Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
القول في البسملة
أنَّ (الرحمن)) اسمٌ عِبْرانيٌّ، فجاء معه بـ((الرحيم)). وأنشد:
بالخَزِّ أو تَجعَلُوا اليَنْبُوتَ ضَمْرَانا
لن تُدرِكُوا(١) المَجدَ أو تَشِرُوا عَبَاءَكُمُ
ومَسْحَكُم صُلْبَهُم رَحمانَ قُربانا(٢)
أو تَترُكُونَ إلى القَسَّیْنِ هِجرَتَكُم
قال أبو إسحاقَ الزجَّاجُ في ((معاني القرآن)»: وقال أحمدُ بن يحيى(٣): ((الرحيم))
عَرَبِيٍّ، و((الرحمن)) عِبْرانِيٌّ، فلهذا جمعَ بينهما. وهذا القولُ مرغوبٌ عنه.
وقال أبو العباس: النَّعتُ قد يَقَعُ للمدحِ، كما تقول: قال جريرٌ الشاعرُ. وروى
مَظَر (٤)، عن قتادةَ في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال: مَدَحَ
نفسَه(٥). قال أبو إسحاقَ: وهذا قولٌ حَسَنٌ. وقال قُطرُبٌ: يجوزُ أن يكونَ جمعَ
بينهما للتوكيد(٦). قال أبو إسحاق: وهذا قولٌ حَسَنٌ، وفي التوكيد أعظمُ الفائدة،
وهو كثيرٌ في كلام العرب، يستغني (٧) عن الاستشهاد. والفائدةُ في ذلك ما قاله
محمدُ بن يزيدَ: إنه تَفَضُّلٌ بعد تَفَضُّلٍ، وإنعامٌ بعد إنعامٍ، وتَقويةٌ لِمطامع الراغبين،
ووَعدٌ لا يَخِيبُ آمُه(٨).
الرابعة والعشرون: واختلفوا: هل هما بمعنّى واحدٍ، أو بمعنيين ؟ فقيل: هما
= إلى أنه أبو العباس المبرِّد، فقال: زعم المبرِّد ... وقد صرَّحَ به أبو القاسم الزَّجَّاجي في اشتقاق
أسماء الله ص ٤٢ - ٤٣.
(١) في (د) (ز): لوتتركوا، وفي (ظ): لن يتركوا، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في الزاهر.
(٢) البيتان لجرير، من قصيدة يهجو بها الأخطل، وهما في ديوانه ١/ ١٦٧، ببعض اختلاف، وذكرهما
الزجَّاجي في اشتقاق أسماء الله ص ٤٣، وذكر الثاني منهما الماوردي في تفسيره ١/ ٥٢. وقوله:
الْيَنْبُوت: هو شجر الخَشخاش، وشجرٌ آخرُ عِظام، أو شجرُ الخَرُّوب . وقوله: ضَمِران: هو نبت من
دِقُ الشجر . القاموس (نبت) (ضمر).
(٣) هو أبو العباس ثعلب، ولم نجد قول الزجاج هذا في كتابه معاني القرآن . وهو عند النحاس كما
سنذكر .
(٤) هو ابنُ طَهْمان الورَّاق، أبو رجاء الخراساني، نزيل البصرة، كان يكتب المصاحف ويتقن ذلك، توفي
سنة (١٢٩ هـ). السير ٥/ ٤٥٢. وقد تحرف اسم ((مطر) في (م) و(د) إلى: مطرّف.
(٥) أورده السيوطي في الدر المنثور ١٣/١ مطولاً، من طريق مطر الوراق عن قتادة، ونسبه لعبد بن حُميد.
(٦) ذكره ابن الأنباريّ في الزاهر ١ / ٥٨.
(٧) في (م): ويستغني.
(٨) من قوله: وقال أحمد بن يحيى من معاني القرآن للنحاس ٥٥/١ و٥٦، بتقديم وتأخير وليس للزجاج .

١٦٢
مقدمة المصنف
بمعنّى واحد، كندمانٍ ونَديم. قاله أبو عُبيدةً(١). وقيل: ليس بناءُ فَعلان كفَعيل، فإنَّ
فعلان لا يَقَعُ إلا على مُبالغَةِ الفِعلِ، نحو قولك: رجلٌ غضبانُ، للممتلئ غَضَباً.
وفعيل قد يكون بمعنى الفاعلِ والمفعول. قال عَمَلَّس(٢):
فأما إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةً فإنكَ مَعطوفٌ عليكَ رَحِيمُ
فـ(الرحمن)) خاصُ الاسم، عامُّ الفعل. و((الرحيمُ)) عامُّ الاسمِ، خاصُ الفعل.
هذا قولُ الجُمهور(٣).
قال أبو عليٍّ الفارسيُّ: ((الرحمن)): اسمٌ عامٌّ في جميع أنواع الرحمة، يختصُّ
به الله. ((والرحيم)): إنما هو في جهة المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وقال العرزميُّ(٤): ((الرحمنُ)) بجميع خَلْقِهِ في الأمطار، ونِعَمِ
الحواسِّ، والنِّعَمِ العامَّة. ((الرحيمُ)) بالمؤمنين في الهداية لهم، والُّطفِ بهم (٥).
وقال ابنُ المبارك: ((الرحمنُ)) إذا سُئِلَ أعطى. و ((الرحيمُ)) إذا لم يُسألْ
غَضِبَ(٦).
وروى ابنُ ماجه في ((سننه))، والترمذيُّ في ((جامعه))، عن أبي صالح، عن أبي
هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن لَم يَسأَلِ الله، يَغضَبْ عليه)). لفظُ الترمذي.
وقال ابن ماجه: ((مَنْ لَم يَدْعُ اللهَ سبحانه، غَضِبَ(٧) عليه))(٨). وقال: سألتُ أبا زُرعةً
عن أبي صالح هذا، فقال: هو الذي يقال له: الفارسيُّ، وهو خُوزي، ولا أُعرِفُ
اسمه. وقد أخذَ بعضُ الشعراء هذا المعنى، فقال:
(١) في مجاز القرآن ١/ ٢١. وانظر المصدر السابق للنحاس.
(٢) هو عَمَلَّس بنُ عقيل، والبيت في شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٤/٤، واللسان (رحم).
(٣) الأسماء والصفات ١/ ١٤١.
(٤) عبد الملك بن أبي سليمان، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، الكوفي، توفي سنة (١٤٥ هـ). سير أعلام
النبلاء ٦/ ١٠٩.
(٥) المحرر الوجيز ٦٣/١ - ٦٤.
(٦) ذكره الحافظ في فتح الباري ٨/ ١٥٥.
(٧) في (د): يغضب .
(٨) سنن ابن ماجه (٣٨٢٧)، وسنن الترمذي (٣٣٧٣)، وهو في مسند أحمد (٩٧٠١).

١٦٣
القول في البسملة
اللهُ يَغضَبُ إنْ تركتَ سُؤالَه وبُنِيُّ آدَمَ حين يُسألُ يَغْضَبُ(١)
وقال ابنُ عباس: هما اسمانٍ رقيقان، أحدُهما أرقُّ من الآخر(٢)، أي: أكثرُ
رحمةٌ.
قال الخطّابيُّ: وهذا مُشكِلٌ، لأنَّ الرِّقَّةَ لا مَدخَلَ لها في شيء من صفاتِ الله
تعالى. وقال الحسينُ بن الفَضْلِ البَجَلي(٣): هذا وَهَمٌ من الراوي؛ لأنَّ الرِّقَّةَ ليست
من صفاتِ الله تعالى في شيء، وإنما هما اسمانِ رفيقانٍ، أحدُهما أرفَقُ من الآخر،
والرِّفقُ من صفاتِ الله عز وجل. قال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّ اللهَ رفيقٌ، يُحِبُّ الرِّفقَ، ويُعطِي
على الرِّفقِ ما لا يُعطِي على العُنفِ))(٤).
الخامسة والعشرون: أكثرُ العلماء على أنَّ ((الرحمن)) مختصٍّ بالله عزَّ وجلَّ، لا
يجوزُ أَن يُسَمَّى به غيرُه. ألا تراه قال: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنّ﴾ [الإسراء: ١١٠]،
فعادلَ به الاسمَ الذي لا يَشْرَكُه فيه غيرُه؟(٥). وقال: ﴿وَمَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
زُّسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةٌ يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، فأخبر أنَّ ((الرحمن)) هو
المُستحِقُّ للعبادة جلَّ وعزَّ. وقد تَجاسَرَ مُسَيلِمَةُ الكذَّابُ - لعنه الله - فتَسمَّی برحمانِ
اليمامة (٦)، ولم يَتَسمَّ به حتى قَرَعَ مَسامِعَه (٧نَعتُ ((الكذَّاب))(٧)، فألزمه اللهُ تعالى نَعتَ
((الكذَّابِ)) لذلك، وإن كان كلُّ كافرٍ كاذباً، فقد صارَ هذا الوَصفُ لمُسَيلِمَةَ عَلَماً
يُعرَفُ به، ألزمَه اللهُ إِيَّاه.
وقد قيلَ في اسمه ((الرحمن)): إنه اسمُ اللهِ الأعظمُ. ذكره ابنُ العربيِّ.
(١) لم نقف عليه، وذكره المناوي في فيض القدير ٤/ ٤٩٨.
(٢) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ١٣٩/١ من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس،
قولَه. وذكر الحافظ في الفتح ٣٥٩/١٣ أن هذا الحديث لا يثبت، لأنه من رواية الكلبي، وهو متروك
الحديث .
(٣) اللغوي أبو علي البجلي، الكوفي. توفي سنة (٢٨٢هـ). سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤١٤.
(٤) أخرجه مسلم (٢٥٩٣) من حديث عائشة. وما نقله المصنف من كلام الخطابي هو في الأسماء
والصفات ١/ ١٤٠.
(٥) الصحاح (رحم) .
(٦) سلف ص ١٤٩.
(٧-٧) ليس في النسخ وهو من (م).

١٦٤
مقدمة المصنف
السادسة والعشرون: ((الرحيم)) صِفةٌ مطلَقةٌ للمخلوقين. ولما في ((الرحمن)) من
العموم، قُدِّمَ في كلامنا على ((الرحيم)) مع موافقةِ التنزيل. قاله المَهدَويُّ.
وقيل: إنَّ معنى ((الرحيم)): أي: بالرحيم وَصَلْتُم إلى الله، وإلى الرحمن،
فـ(الرحيم)) نعتُ محمد ◌َّ، وقد نَعَتَه تعالى بذلك، فقال: ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ١٢٨]، فكأنَّ المعنى أن يقول: بسم الله الرحمنِ وبالرحيم. أي: وبمحمد وَل
وَصَلتُم إليَّ، أي: باتِّباعِه، وبما جاء به، وَصَلتُم إلى ثوابي وكرامتي، والنَّظَرِ إلى
وجهي. والله أعلم.
السابعة والعشرون: رُوِيَ عن عليّ بن أبي طالب كرَّمَ اللهُ وجهَه أنَّه قال في قوله:
﴿بسم الله﴾: إنه شفاءٌ مِن كلِّ داء، وعَونٌ على كلِّ دَواء. وأما ﴿الرحمن﴾ فهو عَونٌ
لكلِّ مَن آمنَ به، وهو اسمٌ لم يُسَمَّ به غيرُه. وأما ﴿الرحيم﴾ فهو لمن تابَ وآمنَ
وعَمِلَ صالحاً (١).
وقد فسَّرِه بعضُهم على الحروف، فرُوِيَ عن عثمانَ بنِ عمَّان أنه سألَ رسولَ الله
﴿﴿ عن تفسير ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، فقال: ((أما الباء، فبلاءُ اللهِ ورَوْحُه
ونَضْرَتُه وبهاؤه، وأما السينُ، فسناءُ الله، وأما الميم، فَمُلْكُ الله، وأما الله، فلا إلهَ
غيرُه، وأما الرحمنُ، فالعاطفُ على البَرِّ والفاجرِ مِن خَلقِه، وأما الرحيمُ، فالرفيقُ
بالمؤمنين خاصَّةً))(٢) .
ورُوِيّ عن كعب الأحبار(٣) أنه قال: الباءُ بهاؤه، والسينُ سناؤه، فلا شيءً أعلى
منه، والميمُ مُلْكُهُ، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، فلا شيءَ يُعازُّه(٤).
وقد قيل: إنَّ كلَّ حَرْفٍ هو افتتاحُ اسم من أسمائه، فالباءُ مِفتاحُ اسمه بصير،
والسينُ مِفتاحُ اسمه سميع، والميمُ مِفتاحُ اسمه مليك، والألفُ مفتاح اسمه الله،
واللاَّمُ مِفتاحُ اسمهِ لطيف، والهاءُ مِفتاحُ اسمه هادي، والراءُ مِفتاحُ اسمه رازق،
(١) تفسير أبي الليث السمر قندي ١/ ٧٧.
(٢) لا أصل له .
(٣) هو كعب بن ماتع، أبو إسحاق الحميري اليماني، الحبر، كان يهوديًّا، فأسلم بعد وفاة النبي ◌َِّ،
وكان يحدِّث عن الكتب الإسرائيلية، توفي في أواخر خلافة عثمان. السير ٣/ ٤٨٩.
(٤) في (ظ): يعارضه، والخبر من الإسرائيليات .

١٦٥
القول في البسملة
والحاءُ مِفتاحُ اسمه حليم، والنونُ مِفتاحُ اسمه نور. ومعنى هذا كلُّه دعاءُ الله تعالی
عند افتتاح كلِّ شيءٍ(١).
الثامنة والعشرون: واختُلِفَ في وصل ((الرحيم)) بـ((الحمد لله))، فرُويَ عن أمِّ
سَلَمَةَ، عن النبيِّ وَّهِ: ((الرحيم الحمد)) يسكِّنُ الميم، ويَقِفُ عليها، ويَبتدئ بألف
مقطوعة. وقَرأ به قومٌ من الکوفیین.
وقرأ جمهورُ الناس: ((الرحيم الحمد)) تُعرَبُ ((الرحيم)) بالخَفضِ، وبوصلِ الألف
من ((الحمد)).
وحكى الكِسائيُّ عن بعض العرب أنها تُقرأ: ((الرحيمَ الحمد)) بفتح الميم، وصِلةٍ
الألف، كأنه سُكِّنَتِ الميمُ، وقُطِعَتِ الألفُ، ثم أُلقِيَتْ حركتُها على الميم،
وحُذِفَتْ.
قال ابنُ عطية(٢): ولم تُرْوَ هذه قراءةً عن أحدٍ فيما عَلِمتُ. وهذا نَظَرُ يحيى بنِ
زياد في قوله تعالى: ﴿الَّمَ اللهُ﴾ [آل عمران: ١ -٢] (٣).
(١) ليس في هذه الأقوال ما يصح.
(٢) المحرر الوجيز ١ / ٦٤.
(٣) معاني القرآن للفراء (وهو يحيى بن زياد) ١ / ٩.

تفسير سورة الفاتحة
بحول الله وكرمه
وفيها أربعة أبواب:
الباب الأول
في فضلها(١) وأسمائها
وفيه سبع مسائل :
الأُولى: روى الترمذيُّ عن أُبيِّ بن كَعْب قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما أَنزَلَ الله
في التوراة ولا في الإنجيل مِثلَ أمِّ القرآن، وهي السَّبعُ المَثَاني، وهي مَقسُومَةٌ بَيني
وبينَ عبدي، ولِعبدي ما سَأل))(٢) .
أخرجه(٣) مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا سعيد مولى عامر بنٍ
كُرَيْزِ أخبره أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ نادى أُبَيَّ بنَ كعب وهو يُصلِّي. فذكر الحديث(٤).
قال ابنُ عبد البَرّ: أبو سعيد لا يُوقَفُ له على اسم، وهو معدودٌ في أهل المدينة،
روايتُه عن أبي هريرة، وحديثُه هذا مُرسلٌ (٥).
وقد رُويّ هذا الحديثُ عن أبي سعيد بنِ المُعَلَّى - رجلٍ من الصحابةِ - لا يُوقفُ
(١) في (م): فضائلها .
(٢) سنن الترمذي (٣١٢٥)، ورجّح بإثره أن يكون من حديث أبي هريرة، وسيذكره المصنف قريباً.
(٣) في (م): وأخرج .
(٤) الموطأ ١/ ٨٣. وقصة أُبَيٍّ في هذا الحديث هي بنحو قصة الصحابي أبي سعيد بن المُعَلَّى الآتي ذكرها .
(٥) وقال الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الفاتحة: هذا ظاهره منقطع إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من
أبي بن كعب، فإن كان قد سمعه منه، فهو على شرط مسلم .

١٦٧
سورة الفاتحة (فضائلها)
على اسمه أيضاً، روى(١) عنه حفص بنُ عاصم، وعُبيد بنُ حُنين(٢).
قلت: كذا قال في ((التمهيد)): لا يُوقف له على اسم. وذكر في كتاب
((الصحابة))(٣) الاختلاف في اسمه.
والحديثُ خَرَّجَهُ البخاريُّ عن أبي سعيد بن المُعَلَّى، قال: كنتُ أُصلِّي في
المسجد، فدعاني رسولُ اللهِ وَّه، فلم أُجِبْهُ، فقلتُ: يا رسول الله، إني كنتُ أُصلِّي،
فقال: ((ألم يقُلِ الله: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾))؟ [الأنفال: ٢٤]. ثم قال
لي (٤): ((لأُعَلِّمَنَّكَ سورةٌ هِيَ أعظمُ السُّوَرِ في القرآنِ قَبلَ أن تَخرُجَ من المسجد)»، ثم
أخذَ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلتُ له: ألم تقل: لأُعلِّمَنَّكَ سُورةً هي أعظمُ سورة
في القرآن؟ قال: ((الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِين، هي السَّبعُ المَثاني، والقُرآنُ العظيمُ الذي
أُوتِيتُه))(٥).
قال ابنُ عبد البَرِّ(٦) وغيرُه: أبو سعيد بنُ المُعَلَّى مِن جِلَّةِ الأنصار، وسادات
الأنصار، تفرَّد به البخاريُّ(٧)، واسمُه رافع، ويقال: الحارثُ بنُ نُفَيَعِ بنِ المُعَلَّى(٨)،
(١) في النسخ الخطية و(م): رواه، والمثبت من التمهيد ٢٠/ ٢١٧.
(٢) تَحرف ((عُبيد بن حنين)) في النسخ الخطية إلى: ((سعيد بن جبير)). وتحرَّف كذلك في التمهيد ٢١٧/٢٠،
وقد نقل عنه المصنف، وجاء على الصواب في الاستيعاب ٢٧٩/١١ (بهامش الإصابة). حَفص بنُ
عاصم - وهو ابنُ عمر بن الخطاب - روى عن أبي سعيد بن المُعَلَّى الحديثَ في فضل الفاتحة، وقد
أشار إليه المصنف، أما عُبيد بن حُنَّين، فقد روى عنه حديثَ تحويلِ القبلة . ذكر ذلك ابنُ عبد البر في
الاستيعاب .
(٣) يعني كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٢٧٩/١١ بهامش الإصابة .
(٤) في النسخ الخطية و(م): إني، والمثبت من صحيح البخاري .
(٥) صحيح البخاري (٤٤٧٤) وهو من أفراده، وهو في مسند أحمد (١٥٧٣٠). قال الحافظ ابن حجر في
فتح الباري ١٥٧/٨: وجمع البيهقي بأن القصة وقعت لأُبي بن كعب وأبي سعيد بن المعلَّى، ويتعين
المصير إلى ذلك لاختلاف مخرج الحديثين واختلاف سياقهما .
(٦) في الاستيعاب في ترجمة أبي سعيد بن المعلّى.
(٧) يعني دون مسلم، وليس لأبي سعيد بن المعلى في صحيح البخاري سوى هذا الحديث .
(٨) سماه ابن حبان في الثقات ١٢٢/٣ وصحيحه ٥٧/٣ (الإحسان): رافع بن المُعَلَّى. قال ابن عبد البرّ
في الاستيعاب: ومن قال: هو رافع بن المُعلَّى فقد أخطأ، لأنَّ رافع بن المعلَّى قُتل ببدر، وأصح
ما قيل - والله أعلم - في اسمه: الحارث بن نُفيع بن المعلى .

١٦٨
سورة الفاتحة (فضائلها)
ويقال: أَوسُ بنُ المُعَلَّى، ويقال: أبو سعيد بنُ أوس [بنِ المُعَلَّى) (١)، توفِّي سنة أربع
وسبعين، وهو ابنُ أربع وستين(٢). وهو أوَّلُ مَن صلَّى إلى القِبلة حين حُوِّلَت.
وسيأتي(٣).
وقد أسندَ حديثَ أُبيِّ يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدثنا رَوحُ بنُ القاسم، عن العلاءِ بنِ
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هُريرة، قال: خرج رسولُ اللهِ وَ ﴿ على أُبَيِّ وهو
يصلي. فذكر الحديث بمعناه(٤) .
وذكر ابنُ الأنباريِّ في كتاب ((الرد)» له: حدَّثني أبي، حدَّثني أبو عبيد الله الورّاقُ،
حدَّثنا أبو داود، حدَّثنا شيبان، عن منصور، عن مجاهد قال: إنَّ إبليسَ لعنه الله رَنَّ
أَربعَ رَنَّات: حين لُعِنَ، وحين أُهبِطَ من الجنَّةِ، وحين بُعِثَ محمدٌ وَّةِ، وحينَ نَزَلَت
فاتحةُ الكتابِ، وأُنزِلت بالمدينة(٥).
الثانية: اختلفَ العلماءُ في تفضيل بعضٍ السورِ والآي على بعض، وتفضيلٍ
(١) ما بين حاصرتين من (م) والاستيعاب.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (في ترجمته): وهو خطأ، فإنه يستلزم أن تكون قصته مع النبي ◌َّ
وهو صغير، وسياقُ الحديث يأبى ذلك . اهـ. وجاء في تهذيب التهذيب عن ابن عبد البر أيضاً أنه توفي
سنة أربع وسبعين، وهو ابن أربع وثمانين سنة .
(٣): في تفسير الآية (١٤٢) من سورة البقرة.
(٤) أخرجه من هذه الطريق النسائي في الكبرى (١١١٤١)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٩٣٤٥)
وغيرُه من وجه آخر عن العلاء. وينظر ما ذكره الحافظ في فتح الباري ٨/ ١٥٧ من الاختلاف فيه
على العلاء .
(٥) إسناده صحيح إلى مجاهد. أبو عُبيد الله الورَّاق: هو حمَّاد بنُ الحسن، وأبو داود: هو سليمان بن داود
الطيالسي، وشَيبان: هو ابنُ عبد الرحمن التميميُّ النحويُّ، ومنصور: هو ابنُ المُعتَمِر. وكلهم ثقات،
وهم من رجال التهذيب .
وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/١، وزاد نسبته إلى وكيع، وسيذكر المصنف ص ١٧٧ أن الأصح
فيها أنها مكية . ونقل الفخر الرازي في تفسيره ١٧٧/١ عن الحسين بن الفضل البجلي قوله: لكل عالم
هفوة، وهذه هفوة مجاهد، لأن العلماء على خلافه. ويدل عليه وجهان: الأول: أن سورة الحجر
مكية بالاتفاق، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيَتَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ﴾ وهي فاتحة الكتاب . الثاني: أنه يبعد
: أن يقال: إنه أقام بمكة بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب .

١٦٩
سورة الفاتحة (فضائلها)
بعض أسماء الله تعالى الحُسنى على بعض، فقال قوم: لا فضلَ لبعض على بعض،
لأنَّ الكلامَ كلامُ الله، وكذلك أسماؤه؛ لا مُفاضلةَ بينها. ذهب إلى هذا الشيخُ أبو
الحسن الأشعريُّ(١) والقاضي أبو بكر بنُ الطيِّب، وأبو حاتم محمد بن حِبَّان البُستيُّ،
وجماعةٌ من الفقهاء. ورُوي معناهُ عن مالك. قال يحيى بنُ يحيى(٢): تفضیلُ بعضٍ
القرآنِ على بعض خطأ. وكذلك كَرِهَ مالكٌ أَن تُعادَ سورةٌ، أو تُرَدَّدَ دون غيرها. وقال
عن مالك في قول الله تعالى: ﴿فَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]؛ قال:
مُحكَمَةٌ مكان منسوخة. وروى ابنُ كِنانة(٣) مِثلَ ذلك كلِّه عن مالك. واحتجّ هؤلاء
بأن قالوا: إنَّ الأفضلَ يُشعر بنقص المفضول، والذاتيةُ في الكلِّ واحدة، وهي كلامُ
الله، وكلام الله تعالی لا نَقص فيه.
قال البُستيُّ(٤): ومعنى هذه اللفظة: ((ما في التوراة ولا في الإنجيل مثلُ أُمّ
القرآن)): أنَّ الله تعالى لا يُعطي لِقارئ التوراة والإنجيل مِثلَ ما يُعطي لقارئ أُمّ
القرآن، إذِ الله بِفضله فَضَّلَ هذه الأمة على غيرها من الأمم، وأعطاها من الفضل على
(١) علي بن إسماعيل بن إسحاق، إمام المتكلمين، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي موسى
الأشعريّ. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٨٦/١٥: كان عجباً في الذكاء وقوة الفهم، ولما
برع في معرفة الاعتزال كرهه وتبرأ منه، وصعد للناس، فتاب إلى الله تعالى منه، ثم أخذ يردُّ
عليهم ... مات سنة أربع وعشرين وثلاث مئة، حظّ عليه جماعة من الحنابلة والعلماء، وكلُّ
أحد يؤخذ من قوله ويُترك، إلا من عصم الله . ونقل الذهبي عنه قوله لما قَرُبَ حضور أجله: إني
لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف
العبارات . فقال الذهبي: وبنحو هذا أَدين، وكذا كان شيخنا ابنُ تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا
لا أكفّر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي وَ ر: ((لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)) فمن لازم
الصلوات بوضوء فهو مسلم .
(٢) يحيى بن يحيى بن كثير بن وِسلاس، فقيه الأندلس، أبو محمد الليثيُّ البربريُّ القرطبيُّ، ارتحل إلى
المشرق في أواخر أيام الإمام مالك، وسمع منه الموطأ، ثم رجع إلى الأندلس بعلم کثیر، فعادت فتیا
الأندلس عليه، وانتهى السلطان والعامة إلى رأيه. توفي سنة (٢٣٤هـ). السير ١٠/ ٥١٩.
(٣) أبو عمر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن كنانة اللخمي القرطبي، المحدث، ويعرف أيضاً بابن
العنَّان. توفي سنة (٣٨٣هـ). السير ١٦/ ٤٢٥.
(٤) هو ابن حبان، وكلامه هذا في الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، عقب الحديث (٧٧٥) .

١٧٠
سورة الفاتحة (فضائلها)
قراءة القرآن كلامِهِ أكثرَ(١) مما أعطى غيرَها من الفَضل على قراءة كلامه، وهو فَضلٌ
منه لهذه(٢) الأمة.
قال: ومعنى قوله: ((أعظمُ سورة)): أراد به: في الأجر، لا أنَّ بعضَ القرآنِ
أفضلُ من بعض(٣) .
وقال قوم بالتفضيل، وأنَّ ما تضمَّنه قولُه تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحَدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وآية الكرسيِّ، وآخِرُ سورةِ الحَشر، وسورة
الإخلاص، من الدَّلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجوداً مَثَلاً في ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِىِ
لهپٍ﴾ وما کان مِثلها .
والتفضيلُ إنما هو بالمعاني العجيبة وكَثْرتِها، لا مِن حيث الصِّفةُ، وهذا هو
الحقُّ. وممَّن قال بالتفضيل إسحاقُ بنُ راهَوَيه، وغيرُه من العلماء والمتكلِّمين، وهو
اختيارُ القاضي أبي بكر ابن العربيِّ، وابنِ الحصَّار، لحديث أبي سعيد بن المُعَلَّى،
وحديث أُبَيِّ بنِ كعب أنه قال: قال لي رسولُ اللهِوَّهِ: ((يا أَبِيُّ، أيُّ آية مَعَكَ في
كتاب الله أعظمُ؟)) قال: قلت: يارسول الله، اللهُ ورسولهُ أعلمُ، فقال: ((يا أُبيّ،
أتدري أيَّ آية في كتاب الله معك أعظم (٤)؟)) قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَلْحَىُّ
اَلْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال: فضرب في صدري، وقال ((لِيَهنِكَ العِلمُ يا أبا المُنذِر)).
أخرجه البخاريُّ ومسلم(٥). قال ابن الحصَّار: عَجَبي ممن يذكر الخلاف مع هذه
النصوص.
وقال ابن العربي: قوله: ((ما أنزلَ الله في التوراةٍ ولا في الإنجيل ولا في القرآن
(١) في (د): أفضل .
(٢) في (ز): على هذه.
(٣) الإحسان عقب الحديث (٧٧٧).
(٤) قوله: قال: قلت: يارسول الله، الله ورسوله أعلم ... إلى هذا الموضع، من (ظ).
(٥) حديث أبيّ أخرجه مسلم (٨١٠)، وليس هو في صحيح البخاري. قال أبو العباس القُرطبي (شيخ
المصنف) في المُفهم: ٤٣٦/٢: قوله لأُبيّ حين أخبره بذلك: ((لِيَهنِكَ العلم))؛ تنشيطً له، وترغيبٌ في
أن يزداد علماً وبصيرة، وفرحٌ بما ظهرَ عليه من آثاره المباركة، وفيه إلقاء العالم المسائلَ على المتعلم
ليختبره بذلك .

١٧١
سورة الفاتحة (فضائلها)
مثلَها)) وسكتَ عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة والزبور وغيرها؛ لأن هذه
المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيءُ أفضلَ الأفضل، صار أفضلَ الكُلِّ، كقولك: زيدٌ
أفضلُ العلماء، فهو أفضلُ الناس.
وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها، حتى قيل: إنَّ جميع القرآنِ فيها، وهي
خمسٌ وعشرون كلمة، تضمَّنت جميعَ علومِ القرآن.
ومِن شرفِها أنَّ الله سبحانه قَسَمَها بينَه وبينَ عبدِه (١)، ولا تَصِحُّ القُربَةُ إلا بها،
ولا يَلحَقُ عملٌ بثوابها، وبهذا المعنى صارت أُمَّ القرآن العظيم، كما صارت ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدُّ﴾ُ تَعدِلُ ثُلُثَ القرآن(٢)، إذ القرآن توحيد وأحكام، ووعظ، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدَّ﴾ُ فيها التوحيدُ كلُّه. وبهذا المعنى وقع البيانُ في قوله عليه السلام لأُبيِّ: ((أَيُّ
آيةٍ في القُرآنِ أعظمُ؟)) قال: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُُّمْ﴾. وإنما كانت أعظمَ آية،
لأنها توحيدٌ كُلَّها، كما صار قولُه: ((أَفضَلُ ما قلتُه أنا والنَّبيُّون من قبلي: لا إله إلا الله
وحدَه لا شريكَ له))(٣) أفضلَ الذِّكر، لأنها كلماتٌ(٤) حَوَت جميعَ العلوم في
التوحيد. والفاتحةُ تضمنت التوحيد والعبادة والوعظ والتذكير، ولا يُستبعد ذلك في
قدرة الله تعالى.
الثالثة: رُويَ عن علي(٥) بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّه:
(١) يشير إلى حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((قال الله عز وجل: قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي)) وسلف
ص ١٤٥.
(٢) حديث: ((قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)): جاء من حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد
(١١٠٥٣)، والبخاري (٥٠١٣)، ومن حديث أبي الدرداء عند مسلم (٨١١)، ومن حديث أبي هريرة
عنده أيضاً (٨١٢).
(٣) أخرجه مالك ١/ ٢١٥.٢١٤ عن زياد بن أبي زياد، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً، وأخرجه
الترمذي (٣٥٨٥) من طريق محمد بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن
النبي ◌َ ◌ّر. وقال: غريب من هذا الوجه، ومحمد بن أبي حميد ليس بالقوي عند أهل الحديث. وأخرج
الترمذي (٣٣٨٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٥٩٩)، والحاكم ٥٠٣/١ من حديث جابر بن عبد الله
مرفوعاً: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)). وصححه ابن حبان (٨٤٦).
(٤) في (ظ): كلمة .
(٥) في (م): روى علي.

١٧٢
سورة الفاتحة (أسماؤها)
((فاتحةُ الكتاب، وآيةُ الكُرسيِّ، وشَهِدَ الله أنَّه لا إله إلَّا هو، وقُلِ اللهمَّ مَالِكَ
المُلكِ(١)؛ هذه الآياتُ مُعلَّقاتٌ بالعرشِ، ليس بينهنَّ وبين الله حجابٌ))(٢). أسنده أبو
عمرو الدَّانيُّ في کتاب («البيان» له.
الرابعة: في أسمائها، وهي اثنا عشرَ اسماً:
الأول: الصلاةُ، قال الله تعالى: ((قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نِصفَينٍ))
الحديث. وقد تقدَّم(٣).
الثاني: الحمدُ؛ لأنَّ فيها ذِكْرَ الحمد، كما يقال: سورة الأعراف، والأنفال،
والتوبة، ونحوها .
الثالث: فاتحةُ الكتاب، من غير خلاف بين العلماء، وسُمِّيت بذلك لأنه تُفتتح
قراءةُ القرآن بها لفظاً، وتُفتتح بها الكتابةُ في المُصحف خطًّا، وتُفتتح بها الصلوات.
الرابع: أمُّ الكتاب، وفي هذا الاسم خلافٌ، جوَّزه الجمهور، وکرِهَه أنس،
والحسن، وابنُ سِيرِين. قال الحسن: أمُّ الكتاب: الحلال والحرام، قال الله تعالى:
﴿مَايَتٌ تُحُكَّمَكُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال أنس وابنُ سِيرِين: أمّ
الكتاب: اسمُ اللوح المحفوظ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ﴾ [الزخرف: ٤].
الخامس: أمُّ القرآن، واختُلف فيه أيضا، جوَّزه الجمهور، وكَرِهَهُ أنس،
وابنُ سِيرِين. والأحاديثُ الثابتة تردُّ هذين القولين. روى الترمذيُّ عن أبي
هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((الحمدُ لله أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ
المثاني)). قال: هذا حديث حسن صحيح(٤). وفي البخاريِّ قال: وسُمِّيت أمَّ
الكتاب؛ لأنه يُبتدأُ بكتابتها في المصاحف، ويُبدأ بقراءتها في الصلاة(٥). وقال
(١) الآيات المذكورة هي على الترتيب في سورة البقرة: ٢٥٥، وآل عمران: ١٨ و٢٦.
(٢) قطعة من حديث أخرجه ابنُ السُّنِّ في عمل اليوم والليلة (١٢٥)، وفي إسناده الحارث بن عمير؛ قال
ابن حبان في المجروحين ٢٢٣/١: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات . وساق له هذا
الحديث، وقال: موضوع لا أصل له .
(٣) ص١٤٥، وأشار إليه المصنف في المسألة الثانية.
(٤) سنن الترمذي (٣١٢٤)
(٥) صحيح البخاري، أول كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب . فتح الباري ٨/ ١٥٥.

١٧٣
سورة الفاتحة (أسماؤها)
يحيى بنُ يَعْمَر (١): أمُّ القُرى: مكة، وأُّ خراسان: مَرْو، وأُّ القرآن سورةُ
الحمد. وقيل: سُمِّيت أمَّ القرآن لأنها أوَّلُه، ومتضمِّنةٌ لجميع علومه، ومنه
سُمِّيت مكةُ أمَّ القُرى؛ لأنها أوَّلُ الأرض، ومنها دُحِيَت، ومنه سُمِّيت الأمُّ أُمَّا
لأنها أصلُ النَّسْلِ، والأرضُ أُمَّا في قول أميةَ بنِ أبي الصَّلت:
فالأرضُ مَعقِلُنا وكانت أُمَّنا فيها مقابِرُنا وفيها نُولَهُ (٢)
ويقال لراية الحرب: أمّ، لِتقدُّمها، واتِّاعِ الجيش لها.
وأصل أمّ: أُمَّهَةٌ، ولذلك يُجمع على أُمَّهات(٣)، قال الله تعالى: ﴿وَأَهَنُّكُمُ﴾
[النساء: ٢٣]، ويقال: أمَّاتٌ، بغير هاء. قال:
فَرَجْتَ الظَّلامَ بِأُمَّاتِكا(٤)
وقيل: إنَّ أمَّهات في الناس، وأُمَّات في البهائم. حكاه ابنُ فارس في
((المُجمل))(٥).
السادس: المَثَانِي، سُمِّيت بذلك لأنها تُثَنَّى في كلِّ ركعة، وقيل: سُمِّيت بذلك
لأنها استُثْنِيت لهذه الأمَّة، فلم تنزل على أحد قبلَها ذُخراً لها .
السابع: القرآنُ العظيم، سُمِّيَت بذلك لتضمُّنها جميعَ علوم القرآن، وذلك أنها
تشتملُ على الثَّناءِ على الله عزَّ وجلَّ(٦) بأوصاف كمالِه وجلاله، وعلى الأمر
بالعبادات، والإخلاص فيها، والاعترافِ بالعَجْز عن القيام بشيءٍ منها إلا بإعانته
(١) هو الفقيه المقرئ أبو سليمان العَذواني البصري، قاضي مرو، ويكنى أبا عدي، الفقيه المقرئ، توفي
قبل التسعين . سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤١.
(٢) البيت في ديوانه ص ٣٥٦ القصيدة العاشرة .
(٣) الصحاح (أمم) .
(٤) عجز بيت، صدره: إذا الأُمَّهاتُ قَبَحْنَ الوجوه؛ أورده الزمخشري في المفضَّل ٣/١٠ شرح ابن يعيش،
والاستراباذي في شرح الشافية ٣٨٣/٢، وابن منظور في اللسان (أمم)، والشنقيطي في الدرر اللوامع
٨٤/١.
(٥) ٨١/١. وابن فارس: هو أحمد بن فارس بن زكريا، أبو الحسين القزويني، المالكي، اللغويُ
المحدّث، توفي سنة (٣٩٥هـ). السير ١٠٣/١٧.
(٦) في (د): تشمل الثناء على الله عز وجل .

١٧٤
سورة الفاتحة (أسماؤها)
تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصِّراط المستقيم، وكفايةٍ أحوال الناكثين،
وعلى بيانٍ عاقبةِ الجاحدين.
الثامن: الشِّفاء، روى الدَّارِميُّ(١) عن أبي سعيد الخُدريِّ قال: قال
رسول الله وَ له: ((فاتحةُ الكتاب شِفاءٌ مِن كلِّ سُمِّ)»(٢).
التاسع: الرُّقية؛ ثَبَتَ ذلك من حديث أبي سعيد الخُدري، وفيه أنَّ رسول الله واله
قال للرجل الذي رَقَى سَيِّدَ الحيّ: ((ما أدْرَاكَ أنَّها رُقيةٌ))؟ فقال: يا رسولَ الله، شيءٌ
أُلْقِيَ في رُوعِي. الحديث خرَّجه الأئمة(٣)، وسيأتي بتمامه(٤).
العاشر: الأساسُ، شكا رجلٌ إلى الشَّعبيِّ وَجَعَ الخاصِرة، فقال: عليك
بأساس القرآن؛ فاتحة الكتاب، سمعتُ ابنَ عباس يقول: لكلِّ شيءٍ أساسٌ،
وأساسُ الدنيا مكة؛ لأنها منها دُحِيَتْ، وأساسُ السماوات غريبٌ، وهي السماء
السابعة، وأساسُ الأرض عجيبٌ(٥)، وهي الأرضُ السابعة السفلى، وأساسُ
الجنان جنةُ عَدْن، وهي سُرَّةُ الجِنان، عليها أُسِّسَت الجنة، وأساسُ النار جهنّم،
وهي الدَّركَةُ السابعة السفلى، عليها أُسِّسَت الدَّرَكاتُ، وأساس الخلق آدم، وأساسُ
الأنبياء نوح، وأساسُ بني إسرائيل يعقوب، وأساسُ الكُتب القرآن، وأساسُ القرآن
الفاتحة، وأساسُ الفاتحة بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، فإذا اعتللتَ، أو اشتكيتَ،
فعليكَ بالفاتحة تُشْفَى (٦).
(١) في (د): الدارقطني، وليس الخبر في سننه .
(٢) أخرجه الدارمي (٣٣٧٠) والبيهقي في شعب الإيمان (٢٣٧٠) من طريق سفيان الثوري، عن
عبد الملك بن عمير، مرسلاً . وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٨) (التفسير) - ومن طريقه البيهقي
في شعب الإيمان (٢٣٦٨) - عن سلام الطويل، عن زيد العَمِّي، عن ابن سيرين، عن أبي سعيد
الخدري . وسلام الطويل - وهو ابن سُليم - متروك . وليس هذا الحديث في سنن الدارمي من حديث
أبي سعيد الخدري كما ذكر المؤلف .
(٣) أخرجه أحمد (١٠٩٨٥)، والبخاري (٥٠٠٧)، ومسلم (٢٢٠١).
(٤) عند تفسير الآية (٨٢) من سورة الإسراء.
(٥) في النسخ: غريباً ... عجيباً.
(٦) أورد صدره السيوطي في الدر المنثور ٣/١، ونسبه الثعلبي. وقد ذكر ابن كثير في البداية ٤٠/١٢ أن في
كتب الثعلبي من الغرائب الشيء الكثير .

١٧٥
سورة الفاتحة (أسماؤها)
الحادي عشر: الوافية. قاله سفيانُ بنُ عيينة(١)؛ لأنها لا تَتَنصَّف، ولا تَحتمل
الاختزالَ، ولو قرأ من سائر السور نصفَها في ركعة، ونصفها الآخر في ركعة،
لأجزأ، ولو نُصِّفت الفاتحةُ في ركعتين لم يُجْزِ.
الثاني عشر: الكافية، قال يحيى بنُ أبي كثير: لأنها تكفي عن سِواها، ولا يكفي
سِواها عنها (٢)، يدلُّ عليه ما روى محمد بنُ خلَّاد الإسكندارنيُّ قال: قال النبيُّ
وَ﴾ (٣): ((أُمُّ القرآنِ عِوَضٌ من غيرها، وليس غيرها منها عِوَضاً (٤)).
الخامسة: قال المهلَّب: إن موضع الرُّقية منها إنما هو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾. وقيل: السورةُ كلها رُقْيَة، لقوله عليه الصلاة والسلام للرجل لما أخبره:
((وما أدراكَ أنَّها رُقْيةٌ)) (٥)؟ ولم يقل: إنَّ فيها رُقيةً. وعلى هذا فالسورة(٦) بأجمعها
رُقِيَةٌ؛ لأنها فاتحةُ الكتاب ومبدؤه، ومتضمِّنةٌ لجميع علومه، كما تقدَّم. والله أعلم.
السادسة: ليس في تسميتها بالمثاني وأمِّ الكتاب ما يمنعُ من تسمية غيرها بذلك،
قال الله عز وجل: ﴿كِتَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فأطلق على كتابه: مَثَانيّ؛ لأن
الأخبار تُثَّى فيه. وقد سُمِّيت السبعُ الطّوال أيضاً مَثانيّ؛ لأن الفرائض والقَصَصَ تُثَنَّى
فيها. قال ابن عباس: أُوتِيَ رسولُ اللهِ وَله سبعاً من المثاني، قال: السبع الطوال.
ذكره النَّسائي(٧)، وهي من البقرة إلى الأعراف ستُّ، واختلفوا في السابعة، فقيل:
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٣/١، ونسبه للثعلبي.
(٢) ذكر السيوطي في الدر المنثور ٣/١ أنه أخرجه الثعلبي، عن عفيف بن سالم قال: سألت عبد الله بن
یحیی بن أبي کثیر . وذکره من قوله، لا من قول أبیه یحیی .
(٣) الحديث من رواية محمد بن خلَّاد الإسكندراني، عن أشهب بن عبد العزيز، عن سفيان بن عيينة،
عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، مرفوعاً . وهو عند الدارقطني في
السنن ٣٢٢/١، والحاكم ١/ ٢٣٨. ومحمد بن خلاد مجهول، قال الذهبي في الميزان: لا يُدرى
من هو، ثم ذكر له هذا الحديث، وقال: انفرد بهذا الخبر، ونقل عن الدارقطني قوله: المحفوظ عن
الزهري بهذا السند: ((لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بأمّ القرآن)».
(٤) في (د): عوضا منها .
(٥) سلف تخريجه في الصفحة السابقة، وسيأتي بتمامه عند تفسير الآية (٨٢) من سورة الإسراء.
(٦) في (م): فدلَّ هذا على أن السورة .
(٧) المجتبى ١٣٩/٢ - ١٤٠، والكبرى (٩٨٩) و(٩٩٠).

١٧٦
سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها)
يونس، وقيل: الأنفال والتوبة، وهو قول مجاهد وسعيد بن جُبير. وقال أعشى
مَمْدان(١) :
فَلِجُوا المَسجِدَ وَادْعُوا رَبَّكم وادْرُسوا هذي المَثاني والظُّوَلْ
وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة الحجر(٢)، إن شاء الله تعالى.
السابعة: المثاني جمع مَثْنَى، وهي التي جاءت بعد الأولى، والطُّوَل جمع
أَطوَل. وقد سُميت الأنفال من المثاني؛ لأنها تتلو الّوَلَ في القَدر، وقيل: هي التي
تزيدُ آياتُها على المفصَّل، وتنقُص عن المِئِين. والمِئون: هي السور التي تزيد كل
واحدة منها على مئة آية .
الباب الثاني
في نزولها وأحكامها
وفيه عشرون مسألة:
الأولى: أجمعت الأمَّةُ على أن فاتحة الكتاب سبعُ آیات، إلا ما رُوي عن حُسین
الجُعفي(٣) أنها ستّ، وهذا شاذٌّ. وإلا ما رُوي عن عمرو بن عبيد(٤) أنه جعل ﴿إِنَّاكَ
نَعْبُدُ﴾ آية، وهي على هذا ثمانٍ آيات، وهذا شاذ. وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ
اَلْمَثَانِ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقوله: ((قَسَمْتُ الصلاةَ)) الحديث(٥) يردُّ هذين القولين.
وأجمعت الأمة أيضاً على أنها من القرآن، فإن قيل: لو كانت قرآناً، لأثبتها عبدُ الله بن
مسعود في مصحفه، ولمَّا لم يُثبِتْها، دلَّ على أنَّها ليست من القرآن، كالمعوِّذتين عنده.
(١) عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، أبو المصبِّح، كوفي، من شعراء الدولة الأموية، خرج مع ابن
الأشعث، فقتله الحجّاج سنة نيف وثمانين . السير ٤/ ١٨٥.
(٢) عند تفسير الآية (٨٧) منها .
(٣) هو حسين بن علي بن الوليد، أبو عبد الله وأبو محمد الجعفي مولاهم، الكوفي، الحافظ المقرىء
الزاهد، توفي سنة (٢٠٣هـ). السير ٩/ ٣٩٧.
(٤) أبي عثمان البصري، كبير المعتزلة، قال ابن المبارك: دعا إلى القدر فتركوه. توفي سنة (١٤٣ هـ).
السير ٦/ ١٠٤.
(٥) سلف ذكره ص ١٤٥.

١٧٧
سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها)
الجواب ما ذكره الإمام أبو بکر الأنباري قال: حدثنا الحسن بنُ الحُباب، حدثنا
سليمانُ بنُ الأشعث، حدَّثنا ابنُ أبي قُدامة، حدَّثنا جرير، عن الأعمش، قال: أظنُّه
عن إبراهيم، قال: قيل لعبد الله بن مسعود: لِمَ لَم تكتب فاتحةً الكتاب في مصحفِك؟
قال: لو كتبتُها؛ لكتبتُها مع كلِّ سورة(١). قال أبو بكر: يعني أن كلَّ ركعة سبيلُها أن
تُفتتح بأمِّ القرآن قبلَ السورة المتلوَّة بعدها، فقال: اختصرتُ بإسقاطها، ووَثِقْتُ
بحفظ المسلمين لها، ولم أُثبتْها في موضع، فيَلزمني أن أكتبَها مع كلِّ سورة، إذ
كانت تتقدَّمها في الصلاة.
الثانية: اختلفوا؛ هل هي(٢) مكية أم مدنية؟ فقال ابن عباس، وقتادة، وأبو العالية
الرِّياحي -واسمه رُفَيع - وغيرُهم: هي مكية. وقال أبو هريرة، ومجاهد، وعطاء بنُ
يسار، والزُّهرِيُّ، وغيرهم: هي مدنية. ويقال: نَزَلَ نصفُها بمكة، ونصفُها بالمدينة.
حكاه أبو الليث نصرُ بن محمد بن إبراهيم السَّمر قَنديُّ في ((تفسيره)). والأولُ أصحُّ،
لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيَِّكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾، والحِجْر مكيةٌ بإجماع.
ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حُفِظ أنه كان في الإسلام قطّ صلاةٌ بغير
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يدل على هذا قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاةً
إلا بفاتحة الكتاب))(٣). وهذا خبرٌ عن الحكم، لا عن الابتداء، والله أعلم.
وقد ذكر القاضي ابنُ الطيب اختلاف الناس في أوّل مانزل من القرآن، فقيل:
المدَّثّر، وقيل: إقرأ، وقيل: الفاتحة.
وذكر البيهقيُّ(٤) في ((دلائل النبوة)): عن أبي مَيسَرةً عمرٍو بن شُرَحبيل أنَّ
رسول الله وَل﴿ قال لخديجة: ((إني إذا خَلَوتُ وَحدِي، سَمعتُ نداءً، وقد - والله -
خَشِيتُ أَن يكونَ هذا أمراً)). قالت: مَعاذَ الله، ما كان الله ليفعلَ بك، فوالله إنَّكَ
(١) أورد السيوطي نحوه في الدر المنثور ٢/١، ونسبه إلى عبد بن حميد.
(٢) في (م): أهي.
(٣) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت، وينظر حديث أبي هريرة في
مسند أحمد (٩٥٢٩) و(٩٨٩٨)، وحديث أبي سعيد الخدري فيه أيضاً (١٠٩٩٨).
(٤) أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي صاحب السنن وغيرها من التصانيف النافعة، جمع بين علم
الحديث والفقه، وبيان علل الحديث. توفي (٤٥٨هـ) . سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٦٣.

١٧٨
سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها)
لَتُؤدِّي الأمانة، وتَصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُقُ الحدیثَ. فلما دخل أبو بكر، وليس
رسولُ اللهِ وَل﴿ ثَمَّ، ذكرت خديجةُ حديثَه له، قالت: يا عَتِيق، إِذهب مع محمد إلى
وَرَقةً(١) فلما دخلَ رسولُ الله ◌ِ ﴿، أخذ أبو بكر بيده، فقال: اِنطلق بنا إلى وَرَقَةَ،
فقال: ومن أخبرك؟! قال: خديجة، فانطلقا إليه، فقصًا عليه، فقال: ((إذا خَلَوتُ
وحدي، سمعتُ نداءً خلفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلقُ هارباً في الأرض)). فقال:
لا تفعل، إذا أتاك، فاثْبُتْ حتى تسمعَ ما يقول، ثم اثنتينِي فأخبرني. فلما خلا، ناداه:
يا محمد، قُل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدُ لله رَبِّ العَالَمِين﴾ حتى بلغ:
﴿ولا الضَّالِّين﴾ قال: قل: لا إله إلا الله. فأتى ورقةً، فذكر ذلك له، فقال له ورقة:
أَبْشِر، ثم أَبْشِر، فأنا أشهدُ أنكَ الذي بَشَّرَ به عيسى ابنُ مريم، وأنك على مِثل ناموسٍ
موسى، وأنكَ نبيٌّ مُرسَل، وأنك سوف تُؤمر بالجهاد بعد یومِك هذا، وإن يُدرِڭني
يومك(٢) ذلك، لأُجاهدنَّ معك. فلما تُوفِّي وَرَقةُ، قال رسول اللهِ وَلِ: ((لقد رأيتُ
القَسَّ في الجنَّةِ، عليه ثيابُ الحرير، لأنَّه آمَنَ بي وصدَّقَني)). يعني ورقة.
قال البيهقيُّ رضي الله عنه: هذا منقطعٌ. يعني هذا الحديث. فإن كان محفوظاً،
فيحتمل أن يكونَ خبراً عن نزولها بعد ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ و﴿بَأَيُّهَا
اٌلْمُدَّثِّرُ﴾(٣) ..
الثالثة: قال ابنُ عطيّة: ظنَّ بعضُ العلماءِ أنَّ جبريل عليه السلام لم يَنزِلْ بسورة
الحمد، لما رواه مسلمٌ عن ابنِ عباس قال: بينما جبريلُ قاعدٌ عندالنبيِّ وَِّ، سَمِعَ
نَقِيضاً من فَوقِهِ، فرفَعَ رأسَهُ، فقال: «هذا بابٌ من السماء فُتِحَ اليومَ، لم يُفتَحْ قَظُ،
إلا اليومَ، فَنَزَلَ منه ملكٌ، فقال: هذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرض، لم يَنزِلْ قَظُ إلا اليومَ،
فسَلَّمَ وقال: أَبِشِر بِنُورَينٍ أُوتِيتَهما، لم يُؤْتَهُما نَبِيِّ قَبلَكَ: فاتحة الكتاب، وخواتيم
سُورةِ البقرة، لَن تَقرَأَ بحرف منهما، إلا أُعطِيتَهُ))(٤).
(١) ابن نوفل، ابن عم خديجة رضي الله عنها، كان في الجاهلية نصرانياً، ومات مسلماً قبل أن يدعو
رسول الله صل ى الناس. الإصابة ١٠/ ٣٠٤.
(٢) لفظ ((يومك)) من (ظ)، وفي (د) و(ز): ولئن أدركني.
(٣) دلائل النبوة ١٥٨/٢، وقد بيَّن البيهقيُّ علته.
(٤) صحيح مسلم (٨٠٦).

١٧٩
سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها)
قال ابنُ عطيَّةٍ(١): وليس كما ظَنَّ، فإنَّ هذا الحديثَ يَدُلُّ على أنَّ جبريلَ عليه
السلام تقدَّمَ الملكَ إلى النبيِّ وَ﴿ مُعلِماً به، وبما يَنزِلُ معه، وعلى هذا يكونُ جبريلُ
شاركَ في نزولها . والله أعلم.
قلت: الظاهرُ من الحديث يدلُّ على أنَّ جبريل عليه السلام لم يُعلِم النبيَّ وَّلـ
بشيء من ذلك. وقد بَيَّنَّا أنَّ نزولَها كان بمَّةَ، نزلَ بها جبريلُ عليه السلام، لقوله
تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. وهذا يقتضي جميعَ القرآن، فيكون
جبريلُ عليه السلام نزلَ بتلاوتها بمكّةَ، ونزل المَلَكُ بثوابها بالمدينةِ، والله أعلم. وقد
قيل: إنها مَكِّيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ، نزلَ بها جبريلُ مرتين. حكاه الثعلبيُّ(٢). وما ذكرناه أولى،
فإنه جمعَ بين القرآنِ والسُّنةِ، ولله الحمدُ والمِنَّة.
الرابعة: قد تقدَّمَ أنَّ البسملةَ ليسَت بآية منها على القول الصحيح، وإذا ثبتَ
ذلك، فحُكُمُ المصلِّي إذا كبَّرَ أن يَصِلَهُ بالفاتحة، ولا يَسكُتَ، ولا يذكُرَ توجيهاً ولا
تسبيحاً، لحديث عائشةً وأنس المتقدِّمَين(٣) وغيرِهما. وقد جاءت أحاديثُ بالتوجيهِ
والتسبيحِ والسُّكوت، قال بها جماعةٌ من العلماء. فرُويَ عن عمرَ بن الخطّاب،
وعبدِ الله بن مسعود، رضي الله عنهما، أنهما كانا يقولان إذا افتَتَحا الصلاةَ:
سبحانك اللهمَّ وبحمدِك، تَبارَكَ اسمُكَ، وتَعالَى جَدُّكَ، ولا إلهَ غيرُك(٤). وبه قال
سفيانُ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرأي(٥). وكان الشافعيُّ يقول بالذي رُوِيّ
عن عليٍّ، عن النبيِّ نََّ، أنه كان إذا افتَتَحَ الصلاةَ، كَبَّرَ، ثم قال: ((وَجَّهتُ وَجهِيَ)).
(١) لم نجد قول ابن عطية هذا، ولا الذي قبله في تفسيره.
(٢) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق النيسابوري، له كتاب التفسير الكبير قال ابن تيمية في
مقدمة أصول التفسير ٧٦: والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، ولكنه كان حاطبَ ليل، ينقلُ ما
وجدَ في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع. وقال ابنُ كثير في البداية والنهاية ١٢/ ٤٠ : يوجد
في كتبه من الغرائب شيء كثير.اهـ. توفي سنة (٤٢٧هـ). وينظر سير أعلام النبلاء ١٧ / ٤٣٥.
(٣) في المسألة الخامسة ص١٤٧ - ١٤٨.
(٤) حديث عمر أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٢٥٥٧)، ومسلم (٣٩٩)، وحديث ابن مسعود أخرجه
عبد الرزاق أيضاً في المصنف (٢٥٥٨).
(٥) معالم السنن ١ / ١٩٧.

١٨٠
سورة الفاتحة (نزولها وأحكامها)
الحديث، ذكره مسلمٌ(١)، وسيأتي بتمامه في آخر سورة الأنعام، وهناك يأتي القولُ
في هذه المسألةِ مستوفّى إن شاء الله.
قال ابنُ المنذر(٢): ثبت أنَّ رسولَ الله ◌ِّيهِ كان إذا كبَّرَ في الصلاة، سكتَ هُنَيْهَة
قبل أن يقرأَ، يقول: ((اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطايايَ، كما باعَدْتَ بين المشرق
والمغرب، اللهمَّ نَقِّنِي من خطايايّ، كما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبيضُ من الدَّنَس، اللَّهمَّ
اغْسِلْني من خطايايَ بالماء والثَّلج والبَرَدِ»(٣). واستعمل ذلك أبو هريرةَ. وقال أبو
سَلَمةَ بنُ عبد الرحمن(٤): للإمام سكتتان، فاغتنموا فيهما القراءَةَ(٥). وكان الأوزاعيُّ
وسعيدُ بن عبد العزيز(٦) وأحمدُ بنُ حنبل يميلون إلى حديث النبيِّ ◌َّ في هذا الباب.
الخامسة: واختلف العلماءُ في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فقال مالكٌ
وأصحابُه: هي مُتَعيِّنةٌ للإمام والمتفرد في كلِّ ركعة.
قال ابن خُويز مَندَاه(٧) البصري المالكي: لم يَختلِفْ قولُ مالك: أنه مَن نَسِيَها في
ركعة (٨) من صلاة ركعتين، أنَّ صلاتَه تبطُل، ولا تَجزيه. واختلف قولُه فيمن تركها
(١) صحيح مسلم (٧٧١)، وهو في مسند أحمد (٧٢٩).
(٢) محمد بن إبراهيم أبو بكر النيسابوري، الحافظ، الفقيه، نزيل مكة، صاحب الأوسط والإشراف،
وغيرهما . توفي سنة (٣١٨هـ). قال الذهبي في السير ١٤/ ٤٩٢: ولابن المنذر تفسير كبير في بضعة
عشر مجلداً، يقضي له بالإمامة في علم التأويل أيضاً .
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨)، من حديث أبي هريرة، وهو في المسند (٧١٦٤).
(٤) ابن عوف الزُّهري، أحد الفقهاء السبعة، قيل: اسمه عبد الله، وقيل إسماعيل، مات سنة (٩٤هـ).
السير ٤ / ٢٨٧.
(٥) ذكره البيهقي في القراءة خلف الإمام ص ٤٦.
(٦) هو أبو محمد التنوخي، مفتي دمشق، توفي سنة (١٦٧هـ). السير ٨/ ٣٢.
(٧) في (د) و(ظ): خواز بنداد، وفي (ز): خواز منذاذ، والمثبت من (م). وقيَّده الشهاب الخفاجي في
شرح الشفاء ٤/ ١٤١، فقال: بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة، وسكون الياء المثناة التحتية،
وزاي معجمة ساکنة ومکسورة ومیم مفتوحة أو مكسورة . قال: وروي بباء موحدة بدلها، ثم نون
ساكنة، فذالين معجمتين بينهما ألف، وقيل: الأولى مهملة. اهـ. وهو محمد بن أحمد بن عبد الله، له
كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن. توفي نحو (٣٩٠هـ).
الوافي بالوفيات ٢/ ٥٢، والديباج المذهب ٢/ ٢٢٩.
(٨) في (م): في صلاة ركعة .