Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ سورة البقرة : الآية ٦ عن الناس، لا يكادُ يَنْزِلُه ولا يمرُّ به أحدٌ، ومَنْ حَلَّ بتلك المواضع فهم أهلُ الكُفُور. ويقال: الكُفُور: القُرَى. قوله تعالى: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ﴾ معناه: مُعتدِلُ عندهم الإنذارُ وتركُهُ، أي: سواءٌ عليهم هذا. وجيء بالاستفهام من أجل التسوية، ومثلُه قوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِنَ الْوَعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦]. وقال الشاعر: سَواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُوْرُها(١) وليلٍ يقولُ الناسُ من ظُلُماتِه قوله تعالى: ﴿َأَنْذَرْتَّهُمْ﴾ الإنذار: الإبلاغُ والإعلامُ، ولا يكادُ يكون إلا في تخويف يَتَّسِعُ زمانُه للاحتراز، فإنْ لم يَتَّسِعْ زَمانُه للاحتراز، كان إشعاراً، ولم يكن إنذاراً، قال الشاعر: أنذرتُ عَمْراً وهو في مَهَلٍ قبلَ الصَّباحِ فقد عصى عَمْرُو(٢) وتَنَاذَرَ بنو فلانٍ هذا الأمرَ: إذا خَوَّفَه بعضُهم بعضاً. واختلفَ العلماءُ في تأويل هذه الآية، فقيل: هي عامَّة، ومعناها الخصوصُ فيمن حَقَّتْ عليه كلمةُ العذاب، وسَبَقَ في علم الله أنه يموت على كُفره(٣) . أرادَ الله تعالى أن يُعِلِمَ أنَّ في الناس مَنْ هذه حالُه دون أن يُعَيِّنَ أحداً. وقال ابنُ عباسٍ والكلبيُّ: نَزَلَتْ في رؤساء اليهود، منهم حُيَيُّ بنُ أَخْطَب، وكعبُ بنُ الأشْرَف ونظراؤهما(٤) . وقال الربيعُ بنُ أنس(٥): نزلَتْ فيمن قُتلَ يومَ بدرٍ من قادة الأحزاب(٦) . (١) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ٤٢٣، وفيه: ((القوم)) بدل ((الناس))، و((بصيرات)) بدل ((صحيحات)). وأورده ابن الشجري في الحماسة ٢/ ٧١٠ و٧٢٨، والبغدادي في الخزانة ١٨/٥ ونسباه المضرس بن رِبْعي. (٢) لم نقف له على مصدر، وأورده السمين الحلبي في الدر المصون ١٠٨/١. (٣) في (ظ): يموت كافراً. (٤) أخرج قول ابن عباس الطبريُّ في تفسيره ٢٥٨/١ بنحوه، وذكر قولَ الكلبيِّ أبو الليث في تفسيره ١/ ٩١_٩٢. (٥) ابن زياد البكري، الخراساني، بصري، كان عالم مرو في زمانه، سجنه أبو مسلم، وتحيَّل ابن المبارك حتى دخل إليه فسمع منه، توفي سنة (١٣٩هـ). السير ١٦٩/٦. (٦) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٥٩/١. ٢٨٢ سورة البقرة : الآية ٦ والأوَّل أصحُ، فإنَّ مَنْ عیّن أحداً، فإنما مَثَلَ بمن گُشف الغیبُ عنه بموته على الكُفر، وذلك داخلُ في ضمن الآية (١) . قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ موضعُه رفعٌ، خبرُ ((إنَّ))، أي: إنَّ الذين كفروا لا يؤمنون. وقيل: خبر ((إنَّ)) ((سواءٌ))، وما بعده يقومُ مَقام الصِّلة، قاله ابنُ کَیْسان. وقال محمدُ بن يزيد: ((سواءٌ)) رفع بالابتداء، ((أأنذرتَهم أم لم تنذرهم)) الخبر، والجملةُ خبرُ ((إنَّ». قال النحاس: أي إنهم تبالَهُوا، فلم تُغْنٍ فيهم النّذارةُ شيئاً(٢). واختلف القرَّاءُ في قراءة ((أأنذرتهم))، فقرأ أهلُ المدينة، وأبو عمرو، والأعمشُ، وعبدُ الله بنُ أبي إسحاق(٣): ((أانذرتهم) بتحقيق الأُولى وتَسهيل الثانية(٤)، واختارها الخليلُ وسيبويه، وهي لغةُ قريش وسعدِ بن بكر (٥) ، وعليها قولُ الشاعر (٦): وبَيْن الثَّقا انتِ أَمْ أُمّ سالِم أيَا ظَبيْةَ الوَغْساءِ بين جُلاً جلٍ هجاء ((آنت)) ألفٌ واحدة(٧). وقال آخر (٨): فقلت له آنْتَ زَيْدُ الأرانِبِ تطالَلْتُ فاستَشْرَفْتُه فعرفتُهُ (١) المحرر الوجيز ٨٧/١. (٢) إعراب القرآن ١٨٤/١. محمد بن يزيد: هو المبرّد. (٣) زيدٍ بنِ الحارث الحضرمي، النحوي، البصري، جدُّ يعقوب بن إسحاق، أحد القراء العشرة، مات سنة (١١٧ هـ) وقيل غير ذلك. طبقات القراء ٤١٠/١. (٤) وهي أيضاً قراءة ابن كثير، وابن عامر الشامي في رواية هشام، لكن قرأ قالون وأبو عمرو بتسهيل الثانية مع إدخال ألف بين الهمزتين، وكذلك قرأ هشام بخلف عنه. انظر التيسير ص ٣٢. (٥) كذا في إعراب القرآن للنحاس ١٨٤/١، غير أنه لم يذكر لعبد الله بن أبي إسحاق هذا القراءة، إنما نقل عنه أنه حقَّقَ الهمزتين وأدخلَ بينهما ألفاً لئلا يجمع بينهما، وسيذكرها عنه المصنف قريباً. (٦) هو ذو الرُّمَّة، والبيت في ديوانه ص ٧٦٧. (٧) أورده سيبويه في الكتاب ٥٥١/٣، والمبرد في المقتضب ١٦٣/١، والهروي في الأزهيّة ص٣٦، وابن جني في سر صناعة الإعراب ٧٢٣/٢، وابن يعيش في شرح المفصل ١٩١/٩، والمالقي في رصف المباني ص ٢٦، والبغدادي في شرح شواهد الشافية ٤/ ٣٤٧، لكن ذكروا أن الشاهد فيه إدخالُ ألف بين الهمزتين، وذكر البغدادي أنه يجوزُ فيه أيضاً أن تُحقَّقَ الهمزتان بلا زيادة ألف. (٨) هو ذو الرُّمَّة أيضاً، والبيت في ملحق ديوانه ١٨٤٩/٣. ٢٨٣ سورة البقرة : الآية ٦ ورُويَ عن ابن مُحَيْصِن(١) أنه قرأ: ((أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)) بهمزة لا ألفَ بعدَها، فحذف لالتقاء الهمزتين، أو لأن ((أم)) تدلُّ على الاستفهام(٢)، كما قال الشاعر(٣): تَرُوحُ مِن الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ وماذا يَضيرُك لو تَنْتَظِرْ أراد: أَتروحُ، فاكتفَى بأَمْ من الألف. ورُوي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: ((أاأنذرتهم)) فحقَّقَ الهمزتين، وأدخلَ بينهما ألفاً، لئلا يجمع بينهما (٤). قال أبو حاتم: ويجوز أن تُدخِلَ بينهما ألفاً، وتُخَفِّفَ الثانية، وأبو عمرو ونافع(٥) يفعلانِ ذلك كثيراً. وقرأ حمزةُ، وعاصمٌ، والكِسائيُّ بتحقيق الهمزتين: ((أأنذرتهم))(٦)، وهو اختيار أبي عُبيد، وذلك بعيدٌ عند الخليل. وقال سيبويه: يُشبه في الثقل: ضَيْئُوا. قال الأخفشُ: ويجوزُ تخفيفُ الأُولى من الهمزتين، وذلك رديء؛ لأنهم إنما يُخفِّفون بعد الاستثقال، وبعد حصول الواحدة. قال أبو حاتم: ويجوزُ تخفيفُ الهمزتين جميعاً. فهذه سبعةُ أوجهٍ من القراءات، ووجهٌ ثامنٌ يجوزُ في غير القرآن؛ لأنه مخالفٌ للسَّواد(٧)؛ قال الأخفشُ سعيدٌ: تُبدِلُ من الهمزة هاءً، تقول: هأنذرتهم، كما يقال: هيَّك وإِيَّاك (٨)، وقال الأخفشُ في قول الله تعالى: ((ها أَنْتُمْ)) إنما هو: أاأنتم. (١) هو محمد بن عبد الرحمن بن مُحَيْصِن السهمي مولاهم، المكي، المقرئ، وقيل: اسمه عمرو، توفي سنة (١٢٣ هـ). طبقات القراء ١٦٧/٢. (٢) إعراب القرآن للنحاس ١٨٤/١ - ١٨٥. وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢، وابن جني في المحتسب ١/ ٥٠. (٣) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص ١٥٤. (٤) وهي رواية هشام بخلف عنه. انظر التيسير ص ٣٢. (٥) هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي، مولاهم، المدني، أحد القراء السبعة والأعلام، أصله من أصبهان، توفي سنة (١٩٩ هـ). طبقات القراء ٣٣٠/٢. (٦) وهي أيضاً رواية ابن ذكوان. التيسير ص ٣٢. (٧) في (ظ): للشواذ. وهنا ينتهي السقط في (ز). (٨) معاني القرآن للأخفش، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٨٤/١ - ١٨٥. ٢٨٤ سورة البقرة : الآية ٧ قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٧ فيها عشر مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ﴾ بيَّنَ سبحانه في هذه الآية المانعَ لهم من الإيمان بقوله: ((ختم الله)). والخَتْم: مصدر خَتَمتُ الشيءَ خَتْماً؟ فهو مختومٌ، ومُخَتَّمٌ، شُدِّد للمبالغة، ومعناه: التغطيةُ على الشيء والاستيثاقُ منه حتى لا يَدْخُلَه شيءٌ، ومنه: خَتَم الكتابَ والبابَ، وما يُشبهُ ذلك، حتى لا يُوصَلَ إلى ما فيه، ولا يُوضَعَ فیه غیرُ ما فیه. وقال أهلُ المعاني: وصف الله تعالى قلوبَ الكفار بعشرة أوصاف: بالخَتْم، والطّبع، والضِّيق، والمرض، والرَّيْن، والموت، والقساوة، والانصراف، والحَمِيَّة، والإنكار. فقال في الإنكار: ﴿قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُم ◌ُسْتَكْرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]. وقال في الحَمِيَّة: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ [الفتح: ٢٦]. وقال في الانصراف: ﴿ثُمَّ أَنصَرَفُوْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧]. وقال في القساوة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وقال: قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنُّ بَعْدٍ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤]. وقال في الموت: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونٌ وَالْمَوْنَى يَبْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦]. وقال في الرَّيْن: ﴿كَّ بَلَّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. وقال في المَرَض: ﴿فِ قُلُوبِهِمْ تَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]. وقال في الضيق: ﴿وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّمُ يَجْعَلْ صَدْرَمُ ضَيْقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقال في الطّبْع: ﴿فَطِيعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]، وقال: ﴿بَلَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]. ٢٨٥ سورة البقرة : الآية ٧ وقال في الختم: ﴿خَتَّمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]. وسيأتي بيانُها كلِّها في مواضعها إن شاء الله تعالى. الثانية: الخَتْمُ يكون محسوساً - كما بيَّنَّا - ومعنّى، كما في هذه الآية، فالخَتْم على القلوب: عَدَمُ الوَعْي عن الحقِّ سبحانه مفهومَ مخاطباتِهِ والفِكْرِ في آياته. وعلى السَّمْع: عدمُ فَهْمِهِم للقرآن إذا تُليَ عليهم، أو دُعُوا إلى وحدانيَّته. وعلى الأبصار: عدمُ هِدایتها للنظر في مخلوقاته وعجائبٍ مصنوعاته. هذا معنی قولِ ابن عباس وابن مسعود وقتادةً، وغیرِهم. الثالثة: في هذه الآيةِ أدَلُّ دليل وأوضحُ سبيل على أنَّ الله سبحانه خالقُ الهُدى والضَّلالِ، والكُفرِ والإيمانِ، فاعتَبِروا أيها السامعون، وتَعَجّبوا أيها المفكّرون من عُقولِ القَدَريَّةِ القائلينِ بِخَلْق إيمانهم وهُداهم، فإنَّ الخَتْمَ هو الطبعُ، فمن أين لهم الإيمانُ ولو جَهَدوا، وقد طبع على قلوبهم وعلى سمْعِهم، وجعلَ على أبصارهم غِشاوةً، فمتى يهتدون، أو مَنْ يهديهم من بعد الله إذا أضلَّهم وأصمَّهم، وأعمى أبصارهم؟ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ نََّا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، وكان فِعْلُ الله ذلك عَدْلاً فيمن أضلَّه وخَذَلَه، إذ لم يمنَعْه حقًّا وجبَ له، فتزولَ صِفةُ العَدْل، وإنما منعَهم ما كان له أن یتفضّلَ به علیھم، لا ما وجبَ لهم. فإن قالوا: إنَّ معنى الخَتْمِ والطَّبعِ والغِشاوةِ التسميةُ والحكمُ، والإخبارُ بأنهم لا يؤمنون، لا الفعلُ. قلنا: هذا فاسدٌ؛ لأنَّ حقيقةَ الخَتْم والطّبع إنما هو فِعْلُ ما يَصيرُ به القلبُ مطبوعاً مختوماً، لا يجوزُ أن تكونَ حقيقتُه التسميةَ والحُكم، ألا ترى أنه إذا قيل: فلانٌ طَبَعَ الكتابَ وخَتَمَه، كان حقيقةً أنه فَعَلَ ما صارَ به الكتابُ مطبوعاً ومختوماً، لا التسمية والحكم. هذا ما لا خِلافَ فيه بين أهل اللغة، ولأنَّ الأمةَ مجمعةٌ على أنَّ الله تعالى قد وصفَ نفسَه بالخَتْم والطّبْع على قلوبِ الكافرين مُجازاةً لكفرهم، كما قال تعالى: ﴿بَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]. وأجمعتِ الأمةُ على أنَّ الطَّبْعَ والخَتْمَ على قلوبهم من جهةِ النبيِّ وَّه والملائكة والمؤمنين ممتنعٌ، فلو كان الخَتْمُ والطَّبعُ هو التسميةَ والحُكْمَ، لَمَا امتنعَ من ذلك ٢٨٦ سورة البقرة : الآية ٧ الأنبياءُ والمؤمنون؛ لأنهم كلَّهم يُسمُّون الكفارَ بأنهم مطبوعٌ على قلوبهم، وأنهم مختومٌ عليها، وأنهم في ضلال لا يؤمنون، ويَحْكُمون عليهم بذلك. فثبتَ أنَّ الخَتْمَ والطّبع هو معنّى غيرُ التسمية والحكم، وإنما هو معنّى يخلُقه الله في القلب يمنعُ من الإيمان به، دليلُه قولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِ قُلُوبٍ اَلْمُجْرِمِنَ (١) لَا يُؤْمِنُونَ بِّ﴾ [الحجر: ١٢-١٣]. وقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]. أي: لئلا یفقهوه، وما كان مثله. الرابعة: قوله: ﴿عَ قُلُوبِهِمْ﴾ فيه دليلٌ على فضلِ القلبِ على جميع الجوارح. والقلبُ للإنسان وغيره. وخالصُ كلِّ شيء وأشرفُه قلبُه، فالقلبُ موضعُ الفِكر. وهو في الأصل مصدر: قَلَبْتُ الشيء، أقْلِبُه قلباً: إذا رددتَه على بَداءته. وقَلَبْتُ الإناءَ: رَدَدْتُه على وجهه. ثم نُقِلَ هذا اللفظُ، فسُمِّيَ به هذا العضوُ الذي هو أشرفُ الحيوان؛ لسرعةِ الخواطرِ إليه، ولتردّدِها عليه، كما قيل: ما سُمِّيَ القلبُ إلَّا مِنْ تَقَلُّبهِ فاحذَرْ على القلبِ من قَلْبٍ وتحويلٍ(١) ثم لمّا نَقَّلَتِ العربُ هذا المصدَر لهذا العضوِ الشريف، التزمَتْ فيه تفخيمَ قافِهِ، تفريقاً بينَه وبينَ أصلِه. روى ابنُ ماجه، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيِّ وَّر أنه قال: ((مَثَلُ القلبِ مَثَلُ رِيشةٍ تُقَلِّبها الرياحُ بِفَلاةٍ)) (٢). ولهذا المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((اللهمَّ يا مُثَبِّتَ القلوب، ثَبِّتْ قلوبَنا على طاعتِك))(٣). فإذا كان (١) البيت في ديوان الأحوص ص ١٢٠، وشطره الثاني بلفظ: والرأيُ يُصرف والأهواء أطوار. وذكره الماوردي في النكت والعيون ٧٣/١، وعنده: والإنسان أطوار. وابنُ منظور في اللسان (قلب) ولفظ شطره الثاني عنده: والرأي يصرفُ بالإنسان أطوارا. (٢) سنن ابن ماجه (٨٨)، وفي إسناده يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف، وأخرجه الإمام أحمد (١٩٧٥٧) عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن إياس الجريري، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى الأشعري، به. ويزيد سمع من الجريري بعد اختلاطه، ورواه شعبة عن الجريري - وقد سمع منه قبل الاختلاط - فوقفه ولم يرفعه، كما في الجعديات (١٤٧٢) وقال الإمام أحمد عقب الحديث المذكور: لم يرفعه إسماعيل (يعني ابنَ عُلَيّة) عن الجريري. (٣) أخرجه أحمد (٦٥٦٩)، ومسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، بلفظ: ((اللهم مصرفَ القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك)). وأخرجه أحمد أيضاً في المسند (١٢١٠٧) من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك))، و(١٧٦٣٠) من حديث= ٢٨٧ سورة البقرة : الآية ٧ النبيُّ وَّهِ يقولهُ مع عظيم قَدْرِهِ، وجلالٍ مَنْصِبهِ، فنحن أولى بذلك اقتداءً به، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْيِهِ ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وسيأتي. الخامسة: الجوارحُ وإن کانت تابعةً للقلب، فقد يتأثرُ القلبُ ۔ وإن کان رئيسها ومَلِكَها - بأعمالها، للارتباطِ الذي بين الظاهر والباطن، قال ◌َله: ((إن الرجل لَيصدُقُ، فتُنْكتُ في قلبه نكتةٌ بيضاء، وإن الرجل ليكذب الكَذْبة فيسودُّ قلبُه(١) ، وروى الترمذي وصحَّحه عن أبي هريرة: أنَّ الرجلَ لَيصِيبُ الذنبَ فيسودُّ قلبُه، فإن هو تاب، صُقِلَ قلبُه. قال: وهو الران(٢) الذي ذكره الله في قوله(٣): ﴿كَلَّا بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]))(٤). وقال مجاهد: القلبُ كالكفِّ يُقْبَضُ منه بكلِّ ذنب إصبعٌ، ثم يُطبع(٥) . قلت: وفي قول مجاهد هذا وقولهِ عليه السلام: ((إنَّ في الجسد مُضْغةً إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتِ فَسَدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ))(٦) دليلٌ على أنَّ الخَتْمَ يكون حقيقيًّا، والله أعلم. وقد قيل: إنَّ القلبَ يُشبه الصَّنَوْبرةَ، وهو يَعْضُد قولَ مجاهد، والله أعلم. وقد روى مسلمٌ، عن حذيفةَ قال: حدَّثنا رسولُ اللهِوَ﴿ِ حديثين، قد رأيتُ أحدَهما، وأنا أنتظرُ الآخرَ، حدَّثنا: ((أنَّ الأمانةَ نزلَتْ في جَذْرٍ قلوبِ الرِّجالِ، ثم = النواس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه، بلفظ: ((يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك))، و(٢٦١٣٣) من حديث عائشة رضي الله عنها، بلفظ: ((يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك وطاعتك)). (١) لم نجده بهذا اللفظ. (٢) في (م): الرَّيْن، وكلاهما بمعنى. (٣) في (م): ذكره الله في القرآن في قوله. (٤) سنن الترمذي (٣٣٣٤)، ولفظه: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، سُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَّلِّ رَانَ عَ قُلُوپِم مَّا گانُوا يَكْسِبُونَ﴾.) وهو في مسند أحمد (٧٩٥٢). (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٦٦/١. (٦) أخرجه أحمد في المسند (١٨٣٧٤)، والبخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه. ٢٨٨ سورة البقرة : الآية ٧ نزلَ القرآنُ، فَعَلِموا من القرآن، وَعلموا من السُّنةِ)). ثم حدَّثنا عن رَفْع الأمانة قال: (ينامُ الرجلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأمانةُ من قلبهِ، فَظَلُّ أثرُها مِثْلَ الوكْتِ، ثم ينامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأمانةُ من قلبهِ، فيظلُّ أثرُها مثلَ المَجْلِ، كَجمرٍ دَخْرجتَه على رِجْلكَ، فَنَفِطَ، فَتراهُ مُنتبراً وليس فيه شيء - ثم أخذَ حصاةً فدحرجها(١) على رِجْله ـ فيُصبحُ الناسُ يتبايعون، لا يكادُ أحدٌ يؤدِّي الأمانةَ حتى يقالَ: إنَّ في بني فلانٍ رجلاً أميناً. حتى يُقالَ للرجل: ما أَجْلَدَهُ! ما أَظْرِفَهُ! ما أَعْقِلَهُ! وما في قَلْبه مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدلٍ من إيمان)). ولقد أتى عَلَيَّ زمانٌ وما أُبالي أيَّكم بايعتُ، لئن كان مسلماً، لَيَرُدَّنَّه عليَّ ديْنُه، ولئن كان نصرانيًّا، أو يهوديًّا، لَيَرُدَنَّه عليَّ ساعِيهِ، وأما اليومَ، فما كنتُ أبايعُ(٢) منكم إلا فلاناً وفلاناً(٣) . ففي قوله: ((الوَكْت)) وهو الأثرُ اليسيرُ، ويقال للبُسْر إذا وقعَتْ فيه نُكتةٌ من الإرطاب: قد وَكَّتَ، فهو مُؤَكِّتٌ. وقولِهِ: ((المَجْل))، وهو أن يكونَ بين الجلدِ واللَّحم ماءٌ، وقد فسَّرَه النبيُّ وَّه بقوله: ((كجمرٍ دَخْرجتَه)) أي: دوَّرْتَه ((على رِجْلكَ، فَنَفِطَ. فتراه مُنتبراً))، أي: مرتفعاً، ما يَدُلُّ على أنَّ ذلك كلَّه محسوسٌ في القلب يفعل فيه، وكذلك الخَتْمُ والطَّبعُ، والله أعلم. وفي حديث حذيفةً قال: سمعتُ رسولَ الله ﴿ يقول: ((تُعْرضُ الفِتَنُ على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً، فأيُّ قلب أشْرِبَها، نُكِتَ فيه نُكتَةٌ سوداءُ، وأيُّ قلب أنكرها، نُكِتَ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى تصيرَ على قَلْبين، على أبيضَ مثلِ الصَّفا، فلا تضرُّه فتنةٌ ما دامَتِ السماواتُ والأرضُ، والآخر أسودُ مُرْبادٌ، كالكوزِ مُجخِّياً، لا يَعرِفُ معروفاً، ولا يُنْكِرُ منكراً، إلا ما أشرِبَ من هواه)». وذكر الحديث(٤). ((مُجَجِّياً)): يعني مائلاً. (١) في (م): حصّی فدحرجه. (٢) في (م): لأبابع. (٣) صحيح مسلم (١٤٣). وهو في مسند أحمد (٢٣٢٥٥). (٤) أخرجه أحمد في المسند (٢٣٤٤٠)، ومسلم (١٤٤). قوله: مرباد، هو شبه البياض في سواد. ينظر شرح مسلم للنووي ٢/ ١٧٣ ٢٨٩ سورة البقرة : الآية ٧ السادسة: القلبُ قد يُعبَّرُ عنه بالفؤاد والصَّدْر، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]. وقال: ﴿أَلَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يعني في الموضعين: قلبك. وقد يُعبَّرُ به عن العقل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧]، أي: عقل؛ لأنَّ القلبَ مَحَلُّ العقلِ في قول الأكثرين. والفؤادَ محلُّ القلب، والصَّدْرَ مَحَلُّ الفؤاد، والله أعلم. السابعة: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ استَدَلَّ بها مَنْ فَضَّلَ السَّمْعَ على البصر، لِتقدُّمِهِ عليه، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَّيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَّكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦]، وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ﴾ [النحل: ٧٨]. قال: والسَّمْعُ يذْرَكُ به من الجِهات السِّت، وفي النور والظلمة، ولا يُدْرَكُ بالبصر إلا من جهةٍ (١) المُقابلة، وبواسطةٍ من ضياءٍ وشُعاع. وقال أكثرُ المُتكلِّمين بتفضيل البصرِ على السَّمْع؛ لأنَّ السَّمْعَ لا يُدَركُ به إلا الأصواتُ والكلامُ، والبصر يُدرَكُ به الأجسامُ والألوانُ والهيئاتُ كلُّها. قالوا: فلما كانت تعلُّقاتُه أكثرَ، كان أفضلَ، وأجازوا الإدراكَ بالبصر من الجِهات السِّت. الثامنة: إنْ قال قائلٌ: لِمَ جمعَ الأبصارَ، ووَخَّدَ السَّمْعَ؟ قيل له: إنما وحَّده؛ لأنه مصدرٌ يقعُ للقليل(٢) والكثير، يقال: سَمِعْتُ الشيءَ أَسَمِعُه سَمْعاً وسَماعاً، فالسَّمْعُ مصدرُ سَمِعْتُ. والسَّمعُ أيضاً اسمٌ للجارِحةِ المسموعِ بها، سُمِّيَتْ بالمصدر. وقيل: إنه لما أضاف السَّمْعَ إلى الجماعة، دَلَّ على أنه يرادُ به أسماعُ الجماعة، كما قال الشاعر(٣): فِيضٌ وأما جِلدُها فصَلِيبُ بها جيَفُ الحَسْرَى فأمَّا عِظامُها إنما يريدُ جُلودها، فوحَّد؛ لأنه قد علم أنه لا يكونُ للجماعة جلدٌ واحد. وقال آخرُ في مثله: (١) في (م): الجهة. (٢) في (د) و(ظ): على القليل. (٣) هو علقمة الفحل، والبيت في ديوانه ص ٤٠. ٢٩٠ سورة البقرة : الآية ٧ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شَجِينَا (١) لا تُنكِرِ القتلَ وقد سُبِينا يريد في حُلوقكم. ومثلُه قولُ الآخر : كأنه وَجْهُ تُرْكِيَّيْنِ قد غَضِبا مُسْتَهْدَفٌ لطِعانٍ غير تذبيب(٢) وإنما يريدُ وجهين، فقال: وجهُ تُركيَّيْنٍ؛ لأنه قد علم أنه لا يكون للاثنين وجهٌ واحد، ومثله کثیر جدًّا. وقُرِئ: ((وعلى أسماعهم)) (٣) . ويَحتمِلُ أن يكونَ المعنى: وعلى مواضع سَمْعِهم؛ لأنَّ السمعَ لا يُختم، وإنما يُختم موضعُ السَّمع، فُحذِفَ المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مَقامَهُ. وقد يكون السَّمْعُ بمعنى الاستماع، يقال: سَمْعُك حديثي يُعجبني(٤) أي: استماعُكَ إلى حديثي يُعجبني، ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ يصفُ ثوراً تَسمَّعَ إلى صوتٍ صائد وكلاب : وقد تّوَجَّسَ رِكْزاً مُقْفِرٌ نَدُسٌ بِنَبْأَةِ الصوتِ ما في سَمْعِهِ كَذِب(٥) أي: ما في استماعه كَذِبٌ، أي: هو صادقُ الاستماع. والنَّدُس: الحاذِقِ. والنَّبَّة: الصوتُ الخَفِيّ، وكذلك الرِّكْز. والسِّمْع، بكسر السين وإسكانِ الميم: ذِكْرُ الإنسان بالجميل، يقال: ذهبَ سِمْعُه في الناس، أي: ذِكْره. والسِّمْع أيضاً: وَلَدُ الذئب من الضَّبُع. والوقف هنا: ((وعلی سمعهم)). و ((غِشَاوَةٌ)) رفعٌ على الابتداء، وما قبلَه خبرٌ. والضمائرُ في ((قلوبهم)) وما عُطِف (١) البيت في الكتاب ٢٠٩/١، وشرح المفصل ٢٢/٦، واللسان (شجا) ونسبه للمسيب بن زيد مناة. وعندهم: ((لا تنكروا)). (٢) البيت للفرزدق، وأورده ابن الشجري في أماليه ١/ ١٧، والبغدادي في الخزانة ٥٣٢/٧ و٥٤٠، والقافية في الموضع الثاني: غير منحجر. (٣) أوردها ابنُ خالويه في القراءات الشاذة ص٢، وأبو حيان في البحر ٤٩/١، ونسباها لابن أبي عبلة. (٤) قوله: يعجبني، ليس في (م). (٥) ديوان ذي الرُّمَّة ٨٩/١. ٢٩١ سورة البقرة : الآية ٧ عليه لمن سَبَقَ في عِلْم الله أنه لا يُؤْمنُ من كفَّار قريش، وقيل: من المنافقين، وقيل: من اليهود، وقيل: من الجميع، وهو أصوبُ؛ لأنه يَعُمُّ. فالخَتْمُ على القلوب والأسماع، والغِشاوةُ على الأبصار. والغِشاءُ: الغِطّاء. وهي: التاسعة: ومنه غاشيةُ السَّرْج، وغَشَيْتُ الشيءَ أُغَشِيهِ. قال النابغة(١): هلَّا سألْتِ بَني ذُبْيانَ ما حَسَبِي إذا الدُّخَانُ تَغشَّى الأَشْمَطِ البَرَما وقال آخرُ (٢): صحبتُكَ إذْ عيني عليها غِشاوةٌ فلما انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نفسي أَلُومُها قال ابنُ كَيْسان: فإنْ جمعتَ غِشاوةً، قلتَ: غِشاء، بحذف الهاء(٣). وحكى الفرَّاءُ: غَشاوَى مثل أَداوَى(٤). وقُرِئ: ((غشاوةً) بالنصب(٥) على معنى: وجعل، فیکون من باب قوله : عَلَفتُها تِبْناً وماءً بارداً (٦) وقول الآخر: ياليت زوجَكِ قد غَدا مُتَقلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا (٧) المعنى: وأَسْقَيتُها ماءً، وحاملاً رمحاً؛ لأنَّ الرمحَ لا يُتَقَلَّد. (١) في ديوانه ص١٠٢. (٢) هو الحارث بن خالد بن العاص المخزومي، والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣١/١، وتفسير الطبري ١/ ٢٧١. (٣) قال السمين الحلبي في الدر المصون ١١٥/١: لما حُذفت الهاء قُلبت الواو همزةً. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١٨٦/١ - ١٨٧. (٥) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢، والنحاس في إعراب القرآن ١٨٦/١. (٦) هو في معاني القرآن للفراء ١٤/١، والخصائص ٤٣١/٢، والإنصاف ٦١٣/٢، والخزانة ١٤٠/٣، وشطره الثاني: حتى شتت همَّالةً عيناها. ونسبه الفراء لبعض بني أسد. (٧) البيت لعبد الله بن الزِّبَغْرَى، وهو في ديوانه ص٣٢، وفي مجاز القرآن ٦٨/٢، والكامل ٤٣٢/١ و٤٧٧ و٨٣٦/٢، والخصائص ٤٣١/٢، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١١٤٧/٣، والإنصاف ٦١٢/٢، وشرح المفصل ٥٠/٢، وجاء الشطر الأول منه في النسخ: قد غدا زوجك في الوغى، والمثبت من (م) والمصادر. ٢٩٢ سورة البقرة : الآية ٧ قال الفارسي: ولا تكادُ تجد هذا الاستعمالَ في حال سَعةٍ واختيار، فقراءةُ الرفع أحسنُ. وتكون الواو عاطفةً جملةً على جملة. قال: ولم أسمَعْ من الغِشاوة فعلاً مُتَصرِّفاً بالواو. وقال بعضُ المفسرين: الغِشاوةُ على الأسماع والأبصار، والوقفُ على ((قلوبهم)). وقال آخرون: الخَتْمُ في الجميع، والغِشاوةُ هي الخَتْمِ، فالوقفُ على هذا على ((غِشاوة)) (١). وقرأ الحسن: ((غشاوة)) بضم الغين، وقرأ أبو حَيْوَةَ(٢) بفتحها(٣). ورُوِيّ عن أبي عمرو: ((غَشْوة)) (٤) ردَّه إلى أصل المصدر. قال ابنُ كَيْسان: ويجوز: غَشْوة، وغُشْوة(٥)، وأجودُها غِشاوةٌ، كذلك تستعملُ العربُ في كل ما كان مشتملاً على الشيء، نحو عِمامة، وكنانة، وقلادة، وعِصابة، وغير ذلك. العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ﴾ أي: للكافرين المُكَذِّبِين ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ نعتُه. والعذابُ: مثلُ الضَّرب بالسَّوط، والحرقِ بالنار، والقطع بالحديد، إلى غير ذلك مما يُؤلم الإنسان. وفي التنزيل: ﴿وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وهو مشتقُّ من الحَبْسِ والمَنْع، يقال في اللغة: أغْذِبْهُ عن كذا، أي: إِحْبِسْه وامنَعْه، ومنه سُمِّي: عُذوبة الماء؛ لأنها قد أُعذبت، واستُعذب بالحبس في الوعاء، لِيصفوَ ويُفارقَه ما خالطَهُ. ومنه قولُ عليٍّ رضي الله عنه: أَعْذِبُوا نساءَكم عن الخروج، أي: احبِسُوهنَّ. وعنه رضي الله عنه وقد شَيَّعَ سَرِيَّةٌ، فقال: أعْذِبُوا عن ذكر النساء فإنَّ ذلك يَكْسِرُكم عن الغَزْو. (١) المحرر الوجيز ٨٩/١، وقد نقل المصنف قول الفارسي بواسطة ابن عطية، وينظر الحجة للقراء السبعة ١/ ٣٠٠ و٣١٢. (٢) هو شريح بن يزيد الحضرمي، الحمصي، صاحب القراءة الشاذة، ومقرئ الشام. توفي سنة (٢٠٣هـ). طبقات القراء ٣٢٥/١. (٣) إعراب القرآن) للنحاس ١٨٦/١، والقراءات الشاذة لابن خالويه ص٢. (٤) قراءة شاذة، وذكرها النحاس في إعراب القرآن ١٨٦/١، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢. والقراءة المتواترة عن أبي عمرو هي قراءة الجماعة: غِشاوةٌ. (٥) المصدر السالف، والكلام بعده لأبي جعفر النحاس. ٢٩٣ سورة البقرة : الآية ٨ وكلُّ من منعتَه شيئاً، فقد أعذَبْتَه(١)، وفي المثل: لأُلْجمنَّكَ لِجاماً مُعْذِباً(٢)، أي: مانعاً عن رکوب الناس. ويقال: أَغْذَبَ، أي: امتنع، وأعْذَبَ غيرَه، فهو لازمٌ ومتعدٍّ. فسُمِّيَ العذابُ عذاباً؛ لأنَّ صاحبَه يُحبَسُ ويُمنَعُ عنه جميعُ ما يلائم الجسدَ من الخير، ويُهالُ عليه أضدادُها. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ فيه سبع مسائل: ٨ الأولى: رَوى ابنُ جُريج عن مجاهد قال: نزلَتْ أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين، واثنتانِ في نعتِ الكافرين، وثلاثَ عشرة آيةً في المنافقين(٣). وروى أسباطٌ عن السُّدِّي في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ قال: هم المنافقون(٤). وقال علماءُ الصوفية: الناس اسم جِنْس، واسمُ الجِنْس لا يُخاطَب به الأولياء. الثانية: واختلف النُّحاةُ في لفظ ((الناس))، فقيل: هو اسمٌ من أسماء الجُموع، جمع إنسان وإنسانة(٥) ، على غير اللفظ، وتصغيره نُوَيْس، فالناسُ من النَّوْس، وهو الحركة، يقال: ناس ينُوس، أي: تحرَّك، ومنه حديثُ أُمِّ زَرْعٍ: «أَنَاسَ من حُلِيٍّ أُذُنِيّ)) (٦) . وقيل: أصلُه من نَسِيَ، فأصلُ ناس: نَسِيّ، قُلب فصار: نَيَسَ، تحركَتِ الياء، فانفتَحَ ما قبلَها، فانقلبَتْ ألفاً، ثم دخلت الألفُ واللام، فقيل: الناس. قال ابنُ عباس: نَسِيَ آدمُ عهدَ الله، فسُمِّيَ إنساناً(٧). وقال عليه الصلاة والسلام: (١) غريب الحديث لأبي عبيد ٤٦٧/٣. (٢) مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٢٠٠. (٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٤٥/١-٢٤٦ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد. (٤) تفسير الطبري ٢٧٦/١. (٥) إعراب القرآن ١٨٧/١، وذكر الجوهري والفيروزأبادي أن ((إنسانة)) عامِّية. (٦) أخرجه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٧) ذكره الفخر الرازي في تفسيره ٢/ ٦٠ - ٦١. ٢٩٤ سورة البقرة : الآية ٨ (نَسِيَّ آدمُ فَتَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ)) (١) . وفي التنزيل: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنًا إِلَّى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ﴾ [طه: ١١٥]. وسيأتي. فعلى هذا، فالهمزةُ زائدة، قال الشاعر(٢): لا تَنْسَيَنْ تلك العُهودَ فإنَّما سُمِّيتَ إنساناً لأنك ناسي وقال آخر : فإنْ تَسِيتُ عهوداً منك سالفةً فاغفِرْ فأوَّلُ ناسٍ أوَّلُ الناس(٣) وقيل: سُمِّي إنساناً لأُنْسه بحواء. وقيل: لأُنْسه بربِّه، فالهمزة أصلية، قال الشاعر: وما سُمِّيَ الإنسانُ إلا لأُنْسِهِ ولا القلبُ إلا أنَّه يَتَقَلَّبُ(٤) الثالثة: لما ذكر الله جلَّ وتعالى المؤمنين أولاً، وبدأ بهم لِشَرَفهم وفَضْلِهم، ذكّرَ الكافرين في مقابلتهم، إذ الكفرُ والإيمانُ طرفان. ثم ذكَرَ المنافقين بعدَهم، وألحقَهم بالكافرين قبلَهم، لنفي الإيمان عنهم بقوله الحقّ: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾. ففي هذا ردّ على الكرَّاميَّة حيث قالوا: إنَّ الإيمانَ قولٌ باللسان، وإن لم يعتقدْ بالقلب، واحتجُوا بقوله تعالى: ﴿فَأَتَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ﴾ [المائدة: ٨٥]. ولم يقل: بما قالوا وأضمروا، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا مِنِّي دماءَهم وأموالهم)) (٥) . وهذا منهم قُصورٌ وجُمودٌ، وترْكُ نَظَرِ لما نَطَقَ به القرآنُ والسنة من العمل مع القولِ والاعتقاد، وقد قال (١) قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه الترمذي (٣٠٧٦) و(٣٣٦٨)، وابن حبان (٦١٦٧)، والحاكم ٦٤/١ وصححه. وسيأتي عند تفسير الآية (٤٤) من سورة البقرة، والآية (٦٨) من سورة الأنعام، والآية (١٧٢) من سورة الأعراف، والآية (٤٢) من سورة يوسف. (٢) هو أبو تمَّام، والبيت المذكور في ديوانه ٢٤٥/٢. (٣) ذكره الرازي في تفسيره ٢/ ٦١، ونسبه لأبي الفتح البُسْتي، والشطر الأول عنده: نسيت عهدك والنسيان مغتفر. وأورده السمين الحلبي في الدر المصون ١/ ١٢٠، وابن عادل الحنبلي في اللباب ٣٢٩/١. (٤) لم نهتد إلى قائله، وأورده السمين الحلبي في الدر المصون ١١٩/١، وابن عادل الحنبلي في اللباب ٣٢٨/١. (٥) رُوي من حديث عدد من الصحابة: فأخرجه أحمد في المسند (٦٧)، والبخاري (٦٩٢٤) ومسلم (٢٠) من حديث أبي بكر وعمر وأبي هريرة، وأخرجه مسلم (٢٢) من حديث ابن عمر. وأخرجه أحمد (٨٩٠٤)، ومسلم (٢١) من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد (١٣٠٥٦)، والبخاري (٣٩٢) من حديث أنس، وأخرجه أحمد (١٤٢٠٩)، ومسلم (٢١): (٣٥) من حديث جابر، وأخرجه أحمد (١٦١٦٠) من حديث أوس بن أبي أوس الثقفي رضي الله عنهم أجمعين. ٢٩٥ سورة البقرة : الآية ٨ رسولُ اللهِ وَ﴿: ((الإيمانُ معرفة بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان)). أخرجه ابنُ ماجه في ((سنته)) (١). فما ذهب إليه محمدُ بن كَرَّام السِّجستاني(٢) وأصحابُه هو النِّفاقُ وعَيْنُ الشِّقاق، نعوذُ بالله من الخذلان وسوء الاعتقاد. الرابعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: المؤمنُ ضربان: مؤمنٌ يُحبُّه الله ویُوالیه، ومؤمنٌ لا يُحبُّه الله ولا يُواليه، بل يُبْغِضُه ويُعادِيه، فكلُّ مَنْ عَلِمَ الله أنه يُوافي بالإيمان، فالله مُحِبُّ له، مُوالٍ له، راضٍ عنه. وكلُّ مَن عَلِمَ الله أنه يُوافي بالكفر، فالله مُبغِضٌ له، ساخطٌ علیه، معادٍ له، لا لأجل إيمانه، ولکن لگُفِره وضلاله الذي يُوافي به. والكافر ضربان: كافرٌ يُعاقَب لا محالة، وكافرٌ لا يُعاقَب. فالذي يُعاقَب هو الذي يُوافي بالكفر، فالله ساخطٌ عليه معاد له. والذي لا يُعاقَب هو الموافي بالإيمان، فالله غيرُ ساخطٍ على هذا ولا باغض(٣) له، بل مُحِبٌّ له مُوالٍ، لا لِكُفْرِه، لكن لإيمانه المُوافي به، فلا يجوزُ أنْ يُطْلَقَ القول، وهي: الخامسة: بأنَّ المؤمنَ يستحِقُّ الثوابَ، والكافرَ يستحِقُّ العقابَ، بل يجبُ تقييدُه بالموافاة. ولأجل هذا قلنا: إنَّ الله راضٍ عن عمرَ في الوقت الذي كان يعبُدُ الأصنامَ، ومُرِيدٌ لثوابهِ ودخولهِ الجنةَ، لا لعبادتهِ الصَّنَ، لكن لإيمانه الموافي به(٤). وإنَّ الله تعالى ساخطٌ على إبليسَ في حال عبادتِه، لِكفره الموافي به. وخالفَتِ القَدَريَّةُ في هذا، فقالت(٥) : إنَّ الله لم يكن ساخطاً على إبليسَ وقتَ عبادتِه، ولا راضياً عن عمرَ وقتَ عبادتِه للصنم. وهذا فاسدٌ، لما ثبتَ أنَّ الله سبحانه عالمٌ بما يُوافي به إبليس لعنه الله، وبما يُوافي به عمر رضي الله عنه فیما لم يزل، (١) برقم (٦٥) من حديث علي رضي الله عنه. وفي إسناده عبد السلام بن صالح بن سليمان، أبو الصلت الهروي. قال البوصيري في الزوائد ١/ ٥١: متفق على ضعفه. (٢) المبتدع، شيخ الکرَّامية، کان زاهداً عابداً، ولکنه یروي الواهیات. توفي سنة (٢٥٥ هـ) بأرض بيت المقدس. السير ٥٢٣/١١. (٣) في (م): مبغض. (٤) وذلك باعتبار المآلِ، وأنه سيوافي ربه بقلبٍ مؤمن صادق. (٥) في (د): فقالوا، وفي (م): وقالت. ٢٩٦ سورة البقرة : الآية ٨ فثبتَ أنه كان ساخطاً على إبليسَ، مُحبًّا لعمر. ويدلُّ عليه إجماعُ الأمة على أنَّ الله سبحانه وتعالى غيرُ مُحِبٍّ لمن عَلِمَ أنه من أهل النار، بل هو ساخٌ عليه، وأنه مُحِبُّ لمن عَلِمَ أنه من أهل الجنة، وقد قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((وإنما الأعمالُ بالخواتيم)) (١)، ولهذا قال علماءُ الصوفية: ليس الإيمانُ ما يتزينُ به العبدُ قولاً وفعلاً، لكن الإيمان جَرْيُ السعادةِ في سوابقِ الأزل، وأما ظُهورُه على الهياكلِ، فربما يكونُ عارياً، وربما يكون حقيقةً. قلت: هذا کما ثبت في «صحیح)) مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسولُ اللهِ وََّ، وهو الصادقُ المصدوقُ: ((إنَّ أحدَكم يُجمَعُ خَلْقُه في بَظْنٍ أُمِّه أربعين يوماً، ثم يكونُ في ذلك عَلَقَةً مِثْلَ ذلك، ثم يكونُ في ذلك مُضْغَةً مِثْلَ ذلك، ثم يُرسِلُ الله المَلَكَ، فينْفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤْمَر بأربع كلماتٍ: بِكَتْب(٢) رِزْقهِ، وأجَلِهِ، وعَمَلِهِ، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إلهَ غيره، إنَّ أحدَكم لَيَعْمَلُ بعملٍ أهل الجنةِ حتى ما يكونَ بَيَنْهُ وبِينَها إلا ذِراعٌ (٣)، فَيَسْبِقُ عليه الكتابُ، فَيَعمَلُ بعمل أهلِ النار، فَيَدْخُلُها. وإنَّ أحدَكم لَيَعملُ بعملٍ أهل النارِ حتى ما يكونَ بينَه وبينَها إلا ذراعٌ، فَيَسْبِقُ عليه الكتابُ، فَيَعمَلُ بعملِ أهلِ الجنةِ، فَيَدْخُلُها))(٤) . فإن قيل، وهي: السادسة: فقد خرَّجَ الإمامُ الحافظُ أبو محمد عبدُ الغنيّ بنُ سعيد المصريّ من حديث محمد بن سعيدٍ الشامي المصلوب في الزندقة - وهو محمدُ بن أبي قيس - عن سلیمانَ بن موسی ۔ وهو الأشدق - عن مجاهد بن جبر، عن ابن عباس، أخبرنا أبو رَزِین العُقَيلي قال: قال لي النبي ◌َّهِ: ((لأَشربنَّ أنا وأنتَ يا أبا رَزِين من لبن لم يَتغيَّرْ طعمُه)) قال: قلتُ: كيف يُحيى الله الموتى؟ قال: ((أما مَرَرْتَ بأرضٍ لك مُجْدِبةٍ، ثم مَرَرْتَ بها مُخْصِبةً، ثم مَررْتَ بها مُجدِبةً، ثم مَررْتَ بها مُخصِبةً)) قلتُ: بلى. قال: ((كذلك النُّشُورُ)) قال: قلتُ: كيف لي أنْ أعلمَ أني مؤمنٌ؟ قال: ((ليس أحدٌ مِن هذه الأمةِ - قال ابنُ أبي (١) قطعة من حديث، أخرجه أحمد في المسند (٢٢٨٣٥)، والبخاري (٦٤٩٣) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. (٢) في النسخ: فيكتب، والمثبت من (م)، وهو الموافق لصحيح مسلم. (٣) في (د) و(ز) في الموضعين: بينه وبينها إلا مقدار شبر أو ذراع. (٤) صحيح مسلم (٢٦٤٣)، وهو أيضاً في صحيح البخاري (٣٢٠٨)، ومسند أحمد (٣٦٢٤). ٢٩٧ سورة البقرة : الآية ٩ قيس: أو قال: من أمتي - عَمِلَ حسنةً، وعَلِمَ أنها حسنةٌ، وأنَّ الله جازِيه بها خيراً، أو عَمِلَ سيِئَةً، وعَلِمَ أنها سيِّئَةٌ، وأنَّ الله جازِيه بها شَرًّا أو يَغْفِرُها، إلا مؤمنٌ))(١). قلت: وهذا الحدیثُ وإن کان سنده ليس بالقوي، فإنَّ معناہ صحیحٌ، ولیس بمعارِض لحديث ابن مسعود، فإنَّ ذلك موقوفٌ على الخاتمة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((وإنما الأعمالُ بالخواتيم)) (٢). وهذا إنما يَدُلُّ على أنه مؤمنٌ في الحال، والله أعلم. السابعة: قال علماءُ اللغة: إنما سُمِّيَ المنافقُ منافقاً، لإظهارِهِ غيرَ ما يُضْمِرُ، تشبيهاً باليَربوع، له ◌ُحر يقال له: النَّافِقاء، وآخرُ يقال له: القاصِعاء، وذلك أنه يَخرِقُ الأرضَ حتى إذا كاد يبلغُ ظاهرَ الأرض، أَرَقَّ الترابَ، فإذا رابَه رَيْبٌ، دفَع ذلك الترابَ برأسه فخرج، فظاهرُ جُحره ترابٌ، وباطنُه حفر. وكذلك المنافقُ ظاهرُه إيمانٌ، وباطِنُه كفرٌ، وقد تقدَّم هذا المعنى(٣) . قوله تعالى: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ قال علماؤنا: معنى ((يخادعون الله)) أي: يُخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنِّهم(٤). وقيل: قال ذلك لِعَمَلِهم عملَ المُخادِع. وقيل: في الكلام حَذْفٌ، تقدیُره: يُخادِعون رسولَ الله ◌َّ، عن الحسن وغيره. وجعل خداعَهم لرسوله خداعاً له؛ لأنه دعاهم برسالته، وكذلك إذا خادعوا المؤمنين، فقد خادعوا الله. ومُخادَعتُهم: ما أظهروه من الإيمان خِلافُ ما أبطنوه من الكفر، لِيَحْقِنوا دماءهم وأموالهم، ويظنُّون أنهم قد نَجَوْا وخَدَعوا، قاله جماعةٌ من المتأوِّلين(٥) . (١) ذكره ابن حجر في المطالب العالية (٢٨٨١) ونسبه لأبي يعلى (ولعله في الكبير). وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١٦١٩٤) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليمان بن موسى، عن أبي رزين العقيلي، بنحوه، دون قوله: ((لأشربنَّ أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه)). (٢) سلف في المسألة الخامسة. (٣) ص ٢٧٣. (٤) في (ظ): خلقهم. (٥) المحرر الوجيز ١ /٩٠. ٢٩٨ سورة البقرة : الآية ٩ وقال أهلُ اللغة(١): أصلُ الخَذْع في كلام العرب الفساد، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي(٢) . وأنشد: طَيِّبُ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ(٣) أبْيَضُ اللَّونِ لَذِيذٌ طَعْمُهُ قلت: فـ ((يُخادعون الله)) على هذا، أي: يُفسِدون إيمانَهم وأعمالَهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرِّياء. وكذا جاء مفسَّراً عن النبيِّ وَّ﴿ على ما يأتي(٤). وفي التنزيل: ويُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]. وقيل: أصلُه الإخفاء، ومنه مُخْدَعُ البيت الذي يُحرَزُ فيه الشيء. حكاه ابنُ فارس(٥) وغيرُه. وتقول العرب: انْخدَعَ الضَّبُّ في جُخْره. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْنُسَهُمْ﴾ نفيٌّ وإيجاب، أي: ما تَحُلُّ عاقبةٌ الخَذْعِ إلا بهم. ومن كلامهم: مَنْ خَدَعَ مَن لايُخْدَعِ، فإنما يَخْدَعُ نفسَه. وهذا صحيح؛ لأنَّ الخِداعَ إنما يكون مع مَن لا يَعرِفُ البواطنَ، وأما مَنْ عَرَفَ البواطنَ، فمن دخلَ معه في الخِداع، فإنما يَخْدَعُ نفسَه. ودَلَّ هذا على أنَّ المنافقين لم يعرِفوا الله، إذ لو عَرَفُوه، لَعَرَفوا أنه لا يُخْدَعُ، وقد تقدَّمَ من قوله عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لا تُخادِعِ الله، فإنه مَنْ يُخادِعِ الله، يَخدَغْهُ الله، ونفسَه يَخْدَعُ لو يَشْعر)). قالوا: يا رسولَ الله، وكيف يُخادَعُ الله؟ قال: ((تعملُ بما أمرك الله به، وتَطْلُبُ به غيرَه)) (٦). وسيأتي بيانُ الخَذْعِ من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِمْ﴾ [البقرة: ١٥]. وقرأ نافعٌ وابن كثير وأبو عمرو: ((يُخادعون)) في الموضعين، ليَتَجانس اللفظان. (١) الحجة للقراء السبعة ٣١٣/١. (٢) هو محمد بن زياد، أبو عبد الله الهاشمي مولاهم، إمام اللغة، النسابة، توفي سنة (٢٣١هـ). السير ١٠ / ٦٨٧. (٣) البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري، وهو في المفضليات ص١٩١. (٤) عند تفسير الآية (٢٦٤) من سورة البقرة، والآية (١٤٢) من سورة النساء. (٥) في مجمل اللغة)» ٢٧٩/١. (٦) تقدم ص ٣٥، باب تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء. ٢٩٩ سورة البقرة : الآية ١٠ وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: ((يخدعون)) الثاني. والمصدر: خِذع، بكسر الخاء، وخديعة. حكى ذلك أبو زيد(١). وقرأ مُوَرِّق العِجْليُّ(٢): ((يُخَدِّعون الله)) بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال على التكثير (٣). وقرأ أبو طالوت عبدُ السَّلام بنُ شدَّاد(٤) والجارود(٥): بضم الياء وإسكانٍ الخاء وفتحِ الدال، على معنى: وما يُخْدَعون إلا عن أنفسِهم، فحذف حرف الجر، كما قال تعالى: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي: من قومه(٦) . قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: يفطُنون أنَّ وبالَ خَذْعِهم راجعٌ عليهم، فيظنُّون أنهم قد نَجَوْا بخَدْعِهم وفازُوا، وإنما ذلك في الدُّنيا، وفي الآخرةِ يقال لهم: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَِّسُواْ نُورٌ﴾ [الحديد: ١٣] على ما يأتي. قال أهلُ اللغة: شَعَرْتُ بالشيء: فَطِنْتُ له(٧)، ومنه الشاعر لِفِطْنتِهِ، لأنه يَفُنُ لما لا يَفْطُن له غيرُه من غريب المعاني. ومنه قولهم(٨): ليت شِعْري، أي: ليتني عَلِمِتُ (٩). قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌ﴾ ابتداء وخبر. والمرضُ عبارةٌ مستعارةٌ للفساد (١) الحجة للقراء السبعة ٣١٢/١-٣١٣، والسبعة لابن مجاهد ص ١٣٩، والتيسير للداني ص ٧٢. (٢) أبو المعتمر البصري، الإمام، توفي في ولاية ابن هبيرة على العراق. السير ٣٥٣/٤. وقال الحافظ في التقريب: مات بعد المئة. (٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢، وأبو حيان في البحر ٥٧/١ وهي عندهما في قوله: (يخادعون)) الثاني. (٤) العبدي، القيسي، البصري، روى القراءة عن أبيه، وقد ولد أبوه يوم قبض النبي ول9. تهذيب التهذيب ٥٧٥/٢، وطبقات القراء ٣٨٥/١. (٥) ابن أبي سَبْرة الهذلي، أبو نوفل البصري، توفي سنة (١٢٠ هـ)، وهو من رجال التهذيب. (٦) القراءات الشاذة ص ٢، والمحتسب ٥١/١، والبحر المحيط ٥٧/١، والمحرر الوجيز ٩٠/١ - ٩١. (٧) في (م): أي: فطنت له. (٨) لفظ: ومنه قولهم، من (م). (٩) الصحاح (شعر)، ومجمل اللغة ٥٠٥/٢. ٣٠٠ سورة البقرة : الآية ١٠ الذي في عقائدهم. وذلك إما أن يكونَ شكًّا ونفاقاً، وإما جَحْداً وتكذيباً (١). والمعنى: قلوبُهم مرضى، لخلوِّها عن العِضْمةِ والتوفيق، والرعاية والتأييد. قال ابنُ فارس اللُّغوي(٢): المرضُ كلُّ ما خرجَ به الإنسانُ عن حدِّ الصحة من عِلَّةٍ، أو نفاقٍ، أو تقصيرٍ في أمر. والقُرَّاءُ مُجمعون على فتح الراء من ((مَرَض)) إلا ما رَوَى الأصمعيُّ عن أبي عَمرو أنه سكَّنَ الراء(٣). قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَا﴾ قيل: هو دعاءٌ عليهم. ويكون معنى الكلامِ: زادهم الله شكًا ونفاقاً جزاءً على كُفرهم، وضعفاً عن الانتصار، وعَجْزاً عن القُدْرة، كما قال الشاعر (٤): يامُرْسِلَ الرِّيحِ جَنوباً وصّبًا إِذْ غَضِبَتْ زِيدٌ فزِذْها غَضَبا أي: لا تَهْدِها على الانتصار فيما غَضِبَتْ منه. وعلى هذا يكون في الآيةِ دليلٌ على جواز الدعاء على المنافقين والطَّرْد لهم؛ لأنهم شَرُّ خلقِ الله(٥). وقيل: هو إخبارٌ من الله تعالى عن زيادةٍ مَرَضِهم، أي: فزادَهم الله مَرَضاً إلى مَرَضِهم، كما قال في آية أخْرَى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]. وقال أربابُ المعاني: ((في قُلُوبِهمْ مَرَضٌ)) أي: بِسُكونهم إلى الدنيا، وحُبِّهم(٦) لها، وغَفْلِتهم عن الآخرة، وإعراضِهم عنها. وقوله: ((فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً» أي: وَكَلَهم إلى أنفسِهم، وجَمَعَ عليهم همومَ الدنيا، فلم يتفرَّغوا من ذلك إلى اهتمامٍ بالدين. ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) بما يفنى عما يبقى. (١) المحرر الوجيز ٩٢/١. (٢) مجمل اللغة ٨٢٧/٣. (٣) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢، وابن جني في المحتسب ٥٣/١. (٤) هو الأخطل، والرجز في ديوانه ص٣١٩. (٥) تفسير أبي الليث ١/ ٩٥. (٦) في (د) و(ز): وجهلهم، بدل: وحبهم.