Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة البقرة : الآية ١٧
وقيل في قول الله تعالى: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بٌِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾
[الزمر: ٣٣]: إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله: ﴿مَثَلُّهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى﴾ قيل: المعنى كمثل
الذين استوقدوا، ولذلك قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فحمَل أوَّلَ الكلام على الواحد،
وآخرَه على الجمع. فأما قولُه تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَذِى خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩]، فإنَّ
((الذي)) هاهنا وصفٌ لمصدر محذوف، تقديره: وخُضتُم كالخوض(١) الذي خاضوا.
وقيل: إنما وَخَّدَ ((الذي)) و((استوقد))؛ لأنَّ المستوقِدَ كان واحداً من جماعة تولَّى
الإيقادَ لهم، فلما ذهبَ الضوءُ، رَجَعَ عليهم جميعاً، فقال: ((بنورهم)).
واستوقد بمعنى: أَوْقَدَ، مثل: استجابَ، بمعنى: أجاب، فالسين والتاء زائدتان.
قاله الأخفش (٢)، ومنه قولُ الشاعر(٣):
وداعٍ دَعًا يا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدَى
فلم يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مُجِيبُ
أي: يُحِبُهُ.
واختلف النُّحاة في جواب ((لمَّا))، وفي عَوْدِ الضمير من ((نورهم))، فقيل: جوابُ
((لمَّا)) محذوفٌ، وهو: طَفِئَتْ، والضميرُ في ((نورهم)) على هذا للمنافقين، والإخبارُ
بهذا عن حالٍ تكونُ(٤) في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُ بِسُورٍ لَُّ بَبٌ﴾ (٥)
[الحديد: ١٣].
وقيل: جوابُه ((ذهب))، والضمير في ((نورهم)) عائدٌ على ((الذي)). وعلى هذا القول
يتمّ تمثيلُ المنافق بالمُستوقِد؛ لأنَّ بقاءَ المُستوقِدِ في ظُلماتٍ لايُبْصِرُ كبقاء المنافقِ في
حَيْرَتِه وتَرَدُّدِهِ.
والمعنى المرادُ بالآية: ضَرْبُ مَثَلٍ للمنافقين، وذلك أنَّ ما (٦) يُظْهِرُونه من
(١) في (د): کخوض.
(٢) معاني القرآن ٢٠٨/١.
(٣) هو كعب بن سعد الغَنّوي، والبيت في مجاز القرآن ٦٧/١، ومعاني القرآن للأخفش ٢٠٨/١،
والأصمعیات ص٩٦.
(٤) في (د): والإخبار في هذا عن حال يكون.
(٥) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ١٠٠: وهذا القول غير قوي.
(٦) في (د): بما.

٣٢٢
سورة البقرة : الآية ١٧
الإيمان الذي تَثبُتُّ لهم به أحكامُ المسلمين من المناكح والتوارُثِ والغنائمِ والأَمْنِ
على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابةٍ مَنْ أَوْقَدَ ناراً في ليلةٍ مظلمةٍ، فاستضاءَ بها،
ورأى ما ينبغي أن يتقِيَه، وأَمِنَ منه، فإذا طَفِئَتْ عنه أو ذَهَبَتْ، وصلَ إليه الأَذى،
وبَقِيَ متحيِّراً، فكذلك المنافقون؛ لمَّا آمنوا اغترُّوا بكلمة الإسلام، ثم يصيرون بعد
الموتِ إلى العذابِ الأليم - كما أخبر التنزيل: ﴿إِنَّ الْتُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ
النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] - ويذهبُ نورُهم، ولهذا يقولون: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْتِيِسْ مِن ثُّو
[الحديد: ١٣].
وقيل: إنَّ إقبالَ المنافقين إلى المسلمين وكلامَهم معهم كالنار، وانصرافَهم
عن(١) مَودَّتهم وارتِكاسَهم عندهم كذهابها. وقيل غيرُ هذا(٢) .
وقوله تعالى: ﴿نَارًا﴾: النارُ مؤنثةٌ، وهي من النُّور، وهو الضياء(٣) والإشراق.
وهي من الواو؛ لأنك تقولُ في التصغير: نُوَيْرة، وفي الجمع: نُورٌ وأنْوُرٌ(٤) ونِيران،
انقلبتِ الواوُ ياءً لكسرة ما قَبْلَها(٥) .
وضاءَتْ وأَضاءَتْ لغتان، يقال: ضاء القمرُ يَضُوء ضَوْءاً، وأضاء يُضيء، ويكون
لازماً ومتعدِّياً. وقرأ محمدُ بنُ السَّمَيْفَع: ضاءَتْ، بغير ألف(٦) ، والعامَّةُ بالألف،
قال الشاعر (٧):
أضاءَتْ لهم أحسابُهم ووجوهُهم دُجَى الليلِ حتى نَّمَ الجَزْعَ ثاقِبُهْ
﴿مَا حَوْلَهُ﴾: ((ما)) زائدةٌ مؤكِّدة. وقيل: مفعولة بأضاءت. و((حَوْلَه)) ظرفُ مكان،
(١) في النسخ: إلى.
(٢) المحرر الوجيز ١٠٠/١.
(٣) في (م): أيضاً.
(٤) في (م): أنوار.
(٥) الصحاح: (نور).
(٦) وذكرها أبو حيان في البحر ٧٩/١.
(٧) أبو الطَّمَحان القَيْني، والبيت في الكامل ٦٨/١ و١٠٣٤/٢، وشرح الحماسة للمرزوقي ١٥٩٨/٤،
وأمالي المرتضى ٢٥٧/١، وخزانة الأدب ٩٥/٨ - ٩٦. ونسبه ابن قتيبة في الشعر والشعراء ٢/ ٧١١
للقيط بن زرارة.

٣٢٣
سورة البقرة : الآية ١٨
والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. و﴿ذَهَبَ﴾ وأذهب لغتان من الذهاب، وهو
زوالُ الشيء، ﴿وَرَّكَّهُمْ﴾ أي: أبقاهم.
﴿فِي ظُلُمَتٍ﴾ جمع ظُلْمة، وقرأَ الأعمشُ: ((ظُلْمات)) بإسكان اللام على
الأصل(١). ومَن قرأَها بالضم، فللفرق بين الاسم والنعت. وقرأَ أشْهَبُ العُقَيلي:
(ظُلَمات)) بفتح اللام(٢). قال البصريون: أبدلَ من الضمةِ فتحةً لأنها أخفُّ، وقال
الكسائي: ((ظُلَمات)) جمعُ الجمع، حمع ظُلَم. ﴿لَّا يُصِرُونَ﴾ فعل مستقبل في موضع
الحال(٣)، كأنه قال: غير مبصرين، فلا يجوز الوقفُ على هذا على ((ظلمات)).
قوله تعالى: ﴿مُّمُ بَكْمَّ عُنْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
قوله تعالى ﴿هُمْ بُكْمُّ عُنىٌ﴾: ((صُمُّ))، أي: هم صُمٌّ، فهو خبرُ ابتداء مُضمرٍ. وفي
قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة: صُمَّا بُكماً عُمياً (٤) ، فيجوز النصبُ على الذَّمِّ،
كما قال تعالى: ﴿مَّلْعُونِنْ أَيْنَمَا تُقِفُواْ﴾ [الأحزاب: ٦١]، وكما قال: ﴿وَأَمْرَأَتُهُ
حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، وكما قال الشاعر:
عُدَاةَ اللهِ من كَذِبٍ وَزُورٍ (٥)
سَقَوْنِي الخمرَ ثم تَكْثَّفُوني
فنصبَ ((عُداةَ الله)) على الذَّم.
فالوقْفُ على ((يُبصرون)) على هذا المذهبِ صوابٌ حَسَن.
ويجوزُ أن ينصبَ صُمَّا بـ (تَرَكَهُمْ))، كأنه قال: وتركّهم صُمَّا بُكْماً عُمْياً، فعلى
هذا المذهبِ لا يَحسُنُ الوَقْفُ على ((يبصرون)).
والصَّمَمُ في كلام العرب: الانْسِدادُ، يقال: قناةٌ صمَّاءُ: إذا لم تكن مُجوَّفةً،
(١) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢، وابن جني في المحتسب ٥٦/١، وأبو حيان في البحر
٨٠/١، ونسبوها للحسن وأبي السمال.
(٢) ذكرها ابن جني في المحتسب ٥٦/١ دون نسبة.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٩٣/١.
(٤) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٢ - ٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٩٣/١ - ١٩٤، والمحرر الوجيز
١٠١/١.
(٥) البيت لعروة بن الورد، وهو في ديوانه ص٥٨، وفيه: ((النَّسْء))، بدل: ((الخمر))، وهو شراب بمعنى
الخمر في إزالته للعقل.

٣٢٤
سورة البقرة : الآية ١٨
وصَمَمْتُ القارورةَ: إذا سَدَدْتَها، فالأَصَمُّ: مَنِ انْسَدَّتْ خُروقُ مَسامِعِهِ(١).
والأبْكُمُ: الذي لا يَنْطِقُ ولا يَفهمُ، فإذا فَهِمَ، فهو الأخْرَس. وقيل: الأخْرَسُ
والأبْكَمُ واحدٌ. ويقال: رجلٌ أبكمُ وبَكِيم، أي: أخْرَسُ بَيِّنُ الخَرَس والبَكَم، قال:
بَکیمٌ ونصفٌ عند مَجْرَی الکواکِب(٢)
فَلَيْتَ لِساني كان نِصْفَینٍ منهما
والعَمَى: ذهابُ البصر، وقد عَمِيَ، فهو أَعْمَى، وقومٌ عُمْيٌّ، وأعْمَاه اللهُ. وتَعامَى
الرجلُ: أرى ذلك من نفسه. وعَمِيَ عليه الأمرُ إذا التبسَ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ
عَلَيْهِمُ الْأَثْبَاءُ يَوْمَيِذٍ﴾(٣) [القصص: ٦٦].
وليس الغرضُ مما ذكّرنا(٤) نفيَ الإدراكاتِ عن حواسِّهم جملةً، وإنما الغرضُ
نفيُها من جهةٍ ما، كما(٥) تقول: فلانٌ أصمُّ عن الخَنا. ولقد أحسنَ الشاعرُ حيث قال:
أَصَمُّ عمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ(٦)
وقال آخر:
ولو أني أشاءُ بها سمِيع٧ُ
وعوراء الكلامِ صَمَمْتُ عنها
وقال الدارمي:
حتى يُواري جارتي الجَدْرُ(٨)
أغمى إذا ما جارتي خَرجَتْ
وقال بعضُهم في وَصَاتِهِ (٩) لرجلٍ يُكْثِرُ الدخولَ على الملوك:
(١) النكت والعيون ٨١/١.
(٢) الصحاح (بكم).
(٣) الصحاح (عمي).
(٤) في (م): ذكرناه.
(٥) ليست في (م).
(٦) جمهرة الأمثال ١/ ١٤٠، ومجمع الأمثال ٤٠٢/١.
(٧) لم نقف له على مصدر.
(٨) الشعر والشعراء ٥٤٥/١، وأمالي المرتضى ٤٤/١، ومعجم الأدباء ١٣٢/١١، وفيها: حتى يواري
جارتي الخدر، وفي معجم الأدباء: أغضي بدل أعمى. والدارمي: هو ربيعة بن عامر، ويلقب
بالمسكين، ودارم بطن من تميم، كان شاعراً مجيداً سيداً شريفاً، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ثم
تكافًّا، توفي سنة (٨٩هـ). معجم الأدباء ١٢٦/١١.
(٩) في (د) و(ظ): وصاية.

٣٢٥
سورة البقرة : الآية ١٩
ادْخُلْ إذا ما دَخلْتَ أَعْمَى واخرُجْ إذا ما خَرَجْتَ أَخرَسْ(١)
وقال قتادةُ: (صمّ)) عن استماع الحقِّ، ((بكمِّ)) عن التكلَّم به، ((عُمْيٌّ)) عن الإبصارِ
له (٢) .
قلت: وهذا المعنى هو المرادُ في وصف النبيِّ وَ ﴿ وُلاةَ آخرِ الزمان في حديث
جبريلَ: ((وإذا رأيتَ الحُفاةَ العُراةَ الصُّمَّ البُكمَ ملوكَ الأرض، فذاك من أَشْراطها))(٣).
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أي: إلى الحقِّ، لسابق علم الله تعالى فيهم.
يقال: رَجَعَ بنفسه رُجوعاً، ورَجَعَه غيرُه، وهُذَيْل تقول: أَرْجَعَه غيَّرُه. وقولُه تعالى:
﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١]، أي: يتلاومون فيما بينهم(٤) ، حسب
ما بيَّه التنزيلُ في سورة ((سبأ)».
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِيَّ ءَاذَانِم مِّنَ
الضَّوَعِقِ حَذَّرَ الْمَوْتِ وَاللّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِينَ
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ قال الطبري(٥): ((أو)) بمعنى الواو، وقاله
الفرَّاء، وأنشد:
لنفسي تُقَاها أو عليها فُجورُها(٦)
وقد زَعَمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ
وقال آخرُ(٧):
نالَ الخلافة أو كانت له قَدَراً
كما أتى ربَّه موسی علی قّدَرٍ
أي: وكانت.
(١) لم نهتد إلى قائله.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٤٨/١.
(٣) قطعة من حديث أخرجه مسلم (١٠) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٤) الصحاح (رجع).
(٥) في تفسيره ٣٥٤/١_٣٥٥.
(٦) البيت لتوبة بن الحُمَيِّر الخفاجي، وهو في أمالي أبي علي القالي ١٣١/١، وأمالي المرتضى ٥٧/٢،
وأمالي ابن الشجري ٧٤/٣.
(٧) هو جرير، والبيت في ديوانه ٤١٦/١، والخزانة ٦٩/١١.

٣٢٦
سورة البقرة : الآية ١٩
وقيل: ((أو)) للتخيير، أي: مثِّلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار على أحدٍ
الأمرين، والمعنى: أو كأصحابٍ صَيِّب. والصَّيِّبُ: المطر، واشتقاقُه من: صابَ
يَصُوبُ: إذا نزلَ، قال عَلْقَمةٌ(١):
سَقَتْكِ روايا المُزْنِ حيثُ تَصُوبُ(٢)
فلا تَعْدِلي بيني وبين مُغَمَّدٍ
وأصله: صَيْوِب، اجتمعت الياء والواو، وسُبقَتْ إحداهما بالسكون، فَقُلبتٍ
الواو ياءً، وأُدغمتْ، كما فعلوا في ميِّت وسيِّد، وهيِّن وليِّن. وقال بعضُ الكوفيين:
أصلُه: صَوِيب، على مثال فَعِيل(٣).
قال النحاس(٤): لو كان كما قالوا لما جاز إدغامُه، كما لا يجوز إدغامُ ((طويل)).
وجمعُ صيِّب: صَیَایِب.
والتقديرُ في العربية: مَثَلُهم كَمَثل الذي اسْتَوْقَدَ ناراً، أوْ كصيِّب(٥).
قوله تعالى: ﴿مِّنَ السَّمَآءِ﴾: السماءُ تُذكَّر وتُؤْنَّث، وتُجمعُ على أسْمِيَةٍ وسماوات
وسُمِيّ على فُعُول، قال العجاج:
ثَلُفُّهُ الرِّياحُ والسُّمِيُّ(٦)
والسماءُ: كلُّ ما عَلَاَكَ فأظَلَّكَ، ومنه قيل لسقف البيت: سماء.
والسماء: المطر، سُمِّيَ به لنزولِهِ من السماء. قال حسانُ بنُ ثابت:
دِيارٌ من بني الحَسْحاسِ قَفْرٌ تُعَفِّيها الرَّوامِسُ والسماءُ(٧)
(١) ابن عَبَدة الملقب بالفحل، ذكره ابن سلام ١٣٩/١ في الطبقة الرابعة من طبقات فحول الجاهلية.
(٢) ديوانه ص٣٤، قوله: مغمَّر، قال في اللسان (غمر): صبي مغَمَّر: لم يجرب الأمور والمغمَّر من
الرجال إذا استجهله الناس.
(٣) المحرر الوجيز ١٠١/١.
(٤) إعراب القرآن ١٩٤/١.
(٥) في (م): أو كمثل صيب.
(٦) كذا نسبه الجوهري في الصحاح (سما)، وتعقّبه ابن منظور في اللسان، ونسبه لرؤية وروايته:
في دِفْءِ أرطاةٍ لها حَنِيُّ
تَلُفُّه الأرواحُ والسُّمِيُّ
(٧) ديوانه ص ٧. والروامس: الرياح التي تثير التراب وتدفن الآثار. الصحاح (رمس).

٣٢٧
سورة البقرة : الآية ١٩
وقال آخرُ(١):
إذا سَقَطَ السماءُ بأرضٍ قومِ رَعَيْناهُ وإِنْ كانوا غِضاباً
ويُسمَّى الطينُ والكلأُ أيضاً سماءً، يقال: مازِلْنا نطأُ السماءَ حتى أتيناكم.
يريدون: الكلأَ والطين.
ويقال لظهر الفرس أيضاً سماء، لعلوِّه، قال:
وأحمرَ كالدِّيباح أمَّا سماؤُه فَرَيَّا وأمَّا أرضُهُ فمُحُولُ(٢)
والسماءُ: ماعلا، والأرض: ما سَفَلَ، على ما تقدَّم (٣).
قوله تعالى: ﴿فِهِ ظُلُتٌ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ ﴿وَرَهْدٌ وَر۴﴾ معطوفٌ علیه. وقال:
((ظُلُماتٌ)) بالجمع إشارة إلى ظُلْمة الليل وظُلْمةِ الدَّجْن، وهو الغيم، ومن حيث
تتراكبُ (٤) ، وتتزايدُ جُمعت(٥). وقد مضَى ما فيه من اللغات(٦)، فلا معنى للإعادة،
وكذا كلُّ ما تقدَّم، إن شاء الله تعالى.
واختلفَ العلماءُ في الرَّعْد، ففي الترمذي: عن ابن عباس قال: سألَتِ اليهودُ
النبيَّ وَّ عن الرَّعْدِ ما هو؟ قال: ((مَلَكٌ من الملائكةِ بيده(٧) مخاريقُ من نارٍ، يسوقُ
بها السَّحَابَ حيثُ شاءَ اللهُ). فقالوا: فما هذا الصوتُ الذي نَسمْعُ؟ قال: ((زَجْرُهُ
بالسَّحَابِ إذا زَجَرهُ حتى ينتهيّ إلى حيثُ أُمِرَ (٨))). قالوا: صَدَقْتَ. الحديث بطوله(٩).
(١) هو معاوية بن مالك، والبيت في الصحاح واللسان (سما)، وخزانة الأدب ١٥٦/٤.
(٢) هو في أدب الكاتب ص١١٨، والصحاح (سما)، وجمهرة الأمثال ٢١٤/١، ونسبه ابن منظور في
(اللسان)» لطفيل الغنوي.
(٣) ص ٣٠٧.
(٤) في (د) تتراكم.
(٥) المحرر الوجيز ١٠١/١.
(٦) ص ٣٢٣.
(٧) في (م): معه.
(٨) في (د) و(م): أمره الله.
(٩) سنن الترمذي (٣١١٧)، وفي إسناده بُكير بن شهاب الكوفي، وهو مقبول (كما قال الحافظ في
التقريب) يعني حيث يُتابع، وقد تفرَّدَ في هذا الحديث بذكر الرَّعد بأنه ملك، وكأنه أخذه من أخبار بني
إسرائيل.

٣٢٨
سورة البقرة : الآية ١٩
وعلى هذا التفسيرِ أكثرُ العلماء. فالرعدُ: اسمُ الصوتِ المسموعِ، وقاله عليٍّ
رضي اللهُ عنه (١) ، وهو المعلومُ في لغة العرب، وقد قال لَبِيدٌ في جاهليته :
فَجَّعَنِي الرعدُ والصواعقُ بالـ ـفارسِ يومَ الكريهة النَّجُدِ (٢)
ورُوي عن ابن عباس أنه قال: الرعدُ ريحٌ تختنقُ بين السحابِ، فَتُصوِّتُ ذلك
الصوتَ(٣).
واختلفوا في البرق، فَرُويَ عن عليٍّ وابن مسعود وابن عباس رضوان الله عليهم:
البرقُ مِخْراقُ حديدٍ بيد المَلَك يَسوقُ به السحابَ (٤).
قلت: وهو الظاهرُ من حديث الترمذي.
وعن ابن عباس أيضاً: هو سوطٌ من نُورٍ بيدِ الملك يزجُرُ به السحابَ(٥). وعنه
أيضاً : البرقُ مَلَكٌ يتراءى(٦) .
وقالت الفلاسفةُ: الرعدُ: صوتُ اصطكاكٍ أجرام السَّحابِ، والبرقُ: ما يَنقدِحُ
من اصطكاكِها، وهذا مردودٌ لا يصِحُّ به نقلٌ(٧) ، والله أعلم.
ويقال: أصلُ الرَّعدِ من الحركة. ومنه الرِّعْدِيدُ للجبان. وارْتَعَدَ: اضطربَ، ومنه
الحديث: ((فجِيءَ بهما تُرْعَدُ فَرَائِصُهما)». الحديث. أخرجه أبو داود(٨) .
والبرقُ: أصلُه من البرِيق والضوء، ومنه البُرَاقُ: دابَّةٌ رَكِبَها رسولُ اللهِ وَِّ ليلةَ
(١) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٢/١.
(٢) دیوانه ص١٥٨.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٣٦١.
(٤) أخرج خبر علي وابن عباس رضي الله عنهم الطبري في تفسيره ١/ ٣٦٣.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٦٢/١-٣٦٣، وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٢/١، وعندهما:
◌ُرجي، بدل: یزجر.
(٦) المحرر الوجيز ١٠٢/١.
(٧) وكذلك ما ذكره المصنّف من آثار عن الرعد والبرق (وأوردها أكثر المفسرين) لم تصحّ، وإن الرعد
والبرق من آيات الله التي ندبَ الشارع إلى النظر فيها، وقد ثبتَ علمياً أن الرعد هو الصوت الناتج عن
تفريغ الشحنات الكهربائية المختلفة التي يحملها السحاب لدى تصادمها، وأن البرق هو الضوء الناتج
عن هذا التفريغ.
(٨) برقم (٥٧٥) من حديث يزيد بن الأسود رضي الله عنه، وهو في مسند أحمد (١٧٤٧٥).

٣٢٩
سورة البقرة : الآية ١٩
أُسْرِيّ به، ورَكِبَها الأنبياءُ عليهم السلام قبلَه.
ورَعَدتِ السماءُ من الرعد، وبَرَقتْ من البرق. ورَعَدتِ المرأةُ وبَرَقتْ: تَحسَّنَتْ
وتزيّنتْ. ورَعَدَ الرجلُ وبَرَقَ: تَهَذَّدَ وأوْعَدَ. قال ابنُ أحمر(١):
ياجَلَّ ما بَعُدَتْ عليكَ بِلادُنا وطِلابُنا فانْرُقْ بأرِضك وارعُدٍ (٢)
وأَرْعَدَ القومُ وأبْرَقُوا: أَصابَهم رعدٌ وبرقٌ. وحكى أبو عُبيدةَ وأبو عمرو: أَرعدتٍ
السماءُ وأَبرقَتْ، وأَرْعدَ الرجلُ وأَبْرقَ: إذا تهدَّدَ وأَوْعدَ، وأنكره الأصمعيُّ. واحتجَّ
عليه بقول الكُمَيْت(٣):
ـدُ فما وعيدُكَ لي بِضائرْ
أَبرِقْ وأَرعِد يايزيـ
فقال: ليس الكُمَيت بحجة(٤) .
فائدة: روى ابنُ عباس(٥) قال: كُنَّا مع عمرَ بنِ الخطاب في سَفْرةٍ بين المدينةِ
والشام، ومعنا كَعْبُ الأحبار، قال: فأصابتنا ريحٌ، وأصابَنا رعدٌ ومطرٌ شديدٌ وبردٌ،
وفَرِقَ الناس. قال: فقال لي كعب: إنه مَنْ قالَ حين يسمعُ الرَّعد: سبحان مَن يُسبِّحُ
الرعدُ بحمده والملائكةُ من خيفته، عُوفي مما يكون في ذلك السحابِ والبردِ
والصواعقٍ. قال: فقلتها أنا وكعب، فلما أصبحنا واجتمع الناس قلت لعمرَ: يا أمير
المؤمنين، كأنا كنا في غير ما كان فيه الناسُ، قال: وما ذاك؟ قال: فحدَّثْتُه حديثَ
كعب. قال: سبحان الله! أفلا قلتم لنا فنقولَ كما قلتم؟! في رواية: فإذا بَرَدَةٌ قد
أصابَتْ أنفَ عمرَ، فأثَّرَتْ به (٦). وستأتي هذه الروايةُ في سورة الرعد(٧) إن شاء الله.
(١) عمرو بن أحمر بن العمرَّد، أبو الخطاب، الباهلي، أدرك الجاهلية والإسلام، الإصابة ٢٧٥/٧.
(٢) البيت في إصلاح المنطق ص٢١٦، وأدب الكاتب ص٣٧٤، وشرح القصائد السبع لأبي بكر الأنباري
ص٥٢٣، والشطر الثاني عندهم: فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد.
قوله: ياجَلَّ، يعني ما أجلَّ، قاله في اللسان (جلل).
(٣) ابن زيد، الأسدي، الكوفي، توفي سنة (٢١٦هـ). السير ٣٨٨/٥، والبيت في ديوانه ١/ ١٩٠.
(٤) الصحاح (رعد) و(برق).
(٥) في (د): روي عن ابن عباس.
(٦) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٧٨٨).
(٧) عند تفسير الآية (١٣) منها.

٣٣٠
سورة البقرة : الآية ١٩
ذكر الروايتَيْن أبو بكر أحمد بنُ عليّ بن ثابت الخطيب في ((روايات(١) الصحابة عن
التابعين))(٢) رحمة الله عليهم أجمعين.
وعن ابن عمر أن النبيَّ نَِّ كان إذا سمعَ الرعدَ والصواعقَ قال: («اللهُم لا تقتلْنا
بغضبك، ولا تُهلكْنا بعذابك، وعافنا قبلَ ذلك))(٣).
قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِى ءَاذَانِم﴾ جعلُهم أصابعَهم في آذانهم لئلا يسمعوا
القرآنَ فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلام، وذلك عندهم كفر والكفرُ موتٌ.
وفي واحد الأصابع خمسُ لغات: إصْبَع: بكسر الهمزة وفتح الباء، وأَضْبَع:
بفتح الهمزة وكسر الباء، ويقال بفتحهما جميعاً، وضمِّهما جميعاً، وبكسرِهما
جميعاً، وهي مؤنثة(٤). وكذلك الأذنُ، وتُخفّف وتُثقَّل وتُصغّر، فيقال: أُذَيْنَة. ولو
سمَّيتَ بها رجلاً ثم صغَّرتَه قلت: أذيْن، فلم تؤنث؛ لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى
المذكر. فأما قولهم: ((أُذَيْنة)) في الاسم العَلم، فإنما سُمِّي به مصغَّراً، والجمع آذان.
وتقول: أَذَنْتُه: إذا ضربتَ أُذُنَه. ورجل أُذُنْ: إذا كان يسمعُ مقال(٥) كلِّ أحد، يستوي
فيه الواحد والجمع. وأُذانِيٍّ: عظيمُ الأُذُنَيْن. ونَعْجَةٌ أَذْناء، وكَبْشٌ آذَن. وأَّنْتُ النَّعلَ
وغيرها تأذيناً: إذا جعلْتَ لها أُذُناً. وأذنْتُ الصَّبيَّ: عَرَكْتُ أُذُنَه (٦).
قوله تعالى: ﴿مِّنَ الصَّوَّعِقِ﴾ أي: من أجلِ الصَّواعق. والصَّواعق: جمعُ صاعِقة.
قال ابنُ عباس ومجاهد وغيرُهما: إذا اشتدَّ غضبُ الرَّعد - الذي هو المَلَك - طار النارُ
من فيه، وهي الصَّواعق. وكذا قال الخليل؛ قال: هي الواقِعةُ الشَّديدةُ من صوتٍ
الرَّعدِ، يكون معها أحياناً قطعةُ نارٍ تُحرقُ ما أتَتْ عليه.
(١) في (د): رواية.
(٢) ذكره الذهبي في السير ٢٩٢/١٨، وسماه: رواية الصحابة عن تابعي.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٥٧٦٣)، والترمذي (٣٤٥٠)، والنسائي في الكبرى (١٠٦٩٨). قال
الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٩٤/١.
(٥) في (م): كلام.
(٦) الصحاح (أذن).

٣٣١
سورة البقرة : الآية ١٩
وقال أبو زيد: الصَّاعقةُ: نارٌ تسقطٌ من السَّماء في رعدٍ شديد. وحكى الخليل عن
قوم: السَّاعقة، بالسين. وقال أبو بكر النقَّاش: يُقال: صاعِقة، وصّعِقَة، وصاقِعَة،
بمعنّى واحد. وقرأ الحسن: من الصَّواقع، بتقديم القاف (١). ومنه قولُ أبي النَّجْم:
يَحْكُون بالمَصْفُولَةِ القواطِعِ تَشَفُّقَ البَرْقِ عن الصّواقِعِ(٢)
قال النَّحاس(٣): وهي لغة تميم وبعضٍ بني ربيعة.
ويقال: صَعَقَّتْهُم السماء: إذا ألْقَتْ عليهم الصَّاعِقةَ. والصَّاعقةُ أيضاً: صيحةٌ
العذاب، قال الله عز وجل: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾ [فصلت: ١٧]. ويقال:
صَعِقَ الرجلُ صَعْقةً وتَصْعاقاً، أي: غُشِيَ عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى
صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فأصْعَقَهُ غيره. قال ابنُ مُقْبِل:
تَرى النُّعَراتِ الزُّرْقَ تحتَ لَبانِه أُحادَ ومَثْنَى أَضْعَقَتْها صَواهِلُه(٤)
وقوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] أي: مات(٥).
وشبَّه الله تعالى في هذه الآية أحوالَ المنافقين بما في الصَّيِّب من الظُّلمات
والرَّعدِ والبرقِ والصواعق. فالظُّلُماتُ مَثَلٌ لما يعتقدونَه من الكُفر، والرعدُ والبرقُ مَثَلٌ
لما يُخَوَّفون به.
وقيل: مَثَّلَ الله تعالى القرآنَ بالصَّيِّب لمَا فيه من الإشكال عليهم، والعَمَى هو
(١) المحرر الوجيز ١٠٢/١ بتقديم وتأخير، وأثر ابن عباس ومجاهد وغيرهما أخرجه الطبري ٣٥٧/١-٣٦٠،
وقول الخليل هو في العين ١٢٩/١، وقول أبي زيد في الصحاح (صعق)، وقراءة الحسن ذكرها ابن خالويه
في القراءات الشاذة ص ٣، والنحاس في إعراب القرآن ١٩٤/١.
(٢) الزاهر ٣١٩/٢، واللسان (صقع)، وأبو النجم: هو الفضل بن قدامة العِجْلي، من الفحول وأحد رجّاز
الإسلام المتقدمين من الطبقة الأولى، وعاصر هشام بن عبد الملك. الخزانة ١/ ١٠٣.
(٣) إعراب القرآن ١/ ١٩٤.
(٤) ديوانه ص ٢٥٢، وفيه: الخضر، بدل: الزُّرْق، وفرادى، بدل: أُحاد. قوله: النُّعَرَات: جمع النُّعَرَة؛
قال في الصحاح (نعر): هو ذباب ضخم أزرق العين أخضر، وله إبرة في طرف ذنبه يلسع بها ذوات
الحافر خاصة، وذكر البيت. واللَّبان: الموضع الذي يُشدُّ في صدر الدابة، وصواهل: جمع صاهلة،
مصدر على فاعلة، كالصهيل. معجم متن اللغة (صهل).
(٥) الصحاح (صعق).

٣٣٢
سورة البقرة : الآية ١٩
الظّلُماتُ، وما فيه من الوعيد والزَّجْرِ هو الرعدُ، وما فيه من النُّور والحُجَج الباهرةِ
التي تكادُ أحياناً أن تَبْهِرَهم هو البرقُ. والصَّواعقُ مَثَلٌ لما في القرآن من الدُّعاء إلى
القتال في العاجل، والوعيد في الآجل.
وقيل: الصواعقُ تكاليفُ الشَّرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما (١).
قوله: ﴿حَذَّرَ الْمَوْثِ﴾ حَذَرَ وحِذَارَ بمعنَى؛ وقُرئ بهما (٢). قال سيبويه(٣): هو
منصوب؛ لأنَّه موقوعٌ له، أي مفعولٌ من أجله، وحقيقتُه أنَّه مصدر؛ وأنشد سيبويه:
وأُغرِض عن شَتمِ اللئيم تكَرُّما(٤)
وأغْفِرُ عَوْراءَ الكريم ادِّخارَه.
وقال الفرَّاء(٥): هو منصوبٌ على التَّمييز.
والموتُ: ضدُّ الحياة. وقد مات يموت، ويَماتُ أيضاً، قال الراجز:
بُنَيَّتي (٦) سَيِّدَةَ البَنَاتِ عِبِشي ولا يُؤْمَنُ أن تّماتِي(٧)
فهو ميِّت ومَيْت، وقومٌ مَوْتَى وأموات، وميِّتون ومَيْتون. والمُوات، بالضم:
المَوت. والمَوات؛ بالفتح: ما لا رُوح فيه. والمَوات أيضاً: الأرضُ التي لا مالك لها
من الآدميِين، ولا ينتفعُ بها أحد. والمَوَتان؛ بالتحريك: خلافُ الحَيوان، يقال: اشْترِ
المَوَتَانَ، ولا تشترِ الحيوان، أي: اشْتَرِ الأرَضين والدُّور، ولا تَشْتَرِ الرَّقيقَ والدَّوابَّ.
والمُؤْتان؛ بالضم: مَوْتٌ يقعُ في الماشية، يقال: وَقَع في المال مُوتان. وأَماتَه اللهُ
ومَوَّته، شُدِّد للمبالغة. وقال :
(١) المحرر الوجيز ١٠٢/١، والنكت والعيون ٨٢/١.
(٢) قرأ الجمهور: حَذَرَ، وقرأ: حِذَارَ - بكسر الحاء - الضحاكُ بن مزاحم، فيما ذكر ابن عطية في المحرر
الوجيز ١٠٢/١، وابن أبي ليلى كما في تفسير الزمخشري ٢١٨/١، واللؤلؤي عن أبيه كما في
القراءات الشاذة ص ٣.
(٣) الكتاب ٣٦٧/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١٩٤/١ - ١٩٥.
(٤) البيت لحاتم الطائي، وهو في ديوانه ص ٨١، وفيه: وأصفح، بدل: وأُعرض.
(٥) معاني القرآن ١/ ١٧.
(٦) في (د): بنيّ.
(٧) الرجز دون نسبة في جمهرة اللغة ٣/ ٤٨٥ برواية:
بنيَّ يا سيدة البنات
وفي صحاح الجوهري واللسان (موت).
عيشي ولا يومى بأن تَماتي

٣٣٣
سورة البقرة : الآية ١٩
فَعُرْوةُ مات مَوتاً مُستَريحاً فها أنا ذا أُمَوَّتُ كلَّ يومٍ(١)
وأماتتِ الناقةُ: إذا ماتَ ولدُها، فهي مُمِيت ومُمِيتَة. قال أبو عُبيد: وكذلك
المرأة، وجمعُها مَماوِيت. قال ابنُ السِّكيت: أماتَ فلانٌ: إذا ماتَ له ابنٌ أو بَنُونَ.
والمُتَماوِتُ من صفةِ النَّاسكِ المُرائي. ومَوْتٌ مائتٌ، كقولك: ليلٌ لائِلٌ، يُوخَذ من
لفظه ما يُؤْكَّد به. والمُسْتَمِيتُ للأمر: المُسْتَرسِلُ له، قال رُؤية:
وزَبَدُ البحرِ له كَتِيتُ واللَّيلُ فوقَ الماءِ مُسْتَمِيتُ(٢)
الكَتِيتُ: صوت البَكْر، وهو فوق الكَشِيش. يقال: كَتَّ البعيرُ یَكِتُّ، بالكسر: إذا
صاح صياحاً ليِّناً. وكثَّ الرجلُ من الغضب، وكَثَّتِ القِدرُ: غَلَت، وكذلك الجرّة
جديدة(٣) إذا صُبَّ فيها الماء، ومثله زَبدُ البحر، ويقال: أتانا بجيش ما يُكَثُّ، أي:
ما يُحصى عددُه. والكتكتةُ في الضحك: دون القهقهة. قال الجوهري(٤): والمستميتُ
أيضاً: المُسْتَقْتِلُ الذي لا يُبالِي في الحرب من المَوْت، وفي الحديث: ((أرى القومَ
مُسْتَميتِين)) (٥)، وهم الذين يقاتلون على الموت.
والمُؤْتَةُ؛ بالضمِّ: جنسٌ من الجُنون والصَّرَعِ يعتري الإنسان، فإذا أفاقَ عاد إليه
كمالُ عقلِه، كالنَّائم والسَّكران.
ومُؤْتة(٦) بضمِّ الميم وهَمْزِ الواو: اسمُ أرضٍ قُتلَ بها جعفرُ بنُ أبي طالب عليه
السلام(٧).
قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ ابتداء وخبر، أي: لا يُفوتُونه. يقال: أحاط
(١) البيت في صحاح الجوهري، ولسان العرب (موت).
(٢) الصحاح ولسان العرب (موت).
(٣) في الصحاح (كت) (والكلام منه): الجديد، وفي اللسان: الحديد (بالحاء). وانظر جمهرة اللغة
٤٢/١.
(٤) من قوله: الكتيت صوت ... إلى هذا الموضع ليس في (م).
(٥) من كلام عتبة بن ربيعة ينهى المشركين عن القتال يوم بدر، أخرجه أحمد (٩٤٨) ضمن قصة غزوة بدر
من حدیث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(٦) موضع في الأردن جنوب شرق البحر الميت، وقعت فيه المعركة المشهورة في السنة الثامنة للهجرة.
(٧) الصحاح (موت).

٣٣٤
سورة البقرة : الآية ٢٠
السُّلطانُ بفلانٍ: إذا أخذَه أخذاً حاصِراً من كلِّ جهةٍ (١). قال الشاعر(٢):
بما قد رَأَوْا مالُوا جميعاً إلى السِّلْمِ
أحَظْنا بهم حتَّى إذا ما تَيَقَّنُوا
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهٍ﴾ [الكهف: ٤٢].
وأصلُه مُخيِط، نُقِلت حركةُ الياء إلى الحاء، فسكنت، فالله سبحانه مُحيط بجميع
مخلوقاته(٣)، أي: هي في قبضته وتحت قهره، كما قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧].
وقيل: مُحِيطٌ بالكافرين، أي: عالم بهم. دليلُه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾
[الطلاق: ١٢]. وقيل: مُهْلِكُهم وجامعُهُم. دليلُه قولُه تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾
[يوسف: ٦٦] أي: إلّا أن تَهلِكُوا جميعاً. وخصَّ الكافرين بالذِّكر لتقدُّم ذكرهم في
الآية. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَيْهِمْ
قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾ ((يكاد)» معناه يُقارب، يقال: كاد يفعلُ
كذا : إذا قاربَ ولم يفعل. ويجوزُ في غير القرآن: يكاد أن يفعل، كما قال رُؤبة:
قد كاد من طُول البِلَى أن يَمْصَحا (٤)
مشتقٌ من المَصْح، وهو الدَّرْسُ. والأجودُ أن تكون بغير ((أنْ))، لأنها لمُقاربة
الحال، و((أنْ)) تَصرفُ الكلامَ إلى الاستقبال، وهذا(٥) مُتنافٍ. قال الله عز وجل:
(١) المحرر الوجيز ١٠٣/١.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) في (م): المخلوقات.
(٤) هو في الكتاب ١٦٠/٣، والمقتضب ٧٥/٣، والكامل ص ٢٥٣، والجمل للزجاجي ص ٢٠٢،
وضرائر الشعر لابن عصفور ص ٦١، وما يجوز للشاعر في الضرورة للقزاز القيرواني (٩٧). وينظر
خزانة الأدب ٩/ ٣٤٧.
(٥) في (ز) و(ظ): وهو.

٣٣٥
سورة البقرة : الآية ٢٠
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِ يَذْهَبُ بِلْأَبْصَرِ﴾ [النور: ٤٣]. ومن كلام العرب: كاد النَّعامُ يطير(١)،
وكاد العروسُ يكون أميراً (٢)، لقُرْبِهِما من تلك الحال. وكاد فعلُ متصرِّف على فَعَل
يَفْعَل. وقد جاء خبره بالاسم وهو قليل، قال: وما كِدْتُ آئِباً(٣). ويجري مجرى
((كاد)): كَرَبَ، وجَعَلَ، وقارَبَ، وَطَفِقَ، في كون خبرِها بغير ((أنْ)). قال الله عزَّ
وجلَّ: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١]؛ لأنَّها كلَّها بمعنى الحالِ
والمقاربة، والحالُ لا يكونُ معها ((أنْ))، فاعلمْ.
قولُه تعالى: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾ الخَطْفُ: الأَخْذُ بسرعة، ومنه سُمِّيَ الطيرُ خُطَّفاً
لسُرْعتِهِ. فمَن جعلَ القرآنَ مَثَلاً للتَّخويف فالمعنى: أنَّ خَوْفَهم مما ينزلُ بهم يكادُ
يُذْهِبُ أبصارَهم. ومن جعلَه مَثَلاً للبيان الذي في القرآن فالمعنى: أنَّهم جاءهم من
البیان ما بهرهم.
ويَخْطَفُ ويَخْطِف لُغتان، قُرِئ بهما. وقد خَطِفَه بالكسر يَخْطَفُه خَطْفاً، وهي اللغة
الجيدة، واللغة الأخرى حكاها الأخفش (٤): خَطَف يَخْطِف. الجوهري: وهي قليلة
رديئةٌ لا تكاد تُعرَف. وقد قرأ بها يونُس في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطِف
أبصارَهم﴾(٥).
وقال النحاس(٦): في ((يَخْطَفُ)) سبعةُ أوجه: القراءةُ الفصيحة: يَخْطَف. وقرأ
(١) يضرب لقرب الشيء مما يتوقع منه، لظهور بعض أماراته. مجمع الأمثال ٢/ ١٦٢، والمقتضب ٧٤/٣،
والکامل ص ٢٥٣.
(٢) المقتضب، والكامل، وفي مجمع الأمثال ١٥٨/٢: كاد العروس يكون ملكاً، العرب تقول للرجل
عروس وللمرأة أيضاً، ويراد ههنا الرجل، أي: كاد يكون ملكاً لعزته في نفسه وأهله.
(٣) قطعة من بيت لتأبط شراً، وتمامه:
وكم مثلُها فارقتُها وهي تَصْفِرُ
فأُبْتُ إلى فَهْمِ وما ◌ِذْتُ آئباً
وهو في ديوانه ص ٩١، والخصائص ٣٩١/١، وشرح المرزوقي على حماسة أبي تمام ٨٣/١،
وخزانة الأدب ٣٧٤/٨.
(٤) معاني القرآن ٢٠٩/١.
(٥) كذا نسبها إلى يونس: الجوهري في صحاحه (خطف)، وأما الأخفش فقد نسب في معاني القرآن
٢٠٩/١ - ٢١٠ إلى يونس: يَخِطّفُ، بكسر الخاء لاجتماع الساكنين، وانظر القراءات الشاذة
ص ٣، والمحتسب ١/ ٦٢.
(٦) إعراب القرآن ١٩٥/١ - ١٩٦.

٣٣٦
سورة البقرة : الآية ٢٠
عليٌّ بن الحسين ويحيى بنُ وَثّاب: يَخْطِفُ بكسر الطاء(١)، قال سعيد الأخفش(٢):
هي لغة. وقرأ الحسن وقتادة وعاصم الجَحدَرِيُّ(٣) وأبو رجاء العطاردي(٤): بفتح
الياء وكسر الخاء والطاء(٥). وُروي عن الحسن أيضاً أنّه قرأ بفتح الخاء (٦). قال
الفراء(٧): وقرأ بعضُ أهل المدينة بإسكان الخاء وتشديد الّاء. قال الكسائي
والأخفش والفرّاء(٨): يجوز: بِخِطّفُ، بكسر الياء والخاء والطاء. فهذه ستَّةُ أوجه(٩)
موافقة للخط (١٠).
والسابعةُ حكاها عبد الوارث(١١) قال: رأيتُ في مصحف أُبيِّ بن كعب:
يَتَخَطَّفُ(١٢)، وزعم سيبويه والكسائي أنَّ مَن قرأ: يَخِطِّفُ، بكسر الخاء والطاء،
فالأصلُ عنده يَخْتَطِفُ، ثمَّ أدغم التّاء في الطاء؛ فالتقى ساكنان، فكُسِرت الخاء
لالتقاء الساكنين. قال سبيويه: ومَن فتح الخاء ألقى حركة التَّاء عليها. وقال الكسائيُّ:
ومَن كسر الياء فلأنَّ الألفَ في اختطفَ مكسورة. فأمَّا ما حكاه الفرَّاء عن أهل المدينة
من إسكان الخاء والإدغام؛ فلا يُعرَف ولا يجوز، لأنه جمع بين ساكنين. قاله
النَّحاس(١٣) وغيرُه.
(١) وكذا نسبها إليهما ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ١٠٣، ونسبها ابن جني في المحتسب ١/ ٦٢، وابن
خالويه في القراءات الشاذة ص٣، والزمخشري ٢١٩/١ إلى الحسن ومجاهد.
(٢) معاني القرآن ٢٠٩/١، وحكاه عنه النحاس في إعراب القرآن ١٩٥/١.
(٣) ابن العجاج، أبو المجَشِّر البصري، قرأ القرآن على نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، والحسن
البصري وغيرهم، توفي سنة (١٢٨ هـ). معرفة القراء الكبار ٢١٠/١.
(٤) عمران بن ملحان التميمي البصري، من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد الفتح، ولم ير
النبي ﴾، توفي سنة (١٠٥هـ). السير ٢٥٣/٤.
(٥) يعني مع تشديد الطاء، كما في المحرر الوجيز ١٠٣/١.
(٦) الكشاف ٢١٩/١، والمحرر الوجيز ١٠٣/١.
(٧) معاني القرآن ١٨/١، وقد نقله المصنف عنه بواسطة النحاس، كما ذكر.
(٨) معاني القرآن للفراء ١٨/١، ومعاني القرآن للأخفش ٢١٠/١.
(٩) وهي أوجه شاذة، انظر القراءات الشاذة ص ٣، والمحتسب ٥٩/١.
(١٠) في إعراب القرآن للنحاس ١٩٥/١ - ١٩٦: موافقة للسواد.
(١١) ابن سعيد، أبو عبيدة العنبري مولاهم، البصري، المقرئ، توفي سنة (١٨٠هـ). السير ٣٠٠/٨.
(١٢) المحرر الوجيز ١٠٣/١، والكشاف ٢١٩/١.
(١٣) إعراب القرآن ١٩٦/١.

٣٣٧
سورة البقرة : الآية ٢٠
قلتُ: وقد رويَ(١) عن الحسن أيضاً وأبي رجاء: ((يَخْطِفُ)). قال ابن مجاهد:
وأظنُّه غلطاً، واستدلَّ على ذلك بأنَّ ﴿خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] لم يقرأهُ أحدٌ
(٢)
بالفتح(٢).
﴿أَبْصَرَهُمْ﴾ جمع بَصَر، وهي حاسَّةُ الرؤية. والمعنى: تكاد حُجَجُ القرآنِ وبراهينُهُ
الساطعةُ تَبْهَرُهم (٣). ومن جعل البَرْقَ مَثَلاً للتَّخويف؛ فالمعنى: أنَّ خوفَهم مما ينزلُ
بهم يكاد يُذهِبُ أبصارَهم.
قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِهِ﴾ ((كلَّما)) منصوبٌ لأنَّه ظرف. وإذا كانت (٤)
((كلما)) بمعنى ((إذا)) فهي موصولة(٥)، والعامل فيه: ((مَشَوا)) وهو جوابُه، ولا يعملُ فيه
((أضاء)) لأنَّه في صلة ((ما)). والمفعول في قول المبرد محذوف، التقدير عنده: كلَّما
أضاء لهم البرقُ الطريقَ. وقيل: يجوز أن يكون فَعَل وأفْعَل بمعنَى، كَسَكت وأُسْكَت،
فيكون أضاء وضاء سواءً، فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول. قال الفرَّاء(٦): يُقال:
ضاءَ وأضاءً، وقد تقدَّم(٧).
والمعنى: أنَّهم كلما سمعوا القرآنَ وظَهَرَتْ لهم الحُججُ، أَنِسُوا، ومَشَوْا معه،
فإذا نزلَ من القرآن ما يَعْمَوْنَ فيه، ويَضِلُّون به، أو يُكَلَّفونه، قاموا، أي: ثبتوا على
نفاقهم، عن ابن عباس (٨).
وقيل: المعنى: كلما صَلحت أحوالُهم في زروعهم ومواشيهم، وتوالت عليهم
النِّعم (٩) قالوا: دِين محمد دينٌ مبارك، وإذا نزلت بهم مصيبة، وأصابتهم شِدَّة
(١) في (م): وروي.
(٢) المحتسب ٦٢/١، وقال ابن عطية ١٠٣/١: ونسب المهدوي هذه القراءة - يَخْطِفُ - إلى الحسن وأبي
رجاء، وذلك وهم.
(٣) المحرر الوجيز ١٠٤/١.
(٤) في (م): كان.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٩٦/١.
(٦) معاني القرآن ١٨/١.
(٧) ص ٣٢٢.
(٨) المحرر الوجيز ١٠٤/١.
(٩) في (م): وتوالت النعم.

٣٣٨
سورة البقرة : الآية ٢٠
سَخطوا، وثبتوا في نفاقهم، عن ابن مسعود وقتادة(١). قال النحاس: وهذا قولٌ
حسن، ويدلُّ على صِحَّته: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَرُّ الْمَأَنَّ ◌ِهٌ وَإِنْ
أَصَابَتَهُ فِئْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ.﴾ [الحج: ١١].
وقال عُلماء الصوفية(٢): هذا مَثَلُ ضرَبه الله تعالى لمَنْ لم تَصِحَّ له أحوالُ الإرادة
بدءاً، فارتَقَى من تلك الأحوال بالدَّعاوَى إلى أحوال الأكابر، كأَنْ تضيءَ عليه أحوالٌ
الإرادة لو صحَّحَها بُملازمةِ آدابِها، فلمَّا مزَجَها بالدَّعاوَى، أذهبَ الله عنه تلك
الأنوار، وبقي في ظُلُماتِ دَعاوِيه، لا يُبصِرُ طريقَ الخروج منها.
ورُويَ عن ابن عبَّاس أنَّ المرادَ اليهودُ؛ لمَّا نُصِرَ النبيُّ نَّهِ بِبَدْر، طَمِعُوا وقالوا :
هذا والله النبيُّ الذي بَشَّرَنا به موسى لا تُردُّ له راية، فلمَّا نُكِبَ بأُحُد ارتدُّوا وشَكُوا.
وهذا ضعيف. والآيةُ في المنافقين، وهو (٣) أصحُ عن ابن عباس، والمعنى يتناولُ
الجميع.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ﴾ (لو)) حرفُ تَمَنٌّ، وفيه معنى
الجزاءِ، وجوابُه اللام. والمعنى: ولو شاء الله لأَطلع المؤمنين عليهم، فذهبَ منهم
عِزُّ الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلِهم وإخراجِهم من بينهم. وخصَّ السمعَ والبصرَ
لتقدُّمِ ذكرِهما في الآية أوَّلاً، أو لأنهما أشرفُ ما في الإنسان. وقرئ: بأسماعِهم،
على الجمع، وقد تقدَّم الكلامُ في هذا (٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ عموم، ومعناه عند المتكلِّمين: فيما
يجوزُ وصفُه تعالى بالقُدرةِ عليه(٥). وأجمعت الأمَّةُ على تسميةِ الله تعالى بالقدير، فهو
سبحانه قدیرٌ قادرٌ مقتدِرٌ.
والقديرُ أبلغُ في الوصفِ من القادر. قاله الزَّجَّاجيُّ (٦). وقال الهرويُّ: والقديرُ
(١) المحرر الوجيز ١٠٤/١، وأخرجه الطبري ٣٦٨/١ و٣٧١.
(٢) بنحوه في لطائف الإشارات ٣٦٨/١ و٣٧١.
(٣) في (م): وهذا.
(٤) ص ٢٩٠، وتقدم تخريج القراءة ثَمَّ .
(٥) المحرر الوجيز ١٠٤/١.
(٦) اشتقاق أسماء الله ص ٤٨.

٣٣٩
سورة البقرة : الآية ٢١
والقادرُ بمعنَى واحد. يقال: قَدَرْتُ على الشيء أقدِر قَدْراً وقَدَراً ومَقْدِرةٌ ومَقْدُرةً
وقَدَراناً، أي: قُدْرَةً.
والاقتدارُ على الشيء: القُدْرةُ عليه، فالله جلَّ وعَزّ قادِرٌ مقتَدرٌ قديرٌ على كلِّ
ممكن يقبلُ الوجودَ والعدَمَ. فيجبُ على كلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يعلمَ أنَّ الله تعالى قادِرٌ، له
قدرةٌ بها فَعَل ويَفْعَل ما يشاء وَفْقَ(١) عِلْمِه واختيارِهِ. ويجبُ عليه أيضاً أنْ يعلَم أنَّ
للعبد قُدْرةً يكتسبُ بها ما أَقْدَرَه الله تعالى عليه على مجرى العادة، وأنَّه غيرُ مستبدٌ
بقدرته. وإنَّما خَصَّ هنا تعالى صفَتَه - التي هي القدرةُ - بالذِّكر دونَ غيرها لأنه تقدَّم
ذِكرُ فِعْلٍ مُضَمَّنُه(٢) الوعيدُ والإخافةُ، فكان ذِكرُ القُدرةِ مناسباً لذلك. والله أعلم.
فهذه عشرون آيةً على عدد الكوفيّين: أربعُ آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها
آيتان في ذكر الكافرين، وبقيّتُها في المنافقين. وقد تقدَّمت الروايةُ فيها عن ابن جُرَيج،
وقاله مجاهد أيضاً(٣).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ
قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ قال عَلْقَمة ومجاهد: كلُّ آيَةٍ
أوَّلُها : ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فإنَّما نزلَتْ بمكة، وكلُّ آية أوَّلُها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾
فإنَّما نزلَتْ بالمدينة (٤).
قلت: وهذا يردُّه(٥) أنَّ هذه السُّورة والنِّساء مدنيَّتان، وفيهما: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾،
وأمَّا قولُهما في: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا﴾ فصحيحٌ.
وقال عُروة بنُ الزُّبير: ما كان من حَدٍّ أو فريضةٍ، فإنَّه نزل بالمدينة، وما كان مِنْ
(١) في (م): على وفق.
(٢) في (د): تضمن.
(٣) في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِالَّهِ وَ بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ص ٢٩٣.
(٤) أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٢ قول علقمة، وأورد ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٥/١
قول مجاهد.
(٥) في (د) و(ز): يرد على من يقول.

٣٤٠
سورة البقرة : الآية ٢١
ذِكْر الأمم والعذابِ، فإنَّه نزل بمكّةَ(١). وهذا واضحٌ.
و(يا)) في قوله: ﴿يَأَيُّهَا﴾ حرفُ نداء. («أيُّ) منادى مفردٌ مبنيٌّ على الضَّمِّ؛ لأنَّه
مُنادَى في اللَّفظ، و((ها)) للتَّنبيه. ((الناسُ)) مرفوعٌ صفةٌ لـ ((أيّ)) عند جماعةِ النَّحْوِيِّين،
ما عدا المازنيَّ، فإِنَّه أجازَ النَّصبَ قياساً على جوازه في: يا هذا الرَّجُلَ(٢).
وقيل: ضُمَّتْ ((أيُّ) كما ضُمَّ المقصودُ المفردُ، وجاؤوا بـ(ها)) عِوضاً عن ياءٍ
أخرى، وإنَّما لم يأتوا بياء؛ لثَّلا ينقطعَ الكلامُ، فجاؤوا بـ ((ها)) حتى يَبْقَى الكلامُ
متَّصلاً. قال سيبويه: كأنَّك كرَّرت ((يا)) مرَّتين، وصار الاسمُ بينهما، كما قالوا:
ها هو ذا(٣).
وقيل: لمَّا تَعَذَّرَ عليهم الجمعُ بين حرفي تعريفٍ أَتَوْا في الصُّورة بمنادی مجرَّدٍ
عن حرفِ تعريفٍ، وأَجْرَوْا عليه المعرَّف باللَّام المقصودَ بالنَّداء، والتزمُوا رَفْعَه؛ لأنَّه
المقصودُ بالنِّداء، فجعلُوا إعرابَه بالحركةِ التي كان يستحقُّها لو باشَرَها النّداءُ، تنبيهاً
على أنَّه المنادى، فاعْلَمْه.
واختُلِفَ مَن المرادُ بالنَّاس هنا على قولين: أحدهما: الكفَّار الذين لم يعبدوه،
يدُلُّ عليه قولُه: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيٍّ﴾.
الثاني: أنَّه عامٌّ في جميع الناس، فيكون خطابُه للمؤمنين باستدامة العبادة،
وللكافرین بابتدائها. وهذا حَسَنٌ.
قوله تعالى: ﴿أَعْبُدُوا﴾ أمرٌ بالعبادةِ له، والعبادةُ هنا عبارةٌ عن توحيدِه والتزامِ
شرائعٍ دينهِ.
وأصلُ العبادة: الخضوعُ والتذلَّلُ. يقال: طريقٌ مُعَبَّدة: إذا كانت مَوْطُوءَةً
بالأقدام.
قال طَرَفة :
(١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٢٢٢، وابن أبي شيبة ٥٢٢/١٠، وفيه: حجّ، بدل: حد.
(٢) مشكل إعراب القرآن ١/ ٨٢.
(٣) الكتاب ٢/ ١٩٧، وفيه: وصار الاسم بينهما، كما صار ((هو)) بين ((ها)) و(ذا)) إذا قلت: ها هو ذا.