Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سورة الفاتحة (التأمين) والجواب: أنَّ إخفاءَ الدعاءِ إنما كان أفضلَ، لما يدخلُه من الرِّياء. وأما ما يتعلَّقُ بصلاة الجماعة، فشهودُها إشهارُ شِعارٍ ظاهر، وإظهارُ حقِّ يُندَبُ العبادُ إلى إظهاره. وقد نُدِبَ الإمامُ إلى إشهار قراءة الفاتحة المُشتَمِلَةِ على الدُّعاء والتأمين في آخرها، فإذا كان الدُّعاءُ مما يُسَنُّ الجَهرُ فيه، فالتأمين على الدعاء تابعٌ له، وجارٍ مَجراه، وهذا بيِّنٌ. الثامنة(١): كلمةُ ((آمينَ)) لم تكُن قبلَنا إلا لموسى وهارونَ عليهما السلام. ذكر الترمذيُّ الحكيمُ في ((نوادر الأصول)): حدثنا عبدُ الوارث بن عبد الصمد، قال: حدثنا أَبي، قال: حدثنا زَرْبِي(٢) مُؤَذِّنُ مسجدٍ هشام بنِ حسَّان، قال: حدثنا أنسُ بنُ مالك قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ أعطَى أُمَّتي ثلاثاً لم يُعطِ (٣) أحداً قبلَهم: السلامَ، هو تَحِيَّةُ أهل الجنة، وصفوفَ الملائكة، وآمينَ، إلا ما كان من موسى وهارونَ»(٤). قال أبو عبد الله: معناه أنَّ موسى دعا على فرعونَ، وأَمَّنَ هارونُ، فقال اللهُ تبارك اسمُه عندما ذَكَرَ دعاءً موسى في تنزيله: ﴿قَدْ أُجِبَت تَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، ولم يَذْكُر مقالةً هارونَ. وقال موسى: رَبَّنا، فكان مِن هارونَ التأمينُ، فسمَّاه داعياً في تنزيله، إذ صَيَّرَ ذلك منه دَعوَةً(٥). وقد قيل: إنَّ ((آمينَ)) خاصٌّ لهذه الأمة، لِما رُوِيَ عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((ما حَسَدَتْكُمُ اليهودُ على شَيء، ما حَسَدَتَكُم على السلام والتَّمِينِ)). أخرجه ابنُ ماجه من حديث حَمَّدٍ بنِ سَلَمَة، عن سُهَيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ◌َله قال ... الحديث(٦). (١) في (د) و(ز): السابعة . (٢) تحرف في النسخ و(م) إلى: رزين . (٣) في (م): تُعطّ . (٤) نوادر الأصول ص ١٨٥. زَرْبِي - وهو ابنُ عبد الله الأزدي - قال الترمذي بإثر (١٩١٩): له أحاديث مناكير عن أنس بن مالك وغيره، وقال ابن حبان في المجروحين ٣١٢/١: منكر الحديث على قلة روايته، يروي عن أنس ما لا أصل له، فلا يجوز الاحتجاج به . (٥) لم نقف على هذا الكلام في نوادر الأصول . (٦) سنن ابن ماجه (٨٥٦)، وإسناده صحيح. أبو صالح: هو ذكوان السَّمَّان. ٢٠٢ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) وأخرج أيضاً من حديثِ ابنِ عباس، عن النبيِّ وَِّ قال: ((ما حَسَدَتْكُمُ اليهودُ على شيء ما حَسَدَتكُم على آمينَ(١)، فأَكثِرُوا من قول آمينَ))(٢). قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما حَسَدَنا أهلُ الكتابِ؛ لأنَّ أوَّلَها حَمدٌ لله، وثَناءٌ عليه، ثمَّ خُضُوعٌ له واستِكانَةٌ، ثم دُعاءٌ لنا بالهِدايةِ إلى الصِّراطِ(٣) المستقيم، ثم الدعاءُ عليهم مع قولنا : آمين. الباب الرابع فيما تَضَمَّنَته الفاتحةُ من المعاني والقراءات والإعراب وفضل الحامدين وفيه ستّ وثلاثون مسألة: الأولى: قولُه سبحانه وتعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّ﴾ روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخُدريِّ، عن النبيِّ وَّ ه قال: ((إذا قال العبدُ: الحمدُ لله، قال الله: صَدَقَ عبدي، الحمدُ لي))(٤). ورَوَى مسلم عن أنس بنِ مالك قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ لَيَرضَى عن العَبدِ أن يَأْكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عليها، أو يَشرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحمَدَهُ عليها))(٥). وقال الحسنُ: ما مِن نِعمَة إلاَّ والحمدُ لله أفضَلُ منها(٦). وروى ابنُ ماجه عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما أَنْعَمَ اللهُ على (١) في (د) و(ظ): التأمين . (٢) سنن ابن ماجه (٨٥٧) . (٣) في النسخ الخطية: والصراط، بدل: إلى الصراط، والمثبت من (م). (٤) وأخرجه الترمذي (٣٤٣٠)، وابن ماجه (٣٧٩٤)، والنسائي في السنن الكبرى (٩٧٧٤) مطولاً. قال: الترمذي: حديث حسن غريب . وذكر الترمذي والنسائي أن شعبة رواه، ولم يرفعه . (٥) صحيح مسلم (٢٧٣٤): (٨٩)، وهو عند أحمد برقم (١٢١٦٨). (٦) ذكر البيهقي نحوه في شعب الإيمان بإثر الحديث (٤٤٠٤)، وأخرجه أيضاً (٤٤٠٦) من قول الحسن بلفظ حديث أنس الذي يليه . ٢٠٣ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) عَبد نِعمَةً، فقال: الحمدُ لله، إلا كان الذي أَعطاه أفضَلَ ممَّا أَخَذَ))(١). وفي (نوادر الأصول)) عن أنس بنِ مالك، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (لَو أنَّ الدُّنيا كلَّها بِحَذافِيرِها بيدِ رجل من أُمَّتي، ثم قال: الحمدُ لله، لكانتِ الحَمدُ لله أفضَلَ من ذلك)). قال أبو عبد الله: معناه عندنا أنه مَن أُعطِيَ الدُّنيا، ثم أُعطِيَ على أَثَرِها هذه الكلمةَ حتى نَطَقَ بها، لكانت(٢) هذه الكلمةُ أفضلَ من الدنيا كلِّها؛ لأنَّ الدُّنيا فانِيةٌ، والكلمةَ باقِيةٌ، هي من الباقياتِ الصالحاتِ. قال الله تعالى: ﴿وَاَلْنَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَرُّ عِندَ رَبِّكَ تَوَابًا وَخَيْرُّ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]. وقيل في بعض الروايات: لكان ما أَعطَى أفضلَ ممَّا أَخَذَ(٣). فَصَيَّرَ الكلمةَ إعطاءً من العبد، والدنيا أخذاً من الله، فهذا في التدبير (٤). كذاك يجري في الكلام، أنَّ هذه الكلمةَ من العبد، والدُّنيا من الله، وكلاهما من اللهِ في الأصل: الدنيا منه، والكلمةُ منه، أعطاه الدنيا، فأغناه، وأعطاه الكلمةَ، فَشرَّفَهُ بها في الآخرة. ورَوَى ابنُ ماجه عن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ الله وَلِهِ حدَّثهم: ((أنَّ عبداً من عبادِ الله قال: ياربِّ، لك الحَمدُ كما يَنبَغِي لِجَلالِ وَجِهِكَ، وعَظِيم سُلطانِكَ، فَعَضَّلَتْ بالمَلَكّينِ، فلم يَدرِيَا كيف يَكتُبانِها، فَصَعِدا إلى السماء، فقالا: يا رَبَّنا، إنَّ عبداً(٥) قد قالَ مَقالةً لا ندري كيف نَكتُبُها، قال اللهُ عزَّ وجلَّ - وهو أعلمُ بما قال عبدُه - ماذا قال عبدي؟ قالا : يارب، إنه قد قالَ: يارَبِّ، لك الحمدُ، كما يَنْبَغِي لجلالِ وَجهِكَ، وعظيم سُلطانِكَ، فقال اللهُ لهما: اكتُباها كما قال عبدي، حتى يَلقَاني، فَأَجِزِيَهُ بها)»(٦). قال أهلُ اللغة: أَعضَلَ الأمرُ: اشتَدَّ، واستَغلَقَ، والمُعَضِّلاتُ - بتشديد الضاد -: (١) سنن ابن ماجه (٣٨٠٥). (٢) في النسخ: أنه قد أعطي الدنيا ... فكانت، والمثبت من النوادر . (٣) في النسخ و(م): أكثر مما أخذ، والمثبت من نوادر الأصول ص٢١٥ - ٢١٦. (٤) في (د): التذكير . (٥) في (م): وقالا: ياربنا إن عبدك. (٦) سنن ابن ماجه (٣٨٠١). ٢٠٤ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) الشدائدُ(١). وعَضَّلَتِ المرأةُ والشاة: إذا نَشِبَ ولدُها، فلم يَسهُل مَخرجُه، بتشديد الضاد أيضاً. فعلى هذا يكون: أَعْضَلَتِ المَلَكَينِ، أو عَضَّلَتِ المَلَكّين، بغير باء. والله أعلم. ورَوَى مسلم (٢) عن أبي مالك الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِوَلِ: ((الظهور شَطِرُ الإيمان، والحمدُ لله تملأُ الميزان، وسبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ تملآنٍ - أو تملأُ - ما بين السماءِ والأرضِ)). وذكرَ الحديث(٣). الثانية: اختلف العلماءُ أيُّما أفضلُ: قولُ العبدِ: الحمدُ لله ربِّ العالمين، أو قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ؟ فقالت طائفةٌ: قولُه: الحمدُ لله ربِّ العالمين أفضلُ؛ لأنَّ في ضِمنْهِ التوحيدَ، الذي هو: لا إله إلا اللهُ، ففي قولِهِ توحيدٌ وحَمدٌ. وفي قولِه: لا إلهَ إلا اللهُ، توحيدٌ فقط. وقالت طائفةٌ: لا إلهَ إلا اللهُ أفضلُ؛ لأنها تَدفَعُ الكُفرَ والإشراكَ، وعليها يُقاتَلُ الخَلقُ. قال رسولُ الله وَلِ: ((أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا الله))(٤). واختار هذا القولَ ابنُ عطية(٥)؛ قال: والحاكِمُ بذلك قولُ النبيِّ نَّهِ: ((أفضلُ ما قلتُ(٦) أنا والنبيون مِن قَبلِي: لا إله إلا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له))(٧). الثالثة: أجمع المسلمون على أنَّ اللهَ محمودٌ على سائر نِعَمِهِ، وأنَّ مما أنعم اللهُ به الإيمانَ، فَدَلَّ على أنَّ الإيمانَ فِعْلُهُ وخَلْقُهُ، والدليلُ على ذلك قولُه: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. (١) وفي الصحاح واللسان والقاموس وغيرها: المُعْضِلات، بالتخفيف . (٢) في (د) و(م): وروي عن مسلم، ولم ترد في (ظ)، والمثبت من (ز). (٣) صحيح مسلم (٢٢٣). وهو في مسند أحمد (٢٢٩٠٢). (٤) أخرجه أحمد (٨٥٤٤)، والبخاري (٢٩٤٦)، ومسلم (٢١): (٣٣) من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد (١١٧)، والبخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠): (٣٢) من حديث عمر. وأخرجه أحمد (١٣٠٥٦)، والبخاري (٣٩٢) من حديث أنس. وأخرجه أحمد (١٤٢٠٩)، ومسلم (٢١): (٣٥) من حديث جابر. وأخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢): (٣٦) من حديث ابن عمر، رضي الله عنهم أجمعين . (٥) المحرر الوجيز ١/ ٦٦. (٦) في (د) و(ز): قلته. (٧) أخرجه أحمد (٦٩٦١)، والترمذي (٣٥٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما. ٢٠٥ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) والعالَمون جُمْلَةُ المخلوقات، ومِن جُملَتِها الإيمانُ، لا كما قال القَدَرِيَّةُ: إنه خَلْقٌ لهم، على ما يأتي بيانُه(١). الرابعة: الحمدُ في كلام العرب معناهُ: الثناءُ الكاملُ. والألفُ واللامُ لاستغراقٍ الجِنسِ من المحامد، فهو سبحانه يَستَحِقُّ الحمدَ بأَجمَعِهِ، إذ له الأسماءُ الحسنى، والصّفاتُ العُلا . وقد جُمِعَ لفظُ الحمد جَمِعَ القِلَّةِ في قول الشاعر: بأَفضَلِ أقوالي وأَفضَلٍ أَحْمُدي(٢) وأبلجَ محمودِ الثَّناءِ خصّصْتُه فالحمدُ نقيضُ الذَّمِّ، تقول: حَمِدتُ الرجلَ أَحمَدُه حَمداً، فهو حميدٌ ومحمودٌ. والتَّحمِيدُ أبلغُ من الحمدِ. والحمدُ أَعَمُّ من الشُّكر، والمُحَمَّدُ: الذي كَثُرت خِصالُه المحمودةُ. قال الشاعر(٣): إلى الماجد القَرْمِ الجَوَادِ المُحَمَّدِ وبذلك سُمِّيَ رسولُ الله ◌ِوَلِّ. وقال الشَّاعر (٤): فَشَقَّ له مِنِ اسمِهِ لِيُجِلَّهُ فِذُو العَرشِ محمودٌ وهذا مُحَمَّدُ والمَحمَدة: خلافُ المَذَمَّةِ. وأَحمَدَ الرجلُ: صار أَمرُهُ إلى الحَمدِ. وأَحمَدْتُهُ: وَجَدتُه محموداً، تقول: أتيتُ موضعَ كذا، فَأَحمَدتُهُ، أي: صادفتُه محموداً مُوافِقاً، وذلك إذا رَضِيتَ سُكْناه أو مَرْعاه. ورجلٌ حُمَدَةٌ - مثل(٥) هُمَزَة - يُكثِرُ حَمَدَ الأشياء، ويقولُ فيها أكثرَ ممَّا فيها. وحَمَدَةُ النَّارِ - بالتحريك -: صوتُ التهابِها (٦). (١) عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [ السجدة: ١٣]. (٢) أورده أبو حيان في البحر المحيط ١٨/١، والسمين الحلبي في الدر المصون ٣٨/١ - وعنه ابنُ عادل الحنبلي في اللباب ١/ ١٧٠ - ونقلوه عن ابن الأعرابي، حيث حكى جمع الحمد على أفْعُل، وقالوا: الأصل فيه المصدرية، فلذلك لا يثّ، ولا يُجمع . (٣) هو الأعشى ميمون بن قيس، والبيت في ديوانه ص ٢٣٩، وفيه: الفَرْع، بدل: القَرْم، وصدرُه: إليك أبَيْتَ اللَّعْنَ كان كَلالُها وهو من قصيدة يمدحُ فيها النعمانَ بنَ المنذر . قوله: القَرْم، يعني السيِّدَ المعظّم. (٤) هو حسان بن ثابت، رضي الله عنه، والبيت في ديوانه ص ٤٧ و ٩٢. (٥) في (د) و(ز): مثال . (٦) الصحاح (حمد). ٢٠٦ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) الخامسة: ذهب أبو جعفر الطبريُّ وأبو العباس المبرد إلى أنَّ الحمدَ والشُّكرَ بمعنّى واحدٍ سواء. وليس بِمَرْضِيٍّ. وحكاه أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ(١) في كتاب ((الحقائق)) له، عن جعفر الصادقِ وابن عطاء(٢). قال ابنُ عطاء: معناه الشُّكرُ لله، إِذ كان منه الامتنانُ على تعلیمِنا إِيَّاه حتی حَمِدناه. واستدلَّ الطبريُّ على أنهما بمعنَى، بِصِحَّةٍ قولك: الحمدُ لله شُكراً (٣). قال ابنُ عطيّة: وهو في الحقيقةِ دليلٌ على خِلافٍ ما ذَهَبَ إليه؛ لأنَّ قولَكَ: شُكراً، إنما خَصَصتَ به الحمدَ أنه (٤) على نِعمَة من النِّعَمِ. وقال بعضُ العلماء: إنَّ الشُّكرَ أعمُّ من الحمد؛ لأنه باللِّسان وبالجوارح والقلب، والحمدُ إنما يكونُ باللِّسان خاصَّةً. وقيل: الحمدُ أعمُّ؛ لأنَّ فيه معنى الشُّكرِ، ومعنى المَدح، وهو أعمُّ من الشُّكر؛ لأنَّ الحمدَ يُوضَعُ مَوضِعَ الشُّكر، ولا يُوضَعُ الشُّكِرُ مَوضِعَ الحَمدِ . ورُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: الحمدُ لله كلمةُ كلِّ شاكر(٥)، وإنَّ آدمَ عليه السلام قال حين عَطَسَ: الحمدُ لله(٦). وقال اللهُ لنوح عليه السلام: ﴿فَقُلِ الَْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَ مِنَ الْقَوْمِ الَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨]. وقال إبراهيمُ عليه السلام: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِ عَلَى الْكِبَرِّ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]. وقال في قصة داود وسليمانَ: ﴿وَقَالًا (١) محمد بن الحسين بن محمد، الأزديُّ، السُّلَميُّ الأمّ، صاحب طبقات الصوفية وغيره . توفي سنة (٤١٢ هـ). السير ١٧/ ٢٤٧. وكتاب الحقائق الذي ذكره له المصنف، اسمه حقائق التفسير؛ قال الذهبي في تذكرة الحفاظ ١٠٤٦/٣: أتى فيه بمصائب وتأويلات الباطنية، نسأل الله العافية . (٢) هو أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء، أبو العباس الأدمي، البغدادي، مات سنة (٣٠٩هـ). السير ١٤/ ٢٥٥. (٣) هو في تفسيره ١/ ١٣٧ ١٣٨، لكن المصنّف نقل ذلك عن ابن عطية في تفسيره ١/ ٦٦. (٤) في (د) و(ظ) و(م): لأنه، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لتفسير ابن عطية. (٥) أورد ابن جرير في تفسيره ١٣٦/١ قول ابن عباس: الحمد لله هو الشكر. وأورد السيوطي في الدر المنثور ١١/١، عن ابن عباس أيضاً قوله: الحمد لله كلمة الشكر . (٦) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي (٣٣٦٨) وحسّنه، والنسائي في الكبرى (٩٩٧٥) و(٩٩٧٦). ٢٠٧ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِينَ﴾ [النمل: ١٥]. وقال لِنَبِيِّهِ وَّهِ: ﴿وَقُلِ اْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَا﴾ [الإسراء: ١١١]. وقال أهلُ الجنة: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنْ﴾ [فاطر: ٣٤]. ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَ هُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. فهي كلمةُ كلِّ شاكرٍ. قلت: الصحيحُ أنَّ الحمدَ ثناءٌ على الممدوح بصفاته، من غير سَبقِ إحسان، والشُّكر ثناءٌ على المشكورِ بما أَولَى من الإحسان. وعلى هذا الحدِّ قال علماؤنا: الحمدُ أعمُّ من الشُّكر؛ لأنَّ الحمدَ يَقَعُ على الثناء، وعلى التَّحميدِ، وعلى الشُّكرِ، والجزاءُ مخصوصٌ، إنما يكون مُكافأةً لمن أَولاكَ معروفاً، فصار الحمدُ أعمَّ في الآية؛ لأنه يَزِيدُ على الشُّكرِ . ويُذكَرُ الحمدُ بمعنى الرِّضا، يقال: بَلَوتُه، فَحَمِدتُه، أي: رَضِيتُه. ومنه قولُه تعالى: ﴿مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وقال نَّهِ: ((أَحمَدُ إليكم غَسْلَ الإحليل))(١) أي: أرضاه لكم. ويُذكَّرُ عن جعفر الصادقِ في قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مَن حَمِدَهُ بصفاته كما وَصَفَ نفسَه، فقد حَمِدَ؛ لأنَّ الحمدَ حاءٌ وميمٌ ودالٌ، فالحاءُ مِنَ الوَحدانِيَّةِ، والميمُ مِنَ المُلْكِ، والدَّالُ مِنَ الدَّيمومِيَّةِ، فَمَنَ عَرَفَهُ بالوَحدانِيَّةِ والدَّيمومِيَّةِ والمُلكِ، فقد عَرَفَهُ، وهذا هو حقيقةُ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ . وقال شقيقُ بن إبراهيمَ (٢) في تفسير ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قال: هو على ثلاثةِ أوجه: أوَّلُها: إذا أعطاك اللهُ شيئاً، تَعرِفُ مَن أعطاكَ. والثاني: أن تَرضَى بما أعطاكَ. والثالث: ما دامَت قُوَّتُه في جسدِك ألا تَعصِيَه(٣). فهذه شرائِطُ الحَمد. السادسة: أثنَى اللهُ سبحانَه بالحمدِ على نفسِهِ، وافتتح کتابَه بحمده، ولم یأذَن في ذلك لغيره، بل نهاهُم عن ذلك في كتابه، وعلى لسان نبيِّه عليه الصلاة والسلام، (١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٤/١، عن ابن عباس موقوفاً . (٢) أبو علي البلخيّ، الأزديّ، شيخ خراسان، صحب إبراهيم بن أدهم. قُتل في غزاة كُولان سنة (١٩٤ هـ) . السير ٩/ ٣١٣. (٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٥٤٩). ٢٠٨ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) فقال: ﴿فَلَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ أَتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]. وقال عليه الصلاة والسلام: ((أُحثُوا في وجوه المذَّاحين التُّرابَ)). رواه المِقدادُ (١). وسيأتي القولُ فيه في ((النساء)) إن شاء اللهُ تعالى(٢). فمعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾: أي: سَبَقَ الحمدُ منِّي لنفسي قبلَ أن يَحمَدَني أحدٌ من العالَمين، وحَمدِي نَفسي لنفسي في الأَزَلِ لم يَكُن بِعِلَّةٍ (٣)، وحَمْدُ(٤) الخَلقِ مَشُوبٌ بالعِلَلِ . قال علماؤنا: فَيُستَقْبَحُ من المخلوقِ الذي لم يُعْطَ الكمالَ أن يَحمَدَ نفسَه، لِيستَجلِبَ لها المنافع، ويَدْفَعَ عنها المَضارَّ. وقيل: لمَّا عَلِمَ سبحانَه عَجْزَ عبادِهِ عن حَمدِهِ، حَمِدَ نفسه بنفسه لنفسه في الأزَلِ (٥)، فاستفراغُ طَوْقٍ(٦) عبادِهِ هو مَحَلُّ العَجزِ عن حَمدِهِ. ألا ترى سَيِّدَ المرسلين كيف أظهَرَ العَجَزَ بقوله: ((لا أُحصِي ثناءً عليك))؟(٧). وأنشدوا : إذا نحن أَثنَيْنا عليك بصالح فأَنتَ كما نُغْنِي وفوقَ الذي نُثْنِي(٨) وقيل: حَمِدَ نفسَه في الأَزَلِ، لِمَا عَلِمَ من كَثرةِ نِعَمِهِ على عبادِهِ، وعَجزِهِم عن القيام بواجب حَمدِهِ، فَحَمِدَ نفسَه عنهم، لتكونَ النِّعمَةُ أهناً لديهم، حيث أسقطَ عنهم به ثِقَلَ المِنَّةِ. السابعة: وأجمع القُرَّاءُ السبعةُ، وجمهورُ الناس، على رَفع الدَّالِ من ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. (١) أخرجه أحمد (٢٣٨٢٤) بهذا اللفظ، وبنحوه أخرجه مسلم (٣٠٠٢). (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية (٤٩) . (٣) في (د) و(ظ): لعلة . (٤) تحرف في (م) إلى: وحمدي . (٥) في (ظ): حمد نفسه بنفسه في الأزل . (٦) في النسخ الخطية: طرق، والمثبت من (م). (٧) أخرجه أحمد (٢٤٣١٢)، ومسلم (٤٨٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه أحمد أيضاً. (٧٥١) من حديث علي رضي الله عنه . (٨) البيت لأبي نُواس في قصيدة يمدح بها الأمين بن الرشيد، انظر ديوانه ص ٦٤٧. ٢٠٩ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) ورُوِيَ عن سفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ ورُؤْيَةَ بنِ العَجَّاجِ(١): ((الحمدَ لله))، بنصب الدَّال، وهذا على إضمارٍ فِعلٍ (٢). ويقال: ((الحمدُ لله)) بالرفع: مبتدأ وخبرٌ. وسبيلُ الخبر أن يُفيدَ، فما الفائدةُ في هذا؟ فالجوابُ أنَّ سيبويهِ قال: إذا قال الرجلُ: الحمدُ لله، بالرفع، ففيه من المعنى مثلُ ما في قولك: حَمِدتُ اللهَ حَمْداً، إلا أنَّ الذي يرفعُ (الحمدَ)) يُخبِرُ أنَّ الحمدَ منه، ومِن جميع الخَلقِ لله. والذي يَنصِبُ ((الحمدَ))، يُخبِرُ أنَّ الحمدَ منه وحدَه لله(٣). وقال غيرُ سيبويهِ: إنما يتكلَّمُ بهذا تَعرُّضاً لعفوِ الله ومَغْفِرَتِه، وتعظيماً له وتَمجيداً، فهو خِلافُ معنى الخبرِ، وفيه معنى السؤالِ. وفي الحديث: ((مَن شُغِلَ بذكري عن مسألتي، أَعطَيتُهُ أفضلَ ما أُعطي السائلين)»(٤). وقيل: إنَّ مَدْحَه عزَّ وجلَّ لنفسه وثناءَه عليها، لِيُعَلِّمَ ذلك عبادَه. فالمعنى على هذا: قولوا: الحمدُ لله(٥). قال الطبري: ((الحمد لله)) ثناءٌ أَثنَى به على نفسه، وفي ضِمنِهِ أَمَرَ عبادَه أن يُثْنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: الحمدُ لله. وعلى هذا يجيء: قولوا: إِيَّاكَ. وهذا(٦) مِن حَذْفِ العربِ ما يَدُلُّ ظاهرُ الكلام عليه. كما قال الشاعر: إذا سارَ النواعِجُ لا يَسيرُ وأَعلَمُ أَنَّني سأكونُ رَمْساً فقالَ السائلون(٧) لِمَن حَفَرْتُم و(٨) فقالَ القائلون لـهم وزير (١) التميمي، الراجز، من أعراب البصرة، كان رأساً في اللغة، توفي سنة (١٤٥ هـ) السير ٦/ ١٦٢. (٢) من قوله: وأجمع القراء .. من كلام ابن عطية في تفسيره ١/ ٦٦. وذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١ القراءة على نصب الدال، ونسبها لرؤبة . (٣) الکتاب ٣٢٨ -٣٢٩. (٤) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦) وغيره من حديث أبي سعيد الخدري، وسلف الكلام عليه ص ٩ (٥) في (ظ): الحمد لله ربِّ العالمين. (٦) في (ظ): قال: وهذا. (٧) في (د) و(ظ) . القائلون . (٨) أوردهما الفرَّاء في معاني القرآن ١/ ١٧٠، والطبري ١٤٠/١ و٩٩/١٧، ونسباهما إلى بعض بني عامر، وهما في البيان والتبيين ١٨٤/٣ باختلاف في بعض الألفاظ، ونسبهما للوزيري . قوله: الرَّمس: هو القبر، والنواعج جمع ناعجة، وهي الناقة البيضاء والسريعة . ٢١٠ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) المعنى: المحفورُ له وزيرٌ، فَحُذِفَ لدلالة ظاهرِ الكلام عليه، وهذا كثيرٌ(١). ورُوِيَ عن ابن أبي عَبلَةٍ(٢): ((الحمدُ لُلَّه)) بضم الدَّال واللَّام على إتباع الثاني الأوَّلَ(٣)، ولِيتجانَسَ(٤) اللَّفظُ. وطَلَبُ التجانُسِ في اللَّفِظِ كثيرٌ في كلامهم، نحو: أُجُوءُك، وهو مُنحَدُرٌ من الجبل، بضم الدَّالِ والجيم، قال: إِضرِبِ الساقَينُ أُمُّكَ هابِلُ(٥) بضم النون، لأجل ضَمِّ الهمزة. وفي قراءة لأهل مَّةَ: ((مُرُدِّفين)) بضم الراء إتباعاً للميم(٦)، وعلى ذلك ((مُقُبلين))(٧) بضم القاف. وقالوا: لإمِّك، فكسروا الهمزةَ، إتباعاً للَّام، وأَنشَدَ النعمانُ(٨) بنُ بَشير: وَيْلِمِّها في هواء الجَوِّ طالبةً ولا كهذا (٩) الذي في الأرضِ مظْلُوبُ(١٠) (١) من قوله: قال الطبري .. من تفسير ابن عطية ٦٦/١ - ٦٧، وهو في تفسير الطبري ١٣٩/١ - ١٤٠. (٢) هو إبراهيم بن أبي عبلة، أبو إسحاق العقيلي، الشامي، المقدسي، من بقايا التابعين، توفي سنة (١٥٢ هـ). السير ٦/ ٣٢٣. (٣) المحرر الوجيز ١/ ٦٦. وذكرها ابن خالويه في الشاذة ص ١. (٤) في (ظ): ولتجانس . (٥) أورده سيبويه في الكتاب ١٤٦/٤، وابن جني في الخصائص ١٤٥/٢ و١٤١/٣، وفي المحتسب ٣٨/١ وعنده: وقال اضرب الساقين ... ، وذكرا فيها أيضاً كسر همزة ((أمك)) لانكسار النون قبلها، وذكره الإستراباذي في شرح الشافية ٢٦٢/٢ بلفظ: وقد أضربُ الساقين ... وأوردها ابن منظور في اللسان (أمم) و(هبل). قوله: هابل، أي: ثَكْلَى . (٦) ذكرها ابن جني في المحتسب ٢٧٣/١، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٤٩، وذكر فيها كسر الراء أيضاً إتباعاً لكسرة الدال . (٧) في (م): مقتلين، وهو تصحيف . (٨) في (م): للنعمان . (٩) في النسخ الخطية: هكذا، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر . (١٠) وَيْلُمِّها؛ يقال بكسر اللام وضمِّها، وأورده سيبويه في كتابه ١٤٧/٤، ونسبه للنعمان بن بشير، وأورده أيضاً في ٢٩٤/٢، ونسبه لامرئ القيس، وكذلك نسبه ابن جني في سرّ صناعة الإعراب ٢٣٥/١، وابن يعيش في شرح المفضَّل ١١٤/٢، وهو في ديوانه ص ٢٢٧ في زيادات نسخة الطوسي، وجاء في شرحها ما نصه: قالوا: قول العرب: ويلمه: اللفظ به ذمٌّ، وهو في الظاهر عندهم مدحٌ . والطالبةُ: العُقاب، وقولُه: ولا كهذا، يريد: الذئب، يقول: لم أر كنجائه وهربه منها نجاءً، وهو مطلوبٌ !. ٢١١ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) الأصل: ويلٌ لأُمِّها، فحُذِفَتِ اللَّمُ الأُولى، واستثقَل ضَمَّ الهمزة بعد الكسرة، فنقلها للَّام، ثم أَتبَع اللَّامَ الميمَ. ورُوِيَ عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بنٍ عليٍّ(١): (الحمدِ اللهِ)(٢) بكسر الدَّالِ على إِتباعِ الأوَّلِ الثانيّ. الثامنة: قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: مالكِهم، وكلُّ مَن مَلَكَ شيئاً، فهو رَبُّه. فالرَّبُّ: المالكُ. وفي ((الصحاح)): والرَّبُّ اسمٌ من أسماءِ الله تعالى، ولا يُقال في غيرِه إلا بالإضافة، وقد قالُوه في الجاهلية للمَلِكِ. قال الحارثُ بنُ حِلْزَةَ(٣): مِ الحِيَارَينِ والبَلاءُ بَلاءُ وهو الرَّبُّ والشَّهِيدُ على يَو والربُّ: السَّيِّدُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. وفي الحديث: ((أن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها))(٤) أي: سَيِّدَتَها، وقد بيَّنَّه في كتاب ((التذكرة))(٥). والرَّبُّ: المُصلِحُ والمُدَبِّرُ، والجابرُ والقائم (٦)؛ قال الهَرَوِيُّ وغيرُه: يقال لمن قامَ بإصلاحِ شيء وإتمامِهِ: قد رَبَّهُ يَرُبُّهُ، فهو رَبٌّ له ورابٌّ، ومنه سُمِّيَ الرَّبَّانِيُّون، لقيامهم بالكُتُبِ(٧). وفي الحديث: ((هل لَكَ مِن نِعمةٍ تَرُبُّها عليه؟)) (٨) أي: تقومُ بها وتُصلِحُها . والرَّبُّ: المعبود، ومنه قول الشاعر: (١) هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، أبو الحسين الهاشمي المدني، كان ذا علم وصلاح، استُشهد سنة (١٢٢هـ) وهو ابنُ نَيِّف وأربعين عاماً. السير ٥/ ٣٨٩. (٢) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١، وابن جني في المحتسب ١/ ٣٧. (٣) اليشكري، أحد أصحاب المعلّقات، والبيت في معلُّقته (٣٨) شرح القصائد العشر لابن الأنباري ص ٤٧٥. وذكر فيه أنه عنى بالرَّب: المنذر بنَ ماء السماء، وكان غزا أهل الچيارَيْن، وقال: الحیاران: بلدان، ورواه ابنُ الأعرابي: يوم الجوارين. والبيت في الصحاح (والكلام منه)، واللسان (ربب). (٤) قطعة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سؤال جبريل عليه السلام النبيَّ ◌َ عن الإيمان والإسلام وأشراط الساعة، أخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨). (٥) واسمه بتمامه: التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، ولم نعثر على هذا الكلام فيه . (٦) يعني القائم بالأمور المصلح لما يفسد منها، كما في تفسير ابن عطية ١/ ٦٧. (٧) غريب الحديث لابن سلام ٤/ ٤٢٠، ومشارق الأنوار ١/ ٢٧٨. (٨) قطعة من حديث أبي هريرة في رجل زار أخاً له في الله، أخرجه أحمد (٩٢٩١)، ومسلم (٢٥٦٧). ٢١٢ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) لَقَد ھانَ(١) مَن بالت عليهِ الثَّعالِبُ(٢) أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعلُبَانُ بِرأسِهِ ويقال على التكثير: رَبَّاهُ ورَبَّبَه، ورَبَّتَهُ، حكاه النَّحاسُ(٣). وفي (الصحاح)): ورَبَّ فلانٌ ولدَه يَرُبُّهُ رَبَّ، ورَبَِّهُ، وتَرَبَّبَهُ، بمعنّى، أي: رَبَّهُ. والمَربوبُ: المُرَبَّى. التاسعة: قال بعضُ العلماء: إنَّ هذا الاسمَ هو اسمُ اللهِ الأعظمُ(٤)، لِكثرةٍ دعوةٍ الدَّاعينَ به، وتَأَمَّلْ ذلك في القرآنِ، كما في آخر آل عمران، وسورة إبراهيم، وغيرِهما. ولِمَا يُشعِرُ به هذا الوَصفُ من الصِّلَةِ بين الرَّبِّ والمَربوبِ، مع مايَتَضَمَّنُهُ من العَطف، والرحمةِ، والافتقارِ في كلِّ حال. واختُلِفَ في اشتقاقه، فقيل: إنه مُشتَقٌّ من التربيةِ، فالله سبحانه وتعالى مُدَبِّرٌ لِخَلِقِهِ ومُرَبِّيهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبَّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فسَمَّى بنتَ(٥) الزوجةِ رَبِيبة، لتربيةِ الزوجِ لها . فعلى أنهُ مُدَبِّرٌ لِخَلقِهِ ومُرَبِّيهم، يكون صفةَ فِعلٍ. وعلى أنَّ الرَّبَّ بمعنى المالكِ والسَّيِّدِ، يكون صفةً ذاتٍ(٦). العاشرة: متى أُدخِلَتِ الألفُ واللَّامُ على ((رب))، اختصَّ اللهُ تعالى به؛ لأنهما(٧) لِلعَهدِ، وإن حُذِفتا منه، صارَ مُشترَكاً بين اللهِ وبين عبادِهِ، فيقال: اللهُ رَبُّ العبادِ، وزيدٌ رَبُّ الدَّارِ. فاللهُ سبحانه ربُّ الأرباب، يَملِكُ المالكَ والمملوكَ، وهو خالقُ ذلك ورازِقُهُ، وكلُّ رَبِّ سواه غيرُ خالقٍ ولا رازقٍ، وكلُّ مملوكٍ فَمُمَلَّكٌ بعد أن لم (١) في (م): ذلَّ. (٢) أورده أبو عبيد في كتاب الأمثال ص ١٢٢، وابن قتيبة في أدب الكاتب ص ١٠٣، وابن الأنباري في المذكر والمؤنث ١/ ١٣٩. قال البكري في فصل المقال ص ١٨٤: قيل: إن هذا البيت لعباس بن مرداس السلمي . ونقل عن كراع في كتابه المنضد قوله: إن البيت لأبي ذر الغفاري، قاله في الجاهلية في صنم كان لهم، وقد رأى ثعلباً يبولُ عليه ! . (٣) إعراب القرآن ١/ ١٧١، ومعاني القرآن ١/ ٦٠. (٤) نوادر الأصول ص ٣٩٥. وأخرج ابن أبي شيبة ٢٧٣/١٠، والحاكم ١/ ٥٠٥ عن أبي الدرداء وابن عباس قالا: إن اسم الله الأكبر: ربّ ربّ. وسكت عنه الحاكم والذهبي. (٥) في النسخ الخطية: ولد، والمثبت من (م). (٦) هذا الكلام وما بعده في النكت والعيون (تفسير الماوردي) ١/ ٥٤. (٧) في (د) و(م): لأنها . ٢١٣ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) يَكُن، ومُنْتَزَعُ ذلك من يَدِهِ، وإنما يَملِكُ شيئاً دون شيء. وصفةُ الله تعالى مخالفةٌ لهذه المعاني، فهذا الفَرقُ بين صفةِ الخالق والمخلوقين(١). الحادية عشرة: قوله تعالى: ((العالمين)): اختلفَ أهلُ التأويل في «العالَمين» اختلافاً كثيراً، فقال قتادةُ: العالَمون جمع عالَم(٢)، وهو كلُّ موجودٍ سوى الله تعالى، ولا واحدَ له من لَفِظِهِ، مثلُ رَهْط وقوم. وقيل: أهلُ كلِّ زمان عالَم (٣). قاله الحسينُ بن الفَضلِ، لقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُنَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]، أي: من الناس. وقال العَجَّاجُ(٤): فَخِنْدِفٌ هامةُ هذا العالمِ وقال جريرُ الخَطَفَى(٥): تَنَصَّفُهُ البَرِيَّةُ وهوَ سامٍ ويُضْحِي العالَمون له عِيالا وقال ابنُ عباس: العالَمون: الجِنُّ والإنسُ، دليلُه قولُه تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَّذِيْرًا﴾ [الفرقان: ١]، ولم يَكُن نذيراً للبهائم(٦). وقال الفرَّاءُ وأبو عُبيدةَ: العالَمُ عبارةٌ عمن يَعقِلُ، وهم أربعةُ أُمَم: الإنسُ، والجِنّ، والملائكةُ، والشياطينُ. ولا يقال للبهائم: عالَمٌ؛ لأنَّ هذا الجمعَ إنما هو جَمِعُ مَن يَعقِلُ خاصَّة. قال الأعشى : (١) في (ظ): والمخلوق . (٢) أخرج الطبري ١٤٦/١ عن قتادة قوله: كلُّ صنف عالَم . (٣) تفسير الطبري ١٤٤/١، والمحرر الوجيز ٦٧/١، والنكت والعيون (تفسير الماوردي) ١/ ٥٤. (٤) عبد الله بن رُؤية أبو الشعثاء، العجَّاج الراجز، لقي أبا هريرة، وسمع منه أحاديث. والشاهد الذي أورده له المصنف هو في ديوانه: ٦٠، وصدره: مُبارك للأنبياءِ خَأْتَمُ وهو من الرَّجَز، ونقل ابن جني في سر صناعة الإعراب ١/ ٩٠ عنه أنه كان يهمز العالم والخاتم. قوله: خِندِف: هي امرأة إلياس بن مضر بن نزار، واسمها ليلى . اللسان (خندف). (٥) في (م): ابن الخَطَفَى، والبيت في ديوانه ٢/ ٧٥٠، وفيه: ويُمْسِي العالمون .. قوله: تَنَصَّفُهُ، أي: تطلبُ فضلَه . (٦) تهذيب اللغة للأزهري ٢ / ٤١٦. ٢١٤ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) ما إن سَمِعْتُ بمثلهِم في العالَمينا (١) وقال زيدُ بنُ أَسلمَ: هم المرتزقون. ونحوه قولُ أبي عمرو بن العلاء: هم الرُّوحانيُّون. وهو معنى قولِ ابن عباس أيضاً: كلُّ ذي رُوح دَبَّ على وجهِ الأرض(٢). وقال وَهْبُ بن مُنَبِّه: إنَّ لله عزَّ وجلَّ ثمانيةَ عشر ألفَ عالَم، الدنيا عالَمٌ منها. وقال أبو سعيد الخدري: إنَّ لله أربعين ألفَ عالَم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالَمٌ واحد. وقال مُقاتل(٣): العالَمون ثمانون ألف عالَم، أربعون ألف عالم في البَرِّ، وأربعون ألفَ عالَم في البحر. وروى الربيعُ بنُ أنس، عن أبي العاليةِ قال: الجِنُّ عالَمٌ، والإنسُ عالَمٌ، وسوى ذلك للأرض أربعُ زوايا في كلِّ زاوية ألفٌ وخمسُ مئة عالم، خَلَقَهُم لعبادِتِهِ(٤). قلت: والقولُ الأولُّ أصحُّ هذه الأقوالِ؛ لأنه شامِلٌ لكلِّ مخلوقٍ وموجود، دليلُه قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمََّ﴾ [الشعراء: ٢٣ -٢٤]. وهو (٥) مأخوذٌ من العَلَم والعَلاَمةِ؛ لأنه يَدُلُّ على مُوجِدِهِ. كذا قال الزجَّاج (٦). قال: العالَمُ: كلُّ ما خَلَقَه اللهُ في الدنيا والآخرة. وقال الخليلُ(٧): (١) لم نقف عليه للأعشى، وفي وزنه نظر، وقد ذكر صاحب الأغاني ٣٧٩/١٥ للبيد بن ربيعة قوله: ـتُ بمثلهم في العالمينا ما إن رأيتُ ولا سَمِغـ وهو في ديوانه ص ٢١٥. (٢) زاد المسير ١/ ١٢. (٣) ابنُ سليمان البَلْخي، أبو الحسن، أجمعوا على تركه، وقال ابنُ المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة . مات سنة نيف وخمسين ومئة . السير ٧/ ٢٠١. (٤) أخرج قولَ وهب أبو الشيخ في العظمة (٩٥١)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٧٠، وذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٢ / ٤١٦. وأخرج قول أبي العالية الطبريُّ في التفسير ١٤٦/١، وهذه الأخبار التي ذكرها المصنف في عدد العالَمين ليست من الصحيح في شيء. قال ابن كثير بعد أن أورد قول أبي العالية: وهذا كلام غريب، يحتاج مثله إلى دليل صحيح . وقال أبو حيان في البحر ١٨/١: ونُقل عن المتقدمين أعداد مختلفة في العالَمين، الله أعلم بالصحيح . (٥) في (م): ثم هو . (٦) هذا كلام ابن عطية في تفسيره ١ / ٦٧. ثم نقل قول الزجاج عن الماوردي في تفسيره ١/ ٥٥. وينظر معاني القرآن للزجاج ١ / ٤٦. (٧) العين ١٥٣/٢ (علم). ٢١٥ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) العَلَمُ والعَلَامةُ والمَعلَمُ: ما دَلَّ على الشيء، فالعالَمُ دالٌّ على أنَّ له خالقاً ومُدَبِراً، وهذا واضحٌ. وقد ذُكر أنَّ رجلا قال بين يَدَي الجُنَيد(١): الحمدُ لله، فقال له: أَتِمَّها كما قال اللهُ، قُل: رَبِّ العالمين، فقال الرجلُ: ومَن ((العالمين)) حتى تُذكّرَ مع الحَقِّ؟ قال: قُل يا أخي، فإنَّ المُحدَثَ إذا قُرِنَ مع القديم لا يَبقى له أَثَرِّ. الثانية عشرة: يجوزُ الرفعُ والنَّصبُ في ((ربِّ))، فالنَّصبُ على المدح، والرفعُ على القَطعِ، أي: هو ربُّ العالمين. الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿الرَّحَْنِ الرَّحِيمِ﴾: وَصَفَ نفسَه تعالى بعد «رَبِّ العالمين)) بأنه ((الرحمن الرحيم))؛ لأنه لمَّا كان في اتِّصافه بـ ((ربِّ العالمين)) ترهيبٌ، قَرَنَهُ بـ ((الرحمن الرحيم))، لِمَا تَضَمَّنَ من الترغيب، لِيَجْمَعَ في صفاتِه بين الرَّهْبَةِ منه، والرَّغَبَةِ إليه، فيكونَ أعوَنَ على طاعته وأمنَعَ، كما قال: ﴿نَبِئْ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّبٍ شَدِيدِ الْمِقَابِ ذِى الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]. وفي (صحيح)) مسلم عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: «لَو يَعلَمُ المؤمنُ ما عِندَ اللّهِ مِنَ العُقوبةِ، ما طَمِعَ بِجَنَّهِ أحَدٌ. ولَو يَعلَمُ الكافرُ ما عِندَ الله مِنَ الرَّحمةِ، ما قَنَطَ من جَنَّتِهِ أحدٌ))(٢). وقد تقدَّم ما في هذين الاسمين من المعاني، فلا معنى لإعادته . الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾: قرأ محمدُ بنُّ السَّمَيفَع(٣) بنصب ((مالك)). وفيه أربعُ لُغَات: مالِكِ، ومَلِكِ، ومَلْكِ - مُخَفَّفة من مَلِكِ - ومَلِيكِ. قال الشاعر (٤): (١) ابن محمد بن الجُنيد النهاوندي، البغدادي، يُكنى أبا القاسم، توفي سنة (٢٩٨هـ). السير ٦٦/١٤. (٢) صحيح مسلم (٢٧٥٥)، وهو عند أحمد (٩١٦٤). (٣) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن السَّمَيْفَع اليماني، قال الذهبي في معرفة القراء الكبار ٣٥٥/١: قراءته في عداد الشاذة، فمنها ((مالك)) بفتح الكاف. توفي سنة (٢١٣هـ)، وقيل: (٢١٥). (٤) هو عمرو بن كلثوم، أحد أصحاب المعلّقات، وسيورد المصنف البيت منسوباً له في الصفحة ٢٢٢. ٢١٦ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) : عَصَينا المَلْكَ فيها أن نَدِينا(١) وأيام لنا غُرِّ طِوال وقال آخرُ(٢): فَاقْنَعْ بما قَسَمَ المَلِيكُ فإنَّما قَسَمَ الخلائقَ بينَنا علَّمُها الخلائق: الطبائعُ التي جُبِلَ الإنسانُ عليها . ورُوِيَ عن نافع إشباعُ الكسرة في ((مَلِكِ))، فيقرأُ: ((مَلِكِي)) على لغةٍ مَن يُشْبعُ الحركاتِ، وهي لغةٌ للعرب، ذكرَها المَهدَوِيُّ وغيرُه(٣). الخامسة عشرة: اختلف العلماءُ أَيُّما أبلغُ: مَلِكِ أو مالك؟ والقراءتان مَروِيَّتان عن النبيِّ وَّهِ، وأبي بكر وعمرَ. ذكرهما الترمذيُّ(٤). فقيل: ((مَلِك)) أعمُّ، وأبلغُ من ((مالك))، إِذٍ كلُّ مَلِك مالِكٌ، وليس كلُّ مالِك مَلِكاً، ولأنَّ أمْرَ المَلِكِ نافذٌ على المالك في مِلكِهِ، حتى لا يتصرَّفَ إلا عن تدبير المَلِكِ. قاله أبو عُبيدة والمبرّد. وقيل: ((مالك)) أبلغُ؛ لأنه يكونُ مالكاً للناس وغيرِهم، فالمالكُ أبلغُ تصرُّفاً وأعظمُ، إِذ إليه إجراءُ قوانينِ الشرع، ثم عندَه زيادةُ التملُّكِ(٥) وقال أبو عليٍّ: حكى أبو بكر بنُ السرَّاج عن بعض مَنِ اختارَ القراءَة بـ ((مَلِكِ)) أنَّ اللهَ سبحانه قد وَصَفَ نفسَه بأنه مالِكُ كلِّ شيءٍ بقوله: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، فلا فائدةَ في قراءة مَن قرأ: (مالك))؛ لأنها تكرارٌ. قال أبو عليٍّ: ولا حُجَّةَ في هذا؛ لأنَّ في التنزيل أشياءَ (٦) على هذه الصورةِ، تَقَدُّم العامِّ، ثم ذِكر الخاصِ، كقوله: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوّرِّ﴾ [الحشر: ٢٤]، فالخالقُ يَعُمُّ، وذَكَرَ المصوِّرَ، لما فيه من التَّنبيهِ على الصَّنْعةِ، ووجودٍ(٧) الحِكمةِ. (١) البيت رقم (٢٠) من معلقته في شرح القصائد السبع لابن الأنباري، ص ٣٨٨. وقال في شرح الشطر الثاني منه: معناه عصينا الملك أن نطيعه، يقال: دِنْتُ لفلان، أي: دخلتُ في طاعته . (٢) في النسخ الأصلية: آخر، دون لفظ ((وقال)) وهو لَبيد بن ربيعة، والبيت في ديوانه ص ١٧٩. (٣) المحرر الوجيز ١ / ٦٨. والقراءة المتواترة عن نافع هي: مَلِكِ، وينظر البحر المحيط ٢٠/١. (٤) سنن الترمذي (٢٩٢٧) و(٢٩٢٨). وقرأ عاصم والكسائي من السبعة: مالك، وقرأ الباقون: مَلِك. انظر السبعة ص ١٠٤، والتيسير ص ١٨. (٥) النكت والعيون (تفسير الماوردي) ٥٦/١، والمحرر الوجيز ١ / ٦٩. (٦) في (ز): إنشاء. (٧) في (ز) و(ظ): ووجوه. ٢١٧ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) وكما قال تعالى: ﴿وَبِآلْأَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، بعد قوله: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ﴾، والغَيْبُ يَعُمُّ الآخرةَ وغيرَها، ولكن ذكرَها لعظمها، والتنبيه على وجوب اعتقادها، والرَّدِّ على الكفرة الجاحدين لها، وكما قال: ((الرحمن الرحيم)) فذَكَرَ («الرحمن» الذي هو عامٌّ، وذَكَرَ ((الرحيم)) بعدَه، لِتَخصيصِ المؤمنين به في قوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣](١). وقال أبو حاتم: إنَّ((مالكاً)) أبلغُ في مَدح الخالق مِن ((مَلِكِ))، و((مَلِك)) أبلغُ في مَذْحِ المخلوقين من «مالك))، والفرقُ بينهما: أنَّ المالكَ من المخلوقين قد يكون غیرَ مَلِكٍ، وإذا كان الله تعالى مالكاً، كان مَلِكاً (٢). واختارَ هذا القولَ القاضي أبو بكر بنُ العربي، وذَكَرَ ثلاثَةً أوجهٍ: الأوَّل: أنك تُضِيفُهُ إلى الخاصِّ والعامِّ، فتقول: مالكُ الدَّارِ والأرضِ والثَّوبِ، كما تقول: مالِكُ الملوك. الثاني: أنه يُطلَقُ على مالِكِ القليلِ والكثيرِ. وإذا تأمَّلتَ هذَينِ القَولَينِ، وَجَدْتَهما واحداً . والثالث: أنك تقولُ: مالِكُ المُلْكِ، ولا تقول: مَلِكُ المُلكِ. قال ابنُ الحصَّار: إنما كان ذلك؛ لأن المُرادَ من «مالك» الدَّلالةُ على المِلْكِ - بكسر الميم - وهو لا يَتَضَمَّنُ المُلْك - بضم الميم - و («مَلِكِ)) يَتَضَمَّنُ الأمرَينِ جميعاً، فهو أَوْلَى بالمبالغة. ويَتَضَمَّنُ أيضاً الكمالَ، ولذلك استَحَقَّ المُلْكَ على مَن دونَه، ألا تَرى إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِ اَلْعِلْمِ وَاَلْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]؟ ولهذا قال عليه السلام: ((الإمامةُ في قريشٍ))(٣)، وقُرَيشٌ (١) من قوله: وقال أبو علي: حكى أبو بكر ... من كلام ابن عطية في تفسيره ١/ ٧٠. وينظر الحجة لأبي علي الفارسي ١/ ١٠. (٢) من قوله: وقال أبو حاتم: إن ((مالكاً)) أبلغ ... من تفسير الماوردي ١ / ٥٦. وأبو حاتم: هو سهل بن محمد بن عثمان السجستاني، النحوي، اللغوي، تخرَّج به أئمة، منهم أبو العباس المبرِّد، له إعراب القرآن وغيره الكثير. توفي سنة (٢٥٥هـ) . سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٦٨. (٣) أخرج البخاري (٧١٤٠)، ومسلم (١٨٢٠) من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)). وأخرج البخاري (٧١٣٩) نحوه من حديث معاوية. وأخرج أحمد (١٢٣٠٧) من= ٢١٨ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) أفضلُ قبائلِ العرب، والعربُ أفضلُ من العَجَم وأشرَفُ. ويَتَضَمَّنُ الاقتدارَ والاختيارَ، وذلك أمرٌ ضروريٌّ في المَلِكِ، إن لم يكُن قادراً مُختاراً، نافذاً حُكْمُهُ وأمرُه، قَهَرَهُ عدوُّه، وغَلَبَهُ غيرُه، وازْدَرَتَهُ رَعِيَّتُهُ. ويتضمَّنُ البَطشَ، والأمرَ والنَّهيّ، والوَعدَ والوعيدَ، ألا تَرى إلى قولٍ سليمانَ عليه السلام: ﴿مَالِى لَا أَرَىَ اٌلْهُدْهُدَ أَمْ ،لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢٠ -٢١]؟ إلى غيرِ ذلك من كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ الأمورِ العجيبةِ، والمعاني الشريفةِ، التي لا تُوجَدُ في المالك. قلت: وقد احتجَّ بعضُهم على أنَّ ((مالِكاً)) أبلغُ؛ لأنَّ فيه زيادةً حرف، فلقارِئه عَشرُ حَسَناتٍ زيادةً على من(١) قَرَأَ: ((مَلِكِ)). قلتُ: هذا نظر إلى الصِّيغةِ، لا إلى المعنى، وقد ثَبْتَت القرءاةُ بـ ((مَلِكِ))، وفيه من المعنى ما ليس في ((مالك)) على ما بَيِّنًّا. واللهُ أعلم. السادسة عشرة: لا يجوزُ أن يَتَسَمَّى أحدٌ (٢) بهذا الاسم، ولا يُدعَى به، إلا اللهُ تعالى. روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((يَقْبِضُ اللهُ الأرضَ يومَ القيامة، ويَطوِي السماءَ بيمينه، ثم يقولُ: أنا المَلِكُ، أينَ ملوكُ الأرض؟))(٣). وعنه أيضاً، عن النبيِّ وَّ قال: ((إنَّ أَخنَعَ اسم عند اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأملاك)). زاد مسلمٌ: ((لا مَلِكَ (٤) إلا اللهُ عزَّ وجلَّ)). قال سفيانُ: مثل: شَاهان شاه. وقال أحمدُ بن حنبل: سألتُ أبا عمرو الشيبانيَّ عن ((أَخْتَعَ))، فقال: أَوْضع(٥). = حديث أنس مرفوعاً: ((الأئمة من قريش)). وأخرج أحمد أيضاً (١٧٦٥٤) من حديث عتبة بن عبد مرفوعاً: ((الخلافة في قريش»، ولم نجد الحديث باللفظ الذي أورده المصنف . (١) في (م): عمن . (٢) في (د): لأحد أن يتسمَّى . (٣) صحيح البخاري (٧٣٨٢)، وصحيح مسلم (٢٧٨٧): (٢٣). (٤) في (م): مالك . (٥) صحيح البخاري (٦٢٠٦)، وصحيح مسلم (٢١٤٣): (٢٠)، ولم يذكر البخاري قول أحمد . والحديث في المسند (٧٣٢٩) . وأبو عمرو الشيباني: هو إسحاق بن مِرار، اللغوي، صاحب العربية . توفي سنة (٢١٣ هـ). إنباه الرواة ١/ ٢٢١. ٢١٩ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) وعنه قال: قال رسولُ الله ◌َل﴿: ((أَغيَظُ رَجُل على اللهِ يومَ القيامة وأَخبَتُهُ، رجلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الأملاكِ، لا مَلِكَ إلا اللهُ سبحانه))(١). قال ابنُ الحصَّار: وكذلك ((مَلِكِ يومِ الدِّين)) و («مالك المُلكِ)»، لا ينبغي أن يُختَلَفَ في أنَّ هذا مُحرَّمٌ على جميع المخلوقين، كتحريم مَلِكِ الأملاك سواء. وأما الوَصفُ بمالكِ ومَلِكٍ، وهي: السابعة عشرة: فيجوزُ أن يُوصَفَ(٢) بهما مَنِ اتَّصَفَ بمفهومهما. قال اللهُ العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكً﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وقالِوَّهُ: («ناسٌ من أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً في سبيل الله، يَركَبون ثَبَجَ هذا البحر، مُلُوكاً على الأَسِرَّة)) أو: ((مِثلَ الملوك على الأَسِرَّةِ»(٣). الثامنة عشرة: إن قال قائلٌ: كيف قال: ((مَالِكِ يَومِ الدِّينِ))، ويومُ الدِّين لم يُوجَد بعدُ، فكيف وَصَفَ نفسَه بِمِلْكِ ما لم يُوجِدهُ؟ قيل له: إِعلَم أنَّ ((مالكا)) اسمُ فاعل مِن مَلَكَ يَملِكُ، واسمُ الفاعل في كلام العرب قد يُضافُ إلى ما بعدَه، وهو بمعنى الفعل المُستقبَل، ويكون ذلك عندَهم كلاماً سديداً، معقولاً صحيحاً، كقولك: هذا ضاربٌ زيداً غداً، أي: سَيَضرِبُ زيداً. وكذلك: هذا حاتجٌّ بيتَ اللهِ في العام المُقبِلِ، تأويلُه: سَيَحُجُّ في العامِ المُقبلِ، أفلا ترى أنَّ الفعلَ قد نُسِبَ (٤) إليه وهو لم يَفعَلهُ بعدُ، وإنما أُريدَ به الاستقبالُ؟ فكذلك قولُه عزَّ وجلَّ: ((مالكِ يومِ الدين)) على تأويل الاستقبال، أي: سَيَملِكُ يومَ الدِّين، أو في يومِ الدِّين إذا حَضَرَ. ووجهٌ ثان: أن يكونَ تأويلُ المالك راجعاً إلى القُدرَة، أي: إنه قادرٌ في يوم الدين، أو على يوم الدين وإِحداثِهِ، لأنَّ المالكَ للشيء هو المتصرِّفُ في الشيء(٥) (١) صحيح مسلم (٢١٤٣): (٢١). (٢) في (ظ): يتصف . (٣) أخرجه أحمد (٢٧٠٣٢)، والبخاري (٢٧٩٩)، ومسلم (١٩١٢) من حديث أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها . (٤) في (ظ) و(م): ينسب. (٥) في النسخ الخطية: للشيء، والمثبت من (م). ٢٢٠ سورة الفاتحة (المعاني والقراءات والإعراب) القادرُ(١) عليه. واللهُ عزَّ وجلَّ مالكُ الأشياءِ كلِّها ومُصَرِّفُها على إرادته، لا يمتنعُ عليه منها شيءٌ. والوجهُ الأوَّلُ أَمَسُ بالعربية، وأَنفَذُ في طريقها. قاله أبو القاسم الزَّجَّاجيُّ(٢). ووجهٌ ثالثٌ: فَيُقالُ: لِمَ خَصَّصَ يومَ الدِّين، وهو مالكُ يومِ الدِّين وغيرِه؟ قيل له: لأنَّ في الدنيا كانوا مُنازِعين في المُلْكِ، مثلُ فرعونَ ونُمرودَ(٣) وغيرِهما، وفي ذلك اليوم لايُنازِعُهُ أحدٌ في مُلكِهِ، وكلُّهم خَضَعُوا له، كما قال تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَومٌ﴾، فَأجابَ جميعَ الخَلقِ: ﴿لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. فلذلك قال: ((مالِكِ يَومِ الدِّين)) أي: في ذلك اليومِ لا يكونُ مالِكٌ ولا قاضٍ ولا مُجازٍ غيرُه سبحانه، لا إلهَ إلا هو. التاسعة عشرة: إنْ وُصِفَ اللهُ سبحانه بأنه مَلِكٌ، كان ذلك من صفات ذاته، وإن وُصِفَ بأنه مالِكٌ، كان ذلك من صفاتِ فِعِلِهِ (٤). المُوفيةُ العشرين: اليومُ: عبارة عن وقتٍ طلوع الفجر إلى وقت غروبِ الشَّمسِ، فاستُغِيرَ فيما بين مبتدأ القيامة إلى وَقتِ استقرار أهل الدَّارَينِ فيهما. وقد يُطْلَقُ اليومُ على الساعةِ منه، قال اللهُ تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وجَمعُ يوم أيامٌ، وأَصلُه: أَيْوَامٌ، فَأُدغِمَ. وربما عَبَّروا عن الشِّدَّةِ باليوم، يقال: يومٌ أَيْوَمُ، كما يقال: ليلةٌ لَيْلاءُ. قالِ الرَّاجز: نِعْمَ أخُو الهَيْجاءِ في اليوم اليَمِي(٥) (١) في (م): والقادر . (٢) اشتقاق أسماء الله ص ٤٣ و٤٤. والزجاجي هو عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي النحوي، صاحب كتاب الجُمل والإيضاح واللامات وغيرها، وهو تلميذ الزجاج. ومنسوب إليه، مات سنة (٣٤٠هـ). السير ١٥/ ٤٧٥. (٣) في (م): نمروذ، يقال بإهمال الدال وإعجامها. (٤) النكت والعيون ١ / ٥٦. (٥) الرَّجز لأبي الأخزر الحمَّاني - كما في اللسان - وشطره الثاني: ليومٍ رَزْعٍ أو فَعالِ مكرمٍ