Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ سورة البقرة : الآية ٢٩ وقال الشاعر : فأوْرَدْتُهُم ماءً بفَيفاءَ قَفْرةٍ وقد حَلَّقَ النَّجْمُ اليمانيُّ فَاسْتَوَى(١) أي: ارتفَعَ وعَلا. واستوتِ الشمسُ على رأسي، واستوتِ الطيرُ على قمّة رأسي، بمعنى علا. وهذه الآيةُ من المُشْكلات، والناسُ فيها وفيما شاكَلَها على ثلاثة أوجه: قال بعضُهم: نقرؤها(٢) ونؤمن بها ولا نُفسِّرُها، وذهَبَ إليه كثيرٌ من الأئمة، وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أنَّ رجلاً سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحَُْ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال مالك: الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بِدْعةٌ، وأُراك رجلَ سوء! أخرجوه(٣). وقال بعضهم: نقرؤها ونُفسِّرُها على ما يَحتمِلُه ظاهرُ اللغة. وهذا قولُ المُشَبِّهة. وقال بعضهم: نقرؤها ونتأوَّلُها، ونُحِيلُ حَمْلَها على ظاهرها(٤). وقال الفرَّاء(٥) في قوله عز وجلَّ: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ﴾ قال: الاستواءُ في كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن يستويَ الرجلُ وينتهي شبابُه وقوَّتُه، أو يستوي عن(٦) اعوجاج. فهذان وجهان. ووجهٌ ثالثٌ: أن تقول: كان مقبلاً على [فلانٍ، ثم استوى عليَّ] يُشاتِمُني وإليَّ، سواء، على معنى أقبلَ إليَّ وعليَّ، فهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىٌ إِلَى السَّمَاءِ﴾ والله أعلم. قال: وقد قال ابن عباس: ثم استوى إلى السماء: صَعِد(٧). وهذا كقولك: كان قاعداً فاستوى قائماً، وكان قائماً (١) تهذيب اللغة ٢٦٥/٤، واللسان، وتاج العروس (صبح)، وفيها: وصبَّحهم، بدل: فأوردتُهم. (٢) في (د): نقرأ بها، وفي (ز): يقرؤها. (٣) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٦) و(٨٦٧)، وأخرجه اللالكائي (٦٦٣) من قول أمِّ سَلَمة رضي الله عنها . وقد فسَّر السلف رضي الله عنهم لفظ الاستواء الوارد في النصوص بأربعة معانٍ؛ هي: العلوّ، والارتفاع، والصعود، والاستقرار. توضيح المقاصد في شرح قصيدة ابن القيم لا بن عيسى ٤٤٠/٢-١٤٤١. (٤) تفسير أبي الليث ١٠٦/١ -١٠٧. (٥) معاني القرآن ٢٥/١، وما بين حاصرتين منه. (٦) في النسخ: من، والمثبت من (م)، وهو موافق لما في معاني القرآن. (٧) أخرجه البيهقيُّ في الأسماء والصفات (٨٧٢). وفيه: صعد أمره إلى السماء. ٣٨٢ سورة البقرة : الآية ٢٩ فاستوى قاعداً، وكلُّ ذلك في كلام العرب جائزٌ. قال البيهقيُّ أبو بكر أحمد بنُ عليٍّ بن الحُسَين(١): قوله: ((استوى)) بمعنى أقبل صحيحٌ، لأنَّ الإقبالَ هو القصدُ إلى خلق السماء، والقصدُ هو الإرادة، وذلك جائزٌ في صفات الله تعالى، ولفظة ((ثم)) تتعلَّقُ بالخلق لا بالإرادة، وأمَّا ما حَكَى(٢) عن ابن عباس؛ فإنَّما أخَذَه عن تفسير الكلبيِّ، والكلبيُّ ضعيفٌ. وقال سفيانُ بن عيينة وابنُ كَيْسان في قوله: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىٌ إِلَى السَّمَاءِ﴾: قَصَدَ إليها، أي: بخلقه واختراعه. فهذا قول. وقيل: علا دون تكييفٍ ولا تحديد، واختاره الطبريُ(٣). ويُذكر عن أبي العالية الرِّياحيِّ في هذه الآية أنه يقال: استوى بمعنى أنَّه ارتفَعَ (٤). قال البيهقيُّ(٥): ومرادُه من ذلك - والله أعلم - ارتفاعُ أمره، وهو بخارُ الماء الذي وقَعَ منه خَلْقُ السماء. وقيل: إنَّ المستوي الدخانُ. قال ابن عطية(٦): وهذا يأباه وصفُ(٧) الكلام. وقيل: المعنى استولى، كما قال الشاعر(٨): قد اسْتَوَى بِشْرٌ على العراقِ من غيرِ سَيْفٍ وَدَم مُهْراقٍ قال ابن عطية: وهذا إنَّما يجيء في قوله تعالى: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرَّشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. قلت: قد تَقَدَّم في قول الفَرَّاء: عليَّ وإليَّ بمعنَى، وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيانٍ في سورة ((الأعراف))(٩) إن شاء الله تعالى. (١) في الأسماء والصفات ٢/ ٣١٠. (٢) يعني الفرَّاء، والكلام للبيهقي في الأسماء والصفات. (٣) تفسيره ١/ ٤٥٧. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ١٠٥ - ١٠٦. (٥) الأسماء والصفات ٣١١/٢. (٦) المحرر الوجيز ١١٥/١. (٧) في المحرر الوجيز: رصف، وهو الأشبه. (٨) هو الأخطل كما في المحرر الوجيز ١١٥/١، وتاج العروس: (سوى)، والبيت من غير نسبة في الصحاح: (سوى)، والأسماء والصفات ٣٠٩/٢، والبحر المحيط ١٣٤/١. (٩) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَ اَلْعَرْشِ﴾ الآية: ٥٤. ٣٨٣ سورة البقرة : الآية ٢٩ والقاعدةُ في هذه الآية ونحوها منعُ الحركة والنُّقلة(١). السادسة: يظهر من هذه الآية أنَّه سبحانه خَلَقَ الأرضَ قبل السماء، وكذلك في (حم السجدة))(٢). وقال في النازعات: ﴿وَأَنْتُ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَاءُ بَهَا (٧)﴾، فوصفَ خلقَها، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَا (٣)﴾. فكأنَّ السماء على هذا خُلِقت قبل الأرض، وقال تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وهذا قولُ قتادة: إنَّ السماءَ خُلِقت أولاً. حكاه عنه الطبريُّ(٣). وقال مجاهد وغيره من المفسرين: إنَّه تعالى أيبَسَ الماءَ الذي كان عرشُه عليه، فجعلَه أرضاً، وثارَ منه دخانٌ، فارتفَعَ، فجعلَه سماءً، فصار خَلْق الأرض قبل خَلْق السماء، ثم قصّدَ أمُرُه إلى السماء، فسؤَّاهنَّ سبعَ سموات، ثم دحا الأرضَ بعد ذلك، وكانت إذ خَلقَها غيرَ مَدْحُوَّةٍ(٤). قلتُ: وقولُ قتادة يُخَرَّجُ على وجهٍ صحيحٍ إن شاء الله تعالى: وهو أنَّ الله تعالى خَلَقَ أولاً دخانَ السماء، ثم خَلَق الأرضَ، ثم استوى إلى السماء وهي دخانٌ فسؤَّاها، ثم دحا الأرضَ بعد ذلك. وممَّا يدلُّ على أنَّ الدخانَ خُلِقَ أولاً قبل الأرض ما رواه السُّدِّيُّ، عن أبي مالك، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباس. وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعود. وعن ناسٍ من أصحاب رسول الله وَ﴿ في قوله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنَهُنَّ سَبْعَ سَعَوَاتٍ﴾ قال: إنَّ الله تبارك وتعالى كان عرشُه على الماء، ولم يخلُقْ شيئاً قبل الماء، فلمَّا أرادَ أن يخلُقَ الخلقَ أخرج من الماء دخاناً، فارتفَعَ فوق الماء، فسَما عليه، فَسمَّاه سماءً، ثم أيبس الماء، فجَعلَه أرضاً واحدةً، ثم فَتَقها، فجعلها سبعَ أرضين في يومين، في الأحد والاثنين، فجعل الأرضَ على حُوتٍ - والحُوتُ هو النُّون الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله: (١) المحرر الوجيز ١١٥/١. (٢) في قوله تعالى: ﴿قل أثنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ... ﴾ الآيات [٩-١١]. (٣) في تفسيره ١٤٥/٩. (٤) أخرج ابن جرير ١/ ٤٦٣ عن مجاهد في تفسير هذه الآية قوله: خلق الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىٌ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَنَتٍ﴾ قال: بعضهن فوق بعض، وسبع أرضین بعضهن تحت بعض. ٣٨٤ سورة البقرة : الآية ٢٩ ﴿تَّ وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١] - والحوثُ في الماء، و[الماء](١) على صَفاة(٢)، والصَّفاةُ على ظهر ملَك، والمَلكُ على الصَّخرة، والصَّخرة في الريح - وهي الصَّخرةُ التي ذكر لقمانُ - ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرَّك الحوثُ، فاضطربَ، فتزلزلت الأرضُ، فأرسى(٣) عليها الجبالَ، فقرَّت، فالجبالُ تَفْخرُ على الأرض، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِىِ الْأَرْضِ رَوَسَِ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، وخلقَ الجبالَ فيها وأقواتَ أهلِها وشجرَها وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنٍ وَتَّحْمَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَّكَ فِيهَا وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ يقول: أقواتها لأهلها (٤) ﴿فِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَءَ لِلسَّابِلِينَ﴾ يقول: من سأل فهكذا الأمر ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ وكان ذلك الدخانُ مِنْ تنفُّس الماء حين تنفَّسَ، فجعلها سماءً واحدة، ثم فَتَقَها، فجعَلها سبعَ سموات في يومين: في الخميس والجمعة، وإنَّما سُمِّيَ يومَ الجمعة لأنَّه جُمع فيه خَلْقُ السماوات والأرض ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَاٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩-١٢] قال: خلقَ في كلِّ سماءٍ خَلْقَها من الملائكة والخَلْق الذي فيها من البحار وجبال البَرَد وما لا يُعلم، ثم زيَّنَ السماء الدنيا بالكواكب، فجعَلَها زِينَةً وحِفْظاً تُحفظُ من الشياطين، فلمَّا فرغَ من خلق ما أحبَّ، استوى على العرش. قال: فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ويقول: ﴿كَانَنَا رَتْقَا فَفَتَقْتَهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام(٥)، على ما يأتي بيانُه في هذه (١) ما بين حاصرتين من تفسير الطبري ١/ ٤٦٢. (٢) الصفاة: صخرة ملساء. الصحاح: (صفا). (٣) في (م) والنسخ الخطية: ((فأرسل))، والمثبت من تفسير الطبري. (٤) قوله: يقول أقواتها لأهلها، ليس في (م). (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٤٦٢-٤٦٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٧). وقد غمز الطبري في هذا الإسناد ٣٧٥/١ عند تفسير قوله تعالى: ﴿فيه ظلمات ورعد وبرق ... ﴾، فقال: ولستُ أعلمه صحيحاً، إذ كنتُ بإسناده مرتاباً. وقال الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُوا لِّدَمَ﴾: فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائیلیات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم. وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تفسير الطبري ١٥٦/١ - ١٦٠. ٣٨٥ سورة البقرة : الآية ٢٩ السورة إن شاء الله تعالى(١). وروى وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس قال: إنَّ أولَ ما خلق الله عزَّ وجلَّ من شيء القلمُ، فقال له: اكتب، فقال: يا ربِّ، وما أَكتبُ؟ قال: اكتب القَدَر، قال: فجرى بما هو كائنٌ من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. قال: ثم خلقَ النُّونَ، فدحا الأرضَ عليها، فارتفعَ بخارُ الماءِ، فَفَتَقَ منه السماوات، واضطربَ النُّونُ، فمادَتٍ الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبال، فإنَّ الجبالَ تَفْخَرُ على الأرض إلى يوم القيامة(٢). ففي هذه الرواية خلقُ الأرضِ قبل ارتفاع بخار الماء الذي هو الدُّخان، خلافاً للرواية الأولى، والرواية الأُولى عنه وعن غيره أَولى، لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَهَا﴾ [النازعات: ٣٠] والله أعلم بما فعل، فقد اختلفت فيه الأقاويلُ، ولیس للاجتهاد فيه مدخل. وذكر أبو نُعيم(٣) عن كعب الأحبار أنَّ إبليسَ تغلغلَ إلى الحوت الذي على ظهره الأرضُ كلُّها، فألقى في قلبِه، فقال: هل تدري ما على ظهركَ يا لوثيا من الأُمم والشجر الدَّوابِّ والناس والجبال؟ لو نفضتَهم ألقيتَهم عن ظهرك أجمع. قال: فهمَّ لوثيا بفعل ذلك، فبعث الله دابَّةً، فدخَلَتْ في مِنْخَرٍه، فعجَّ إلى الله منها، فخرجت. قال كعب: والذي نفسي بيده، إنَّه لينظُرُ إليها بين يديه وتنظُرُ إليه، إنْ هَمَّ بشيءٍ من ذلك عادَتْ حيثُ كانت(٤). السابعة: أصلُ خَلْقِ الأشياء كلِّها من الماءِ، لما رواه ابن ماجه في ((سننه))، وأبو حاتم البُسْتيُّ في صحيح مسنده عن أبي هريرة قال: قلتُ: يا رسول الله، إذا رأيتُك، طابَتْ نفسي، وقرَّتْ عَيْني، أنبِثْني عن كلِّ شَيْءٍ. قال: ((كُلُّ شيءٍ خُلِقَ من الماء)). فقلتُ: أخبرني بشيءٍ(٥) إذا عملتُ به دخلتُ الجنة. قال: «أظْعِم الطعامَ، وأَفْشٍ السَّلامَ، وصِلِ الأرحامَ، وقُمِ الليلَ والناسُ نياٌ، تدخُلِ الجنةَ بسلام)»(٦). (١) ص ٤١٧ - ٤١٩. (٢) أخرجه الطبري في تاريخه ٣٣/١ و٥٠ - ٥١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٤). (٣) حلية الأولياء ٦/ ٨. (٤) خبر إسرائيلي لا أساس له، وكان من الأولى بالمصنف أن ينزِّه كتابه عن مثل هذا. (٥) في (م): عن شيء. (٦) صحيح ابن حبان (٢٥٥٩)، وهو في المسند (٧٩٣٢)، ولم نقف عليه في سنن ابن ماجه من حديث= ٣٨٦ سورة البقرة : الآية ٢٩ قال أبو حاتم(١): قولُ أبي هريرة: أنْبِّني عن كلِّ شيء، أراد به (٢): عن كلِّ شيء خُلق من الماء، والدليلُ على صحّة هذا جوابُ المصطفى وَّ إياه حيث قال: ((كلُّ شيء خُلق من الماء)). [فهذا جوابٌ خرج على سؤال بعينه، لا أنَّ كلَّ شيء خُلق من الماء] وإن لم يكن مخلوقاً. وروى سعيد بن جُبَير عن ابن عباس أنَّه كان يُحَدِّث أنَّ رسول الله وَّه قال: ((إنَّ أوّلَ شيءٍ خلقه الله القلمُ، وأمرَه، فكتَبَ كلَّ شيء يكون))(٣). ويُروى ذلك أيضاً عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ مرفوعاً(٤). قال البيهقيُّ(٥): وإنَّما أراد - والله أعلم -: أولُ شيء خلقَه بعد خلقِ الماء والربح والعرشِ القلمُ، وذلك بَيِّنٌ في حديث عمرانَ بنِ حُصَيْن: ((ثم خَلقَ السماوات والأرض)»(٦). وذكر عبد الرزاق(٧)، عن (٨) عمرَ بنِ حَبيب المكيّ، عن حُمَيْد بن قَيْس الأعرج، عن طاوس قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فسأله: ممَّ خُلِقَ الخلقُ؟ قال: من الماء والنُّورِ والظّلمة، والريح والتراب. قال الرجل: فممَّ خُلق = أبي هريرة، وقد أخرج المرفوع منه برقم (٣٢٥١) من حديث عبد الله بن سلام، بلفظ: ((يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، وادخلوا الجنة بسلام)). (١) هو ابنُ حبان، وقد قاله بإثر حديثه المذكور، وما بين حاصرتين من صحيحه. (٢) في (د) مراده. (٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤٦/٢٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٠٣). (٤) أخرجه الطيالسي (٥٧٨)، والترمذي (٢١٥٥)، و(٣٣١٩)، وهو في المسند (٢٢٧٠٥). قال الترمذي في الموضع الأول: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقال في الموضع الثاني: هذا حديث حسن غريب. (٥) الأسماء والصفات ٢٣٨/٢. (٦) أخرجه البخاري (٧٤١٨) ضمن حديث طويل، وفيه: ((كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشُه على الماء، ثم خلق السماواتِ والأرضَ، وكتبَ في الذكر كل شيء)». (٧) في تفسيره ٢١٣/٢، وأخرجه أيضاً الحاكم ٢/ ٤٥٢، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٢٩). (٨) في (د) و(م): ((بن))، وهو خطأ. ٣٨٧ سورة البقرة : الآية ٢٩ هؤلاء؟ قال: لا أدري. قال: ثم أتى الرجلُ عبدَ الله بنَ الزُّبیر، فسأله، فقال مثل قول عبد الله بن عمرو. قال: فأتى الرجلُ عبدَ الله بن عباس، فسأله، فقال: ممَّ خُلق الخلقُ؟ قال: من الماء والنُّور والظلمة والريح والتراب. قال الرجل: فممَّ خُلق هؤلاء؟ فتلا عبد الله بنُ عباس: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ ◌َمِيعًا مِنْذٌ﴾ [الجاثية: ١٣]. فقال الرجل: ما كان ليأتيَ بهذا إلا رجلٌ من أهل بيت النبيِّ وَّ. قال البيهقيُّ(١): أراد أنَّ مصدرَ الجميع منه، أي: مِنْ خلقِه وإبداعه واختراعه، خَلَق الماءَ أولاً ، أو الماءَ وما شاء مِنْ خلقِه، لا عن أصلٍ، ولا على مثالٍ سَبَقَ، ثم جعلَه أصلاً لِمَا خَلَقَ بعد، فهو المبدعُ، وهو البارئ، لا إلهَ غيره، ولا خالقَ سواه، سبحانه جلَّ وعزَّ. الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَنٍ﴾ ذكر تعالى أن السماوات سبعٌ، ولم يأتِ للأرض في التنزيل عَدَدٌ صريحٌ لا يَحتملُ التأويلَ إلَّا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اٌلْأَرْضِ مِثْلَهُنَ﴾ [الطلاق: ١٢]. وقد اختُلِفَ فيه: فقيل: ((ومن الأرضِ مِثْلَهنّ)) أي: في العدد؛ لأنَّ الكيفيةَ والصِّفَةَ مختلفةٌ بالمشاهدة والأخبار، فتَعيَّنَ العددُ. وقيل: ((ومن الأرض مثلهنّ) أي: في غِلَظِهِنَّ وما بينهنَّ. وقيل: هي سبعٌ، إِلَّا أَنَّه لم يَفْتِقْ بعضَها من بعض. قاله الداوُديُّ. والصَّحيحُ الأولُ، وأنَّها سبعٌ، كالسموات سبعٌ. روى مسلمٌ(٢)، عن سعيد بن زيد (٣) قال: سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول: ((مَنْ أَخَذَ شِبْراً من الأرض ظُلْماً ◌ُوِّقَه إلى سبع أَرَضِين)). وعن عائشةَ رضي الله عنها مثلَه، إلَّا أنَّ فيه: ((من)) بدل ((إلى))(٤). ومن حديث أبي هريرة: ((لا يأخُذُ أحدٌ شبراً من الأرض بغير حقِّه إلَّا طَوَّقه الله إلى سبع أَرَضين [يوم القيامة))(٥). (١) الأسماء والصفات ٢٦٦/٢. (٢) رقم (١٦١٠)، وأخرجه أيضاً البخاري (٣١٩٨). (٣) القرشي العدوي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، شهد المشاهد مع رسول الله وَلخير، مات سنة (٥١هـ). السير ١٢٤/١. (٤) صحيح مسلم (١٦١٢)، وأخرجه أيضاً البخاري (٢٤٥٣). (٥) صحيح مسلم (١٦١١) وما بين حاصرتين منه. ٣٨٨ سورة البقرة : الآية ٢٩ وروى النَّسائيُّ، عن أبي سعيد الخُدْريِّ، عن رسول الله وَّر قال: ((قال موسى عليه السلام: يا ربِّ، علِّمني شيئاً أذْكُرُكَ به وأدعوكَ به. قال: يا موسى، قل: لا إله إلَّ الله. قال موسى: يا ربِّ، كلُّ عبادكَ يقول هذا. قال: قل: لا إله إلَّا الله. قال: لا إله إلَّ أنت، إنَّما أريدُ شيئاً تَخُصُني به. قال: يا موسى، لو أنَّ السماوات السبعَ وعامِرَهنَّ غيري والأَرَضين السبعَ في كَفَّةٍ، ولا إله إلّا الله في كَفَّةٍ، مالَتْ بهنَّ لا إله إلَّ الله))(١). وروى الترمذيُّ، عن أبي هريرة قال: بينما نبيُّ الله وَّهِ جالسٌ وأصحابهُ، إذ أتى عليهم سحابٌ، فقال نبيُّ الله وَّ: ((هل تَدْرُون ما هذا؟)) فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا العَنان، هذه رَوايا الأرضِ، يَسُوقُه الله إلى قوم لا يشكرونَه ولا يدعونَه)). قال: ((هل تَدْرُون ما فوقكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنَّها الرَّقيعُ، سقفٌ محفوظٌ، وموجّ مكفوفٌ)). ثم قال: ((هل تَدْروُن ما(٢) بينكم وبينها؟)). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((بينكم وبينها [مسيرةُ] خمسٍ مئة عام)). ثم قال: «هل تَدْرُون ما فوقَ ذلك؟)) قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: (([فإن فوق ذلك] سماءين، بُعْدُ ما بَيْنَهما [مسيرة] خمس مئة سنة)). ثم قال كذلك حتى عدَّ سبعَ سماوات، ما بين كلِّ سماءين ما بين السَّماءِ والأرض. ثم قال: ((هل تَذْرون ما فوق ذلك؟)) قالوا: الله ورسولُه أعلم. قال: ((فإنَّ فوق ذلك العرشَ، وبينَه وبين السَّماء بُعْدُ ما بين السَّماءين)). ثم قال: ((هل تَدْرُون ما الذي تحتكم؟)). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنَّها الأرضُ)). ثم قال: ((هل تَدْرُون ما تحتَ ذلك؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((إن تحتها أرضاً أخرى (٣)، بينهما مسيرةُ خمسٍ مئة سنة)). حتى عدَّ سبعَ أَرَضين، بين كلِّ أَرْضَيْن مسيرةٌ خمس مئة سنة. ثم قال: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده، لو أنَّكم دَلَّيتُم [رجلاً] بحبل إلى (١) السنن الكبرى (١٠٦٠٢) و(١٠٩١٣)، وهو من رواية أبي السمح درَّاج بن سمعان عن أبي الهيثم سليمانَ بنِ عمرو العُثْواري، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ودرَّاج ضعَّفه أحمد والنسائي وأبو حاتم الرازي والدارقطني - وقال في موضع: متروك - وفَضْلَك الرازي، وثقه يحيى بن معين. وقال أبو داود: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. اهـ. وهذه منها. (٢) في (م): كم. (٣) في (م): فإن تحتها الأرض الأخرى. ٣٨٩ سورة البقرة : الآية ٢٩ الأرض السُّفلى لهبَطَ على الله)). ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَآَخِرُ وَالَِّهِرُ وَالْبَاِنٌّ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. قال أبو عيسى: قراءةُ رسولِ اللهِ ﴿ الآ ية تدلُّ على أنَّه أرادَ: لَهَبَطَ على عِلْم الله وقدرتِه وسلطانِه. [علمُ الله وقدرتُه وسلطانُه] في كلِّ مكانٍ، وهو على عَرْشه كما وصَفَ نفسَه في كتابه. قال: هذا حديثٌ غريبٌ، والحَسَن لم يسمَعْ من أبي هريرة(١). والآثارُ بأنَّ الأَرضَين سبعٌ كثيرةٌ، وفيما ذكرنا كفاية. وقد روى أبو الضُّحى - واسمُه مسلم - عن ابن عباس أنَّه قال: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: سبعَ أَرَضین، في کلِّ أرضٍ نبيٌّ كنبيِّكم، وآدمُ كآدم، ونوحٌ كنوح، وإبراهيمُ كإبراهيم، وعيسى كعيسى. قال البيهقيُّ(٢): إسنادُ هذا عن ابن عباس صحيحٌ، وهو شاذٌّ بمرَّة، لا أعلمُ لأبي الضُّحى عليه متابعاً (٣)، والله أعلم. التاسعة: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم ◌َّا فِ الْأَرْضِ﴾ ابتداءٌ وخبر. ((ما)) في موضع نصبٍ. ﴿جَمِيعًا﴾ عند سيبويه نصب على الحال (٤). ﴿ثُمَّ أُسْتَوٌَ﴾ أهلُ نَجْد يُميلون لِيَدُلُّوا على أنَّه من ذوات الياء، وأهلُ الحجازُ ◌ُفخِّمون. ﴿سَبْعَ﴾ منصوبٌ على البدل من الهاء والنون، أي: فسوَّى سبعَ سمواتٍ، ويجوزُ أن يكون مفعولاً على تقدير: فسَوَّى منهنَّ(٥) سبعَ سموات، كما قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي: من قومه. قاله النحاس(٦). وقال الأخفش: انتصَبَ على الحال. (١) سنن الترمذي (٣٢٩٨)، وقد أشار الترمذي إلى علة الحديث، وهو في المسند (٨٨٢٨). قال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢٨/١: هذا حديث لا يصحُّ عن رسول الله وَلـ (٢) في الأسماء والصفات، بعد إخراجه تفسير ابن عباس المذكور (٨٣١) (٨٣٢). (٣) في (د) و(ظ) و(م): ((دليلاً)). (٤) الكتاب ٣٧٦/١. (٥) في (د) و(م): (يسوّي بينهن)). (٦) إعراب القرآن ٢٠٦/١. ٣٩٠ سورة البقرة : الآية ٢٩ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ. والأصلُ في ((هو)) تحريكُ الهاء، والإسكانُ استخفاف. والسماءُ تكون واحدةً مؤنَّثة، مثل عَنان، وتذكيرُها شاذٌ، وتكون جمعاً لِسَماوة في قول الأخفش، وسماءة في قول الزَّجَّاج(١)، وجمعُ الجمعِ سماوات وسماءات(٢)، فجاء ((سوَّاهنَّ)) إمَّا على أن السماءَ جمعٌ، وإما على أنها مفردٌ اسمُ جنس، ومعنى ((سَوَّاهنَّ): سوَّى سُطوحَهنَّ بالإملاس(٣)، وقيل: جعلهنَّ سواءً (٤). العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: بما خَلَقَ، وهو خالقُ كلِّ شيء، فوجَبَ أن يكون عالماً بكلِّ شيء، وقد قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَقَ﴾ [الملك: ١٤]، فهو العالمُ والعليمُ بجميع المعلومات بعلمٍ قديمٍ أزليٍّ واحدٍ قائم بذاته. ووافَقَنا المعتزلةُ على العالِمِيَّة دون العِلْمية. وقالت الجَهْمِيَّة: عالمٌ بعلمٍ قائمٍ لا في محلٌّ! تعالى الله عن قولِ أهل الزَّيْغِ والصَّلالات، والردُّ على هؤلاء في كتب الدّيانات. وقد وصَفَ نفسَه سبحانه بالعلم،، فقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَتَبِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]، وقال: ﴿فَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، وقال: ﴿فَلَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٧]، وقال: ﴿وَمَا تَّحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ،﴾ [فاطر: ١١]، وقال: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [الأنعام: ٥٩] الآية. وسندلُّ على ثبوتٍ علمه وسائرٍ صفاته في هذه السورة عند قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [الآية: ١٨٥] إن شاء الله تعالى. وقرأ الكِسائيُّ وقالُون(٥) عن نافع بإسكان الهاء من: ((هو)) و((هي)) إذا كان قبلَها فاءٌ، أو واوٌ، أو لامٌ، أو ثُمَّ، وكذلكَ فعَلَ أبو عَمرو إلَّا مع ثُمَّ (٦). (١) معاني القرآن ١/ ١٠٧. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٩٨/١. (٣) في (د) و(ز): بالامتلاس. (٤) المحرر الوجيز ١١٥/١. (٥) عيسى بن مينا، أبو محمد، مولى بني زريق، مقرئ المدينة، لقَّبه نافع بقالون لجودة قراءته، مات سنة (٢٢٠ هـ). السير ٣٢٦/١٠. (٦) التيسير ص ٧٢، وقوله: (ثُمَّ)) يعني في آية ((القصص)) ٦١: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ٣٩١ سورة البقرة : الآية ٣٠ وزاد أبو عَوْن(١)، عن الحُلْوانيّ(٢)، عن قالُون إسكانَ الهاء من ﴿أَن يُمِلَ هُوَ﴾. [البقرة: ٢٨٢]، والباقون بالتحريك(٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَكَتَبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِّمَاءَ وَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ ٣٠ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَتَبِكَةِ إِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فيه سبعَ عَشْرةً مسألةً : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ﴾ ((إذ)) و ((إذا)) حرفا توقيتٍ؛ فـ ((إذ)) للماضي، و((إذا)) للمستقبل، وقد تُوضَعُ إحداهما موضعَ الأخرى. وقال المُبَرِّد: إذا جاء ((إذ)) مع مستقبلٍ كان معناه ماضياً، نحو قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. معناه: إذ مكروا، وإذ قلتَ، وإذا جاء ((إذا)) مع الماضي كان معناه مستقبلاً، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ آَلَّئَةُ﴾ [النازعات: ٣٤]، ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصََّنَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]، و﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١]، أي: يجيء. وقال مَعْمَر بن المُثَنَّى أبو عُبَيدة(٤): ((إذ)) زائدةٌ، والتقدير: وقال ربُّك. واستشهد بقول الأسود بن يَعْفُر(٥): فإذ وذلك لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ والدَّهْرُ يُعْقِبُ صالحاً بفساد(٦) (١) محمد بن عمرو بن عون السلمي الواسطي، المقرئ، المحدث، قيل: مات قبل سنة (٢٧٠هـ). طبقات القراء ٢٢١/٢. (٢) هو أحمد بن يزيد، أبو الحسن، مات سنة (٢٥٠هـ). طبقات القراء ١٤٩/١. (٣) الكشف عن وجوه القراءات ٢٣٤/١، وما ذكره المصنف عن قالون هو من طريق النشر ٢٠٩/٢. (٤) مجاز القرآن ٣٦/١ - ٣٧. (٥) هو أبو الجراح، شاعر جاهلي، مقدم فصيح فحل، ليس بمكثر، كان ينادم النعمان بن المنذر، وكان ممن يهجو قومه، والبيت من قصيدة له مشهورة هي من مختار شعر العرب وروائعه. طبقات فحول الشعراء ١٤٧/١، وخزانة الأدب ٤٠٥/١. (٦) المفضليات ص ٢٢٠، وتفسير الطبري ٤٦٦/١، وروايته: فإذا، بدل: فإذْ. وذكر الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على تفسير الطبري ٤٣٩/١ أن أبا عبيدة أخطأ فيه، وأن الشاهد في زيادة ((إذا))= ٣٩٢ سورة البقرة : الآية ٣٠ وأنكر هذا القولَ الزجَّاجُ والنخَّاس وجميعُ المفسرين. قال النخَّاس: وهذا خطأٌ؛ لأنَّ ((إذ)) اسمٌ، وهي ظرفُ زمانٍ، ليس ممَّا تُزاد (١)، وقال الزجَّاج: هذا احترامٌ من أبي عُبيدة، ذَكَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ خَلْقَ الناسِ وغيرِهم، فالتقديرُ: وابتدأَ خَلْقَكُم إذ قال(٢). فكان هذا من المحذوف الذي دلَّ عليه الكلام، كما قال(٣): فإنَّ المَنِيَّة مَنْ يَخْشَها فسوفَ تُصادِفُه أينما يريدُ: أينما ذهَبَ. ويحتمل أن تكون متعلّقةً بفعل مقدَّر تقديرُه: واذكر إذ قال. وقيل: هو مردودٌ إلى قوله تعالى: ﴿أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]. فالمعنى: الذي خلقكم إذ قال ربُّك للملائكة. وقولُ الله تعالى وخطابُه للملائكة مُتَقَرِّرٌ قديمٌ في الأزل بشرطِ وجودِهم وفَهْمِهم، وهكذا(٤) البابُ كلَّه في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته. وهذا مذهبُ الشيخ أبي الحسن الأشعريِّ، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي(٥)، وقد أتينا عليه في كتاب ((الأسنى في شرح أسماء الله الحُسْنى وصفاتِ الله العُلَى))(٦). والربُّ: المالكُ والسيِّدُ والمصلِحُ والجابِرُ، وقد تقدّم بيانه(٧). الثانية: قوله تعالى: ﴿لِلْمَلَتَبِكَةِ﴾ الملائكةُ: واحدُها مَلَك. قال ابن کَیْسان = لا في زيادة ((إذ)). اهـ قوله: لا مهاه لذكره، يعني لا طعم ولا فضل. قاله أبو عبيدة. (١) إعراب القرآن ٢٠٧/١. وسقط من مطبوعه كلام أبي عبيدة !. (٢) معاني القرآن ١٠٨/١. وفيه: إقدام، بدل: اجترام. (٣) هو النَّمِر بن تولَب، والبيت في ديوانه ص ٣٧٨ (شعراء إسلاميون)، وتفسير الطبري ٤٦٨/١، وتفسير الماوردي ٩٣/١، وخزانة الأدب ١٠١/١١. (٤) في (د): وكذا، وفي (ظ): وهذا. (٥) وقال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية ٥٦/١: المأثور عن أئمة الحديث والسنة أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلم بصوت يُسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوتُ المعين قديماً. (٦) لم نقف عليه في المطبوع من الأسنى. (٧) ص ٢١١. ٣٩٣ سورة البقرة : الآية ٣٠ وغيرُه: وزن مَلَك: فَعَل، من المُلْك(١). وقال أبو عُبَيدة: هو مَفْعَل من لأَكَ: إذا أرسَلَ، والأَلُوكة والمَأْلَكة والمَأْلُكة: الرسالة. قال لَبِيد(٢): وغلام أرسلَتْهُ أمُّه بأَلُوكٍ فبذَلْنا ما سأَلْ وقال آخر : أَبْلِغ الثُّغْمَانَ عَنِّي مَأْلُكاً إنّه (٣) قد طالَ حَبْسي وانتظاري(٤) ويقال: ألِكْني، أي: أرسِلْني، فأصلُه على هذا: مَأْلَك، الهمزةُ فاءُ الفعلِ؛ لكنَّهم(٥) قلبوها إلى عينه، فقالوا: مَلْأَك، ثم سَهَّلوه فقالوا: مَلَك. وقيل: أصلُه: مَلْأَك، من مَلَك يملِك، نحو شَمْأل، من شَمَل، فالهمزةُ زائدةٌ. عن ابن كيسان أيضاً، وقد تأتي في الشعر على الأصل، قال الشاعر: فلستَ الإنْسِيِّ ولكنْ لِمَلْأَكِ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السماءِ يَصُوبُ (٦) وقال النَّضْر بنُ شُمَيْل: لا اشتقاقَ للمَلَك عند العرب. والهاء في الملائكة تأكيدٌ التأنيث الجمع، ومثلُه: الصَّلادمة، والصَّلادم: الخيلُ الشِّداد، واحدُها صِلْدِم. وقيل: هي للمبالغة، كعلَّامة ونسَّابة. وقال أربابُ المعاني: خاطَّبَ الله الملائكةَ لا للمشورة، ولكن لاستخراج ما (١) في المحرر الوجيز ١١٦/١. هو من: مَلَكَ يملك. (٢) ديوانه ص ١٧٨. (٣) في (م): إنني. (٤) البيت لعدي بن زيد وهو في الشعر والشعراء ٢٢٩/١، وتفسير الطبري ٤٧٤/١، ومعاني القرآن للزجاج ١١٢/١، والأغاني ١١٤/٢، وخزانة الأدب ٥١٣/٨. وعند الطبري: مَلْأكاً، وقال: وقد ينشد: مَألكاً. (٥) في (م): فإنهم. (٦) نسب هذا البيت في المفضليات ص ٣٩٤، وتحصيل عين الذهب ص ٥٩٠ لعلقمة بن عبدة، وهو في زيادات ديوانه ص ١١٨. ونسب في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٣/١، والصحاح: (ملك) لجاهلي من عبد القيس يمدح بعض الملوك. وهو في كتاب سيبويه ٤/ ٣٨٠، والمنصف ١٠٢/٢، وأمالي ابن الشجري ٢٠٣/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١١٢/١، وتفسير الطبري ٣٥٠/١، والمحرر الوجيز ١١٦/١ غير منسوب. ٣٩٤ سورة البقرة : الآية ٣٠ فيهم من رؤية الحركات والعبادةِ والتسبيح والتقديس، ثم ردَّهم إلى قيمتهم، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ﴾. الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ ((جاعلٌ)) هنا بمعنى خالق. ذكره الطبريُّ(١) عن أبي رَوْق، ويقضي بذلك تعدِّيها إلى مفعولٍ واحد، وقد تقدم(٢). و((الأرض)) قيل: إنَّها مكة. روى ابنُ سابطٍ(٣) عن النبيِّ وَِّ قال: ((دُحِيَتِ الأرضُ من مكة)). ولذلك سُمِّيَتْ أمَّ القُرَى، قال: وقبرُ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشُعَيب بين زمزم والركن والمقام(٤). و((خليفة)) يكون بمعنى فاعل، أي: يخلُفُ مَنْ كان قبلَه من الملائكة في الأرض، أو مَنْ كان قبلَه من غير الملائكة على ما رُوي. ويجوز أن يكون ((خليفة)) بمعنى مفعول أي: يُخْلَفُ(٥)، كما يقال: ذبيحةٌ، بمعنى مفعولة(٦). والخَلَف، بالتحريك: من الصالحين، وبتسكينها: من الطالحين، هذا هو المعروفُ. وسيأتي له مزيدُ بيانٍ في الأعراف إن شاء الله(٧). و((خليفة)) بالفاء قراءةُ الجماعة، إلَّا ما رُوي عن زيد بن عليٍّ، فإنَّه قرأ: ((خليقة)) بالقاف(٨). والمعني بالخليفة هنا في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل: آدمُ (١) تفسير الطبري ١/ ٤٧٥، وانظر المحرر الوجيز ١١٦/١. (٢) ص ٣٤٣. (٣) عبد الرحمن بن سابط، ويقال: ابن عبد الله بن سابط، القرشي المكي الجمحي، كان كثير الحديث، مات سنة (١١٨ هـ). تهذيب الكمال ١٢٣/١٧. (٤) أخرجه الطبري ٤٧٦/١. وقال ابن كثير ٢١٥/١ بعد أن أورد الحديث من رواية ابن أبي حاتم: وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مدرج: وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم؛ فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك. اهـ. (٥) في (ز) و(ظ) و(م): مخلف، والمثبت من (د). (٦) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٠٧. (٧) في تفسير الآية (١٦٩). (٨) المحرر الوجيز ١١٧/١. ولم نقف على من ذكر هذه القراءة الشاذة غيره. ٣٩٥ سورة البقرة : الآية ٣٠ عليه السلام(١)، وهو خليفةُ الله في إمضاء أحكامِه وأوامرٍه، لأنَّه أوّلُ رسولٍ إلى الأرض، كما في حديث أبي ذرِّ؛ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أنَبيًّا كان مُرسَلًا؟ قال: (نعم). الحديث(٢). ويقال: لِمِنْ كان رسولاً ولم يكن في الأرض أحد؟ فيقال: كان رسولاً إلى ولدِه، وكانوا أربعين ولداً في عشرين بطناً، في كلِّ بطنٍ ذكرٌ وأنثى، وتوالدوا حتى كَثُروا، كما قال الله تعالى: ﴿خَلَقَّكُم ◌ِّنِ نَّفْسٍ وَجِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنسَاءٌ﴾ [النساء: ١]. وأنزلَ عليه(٣) تحريمَ الميتةِ والدَّمِ ولحم الخنزير، وعاش تسع مئة وثلاثين سنة. هكذا ذكر أهلُ التوراة، ورُوِيَ عن وَهْبٍ بنٍ مُنَبِّهِ أنَّه عاشَ ألفَ سنة، والله أعلم. الرابعة: هذه الآيةُ أَضْلٌ في نَصْبٍ إمامٍ وخليفةٍ يُسْمَع له ويُطاع، لتجتمعَ به الكلمةُ، وتَنْفُذَ به أحكامُ الخليفة، ولا خلافَ في وجوب ذلك بين الأُمة ولا بين الأئمة، إلَّا ما رُوِيَ عن الأصمِّ(٤) حيث كان عن الشريعة أصمَّ، وكذلك كلُّ من قال بقوله واتَّبعه على رأيه ومذهبِه، قال: إنَّها غيرُ واجبةٍ في الدِّين، بل يَسُوُ ذلك، وإنَّ الأُمةَ متى أقاموا حَجَّهم وجهادَهم، وتَناصَفُوا فيما بينهم، وبذَلوا الحقَّ من أنفسهم، وقَسَمُوا الغنائمَ والفَيْءَ والصَّدَقاتِ على أهلها، وأقاموا الحدودَ على مَنْ وَجَبَتْ عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجبُ عليهم أن ينصبوا إماماً يتولَّى ذلك! ودليلُنا قولُ الله تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾، وقولُه تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِى الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّيْلِحَتِ لَيَسْتَغْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]، أي: يجعَلُ منهم خلفاءَ، إلى غير ذلك من الآي. (١) قال ابن كثير في تفسيره: وفي ذلك نظر، بل الخلافُ في ذلك كثير، حكاه الرازي في تفسيره وغيرُه، والظاهر أنه لم يُرِدْ آدَمَ عَيْناً. اهـ وقول ابن مسعود وابن عباس أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٤٧٩-٤٨٠، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٧/١. (٢) أخرجه الطيالسي (٤٨٠)، وأحمد (٢١٥٥٢)، وأخرجه مطولاً ابن حبان (٣٦١). (٣) في (م): عليهم. (٤) هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر، شيخ المعتزلة، صاحب مقالات في الأصول، وله تفسير عجيب، وكتاب خلق القرآن، وافتراق الأمة، والرد على الملحدة وغيرها، مات سنة (٢٠١ هـ). السير ٤٠٢/٩، ولسان الميزان ٤٢٧/٣. ٣٩٦ سورة البقرة : الآية ٣٠ وأجمعت الصَّحابةُ على تقديم الصِّدِّيق بعد اختلافٍ وقَعَ بين المهاجرين والأنصار في سَقِيفَة بني ساعِدَة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ، فدَفَعهم أبو بكر وعمرُ والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إنَّ العربَ لا تَدِينُ إلَّا لهذا الحَيِّ من قريش، ورَوَوْا لهم الخبرَ في ذلك(١)، فرجعوا وأطاعوا لقريش، فلو كان فرضُ الإمامة غيرَ واجبٍ لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرةُ والمحاورةُ عليها، ولَقال قائل: إنَّها ليست بواجبةٍ لا في قريش ولا في غيرهم (٢)، فما لتنازعهم(٣) وجهٌ ولا فائدةٌ في أمرٍ ليس بواجب، ثم إنَّ الصِّديقَ رضي الله عنه لمَّا حضرته الوفاةُ عَهِدَ إلى عمر في الإمامة (٤)، ولم يقل له أحدٌ: هذا أمرٌ غيرُ واجب علينا ولا عليك، فدلَّ على وجوبها، وأنَّها ركنٌ من أركان الدِّين الذي به قِوام المسلمين، والحمدُ لله ربِّ العالمين. وقالت الرافضة: يجبُ نَصْبُه عقلاً، وإنَّ السمعَ إنَّما وردَ على جهة التأكيد لقضية العقل، فأمَّا معرفةُ الإمام فإنَّ ذلك مُدْرَكٌ من جهة السمع دون العقل. وهذا فاسدٌ؛ لأنَّ العقلَ لا يُوجِبُ ولا يحظُرُ ولا يُقَبِّح ولا يُحسِّن، وإذا كان كذلك ثبتَ أنَّها واجبةٌ من جهة الشرع لا من جهة العقل، وهذا واضحٌ. فإن قيل وهي الخامسة: إذا سلم أنَّ طريقَ وجوبِ الإمامة السمعُ، فخبِّرونا هل يجبُ من جهة السَّمع بالنَّصِّ على الإمام من جهة الرسول وَّهِ، أم من جهة اختيارِ أهل الحَلِّ والعَقْد له، أم بکمال خصالِ الأئمة فیه، ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كافٍ فيه؟. فالجواب أن يقال: اختلفَ الناسُ في هذا الباب: فذهبت الإمامِيَّةُ وغيرُها إلى أن (١) حديث السقيفة أخرجه أحمد (٣٩١) والبخاري (٦٨٣٠) من حديث عمر، وأخرجه الإمام أحمد (١٨) مختصراً من حديث أبي بكر، وفيه: ((قريش ولاة الأمر، فبرُّ الناس تبعٌ لِبرِّهم، وفاجرُهم تبع لفاجرهم». وله شاهد من حديث أبي هريرة عند البخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨) ولفظه: ((الناس تَبَعْ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم)). وانظر ص ٢٧٠ من هذا الجزء، وتفسير الآية (٤٠) من سورة التوبة. (٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء ص ١٩. (٣) في (ز) و(ظ) و(م): لتنازعكم، والمثبت من (د). (٤) أخرجه هناد في الزهد (٤٩٦). ٣٩٧ سورة البقرة : الآية ٣٠ الطريق الذي يُعرفُ به الإمام هو النصُّ من الرسولِ وَ﴿، ولا مَدْخَل للاختيار فيه، وعندنا: النَّظَرُ طريقٌ إلى معرفة الإمام، وإجماعُ أهل الاجتهاد طريقٌ أيضاً إليه، وهؤلاء الذين قالوا: لا طريقَ إليه إلَّا النصُّ، بَنَوْه على أصلهم أنَّ القياسَ والرأيّ والاجتهادَ باطلٌ لا يُعْرَفُ به شيءٌ أصلاً، وأبطلوا القياسَ أصلاً وفرعاً. ثم اختلفوا على ثلاثٍ فرقٍ: فرقة تدَّعي النصَّ على أبي بكر، وفرقة تدَّعي النصَّ على العباس، وفرقة تدَّعي النصَّ على عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنهم. والدليل على فَقْد النص وعدمِه على إمامٍ بعينه هو أنَّه وَّ هُ لو فرضَ على الأمة طاعةً إمام بعينه بحيثُ لا يجوزُ العُدُولُ عنه إلى غيره، لعُلِمَ ذلك، لاستحالة تكليفِ الأُمَّة بأَسْرِها طاعةَ الله في غير معيَّن، ولا سبيلَ لهم إلى العلم بذلك التكليف، وإذا وَجَبَ العلمُ به لم يَخْلُ ذلك العلمُ من أن يكون طريقُه أدلَّةَ العقول أو الخبرَ، وليسَ في العقل ما يدلُّ على ثبوت الإمامة لشخص معيَّن، وكذلك ليس في الخبر ما يُوجِبُ العلمَ بثبوتٍ إمام معيَّن، لأنَّ ذلك الخبرَ إمّا أن يكون تواتراً أو جَبَ العلمَ ضرورةً أو استدلالًا ، أو يكونَ من أخبارِ الآحاد، ولا يجوزُ أن يكون طريقُه التواترَ الموجِبَ للعلم ضرورةً أو دلالةً، إذْ لو كان كذلك لكان كلُّ مُكَلَّفٍ يجدُ من نفسه العلمَ بوجوب الطاعة لذلك المعيَّن، وأنَّ ذلك مِنْ دِينِ الله عليه، كما أنَّ كلَّ مكلَّفٍ عَلِمَ أنَّ مِنْ دين الله الواجبِ عليه خمسَ صلواتٍ، وصومَ رمضان، وحجَّ البيت، ونحوَها، ولا أحدَ يعلمُ ذلك من نفسه ضرورةً، فبطَلَت هذه الدَّعوى، وبَطَلَ أن يكون معلوماً بأخبار الآحاد؛ لاستحالة وقوعِ العلمِ به. وأيضاً؛ فإنَّه لو وجَبَ المصيرُ إلى نقل النصِّ على الإمام بأيِّ وجهٍ كان، وجَبَ إثباتُ إمامةٍ أبي بكر والعباس، لأنَّ لكلِّ واحدٍ منهما قوماً ينقُلُون النصَّ صريحاً في إمامته، وإذا بطَلَ إثباتُ الثلاثةِ بالنصِّ في وقت واحد؛ على ما يأتي بيانُه؛ كذلك الواحدُ، إذ ليس أحدُ الفِرَقِ أَولى بالنصِّ من الآخَر، وإذا بَطَلَ ثبوتُ النصِّ لعدم الطريق المُوصِلِ إليه، ثَبَتَ الاختيارُ والاجتهادُ. فإِنْ تعسَّفَ مُتَعَسِّفٌ واذَّعَى التواترَ والعلمَ الضروريَّ بالنَّصِّ فينبغي أن يُقابلوا على الفَوْرِ بِنقيض دعواهم في النصِ على أبي بكر، وبأخبارٍ في ذلك كثيرةٍ تقومُ أيضاً في ٣٩٨ سورة البقرة : الآية ٣٠ جملتها مقامَ النصِّ. ثم لا شكَّ في تصميم مَنْ عدا الإماميَّةَ على نفي النصِّ، وهم الخلقُ الكثيرُ والجمُّ الغفير، والعلمُ الضروريُّ لا يجتمعُ على نفيه مَنْ ينحظُ عن مِعْشار أعداد مخالفي الإماميَّة، ولو جاز ردُّ الضروريِّ في ذلك، لجاز أن يُنكِر طائفةٌ بغدادَ والصِّينَ الأقصى وغيرهما (١). السادسة: في ردِّ الأحاديث التي احتجّ بها الإماميةُ في النصِّ على عليٍّ رضي الله عنه، وأنّ الأمة كفرَتْ بهذا النصِّ وارتدَّت، وخالفت أمرَ الرسول عِناداً : منها قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ كنتُ مَوْلاه فَعَليٍّ مَوْلاه، اللهمَّ والٍ مَنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه))(٢). قالوا: والمَوْلى في اللغة بمعنى أولى، فلمَّا قال: ((فعليٍّ مولاه)) بفاء التعقيب، عُلِمَ أنَّ المرادَ بقوله: ((مَوْلى)) أنَّه أحقُّ وأوْلَى، فوجَبَ أن يكون أراد بذلك الإمامةَ، وأنَّه مفتَرَضُ الطاعة! وقولُه عليه الصلاة والسلام لعليٍّ: ((أنتَ منِّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنَّه لا نبيَّ بعدي))(٣). قالوا: ومنزلةُ هارون معروفةٌ، وهو أنَّه كان مشاركاً له في النبوة، ولم يكن ذلك لعليٍّ، وكان أخاً له، ولم يكن ذلك لعليٍّ، وكان خليفةٌ، فعُلِمَ أنَّ المرادَ به الخلافةُ! إلى غير ذلك ممَّا احتجُوا به، على ما يأتي ذِكْرُه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى(٤). والجواب عن الحديث الأول: أنَّه ليس بمتواترٍ، وقد اختُلِفَ في صحَّته(٥)، وقد (١) الإرشاد للجويني ص ٣٥٣ - ٣٥٤. (٢) أخرجه بتمامه أحمد في مسنده (٩٥٠) من حديث علي، وبرقم (١٨٤٧٩) من حديث البراء بن عازب، وبرقم (١٩٣٠٢) من حديث علي وزيد بن أرقم، وأخرج شطره الأول أحمد كذلك (٢٣١٠٧) من حديث خمسة أو ستة من أصحاب النبي چ*، وبرقم (٢٣٥٦٣) من حديث أبي أيوب الأنصاري، وأورد السيوطي شطره الأول في الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة ص ١٣١، ونقل ابن كثير في البداية والنهاية ١٨٨/٥ عن الذهبي قوله: صدر الحديث متواتر، أتيقَّن أن رسول الله له قاله، وأما: ((اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» فزيادة قوية الإسناد. (٣) أخرجه البخاري (٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص. وأورده السيوطي في الأزهار المتناثرة (١٠١). (٤) في تفسير الآية (١٤٢) من سورة الأعراف. (٥) ينظر منهاج السنة لابن تيمية ٣١٩/٧ وما بعدها. ٣٩٩ سورة البقرة : الآية ٣٠ طعَنَ فيه أبو داود السجستانيُّ وأبو حاتم الرازيُّ(١)، واستدلًا على بطلانه بأنَّ النبيَّ وَّر قال: ((مُزَينةُ وجُهَينَةُ وغِفارُ وأَسْلَمُ مواليَّ دون الناس كلِّهم، ليس لهم مَوْلى دون الله ورسوله))(٢). قالوا: فلو كان قد قال: ((مَنْ كنتُ مولاه، فعليٍّ مولاه)) لكان أحدُ الخبرَیْنِ گذِباً. جواب ثان: وهو أنَّ الخبرَ؛ وإنْ كان صحيحاً؛ رواه ثقة عن ثقةٍ، فليس فيه ما يدلُّ على إمامتِهِ، وإنَّما يَدُلُّ على فضيلته، وذلك أنَّ المَوْلَى بمعنى الوليِّ، فيكون معنى الخبر: من كنتُ وَلِيَّه فعليٍّ وَلِيُّه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ﴾ [التحريم: ٤]، أي: وَلِيُّه، فكان المقصودُ من الخبر أنْ يعلمَ الناسُ أنَّ ظاهرَ عليّ كباطنِهِ، وذلك فضيلةٌ عظيمةٌ لعليٍّ. جواب ثالث: وهو أنَّ هذا الخبرَ وَرَدَ على سبب، وذلك أنَّ أسامةَ وعليًّا اختصما، فقال عليٍّ لأسامة: أنتَ مولاي، فقال: لستُ مولاكَ، بل أنا مَوْلى رسولٍ الله ◌َّ، فَذُكِرَ للنبيِّ وَه، فقال: ((مَنْ كنتُ مولاه فعليٍّ مولاه))(٣). جواب رابع: وهو أنَّ عليًّا عليه السلام لمَّا قال للنبيِّ وَّرَ في قصة الإفك في عائشة رضي الله عنها: النساءُ سواها كثيرٌ، شقَّ ذلك عليها، فوجَدَ أهلُ النفاق مجالًا، فطعنوا عليه وأظهروا البراءةَ منه، فقال النبيُّ وَّ هذا المقالَ ردًّا لقولهم، وتكذيباً لهم فيما أقدَموا (٤) عليه من البراءة منه والطعنٍ فيه(٥)، ولهذا ما رُوي عن جماعةٍ من الصحابة أنَّهم قالوا: ما كثَّا نعرفُ المنافقين على عهد رسول الله وَلّ إلَّا ببغضهم لعليٍّ عليه السلام(٦). (١) ينظر الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي ١٠٧/١. (٢) أخرجه البخاري (٣٥١٢)، ومسلم (٢٥٢٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) سلف تخريج الحديث، ولم نقف على هذه القصة. (٤) في (م): قدموا. (٥) قصة الإفك أخرجها البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة رضي الله عنها. ولم نقف على من ذكر أن النبي ﴿ قال هذا الحديث ردًّا على أهل النفاق في تلك الحادثة. (٦) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١٠٨٦) من حديث جابر بن عبد الله، وأخرجه الترمذي (٣٧١٧) من طريق أبي هارون عمارة بن جُوين العَبْدي، عن أبي سعيد الخدري، وقال: هذا حديث= ٤٠٠ سورة البقرة : الآية ٣٠ وأما الحديث الثاني، فلا خلافَ أنَّ النبيَّ وَّ﴿ لم يُرِدْ بمنزلة هارون من موسى الخلافةَ بعدَه، ولا خلافَ أنَّ هارونَ مات قبل موسى عليهما السلام - على ما يأتي من بيانٍ وفاتيهما في سورة المائدة(١) - وما كان خليفةً بعدَه، وإنَّما كان خليفة(٢) يوشع بن نون، فلو أراد بقوله: ((أنتَ منِّي بمنزلة هارون من موسى)) الخلافةَ، لقال: أنت منِّي بمنزلة يُوشع من موسى، فلمَّا لم يقل هذا، دلَّ على أنَّه لم يُرِدْ هذا، وإنَّما أراد: إنّي استخلفتُك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي، كما كان هارون خليفةً موسى على قومه لمَّا خرج إلى مناجاة رَبِّه. وقد قيل: إنَّ هذا الحديثَ خرج على سببٍ(٣)، وهو أنَّ النبيَّ نَّهِ لمَّا خرَجَ إلى غَزْوة تبوك، استخلَفَ عليًّا عليه السلام في المدينة على أهله وقومِه، فأرجَفَ (٤) أهلُ النفاق، وقالوا: إنَّما خلَّفَه بُغْضاً وقِلَى له، فخرج عليٍّ، فلحِقَ بالنبيِّ وَّهِ، وقال له: إنَّ المنافقين قالوا كذا وكذا، فقال: ((كَذَبوا، بل خلَّفتُكَ كما خلَّفَ موسى هارونَ)). وقال: ((أما تَرْضَى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى؟))(٥). وإذا ثبتَ أنَّه أراد الاستخلافَ على زعمهم، فقد شارك عليًّا في هذه الفضيلة غيرُه؛ لأنَّ النبيَّ وَّهِ استخلَفَ(٦) في كلِّ غَزاةٍ غزاها رجلاً من أصحابه، منهم: ابنُ أُمِّ مكتوم (٧)، ومحمد بنُ مَسْلَمة(٨)، وغيرُهما من أصحابه، على أنَّ مدارَ هذا الخبرِ = غريب، إنما نعرفه من حديث أبي هارون، وقد تكلم شعبة في أبي هارون، وقال فيه الحافظ في التقريب: متروك، ومنهم مَنْ كذَّبه. (١) في الآية (٢٦). (٢) في (م): الخليفة. (٣) الإرشاد للجويني ص ٣٥٢ - ٣٥٦. (٤) في (م): أرجف به. (٥) أخرجه بنحوه النسائي في الكبرى (٨٠٨٢) من حديث سعد بن أبي وقاص، وابن سعد ٢٤/٣ من حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم. وانظر ما سلف ص ٣٩٨، تعليق رقم (٣). (٦) في (د): خلف. (٧) أخرجه أحمد (١٢٣٤٤)، وأبو داود (٢٩٣١)، وابن حبان (٢١٣٤) من حديث أنس بن مالك. (٨) ذكر ابن سعد ٢/ ١٦٥ أنَّ النبي ◌َّ* استخلف محمد بن مسلمة على المدينة حين خرج إلى تبوك، ثم قال: وهو أثبت عندنا ممن قال: استخلف غيره. وقيل: إنه استخلفه في غزوة قرقرة الكُذر، فيما ذكر=