البَيْعة، والله أعلم.
العاشرة: واختُلف في الشهادة على عَقْدِ الإمامة، فقال بعضُ أصحابنا: إنَّه لا
يفتقرُ إلى الشهود؛ لأنَّ الشهادةَ لا تثبُتُ إلَّا بسمع قاطع، وليس هاهنا سمعٌ قاطعٌ يدلُ
على إثبات الشهادة. ومنهم من قال: يَفْتَقِرُ إلى شهودٍ، فمن قال بهذا احتجَّ بأن قال:
لو لم تعقد فيه الشهادةُ أدَّى إلى أن يَدَّعيّ كلُّ مدَّع أنَّه عُقِدَ له سرًّا، ويؤدِّي إلى الهَرْج
والفتنة، فوجَبَ أن تكونَ الشهادةُ معتبرةً، ويكفّي فيها شاهدان، خلافاً للجبَّائيّ(٦)
حيث قالَ باعتبارٍ أربعةِ شهودٍ وعاقدٍ ومعقودٍ له؛ لأنَّ عمر حيثُ جعلَها شُورى في سنةٍ
دلَّ على ذلك(٧). ودليلُنا أنَّه لا خلافَ بيننا وبينه أنَّ شهادةَ الاثنين معتبرةٌ، وما زادَ
مختلَفٌ فيه، ولم يدلَّ عليه الدليلُ، فيجب ألَّا يُعتبر.
(١) في الإرشاد ص ٣٥٨.
(٢) أبو محمد الزاهد، صحب ذا النون المصري، مات سنة (٢٨٣هـ). السير ٣٣٠/١٣.
(٣) في (ظ): يطالبك به.
(٤) في (ظ): تنفر.
(٥) في (د): خواز منداد، وفي (ز): خواز منداذ، وفي (ظ): خوازبنداد، والمثبت من (م). وانظر ص ١٨٠.
(٦) المعروف بهذه النسبة: محمد بن عبد الوهاب البصري، أبو علي، شيخ المعتزلة، له كتاب الأصول، وكتاب
الاجتهاد، وكتاب الأسماء والصفات وغيرها، مات سنة (٣٠٣ هـ). السير ١٨٣/١٤. وابنُه عبد السلام، أبو
هاشم المعتزلي، له كتاب الجامع الكبير، وكتاب العَرَض، وغيرهما، مات سنة (٣٢١هـ). السير ١٥/ ٦٣.
(٧) أخرج البخاري (١٣٩٢) من طريق عمرو بن ميمون الأودي، عن عمر رضي الله عنه قال: إني لا أعلم أحداً
أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله : ﴿ وهو عنهم راضٍ، فمن استخلفوا بعدي فهو
الخليفة، فاسمعوا وأطيعوا، فسمى عثمانَ وعليًّا وطلحةً والزبيرَ وعبد الرحمن بنَّ عوف وسعد بن أبي وقاص.

٤٠٤
سورة البقرة : الآية ٣٠
الحادية عشرة: في شرائط الإمام(١)، وهي أحدَ عشر:
الأوَّل: أن يكون من صميمٍ قريشٍ؛ لقوله ◌ََّ: ((الأئمةُ من قريش))(٢). وقد
اختُلِف في هذا.
الثاني: أن يكون ممَّن يصلُحُ أن يكون قاضياً من قضاة المسلمين، مجتهداً لا
يحتاجُ إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث؛ وهذا مُتَّفَقٌ عليه.
الثالث: أن يكون ذا خبرةٍ ورأي حَصيفٍ بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسدِّ
الثُّغُور، وحمايةِ البيضة، ورَدْعِ الأُمة، والانتقام من الظالم، والأخذِ للمظلوم.
الرابع: أن يكون ممَّن لا تلحقه رِقَّةٌ في إقامة الحدود، ولا فَزَعٌ من ضربٍ
الرقاب، ولا قطعِ الأبشار.
والدليلُ على هذا كلِّه إجماعُ الصحابة رضي الله عنهم، لأنَّه لا خلافَ بينهم أنَّه
لا بدَّ من أن يكون ذلك كلُّه مجتمعاً فيه، ولأنَّه هو الذي يولِّي القُضاةَ والحُكَّامَ، وله
أن يُباشرَ الفَصْلَ والحُكْمَ، ويتفخَّصَ أمورَ خلفائه وقُضاتِه، ولن يصلُحَ لذلك كلِّه إلَّا
من كان عالماً بذلك كلِّه قَيِّماً به(٣).
الخامس: أن يكون حُرًّا، ولا خَفاءَ باشتراطِ حرِّيةِ الإمام وإسلامِه، وهو السادس.
السابع: أن يكون ذكراً، سليمَ الأعضاء، وهو الثامن.
وأجمعوا على أنَّ المرأةَ لا يجوزُ أن تكون إماماً، وإن اختلفوا في جواز كونها
قاضيةً فيما تجوزُ شهادتُها فيه.
التاسع والعاشر: أن يكون بالغاً عاقلاً، ولا خلافَ في ذلك.
الحادي عشر: أن يكون عَدْلاً؛ لأنَّه لا خلافَ بين الأُمَّة أنَّه لا يجوزُ أن تُعقَدَ
الإمامةُ لفاسقٍ.
(١) ینظر الإرشاد للجويني ص ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٣٠٧)، والنسائي في الكبرى (٥٩٠٩) من حديث أنس بن مالك. وأخرجه الطيالسي
(٩٦٨)، وأحمد (١٩٧٧٧) من حديث أبي برزة الأسلمي.
(٣) في (م) زيادة: والله أعلم.

٤٠٥
سورة البقرة : الآية ٣٠
ويجبُ أن يكون من أفضلِهم في العلم، لقوله عليه السلام: ((أئمَّتُكُم شفعاؤكم،
فانظروا بمن تستشفعون))(١). وفي التنزيل في وصف طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَلَهُ
عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةُ فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. فبدأ بالعلم، ثم ذكرَ ما
يدلُّ على القوَّةِ وسلامةِ الأعضاء. وقوله: ((اصطفاه)) معناه: اختاره، وهذا يدلُّ على
شرطِ النَّسَب.
وليس من شرطِه أن يكون معصوماً من الزَّلَلِ والخطأ، ولا عالماً بالغيب، ولا
أفرَسَ الأُمة، ولا أشْجَعَهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش،
فإنَّ الإجماعَ قد انعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وليسوا من بني هاشم.
الثانية عشرة: يجوز نصبُ المفضول مع وجودِ الفاضل(٢) خوفَ الفتنةِ وألَّا
يستقيمَ أمرُ الأُمة، وذلكَ أنَّ الإمامَ إنَّما نُصِبَ لدفع العدوِّ، وحمايةِ البَيْضَةِ، وسَدِّ
الخَلَل، واستخراجِ الحقوق، وإقامة الحدود، وجبايةً(٣) الأموال لبيت المال وقسمتِها
على أهلها، فإذا خيفَ بإقامةِ الأفضل الهَرْجُ والفسادُ وتعطيلُ الأمور التي لأجلها
يُنْصَبُ الإمامُ، كان ذلك عُذْراً ظاهراً في العدول عن الفاضل إلى المفضول، ويدلُّ
على ذلك أيضاً علمُ عمرَ وسائرِ الأمة وقت الشُّورى بأنَّ الستةَ فيهم فاضلٌ ومفضولٌ،
وقد أجازَ العقدَ لكلِّ واحدٍ منهم إذا أدَّى المصلحةً إلى ذلك، واجتمعت كلمتُهم عليه
من غير إنكارِ أحدٍ عليه(٤)، والله أعلم.
الثالثةَ عشرة: الإمامُ إذا نُصِبَ، ثم فَسَقَ بعد انبرامِ العَقْدِ:
فقال الجمهور: إنَّه تنفسخُ إمامتُه، ويُخلع بالفسقِ الظاهر المعلوم، لأنَّه قد ثبتَ
أنَّ الإمامَ إنَّما يُقام لإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وحفظِ أموالِ الأيتام
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وذكره ابن قدامة في المغني ٤٠٩/٣. وأخرج الدارقطني في السنن ٨٨/٢،
والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٩٠ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: ((اجعلوا
أئمتكم خياركم، فإنهم وَفْدكم فيما بينكم وبين الله عز وجل)». قال البيهقي: إسناد هذا الحديث ضعيف.
وسيورده المصنف عند قوله تعالى: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الرَّكِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] المسألة الرابعة والعشرون.
(٢) في (ز) و(ظ): الأفضل.
(٣) في (د): وحيازة.
(٤) في (م): عليهم.

٤٠٦
سورة البقرة : الآية ٣٠
والمجانينِ والنظرِ في أمورهم، إلى غير ذلك ممَّا تقدَّم ذِكْره، وما فيه من الفسق يُقْعِدُه
عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها(١)، فلو جوَّزْنا أن يكون فاسقاً، أدَّى إلى إبطال
ما أُقيمَ لأجله، ألا ترى في الابتداء أنَّما لم يَجُزْ أن يُعقَدَ للفاسق لأجل أنَّه يؤدي إلى
إبطال ما أُقيم له؟ وكذلك هذا مثلُه.
وقال آخرون: لا ينخلعُ إلَّا بالكفرِ، أو بتركِ إقامةِ الصلاة، أو التَّركِ إلى دعائها،
أو شيءٍ من الشريعة، لقوله عليه السلام في حديث عُبادة: وألَّا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه.
[قال]: ((إلَّ أن تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً، عندَكم من الله فيه برهانٌ»(٢).
وفي حديث عوفٍ بنِ مالك(٣): ((لا، ما أقامُوا فيكم الصلاةَ)) (٤) الحديث(٥).
أخرجَهما مسلم. وعن أمِّ سَلَمةَ، عن النبيِّ نَّه قال: ((إنَّه يُستَعمَلُ(٦) عليكم أمراءُ،
فَتَعرِفُون وتُنْكِرون، فمن كَرِهَ فقد بَرئ، ومَنْ أنْكَرَ فقد سَلِمَ، ولكنْ مَنْ رَضِيَ
وتابَعَ))(٧). قالوا: يا رسول الله، ألَا نُقَاتِلُهم؟ قال: ((لا، ما صَلَّوْا)). أي: من كرِه بقلبه
وأنكر بقلبه. أخرجه أيضاً مسلم(٨).
الرابعةَ عشرة: ويجبُ عليه أن يخلَعَ نفسَه إذا وجدَ في نفسه نقصاً يؤثِّر في
الإمامة، فأمَّا إذا لم يجد نَقْصاً؛ فهل له أن يَعزِلَ نفسَه ويعقِدَ لغيره؟ اختلَفَ الناسُ
فيه: فمنهم من قال: ليس له أن يَفْعَلَ ذلك، وإن فعلَ لم تَنْخَلِعْ إمامتُه. ومنهم من
قال: له أن يفعل ذلك.
والدليلُ على أنَّ الإمامَ إذا عَزَلَ نفسَه انعزل: قولُ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه:
أقِيلُوني، أقِيلُوني. وقولُ الصحابة: لا نُقِيلُكَ ولا نستقيلُك، قدَّمك رسولُ اللهَ وَّل
(١) في النسخ: والنهوض فيها، والمثبت من (م).
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩) كتاب الإمارة (٣/ ١٤٧٠) وما بين حاصرتين منه.
(٣) هو أبو عبد الرحمن، الأشجعي الغطفاني، شهد فتح مكة وغزوة مؤتة، مات سنة (٧٣هـ). السير ٤٨٧/٢.
(٤) صحيح مسلم (١٨٥٥)، وهو في المسند (٢٣٩٨١).
(٥) في (ز): والحديثين.
(٦) في (د): سيستعمل.
(٧) في (ظ): وبايع.
(٨) رقم (١٨٥٤) (٦٣)، وهو في المسند (٢٦٥٢٨).

٤٠٧
سورة البقرة : الآية ٣٠
لِدِينِا، فَمَنْ ذا يؤخِّرك؟ رَضِيَكَ رسولُ اللهِ وَلِ لِدِينِنا فلا(١) نرضاك؟!(٢)» فلو لم يكن
له أن يفعلَ ذلك لأنكرت الصحابةُ ذلك عليه، ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا،
وليس لك أن تفعلَه، فلمَّا أقرَّته الصحابةُ على ذلك، عُلِمَ أنَّ للإمام أن يفعلَ ذلك،
ولأنَّ الإمامَ ناظرٌ للغير(٣)، فيجب أن يكونَ حكمه حكمَ الحاكم والوكيلِ إذا عزَلَ
نفسه، فإنَّ الإمامَ هو وكيلُ الأمةِ ونائبٌ عنها، ولمَّا اتُّفِقَ على أنَّ الوكيلَ والحاكمَ
وجميعَ مَنْ نابَ عن غيره في شيءٍ له أن يَعْزِلَ نفسَه، كذلك الإمامُ يجبُ أن يكونَ
مثلَه. والله أعلم.
الخامسةَ عشرة: إذا انعقدت الإمامةُ باتفاق أهلِ الحَلِّ والعَقْد - أو بواحدٍ على
ما تقدَّم - وجَبَ على الناس كافَّةً مبايعتُه على السمع والطاعة، وإقامةٍ كتابِ الله وسُنَّةٍ
رسولِهِ وَله، ومن تَأَبَّى عن البيعة لعُذْرِ عُذِرَ، ومَنْ تَأَبَّى لغيرِ عُذْرِ جُبِرَ وقُهِرَ، لئلّا
تفترق كلمةُ المسلمين.
وإذا بُويع لخليفتين، فالخليفةُ الأول، وقُتِلَ الآخرُ، واختُلف في قتله: هل هو
محسوسٌ، أو معنّى؛ فيكونَ عزلُه قتلَه وموتَه؟ والأوَّلُ أظهَرُ. قال رسول الله وَلا تر: ((إذا
بُويِعَ لخليفتين فاقْتُلُوا الآخَرَ منهما)). رواه أبو سعيد الخُدريُّ، أخرجه مسلم (٤).
وفي حديث عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ وَّ أنَّه سمعَه يقول: ((ومَنْ بايَعَ إماماً،
فأعطاه صَفْقَةَ يدِه وثمرةَ قلبه، فلْيُطِعْه إن استطاع، فإن جاء آخرُ ينازِعُه فاضربوا عنقَ
الآخَرِ)). رواه مسلم(٥) أيضاً، ومن حديث عَرْفَجَة (٦): ((فاضْرِبُوه بالسيف كائناً مَنْ(٧)
(١) في (د) و(ظ): أفلا.
(٢) أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٣٣) مختصراً، وفيه تليد بن سليمان: رماه ابن معين بالكذب،
وأورد الحافظ هذا الحديث في تلخيص الحبير ٤/ ٤٥، وعزاه لأبي خير الطالقاني في السنة، ثم قال:
وهو منكر متناً، ضعيف منقطع سنداً.
(٣) في (م): للغيب.
(٤) رقم (١٨٥٣).
(٥) رقم (١٨٤٤)، وهو في المسند (٦٥٠١).
(٦) ابن شُرَيح، ويقال غير ذلك، الأشجعي، له صحبة، روى له مسلم وأبو داود والنسائي حديثاً واحداً،
وهو هذا الحديث. تهذيب الكمال ٥٥٥/١٩، والإصابة ٤١١/٦.
(٧) في (ظ): ما.

٤٠٨
سورة البقرة : الآية ٣٠
كان))(١). وهذا أدلُّ دليلٍ على منع إقامة إمامين، ولأنَّ ذلك يؤدِّي إلى النفاقِ
والمخالفةِ والشِّقاق، وحدوثِ الفتن، وزوالِ النعم، لكن إن تباعدتِ الأقطارُ
وتباينت، كالأندلس وخُراسان جاز ذلك(٢)، على ما يأتي بيانُه إن شاء الله تعالى.
السادسة عشرة: لو خرجَ خارجيٍّ على إمام معروفِ العدالة، وجَبَ على الناس
جهادُه، فإن كان الإمامُ فاسقاً والخارجيُّ مظهرٌ للعدلِ، لم ينبغ للناس أن يُسرعوا إلى
نُضْرة الخارجيّ حتى يتبيَّنَ أمرُه فيما يُظهر من العدل، أو تتفقُ كلمةُ الجماعة على خَلْع
الأول، وذلك أنَّ كلَّ مَنْ طَلَبَ مثلَ هذا الأمرِ أظهَرَ من نفسِه الصَّلاحَ، حتى إذا تمگَّن
رجَعَ إلى عادته من خلافٍ ما أُظهَرَ.
السابعة عشرة: فأمَّا إقامةُ إمامَيْن أو ثلاثة في عصرٍ واحد وبلدٍ واحد، فلا يجوزُ
إجماعاً لما ذكرنا.
قال الإمام أبو المَعَالي(٣): ذهبَ أصحابُنا إلى منع عقدِ الإمامة لشخصين في
طرفي العالَم، ثم قالوا: لو اتفَقَ عقدُ الإمامة لشخصين، نزلَ ذلك منزلةً تزويجٍ وَلِيَّين
امرأةً واحدةً من زوجين من غير أن يشعُرَ أحدُهما بعقد الآخر. قال: والذي عندي فيه
أنَّ عقدَ الإمامةِ لشخصين في صُفْع واحدٍ متضايقِ الخِططِ والمخاليفِ غيرُ جائزٍ، وقد
حصلَ الإجماعُ عليه، فأمَّا إذا بَعُدَ المَدَى، وتخلَّل بين الإمامين شُوعِ النَّوَى،
فللاحتمال في ذلك مجالٌ، وهو خارجٌ عن القواطع.
وكان الأستاذ أبو إسحاق(٤) يُجَوِّز ذلك في إقليمين متباعدَيْن غايةَ التباعُد، لئلا
تتعظّلَ حقوقُ الناس وأحكامُهم، وذهبت الكَرَّاميةُ إلى جواز نَصْب إمامين من غير
تفصيل، ويلزمُهم إجازةُ ذلك في بلدٍ واحد، وصارُوا إلى أنَّ عليًّا ومعاويةً كانا إمامين.
(١) صحيح مسلم (١٨٥٢)، وهو في المسند (١٨٢٩٥).
(٢) في (د): فإن ذلك جائز.
(٣) الإرشاد ص ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٤) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني، الأصولي، المتكلم، الفقيه، الشافعي، أحد المجتهدين في
عصره، وعنه أخذ الكلام والأصول عامة شيوخ نيسابور. من تصانيفه: ((جامع الخلي في أصول الدين
والرد على الملحدين)) و((تعليقة في أصول الفقه)). توفي سنة ٤١٨ هـ. طبقات الشافعية الكبرى ٢٥٦/٤،
والسير ٣٥٣/١٧.

٤٠٩
سورة البقرة : الآية ٣٠
قالوا: وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كلُّ واحدٍ منهما أَقْوَمَ بما في يديه
وأضبطَ لما يَلِيه، ولأنَّه لمَّا جازَ بِعْثُ نبيَّين في عصرٍ واحدٍ، ولم يُؤدِّ ذلك إلى إبطال
النبوة، كانت الإمامةُ أَولى، ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة، والجوابُ أنَّ ذلك
جائزٌ لولا منعُ الشرعِ منه، لقوله: ((فاقتلوا الآخَرَ منهما))(١). ولأنَّ الأُمَّة عليه، وأمّا
معاويةُ فلم يدَّع الإمامةَ لنفسه، وإنَّما(٢) ادعى ولايةَ الشام بتولية مَنْ قبلَه من الأئمة،
وممَّا يدلُّ على هذا إجماعُ الأمة في عصرهما على أنَّ الإمامَ أحدُهما(٣)، ولا قال
أحدُهما: إنِّي إمامٌ، ومخالفي إمامٌ. فإن قالوا: العقلُ لا يُحِيلُ ذلك، وليس في السمع
ما يمنعُ منه، قلنا: أقوى السَّمْعِ الإجماعُ، وقد وُجِدَ على المنع.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ قد علمنا قطعاً أنَّ الملائكةَ لا تعلمُ
إلَّا ما أُعْلِمَتْ، ولا تَسبِقُ بالقول، وذلك عامٌّ في جميع الملائكة، لأنَّ قوله: ﴿لَا
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوَّلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧] خرج على جهة المَدْح لهم، فكيف قالوا: ﴿أَتَجْعُلُ
فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾؟
فقيل: المعنى أنَّهم لمَّا سمعوا لفظَ ((خليفة)) فهمُوا أنَّ في بني آدمَ مَنْ يُفسِدُ، إذ
الخليفةُ المقصودُ منه الإصلاحُ وتركُ الفسادِ، لكن عمَّموا الحكمَ على الجميع
بالمعصية، فبَّن الربُّ تعالى أنَّ فيهم مَنْ يُفسِدُ ومن لا يُفسِدُ، فقال تطبيباً لقلوبهم: ﴿ إِنّ
أَعْلَمُ﴾، وحَقَّقَ ذلك بأنْ عَلَّمَ آدَمَ الأسماءَ، وكشَفَ لهم عن مكنون عِلْمِه.
وقيل: إنَّ الملائكة قد رَأَتْ وعَلِمَتْ ما كان من إفسادِ الجنِّ وسَفْكِهِم الدماءَ،
وذلك لأنَّ الأرضَ كان(٤) فيها الجنُّ قبل خَلْق آدمَ، فأفسدوا وسَفَكوا الدماءَ، فبعثَ
الله إليهم إبليسَ في جنٍ من الملائكة، فقتلَهم وألحقَهم(٥) بالبحار ورؤوس
الجبال(٦)، فمن حينئذٍ دخَلَته العِزَّة، فجاء قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ على جهة الاستفهام
(١) سلف تخريجه ص ٤٠٧.
(٢) في (ظ): بل.
(٣) في (د): أحد هؤلاء.
(٤) في (ز): كانت.
(٥) في (د): وألحقوهم.
(٦) لم يثبت في ذلك خبر مرفوع، إنما أخرج الحاكم ٢/ ٢٦١ نحوه عن ابن عباس قولَه.

٤١٠
سورة البقرة : الآية ٣٠
المَحْض: هل هذا الخليفةُ على طريقة من تقدَّم من الجنِّ أم لا؟ قاله أحمد بنُ یحیی
ثعلبُ.
وقال ابن زيد (١) وغيره: إنَّ الله تعالى أعلَمَهم أنَّ الخليفةَ سيكون من ذُرِّيته قومٌ
يُفسِدون في الأرض ويسفكون الدماءَ، فقالوا لذلك هذه المقالةَ، إمّا على طريق
التعجّب من استخلاف الله من يَعصِيه، أو مِنْ عِصْيان الله مَنْ يستخلفُه في أرضه ويُنعم
عليه بذلك، وإمَّا على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين (٢) جميعاً: الاستخلاف
والعصيان(٣).
وقال قتادة: كان الله أعلَمَهم أنَّه إذا جعلَ في الأرض خلقاً(٤) أفسدوا وسفكُوا
الدماءَ، فسألوا حين قال تعالى: ﴿إِنّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: أهو الذي أعلَمَهم أم
غیرُه؟
وهذا قول حَسَن، رواه عبد الرزاق(٥) قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في
قوله: ﴿أَحْمَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ قال: كان الله أعلَمَهم أنَّه إذا كان في الأرض خَلْقٌ
أفسدوا فيها، وسَفَكُوا الدماء، فلذلك قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. وفي
الكلام حذفٌ على مذهبه، والمعنى: إنّ جاعلٌ في الأرض خليفةً يفعل كذا ويفعل
كذا، فقالوا: أتجعلُ فيها الذي أعلَمْتناه أم غيره؟ والقولُ الأوّلُ أيضاً حسنٌ جدًّا،
لأنَّ فيه استخراجَ العلم واستنباطَه من مقتضى الألفاظِ، وذلك لا يكون إلا من
العلماء، وما بين القولين حسنٌ، فتأمَّلْه.
وقد قيل: إنَّ سؤالَه تعالى للملائكة بقوله: ((كيف تركتُم عبادي؟» - على ما ثبتَ
(١) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم مولى عمر رضي الله عنه، كان صاحب قرآن وتفسير، جمع تفسيراً في
مجلد، وكتاباً في الناسخ والمنسوخ، وهو أخو أسامة وعبد الله، وفيهم لين، توفي سنة (١٨٢ هـ).
السير ٣٤٩/٨.
(٢) في (ظ): للمفصلين.
(٣) المحرر الوجيز ١١٧/١. وقوله: إما على طريق التعجب ... إلخ، ليس من كلام ابن زيد، بل من كلام
ابن عطية.
(٤) في (د): خلفاء، وفي (ز): خليفة.
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٢.

٤١١
سورة البقرة : الآية ٣٠
في صحيح مسلم(١) وغيره - إنَّما هو على جهة (٢) التوبيخ لمن قال: ((أتجعلُ فيها))،
وإظهارٌ لما سَبَقَ في معلومه إذ قال لهم: ﴿ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾.
قوله: ﴿مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ((مَنْ)) في موضع نَصْب على المفعول بـ ((تجعل))،
والمفعول الثاني يقوم مقامه ((فیها)).
(يُفسد)) على اللفظ، ويجوزُ في غير القرآن: يفسدون، على المعنى. وفي
التنزيل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ﴾ [محمد: ١٦]. على اللفظ، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَسْتَمِعُونَ﴾
[يونس: ٤٢] على المعنى.
﴿وَيَسْفِكُ﴾ عطف عليه، ويجوزُ فيه الوجهان. ورَوى أَسيد عن الأعرج(٣) أنه
قرأ: ((ويَسْفِكَ الدّماءَ)) بالنصب(٤)، يجعلُه جوابَ الاستفهام بالواو(٥)، كما قال(٦):
وبينَكُم المودَّةُ والإخاءُ(٨)
ألم أُ جاركُم ویکونَ(٧) بيني
والسَّفْكُ: الصَّبُّ، سفكتُ الدَّمَ أَسْفِكُه سَفْكاً: صَبَيْتُه، وكذلك الدمعُ، حكاه ابنُ
فارس والجوهريُّ(٩). والسفَّاكُ: السفّاحُ، وهو القادرُ على الكلام. قال المهدويُّ:
ولا يستعمل السفكُ إلا في الدم، وقد يستعملُ في نثر الكلام، يقال: سفكَ الكلامَ:
إذا نثرَه.
وواحدُ الدماء دَمٌ، محذوفُ اللام، قيل(١٠): أصلُه دَمْيٌّ، وقيل: دَمَيّ، ولا يكون
(١) رقم (٦٣٢) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أيضاً البخاري (٥٥٥)، وهو في المسند (٧٤٩١).
(٢) في (د): سبيل.
(٣) أسيد هو ابن يزيد المديني، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، الحافظ المقرئ، مات مرابطاً
بالاسكندرية سنة (١١٧ هـ). التاريخ الكبير ٢/ ١٥، والجرح والتعديل ٣١٦/٢، والسير ٦٩/٥.
(٤) القراءات الشاذة لابن خالويه ص ٤.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٧/١.
(٦) في (د) و(ظ): كما قال الشاعر.
(٧) في (ز) و(م): وتكون، والمثبت من (د) و(ظ)، وهو الموافق للمصادر.
(٨) البيت للحطيئة، وهو في ديوانه ص ٩٨، وروايته فيه: ألم أكُ مسلماً فيكونَ بيني. وهو من شواهد
سیبویه ٤٣/٣.
(٩) مجمل اللغة ٤٦٣/٢، والصحاح: (سفك).
(١٠) في (م): وقيل.

٤١٢
سورة البقرة : الآية ٣٠
اسمٌ على حرفين إلا وقد حُذِفَ منه، والمحذوفُ منه ياءٌ، وقد نُطِقَ به على
الأصل(١)، قال الشاعر:
فلو أنَّا على حجرٍ ذُبِحنا
جَرى الدَّمَيان بالخبرِ اليقين(٢)
قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ أي: نُنَزَّهُك عمَّا لا يَليقُ بصفاتك، والتسبيحُ
في كلامهم: التنزيهُ من السُّوء على وجهِ التعظيم، ومنه قولُ أعْشَى بني ثَعْلَبَةِ (٣):
أَقُولُ لمَّا جاءني فَخرُه سبحانَ مِن عَلْقَمَةً الفاخرِ
أي: براءة من عَلْقَمة.
وروى طلحةُ بنُ عُبَيد الله(٤) قال: سألتُ رسول الله وَّل عن تفسير سبحان الله،
فقال: ((هو تنزيهُ الله عزَّ وجلَّ عن كلِّ سُوء))(٥). وهو مشتقٌّ من السَّبْح، وهو الجَرْيُ
والذهاب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النََّرِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]، فالمسبِّح جارٍ
في تنزيه (٦) الله تعالى وتبرئته من السُّوء.
وقد تقدَّم الكلامُ في ((نحن))(٧)، ولا يجوز إدغامُ النون في النون لئلا يلتقيَ
ساكنان(٨).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٧/١، وقال الجوهري في الصحاح (دما): أصله: دَمَوٌ، بالتحريك، وإنما
قالوا: دمِي يَذمى، لحال الكسرة التي قبل الياء، كما قالوا: رَضِي يَرْضَى.
(٢) نسب البيت في أمالي الزَّجَّاجي ص ٢٠، وخزانة الأدب ٣٥١/٣ (طبعة بولاق) لعلي بن بدَّال،
ونسبه في الحماسة البصرية ٤٠/١ للمثقب العبدي، ونسب لغيرهما كذلك فيما ذكر البغدادي في
الخزانة ٣٥٣/٣، غير أنه رجح نسبته لعلي بن بدَّال، وهو في اللسان: (دمي) غير منسوب.
(٣) هو الأعشى الكبير، والبيت في ديوانه ص ١٩٣.
(٤) أبو محمد القرشي، التميمي، المكي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، قُتل يوم الجمل. السير ٢٣/١.
(٥) أخرجه الشاشي في مسنده (١٠)، والحاكم ١/ ٥٠٢ من طريق طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبيه، عن
طلحة بن عبيد الله، به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: بل لم
يصح؛ فإن طلحة منكر الحديث، قاله البخاري ... إلخ.
(٦) في (د): تسبيح.
(٧) ص ٣٠٨.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٨/١. لكن إدغام النونين في قوله: ﴿ونحن نسبح﴾ هو من الإدغام الكبير
لأبي عمرو من السبعة في رواية السوسي، فهو يدغم النون في مثلها ولا ينظر إلى ما قبلَها. التذكرة
١١١/١ لابن غلبون.

٤١٣
سورة البقرة : الآية ٣٠
مسألة: واختلَفَ أهلُ التأويل في تسبيح الملائكة، فقال ابنُ مسعود وابنُ عباس:
تسبيحُهم صلاتُهم(١)، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌّ﴾ [الصافات: ١٤٣]
أي: من المُصَلِّين(٢). وقيل: تسبيحُهم رفعُ الصوت بالذِّكر. قالَه المُفَضَّل، واستشهد
بقول جرير:
قَبَحَ الإلهُ وجوهَ تَغْلِبَ كلَّما سَبَحَ الحجيجُ وكَبَّروا إهلالا(٣)
وقال قتادة: تسبيحُهم: سبحان الله، على عُرْفِه في اللغة(٤). وهو الصَّحيح، لما
رواه(٥) أبو ذَرِّ أنَّ رسولَ اللهِوَ ﴿ سُئل: أيُّ الكلام أفضلُ؟ قال: ((ما اصطفى الله
لملائكته [أو لعباده]: سبحان الله وبحمده)". أخرجه مسلم(٦). وعن عبد الرحمن بن
قُرْط (٧)، أنَّ رسول الله وَل# ليلة أُسْريّ به سمع تسبيحاً في السماوات العُلا: ((سبحان
العليِّ الأعلى، سبحانه وتعالى)). ذكره البيهقي(٨).
قوله تعالى: ﴿يَحَيْدَِ﴾ أي: وبحمدك، نَخلِطُ التسبيحَ بالحمد، ونَصِلُه به.
والحمدُ: الثناء، وقد تقدم(٩). ويحتمل أن يكون قولهم: ((بحمدك)) اعتراضاً بين
الكلامين، كأنَّهم قالوا: ونحن نسبِّحُ ونقدِّسُ، ثم اعترضوا على جهة التسليم، أي:
وأنت(١٠) المحمودُ في الهداية إلى ذلك. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَتُقَدِّسُ لَكُ﴾ أي: نُعَظّمُك ونُمجِّدُك، ونُطَهِّرُ ذِكْرَكَ عمَّا لا يليقُ
بك ممَّا نَسَبَكَ إليه الملحدون. قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما(١١). وقال الضخَّاك
(١) أخرجهما الطبري ٥٠٤/١.
(٢) في (م): أي المصلين.
(٣) ديوانه ٥٢/١. وفيه: شبح الحجيج. وفسره ابن حبيب شارحُه بقوله: الشبح: رفع الأيدي بالدعاء.
(٤) أخرجه بنحوه الطبري ٥٠٥/١.
(٥) في (ظ): روى.
(٦) رقم (٢٧٣١) وما بين حاصرتين منه. وهو في المسند (٢١٥٢٩).
(٧) الثُّمالي، الحمصي، كان من أهل الصُّفَّة، سكن الشام. الإصابة ٣١٧/٦.
(٨) لم نجده عند البيهقي، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٧٥٤)، وأبو نعيم في الحلية ٧/٢ -٨.
(٩): ص ٢٠٥.
(١٠) في (ز): أي ونحمدك وأنت، وفي (ظ): أي نحمدك وأنت.
(١١) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٠٦/١.

٤١٤
سورة البقرة : الآية ٣٠
وغيره: المعنى نُطَهِّر أنفسَنا لك ابتغاءَ مرضاتك(١). وقال قومٌ منهم قتادة: ((نقدِّسُ
لك)) معناه: نصلِّي. والتقديسُ: الصلاة(٢). قال ابن عطية(٣): وهذا ضعيف.
قلت: بل معناه صحيحٌ، فإنَّ الصلاةَ تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح،
وكان رسول الله يقول في ركوعه وسجوده: ((سُبُّوحٌ قُدُّوس رَبُّ الملائكةِ والرُّوح)).
روته عائشة، أخرجه مسلم(٤). وبناء ((قدَّس))(٥) كيفما تصرَّفَ فإنَّ معناه التطهير، ومنه
قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: المُطَهَّرة. وقال: ﴿اَلْمَلِكُ
اٌلْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٤٣] يعني(٦) الطاهر، ومثله: ﴿بِلَوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى﴾ [طه: ١٢].
وبيتُ المَقْدِسِ سُمِّيَ به لأنَّه المكانُ الذي يُتقدَّسُ فيه من الذنوب، أي: يُتَطَهَّر، ومنه
قيل للسَّظْل: قَدَس، لأنَّه يُتوضَّأ فيه ويُتَطَهَّر؛ ومنه القادوس(٧). وفي الحديث: ((لا
قُدِّسَتْ أُمّةٌ لا يُؤخذ لضعيفها مِن قَوِيِّها)). يريد: لا طَهَّرَها الله. أخرجه ابنُ ماجه في
((سُنَّنه))(٨) فالقُدْس: الظُّهْر من غير خلاف، وقال الشاعر:
فأدْرَكْنَهُ يأخُذْنَ بالسَّاقِ والنَّسَا كما شَبْرَقَ الولدانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِ(٩)
أي: المطهّر(١٠).
(١) أخرجه الطبري ١/ ٥٠٦.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٤٢، والطبري ٥٠٥/١.
(٣) المحرر الوجيز ١١٨/١.
(٤) رقم (٤٨٧)، وهو في المسند (٢٤٠٦٣).
(٥) في (د) و(ظ) قدوس.
(٦) في (د) و(ظ): أي.
(٧) هو إناء من خَزَف أصغر من الجرَّة، يُخرج به الماء من السواقي، والجمع قواديس. تاج العروس (قدس).
(٨) رقم (٤٠١٠) من حديث جابر بن عبد الله، ولفظه: ((كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من
شديدهم؟)). وأخرجه كذلك (٢٤٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: ((إنه لا قدست أمة لا يأخذ
الضعيفُ فيها حقَّه غير متعتع)).
(٩) قائله امرؤُ القيس، والبيت في ديوانه ص ١٠٤. والنَّسا: عرق يخرج من الورك، فيستبطن الفخذين، ثم
يمر بالعرقوب، حتى يبلغ الحافر. وشبرق: خرَّق ومزَّق، والمقدَّس: الراهب الذي يأتي بيت المقدس،
وكان إذا نزل من صومعته يجتمع الصبيان إليه، فيخرِّقون ثيابه ويمزقونها تمسحاً به وتبركاً، والشاعر
يصف ثوراً لاحقته الكلاب، فأدركته وفعلت به ما فعلت. ينظر شرح الديوان، والصحاح: (نسا).
(١٠) النكت والعيون ١/ ٩٧.

٤١٥
سورة البقرة : الآية ٣٠
فالصلاة طُهْرَةٌ للعبد من الذنوب، والمُصَلِّي يدخلُها على أكمل الأحوال
لكونها(١) أفضلَ الأعمال، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ ((أعلم)) فيه تأويلان: قيل: إنَّه فعل مستقبل.
وقيل: إنَّه اسمٌ بمعنى فاعل، كما يقال: الله أكبر، بمعنى كبير، وكما قال:
تَعَمْرُكَ ما أدري وإِنِّي لَأَوْجَلُ على أيِّنا تَعْدُو المنيَّةُ أَوَّلُ(٢)
فعلى أنَّه فعل، تكون ((ما)) في موضع نصبٍ بـ: ((أعلمُ))، ويجوز إدغامُ الميم في
الميم. وإن جعلتَه اسماً بمعنى عالم، تكون (ما)) في موضع خفضٍ بالإضافة(٣). قال
ابن عطية(٤): ولا يصحُّ فيه الصرفُ بإجماع(٥) من النُّحاة، وإنَّما الخلافُ في ((أفعل))
إذا سُمِّيَ به وكان نكرةً، فسيبويه(٦) والخليلُ لا يَصْرِفانِهِ، والأخفشُ يَصْرِفُه. قال
المَهْدَويُّ: يجوز أن يُقدَّرَ (٧) التنوينُ في ((أعلم)) إذا قدَّرتَه بمعنى عالم، وتنصبَ ((ما))
به، فيكون مثلُ: حَواجٌ بيتَ الله. قال الجوهريُّ(٨): ونِسوةٌ حواجُ بيتِ الله،
بالإضافة: إذا كنَّ قد حَجَجْن، وإن لم يكنَّ حَجَجْنَ، قلتَ: حواجٌ بيتَ الله، فتنصبُ
البيتَ، لأنَّك تريدُ التنوينَ في ((حواجٌ))، [إلا أنه لا ينصرف].
قوله تعالى: ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ اختلف علماءُ التأويل في المراد بقوله تعالى: ﴿مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾: فقال ابنُ عبَّاس: كان إبليسُ - لعنه الله - قد أُعجِبَ، ودَخَلَهُ الكِبْرُ لمَّا جعلَه
خازنَ السماء وشرَّفَه، فاعتقد أنَّ ذلك لمزِيَّةٍ له، فاستخفَّ(٩) الكفرَ والمعصيةَ في
جانب آدم عليه السلام. وقالت الملائكة: ﴿وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَيْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكُ﴾ وهي
(١) في (ظ): لأنها.
(٢) قائله معن بن أوس، والبيت في ديوان الحماسة ١١٢٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٢٠٨/١، وأمالي
ابن الشجري ٧٤/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٨/١.
(٤) المحرر الوجيز ١١٩/١.
(٥) في (د): بالإجماع.
(٦) الكتاب ١٩٣/٣.
(٧) في (م): تقدر.
(٨) الصحاح: (حجج) وما بين حاصرتين منه.
(٩) في المحرر الوجيز ١١٩/١ (والكلام منه): فاستحقب.

٤١٦
سورة البقرة : الآية ٣١
لا تعلمُ أنَّ في نفس إبليسَ خلاف ذلك، فقال الله تعالى لهم: ﴿إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾(١).
وقال قتادة: لمَّا قالت الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ وقد علمَ الله أنَّ فيمن يُستخلَفُ
في الأرض أنبياءَ وفضلاءَ وأهلَ طاعة، قال لهم: ﴿إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾(٢).
قلتُ: ويحتملُ أن يكون المعنى إنِّي أعلمُ ما لا تعلمون، ممَّا كان، وممَّا يكون،
وممّا هو كائن، فهو عامّ.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَدَمَ اٌلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنِْخُونِى
بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
(٣١)
فيه سبعُ مسائل :
الأولى: قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ُ عَلَّمَ: معناه عَرَّفَ، وتعليمُه هنا
إلهامُ عِلْمِهِ ضرورةً، ويَحتمِلُ أن يكونَ بواسطة مَلَك (٣)، وهو جبريلُ عليه السلام،
على ما يأتي.
وقُرئ: ((وعُلِّمَ)) غيرُ مسمَّى الفاعل(٤). والأوَّل أظهَر، على ما يأتي.
قال علماء الصوفية: عَلِمَها(٥) بتعليم الحقِّ إِيَّاه، وحَفِظَها بحفظه عليه، ونَسِيَ ما
عَهِدَ إليه، لأنّه(٦) وكَلَه فيه إلى نفسه فقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ
لَمُ عَزْمَا﴾ [طه: ١١٥]. وقال ابنُ عطاء: لو لم يُكشف لآدم عِلْمُ تلك الأسماء، لكان
أعجَزَ مِن الملائكة في الإخبار عنها. وهذا واضحٌ.
وآدمُ عليه السَّلامِ يُكْنَى أبا البشر، وقيل: أبا محمد؛ كُنِّي بمحمّد خاتم الأنبياء(٧)
(١) أخرجه الطبري بنحوه في تفسيره ٤٨٦/١-٤٨٧، وذکر ص ٣٧٥ أنه مرتاب بإسناده.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٤٩١، والكلام في المحرر الوجيز ١١٩/١.
(٣) المحرر الوجيز ١١٩/١.
(٤) هي قراءة الحسن كما في المحتسب ٦٤/١، والقراءات الشاذة لابن خالويه ص ٤.
(٥) في (د): علمه.
(٦) في (م): لأن.
(٧) في (ظ): النبيين.

٤١٧
سورة البقرة : الآية ٣١
صلواتُ الله عليهم؛ قاله السُهَيْلِيّ(١). وقيل: كُنيتُه في الجنَّة أبو محمَّد، وفي الأرض
أبو البَشَر.
وأصلُه بهمزتين، لأنَّه أَفْعَل، إلَّا أنَّهم ليّنُوا الثانية، فإذا احتجْتَ إلى تحريكها
جعلتَها واواً فقلت: أَوَادِم في الجمع؛ لأنَّه ليس لها أصلٌ في الياء مَعروف، فجعَلْتَ
الغالبَ عليها الواو. عن الأخفش(٢).
واختُلِفَ في اشتقاقه، فقيل: هو مُشتَقٌّ من أَدَمَةِ الأرضِ وأَديمها، وهو وَجْهُها،
فسُمِّي بما خُلِقِ منه، قاله ابنُ عباس (٣). وقيل: إنه مُشتَقٍّ من الأُدْمَة وهي السُّمْرة.
واختلفوا في الأُدمَة، فزعم الضَّحَّاكُ أنَّها السُّمْرَة، وزَعَمَ النَّضْر أنَّها البياض، وأنَّ آدمَ
عليه السلام كان أَبيضَ، مأخوذٌ من قولهم: ناقَةٌ أَدْماءُ: إذا كانت بيضاء. وعلى هذا
الاشتقاق جَمْعُه أُدْمٌ وأَوادِم؛ كحُمْرٍ وأَحامِر، ولا يَنصرِفُ بوَجْه. وعلى أنَّه مُشتَقٌّ من
الأُدْمَة جَمْعُه آدَمُون، ويلزم قائلو هذه المقالةِ صَرْفُه.
قلتُ: الصَّحِيحُ أنَّه مشتقٌّ من أَديمِ الأرضِ. قال سعيدُ بن جُبير: إنَّما سُمِّي آدَمَ لأنَّه
خُلِقَ من أَدِيم الأرض، وإنما سُمِّيَ إنساناً لأنه نَسِي، ذكره ابنُ سعد في الطبقات (٤).
ورَوى السُّدِّيُّ، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عبَّاس. وعن مُرّة
الهَمْدانيّ عن ابن مسعود(٥) في قصَّة خَلْق آدمَ عليه السَّلام قال: فبعثَ الله جبريل عليه
السَّلام إلى الأرض لِيَأتيَه بطينٍ منها، فقالت الأرضُ: أعوذُ بالله منك أن تنقصَ(٦)
منِّي أو تَشِينَني؛ فرجَعَ ولم يأخُذْ، وقال: ربِّ(٧)، إنَّها عادَتْ بك فَأَعذْتُها. فبعثَ
(١) عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ، أبو القاسم وأبو زيد الخثعمي الأندلسي المالقي، صاحب
الروض الأُنْف في شرح السيرة، توفي سنة (٥٨١هـ). الوافي بالوفيات ١٨/ ١٧٠. وكلامه المذكور
أعلاه في التعريف والإعلام ص ١٩.
(٢) نقله عنه الجوهري في الصحاح (أدم).
(٣) أخرج نحوه الطبري ٥١١/١، وابن سعد في الطبقات ٢٦٢٥/١.
(٤) الطبقات الكبرى ٢٦/١، وابن سعد هو محمد بن سعد بن منيع، أبو عبد الله البغدادي، الهاشمي
مولاهم، کاتب الواقدي مات سنة (٢٣٠هـ). السير ٦٦٤/١٠.
(٥) غمز الطبري في تفسيره بهذين الإسنادين، ينظر تفسيره ١/ ٣٧٥.
(٦) في (د): تقبض.
(٧) في (م): يا ربّ.

٤١٨
سورة البقرة : الآية ٣١
ميكائيل، فعاذَتْ منه فأَعاذَها، فرجع، فقال كما قال جبريل. فبعثَ مَلَك الموت،
فعاذَتْ منه، فقال: وأنا أَعوذُ بالله أنْ أرجِعَ ولم أُنفِذْ أمرَه. فأخذَ من وَجهِ الأرض
وَخَلَطَ، ولم يأخُذْ من مكانٍ واحد، وأخذ من تُرْبَةٍ حَمْراءَ وبَيضاءَ وسَوداءَ، فلذلك
خرجَ بنو آدم مختَلِفين - ولذلك سُمّي آدَمَ، لأنه أُخذ من أديم الأرض - فصَعِدَ به،
فقال الله تعالى له: أمَا رَحِمتَ الأرض حين تَضَرَّعتْ إليك؟ فقال: رأيتُ أمرَك
أوجَبَ من قولها. فقال: أنت تَصلُح لقَبْض أرواح ولَدِهِ. فبلَّ التُّرابَ حتَّى عادَ (١) طيناً
لازِباً - اللَّازِبُ: هو الذي يلتصقُ بعضُه ببعض - ثم تُرك حتَّى أنتَنَ، فذلك حيثُ
يقول: ﴿مِّنْ حٍَ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]. قال: مُنْتِن. ثُم قال للملائكة: ﴿إِنَّ خَلِقٌ بَشَرًا
مِّنِ طِينٍ (٨) فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَفَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢]، فخلقه الله
بيده لكيلا(٢) يتكبّر إبليسُ عنه. يقول: أتتكبَّر عمَّا خلقت بيديَّ ولم أتكبَّر أنا عنه؟
فخلقَه بشراً، فكان جسداً من طينٍ أربعينَ سنَة من مقدار يوم الجُمعة، فمرَّت به
الملائكةُ، فَزِعوا منه لمَّا رأَوْه، وكان أشدَّهُم منه فزَعاً إبليسُ، فكان يمرُّ به فيضرِبُه،
فيصوِّتُ الجسدُ كما يصوِّتُ الفَخَّارُ تكون له صَلْصَلَة، فذلك حين يقول: ﴿مِن
صَلْصَلٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]. ويقول: لأمرٍ مَّا خُلقتَ !. ودخل من فمِه(٣) وخرج
من دُبُره، فقال إبليسُ للملائكة: لا ترهَبُوا من هذا فإنَّه أجْوَفُ، ولئنْ سُلِّطتُ عليه
لَأُهلِكَتَّه. ويُقال: إنَّه كانَ إذا مَرَّ عليه مع الملائكة يقول: أرأيتُم هذا الذي لم تَرَوْا من
الخلائق يُشبههُ إنْ فُضِّلَ عليكم وأُمِرتُم بطاعته ما أنتُم فاعلون؟ قالوا: نُطيع أمرَ ربِّنا،
فأسَرَّ إبليسُ في نفسه لئن فُضِّلَ عليَّ فلا أُطيعه، ولئن فُضِلتُ عليه لأُهلِكَتَّه، فلما بلغَ
الحِينُ الذي أُريد أنْ يَنْفُخَ فيه الرُّوحَ، قالَ للملائكة: إذا نفخْتُ فيه من رُوحِي
فاسجدوا له(٤). فلمَّا نفخَ فيه الرُّوحَ، فدخلَ الرُّوحُ في رأسهِ عَطَس، فقالت له
الملائكةُ: قُل الحَمدُ لله، فقال: الحمدُ لله، فقال الله له: رَحِمَكَ رُّك، فلما دخل
(١) في (ظ): صار.
(٢) في (د): لئلا، وفي (ظ): كيلا.
(٣) في (د): من فيه.
(٤) في (ظ): فقعوا له ساجدين.

٤١٩
سورة البقرة : الآية ٣١
الرُّوحُ في عينيه نظَر إلى ثمار الجنَّة، فلما دخلَ في جوفه اشتَهى الطَّعامَ، فوثَبَ قَبْلَ
أن يبلُغَ الرُّوحِ رجلَيهِ عَجْلانَ إلى ثمار الجنَّة، فذلك حين (١) يقول: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ
عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣) إِلَّ إِيْلِسَ أَبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ
اُلسَّجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٠ -٣١]. وذكر القصة(٢).
وروى الترمذيُ(٣) عن أبي موسى الأشْعَريِّ قال: سمعتُ رسولَ الله وَ له يقول:
((إنَّ الله عزَّ وجلَّ خلقَ آدَمَ من قَبضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاءَ بنو آدم على قَدْرٍ
الأرض، فجاءً(٤) منهم الأحمَرُ والأبيضُ والأسودُ، وبينَ ذلك، والسَّهْلُ والحَزْنُ،
والخبيثُ والطيِّبُ)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيح.
أديم: جمعُ أَدَم؛ قال الشاعر :
وكلُّهم يجمعُهُم وَجهُ الأَدَمْ(٥)
الناسُ أخيافٌ وشَتَّى في الشِّيَمْ
فـ(آدم)) مشتقٌّ من الأَدِيم والأَدَم، لا من الأُدمَة؛ والله أعلم.
ويحتملُ أن يكون منهما جميعاً. وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيانٍ في خَلْقِ آدم في
((الأنعام))(٦) وغيرها إن شاء الله تعالى.
و(آدم)) لا يَنصَرِفُ. قال أبو جعفر النخَّاس(٧): ((آدمُ)) لا ينصرفُ في المعرفة
بإجماع النَّخويين، لأنَّه على أفْعَل، وهو معرفة، ولا يَمتنعُ شيءٌ من الصَّرْفِ عند
(١) في (ظ): أن تبلغ الروح ... حيث يقول.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٨٦/١_٤٨٨ أطول منه، وفي تاريخه ١/ ٩٠، وأورد ابن كثير القصة عند
تفسيره هذه الآية وقال: فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه
إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب
المتقدمة، والله أعلم.
(٣) في سننه (٢٩٥٥)، وهو في مسند أحمد (١٩٥٨٢).
(٤) في (د) و(ظ): جاء.
(٥) الرجز في جمهرة أمثال العرب للعسكري ٣٠٣/٢، ولسان العرب (أدم)، وروايته: يجمعهم بيت
الأدم.
(٦) عند تفسير قوله ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ﴾ الآية ٢.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢٠٨/١ - ٢٠٩، وفيه قول الزجاج المذكور.

٤٢٠
سورة البقرة : الآية ٣١
البصريين إلا لعلَّتين. فإِنْ نكَّرتَه ولم يكن نعتاً، لم يَصرفْه الخليل وسيبويه، وصَرَفَّه
الأخفَش سعيد؛ لأنَّه إنما منعه من الصرف(١)؛ لأنه كان نعتاً وهو على وزْنِ الفعل،
فإذا لم يكن نعتاً صَرَفه. قال أبو إسحاق الزجَّاج: القولُ قولُ سيبويه، ولا يُفرَّق بين
النَّعت وغيره؛ لأنَّه هو ذاك بعينه.
الثانية: قوله تعالى: ﴿الْأَسْمَّءَ كُلَّهَا﴾: الأسماءُ هنا بمعنى العبارات، فإنَّ الاسم
قد يُطلَقُ ويُرادُ به المسمَّى، كقولك: زيدٌ قائم، والأسدُ شُجاعٌ. وقد يُرادُ به التّسميّةُ
ذاتُها، كقولك: أسَدٌ ثلاثةُ أَحرُف، ففي الأوَّل يُقال: الاسم هو المسمَّى، بمعنى يُرادُ
به المسمَّى، وفي الثاني لا يُرادُ به المسمَّى.
وقد يَجري اسمٌ في اللُّغة مجرى ذات العبارة، وهو الأكثرُ من استعمالها، ومنه
قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَّءَ كُلّهَا﴾ على أشهر التأويلات، ومنه قول النبيِّ ◌َّ:
((إنَّ لله تسعةً وتسعين اسماً))(٢).
ويجري مجرى الذَّات، يُقال: ذاتٌ ونفسٌ وعينٌ واسمٌ بمعنّى، وعلى هذا حَمَلَ
أكثرُ أهلِ العلم قولَه تعالى: ﴿سَيْحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ﴿نَبْرَكَ أَسْمُ رَّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]
تَعْبُدُونَ مِن دُونِةٍ إِلَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠].
الثالثة: واخْتَلَفَ أهلُ التَّأويل في معنى الأسماء التي عَلَّمَها لآدم عليه السلام،
فقال ابنُ عباس وعِكرمةُ وقَتادةُ ومُجاهدُ وابنُ جُبيرٍ: علَّمه أَسماءَ جميع الأشياء كلّها
جَليلِها وحَقيرِها(٣). روى(٤) عاصِمُ بنُ كُلَيب، عن سَعْد مولى الحسن بن عليّ قال:
كنتُ جالساً عند ابنٍ عِبَّاس، فذكروا اسمَ الآنيةِ واسمَ السَّوْط، قال ابنُ عباس:
((وعلَّم آدم الأسماء كلَّها)).
قلت: وقد رُوِيَ هذا المعنى مرفوعاً على ما يأتي، وهو الذي يقتَضيه لفظُ («كُلَّها»
إذ هو اسمٌ موضُوعٌ للإحاطةِ والعُموم. وفي البخاريّ من حديث أنس، عن النبيِّ وَّلـ
(١) قوله: لأنه إنما منعه من الصرف، ليس في (م).
(٢) أخرجه أحمد (٧٥٠٢)، والبخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة.
(٣) تفسير الطبري ٥١٦٥١٤/١.
(٤) في (م). وروى.