Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ معنى السبعة أحرف وعارضَه بها جبريلُ عليه السلامُ في عَرَضَاته على الوجه الذي فيه الإعجازُ، وجودةٌ الرَّصف(١)، ولم تقع الإباحةُ في قوله عليه السلام: ((فاقرؤوا ما تيسّرَ منه)) بأن يكون كلّ واحد من الصَّحابة إذا أرادَ أن يُبَدِّلَ اللَّفْظةَ من بعض هذه اللُّغاتِ، جَعَلَها من تلقاءِ نفسِه، ولو كان هذا، لذهبَ إعجازُ القرآن، وكان مُعرَّضاً أن يُبدَّلَ هذا وهذا، حتَّى يكون غيرَ الذي نزلَ من عند الله، وإنَّما وقعت الإباحَةُ في الحروف السَّبعة للنبيِّ ◌َِّه ليوسَّعَ بها على أُمَّتِهِ، فَأَقْرَأَ مَرَّةً لأُبَيِّ بما عارضَه به جبريلُ، ومَرَّةً لابن مسعود بما عارضَه به أيضاً، وعلى هذا تجيءُ قراءةُ عمرَ بنِ الخطاب لسورة الفرقان، وقراءةُ هشام بنِ حَكِيم لها، وإلا، فكيف يستقيمُ أن يقولَ النبيُّ وَّ في كلِّ قراءة منهما وقد اختلفا: ((هكذا أقرأني جبريلُ)»؟ هل ذلك إلا أنَّه أَقرأَه مَرَّةً بهذه، ومَرَّةً بهذه؟ وعلى هذا يُحملُ قولُ أنس حين قرأ: ((إن ناشِئةَ اللَّيلِ هي أشدُّ وَظأ وأصْوَبُ قِيلاً))، فقيل له: إنَّما تُقرأ: ((وأقوَمُ قِيلاً))، فقال أنس: وأصوَبُ قِيلاً، وأقوَمُ قِيلاً، وأهياً، واحدٌ(٢). فإنَّما معنى هذا أنَّها مرويَّةٌ عن النبيِ وَّر، وإلا، فلو كان هذا لأحد من الناس أن يَضَعَه، لَبَطَل معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. روى البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما عن عمرَ بنِ الخطاب قال: سمعتُ هشامَ بنَ حَكِيم يقرأ سورةَ الفُرقانِ على غير ما أقرؤُها، وكان رسولُ اللهِ وَّهِ أقرَّأَنِيها، فَكِدتُ أن أَعجَلَ عليه، ثم أمهَلتُه حتَّى انصرفَ، ثم ◌َبَّبتُه بردائه، فجئتُ به رسولَ الله ◌ِێے، فقلتُ: يارسول الله، إنِّي سمعتُ هذا يقرأ سورة الفرقان على غيرِ ما أقرَأْتَنِيها ! فقال رسول الله وَله: ((أرسِلْه. إِقْرأ)). فقرأ القراءة التي سمعتُه يقرأ، فقال رسولُ اللهَ وَآت: ((هكذا أُنزِلَت)). ثمَّ قال لي: ((إِقْرأ))، فقرأتُ، فقال: ((هكذا أُنزِلَت، إنَّ هذا القُرآنَ أُنزِلَ على سَبعَةٍ أحرُف، فاقرؤوا ما تَسَّرَ منه))(٣). قلتُ: وفي معنى حديثٍ عُمر هذا ما رواه مسلم عن أُبَيِّ بنِ كعب قال: كنتُ في المسجد، فدخلَ رجلٌ يصلِّي، فقرأ قراءةً أنكّرتُها عليه، ثمَّ دخَلَ آخَرُ، فقرأ قراءة (١) في النسخ الخطية: الوصف. والمثبت من (م). (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٧/١ و٣٧٣/٢٣، وابن جني في المحتسب ٣٣٦/٢. (٣) صحيح البخاري (٤٩٩٢)، وصحيح مسلم (٨١٨). وهو في المسند (٢٧٧). ٨٢ مقدمة المصنف سِوَى قراءةِ صاحبِه، فلمَّا قَضَينا الصلاةَ، دَخَلنا جميعاً على رسول الله وَ له، فقلتُ: إِنَّ هذا قَرَأَ قراءةً أَنكَرتُها عليه، ودَخَلَ آخَرُ، فقرأ سِوَى قراءةِ صاحبِهِ، فأمَرَهما النبيُّ وَ﴿ فَقَرَأَا، فَحَسَّنَ النبيُّ وَّهِ شأنَهما، فَسُقِطَ في نفسي من التَّكذيب، ولا إذ كنتُ في الجاهليّة، فلما رأى النبيُّ نَّهِ ماقد غَشِيَني، ضَرَبَ في صدري، فَفِضْتُ عَرَقاً، وكأنَّما أنظرُ إلى الله تعالى فَرَقاً، فقال(١): ((يا أُبَيُّ، أُرسِلَ إليَّ أن أقرأ القرآنَ على حَرف، فَردَدتُ إليه: أن هَوِّنْ على أمَّتي، فَردَّ إليَّ الثانيةَ: إِقرَأْهُ(٢) على حَرفَين، فَرَدَدتُ إليه: أن هَوِّنْ على أمَّتي، فَرَدَّ إليَّ الثالثةَ: إِقرَأْهُ على سبعةِ أحرُف، ولك(٣) بكلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَها مسألةٌ تَسأَلُنِيها، فقلتُ: اللَّهِمَّ اغفِر لأمتي، اللَّهم اغفِر لأمتي، وأنّرتُ الثالثةَ ليومٍ يَرغَبُ إليَّ فيه الخلقُ كُلُّهم، حتَّى إبراهيمُ عليه السَّلام)» (٤). قولُ أُبَيِّ رضي الله عنه (٥): فسُقِطَ في نفسي، معناه: اعتَرتني خَيرةٌ ودَهشَةٌ، أي: أصابتهُ نَزْغَةٌ من الشيطان ليشوِّشَ عليه حالَه، ويُكذِّرَ عليه وقتَه، فإنه عَظُمَ عليه من اختلاف القراءاتِ ماليس عظيماً في نفسه، وإلا، فأيُّ شيء يلزمُ من المحال والتَّكذيب من اختلاف القراءات، ولم يلزم ذلك - والحمد لله - في النَّسخ الذي هو أعظم، فكيفَ بالقراءة ؟ ولمَّا رأى النبيُّ وَّهِ ما أصابه من ذلك الخاطر، نَبَّهَهُ، بأن ضرب(٦) في صدره، فأعقَبَ ذلك بأنِ انشرحَ صدرُه، وتَنَوَّرَ باطنُه، حتَّى آلَ به الكشفُ والشَّرحُ إلى حالةٍ المُعَاينة. ولمَّا ظهر له قُبحُ ذلك الخاطر، خافَ من الله تعالى، وفاضَ بالعَرَق استحياءً من الله تعالى، فكان هذا الخاطرُ من قبيل ما قال فيه النبيُّ وَ ه حين سألوه: إنَّا نَجِدُ في أنفُسنا ما يتَعَاظَمُ أحَدُنا أن يَتَكَلَّمَ به، قال: ((وقد وَجَدْتُموه؟!)). قالوا: (١) في (م): فقال لي. (٢) في (ظ): أن اقرأه. (٣) في (م): فلك. (٤) صحيح مسلم (٨٢٠)، وهو في المسند برقم (٢١١٧١). (٥) الكلام من هذا الموضع إلى آخر الباب، من المفهم ٤٥١/٢ - ٤٥٢ بتصرف يسير. (٦) في (م): ضربه. ٨٣ باب جمع القرآن نعم، قال: ((ذلك صريح الإيمان)). أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة(١). وسيأتي الكلام عليه في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى(٢). بابُ ذِکرٍ جمع القرآن، وسبب کتب عثمانَ المصاحف، وإحراقه ما سواها، وذِكرِ مَن حَفِظَ القرآنَ من الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبيِّ ◌َآر كان القرآنُ في مدَّة النبيِّ وَلِّ متفرِّقاً في صدور الرجال، وقد كتبَ الناسُ منه في صُحُف، وفي جَرِيد، وفي لِخاف وظُرَر، وفي خَزَف، وغير ذلك. قال الأصمعيّ(٣): اللِّخاف: حجارةٌ بِيضٌ رِقاق، واحدتُها لَخْفَة. والظُرَرُ: حجرٌ، له حدٌّ كحدٌ السكين، والجمع ظِرارٌ؛ مثلُ رُطَب ورِطاب، ورُبَع ورِباع، وظِرَّان أيضاً، مثلُ صُرَد وصِردان (٤). فلما استَحَرَّ القتلُ بالقُرَّاء يومَ اليمامة في زمن الصدِّيق رضي الله عنه، وقُتِلَ منهم في ذلك اليوم - فيما قيل - سبعُ مئة، أشار عمرُ بنُ الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن، مخافةً أن يموتَ أشياخُ القرَّاء، كأَبَيِّ، وابنٍ مسعود، وزيد، فندبا زيدَ بنَ ثابت إلى ذلك، فجمَعَه غيرَ مرتَّب السُّوَر، بعد تعب شديد، رضي الله عنه(٥) . روى البخاري عن زيد بن ثابت قال: أرسلَ إليَّ أبو بكر مقتلَ أهلِ اليمامةِ، وعندَه عُمرُ، فقال أبو بكر: إنَّ عمرَ أتاني، فقال: إنَّ القَتلَ قدِ استَحَرَّ يومَ اليمامةِ بالناس، وإني أَخشَى أن يَستَحِرَّ القتلُ بالقُرَّاء في المواطن، فيذهبَ كثيرٌ من القرآن، إلا أن تَجمعوه، وإني لأَرى أن تَجمعَ القرآنَ. قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ (١) صحيح مسلم (١٣٢). (٢) عند قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنَزَغَتَّكَ مِنَ الشَّيْطِنِ نَزْعٌ فَأَسْتَئِذْ بَِلَّهِ﴾ (الآية: ٢٠٠). (٣) عبد الملك بن قُریب، أبو سعيد الأصمعي البصري، اللغوي الأخباري، توفي سنة (٢١٥هـ) وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء ١٧٥/١٠. (٤) الرُّبَع: الفصيل يُنْتَجُ في الربيع، وهو أول النتاج، والصُّرَد: طائر أكبر من العصفور، ضخم الرأس والمنقار، وكانوا يتشاءمون به. (المعجم الوسيط). (٥) المحرر الوجيز ٤٩/١. ٨٤ مقدمة المصنف شيئاً لم يَفعَلْه رسولُ الله وَِّ؟! فقال: هو واللهِ خيرٌ. فلم يَزَل يُراجِعُني حتى شرحَ اللهُ لذلك صدري، ورأيتُ الذي رأی عمرُ. قال زيدٌ: وعندَه عمرُ جالسٌ لا يَتكلَّمُ، فقال لي أبو بكر: إنك رجلٌ شابٌّ عاقلٌ، ولا نَتَّهِمُك، كنتَ تَكتُبُ الوحيّ لرسولِ اللهِ وَّهِ، فَتَبَّعِ القرآنَ، فَاجْمَعْه. فوالله، لو كلَّفَني نقلَ جبلٍ من الجبال، ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلتُ: كيف تَفعلانِ شيئاً لم يَفْعَلُهُ رسولُ اللهِ وَّرِ؟! فقال أبو بكر: هو واللهِ خيرٌ. فلم أزَل أراجِعُه حتى شرحَ اللهُ صَدرِي للذي شرحَ له صَدرَ أبي بكر وعمرَ، فقمتُ، فَتَتَبَّعتُ القرآنَ أجمعُه من الرِّقاعِ، والأكتاف، والعُسُبِ، وصُدورِ الرجال، حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خُزيمةَ الأنصاريِّ(١)، لم أجِدهما مع غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخرها. فكانت الصُّحُفُ التي جُمِعَ فيها القرآنُ عند أبي بكر حتى توقَّاه الله، ثم عند عمرَ حتى توقَّاه الله، ثم عند حفصةً بنتٍ عمر. وقال اللَّيثُ: حدثني عبدُ الرحمن بنُ خالد(٢)، عن ابن شهاب، وقال: مع أبي خُزيمةَ الأنصاريِّ. وقال أبو ثابت: حدثنا إبراهيمُ، وقال: مع خُزيمة، أو أبي خُزَيمةً: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَقُلْ حَسْىَ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌّ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ اٌلْعَظِيمِ﴾(٣). وقال الترمذيُّ في حديثه عنه: فوجَدتُ آخِرَ سورة براءةً مع خُزيمةَ بنِ ثابت: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيمُّ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٧٨) فَإِن تَوَلَّوْ فَقُلْ حَسْوَ اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. قال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٤). (١) هو خُزيمة بن ثابت، أبو عمارة، الخطمي، ذو الشهادتين، شهد أحداً وما بعدها، واستشهد يوم صفّين سنة (٣٧هـ). سير أعلام النبلاء ٢ /٤٨٥. (٢) تحرف في النسخ و(م) إلى: غالب. (٣) صحيح البخاري (٤٦٧٩)، وهو في المسند(٥٧). الليث: هو ابنُ سَعد، وابنُ شِهاب: هو الزُّهري، وأبو ثابت: هو محمد بن عُبيد الله المدني، وإبراهيم: هو ابنُ سَعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عَوف. (٤) سنن الترمذي (٣١٠٣). ٨٥ باب جمع القرآن وفي ((البخاري)): عن زيد بن ثابت قال: لما نَسَخْنا الصُّحُفَ في المصاحف، فَقَدْتُ آية من سورة الأحزاب، كنتُ أسمَعُ رسولَ الله وَلا يقرؤها، لم أجِدها مع أحد إلا مع خُزيمةَ الأنصاري، الذي جعلَ رسولُ اللهِوَالإ شهادته بشهادة رجلين: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١) . وقال الترمذيُّ عنه: فقدتُ آيةً من سورة الأحزاب، كنتُ أسمعُ رسولَ الله وَّل يقرؤها: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى تَعْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنَظِرِّ﴾ فالتمستُها، فوجدتُها عند خُزيمةَ بن ثابت، أو أبي خُزيمةً، فأَ لحقتُها في سورتها(٢). قلتُ: فسقَطَتِ الآيةُ الأولى من آخِر ((براءَة)) في الجمع الأوَّل، على ما قاله البخاريُّ والترمذيُّ، وفي الجمع الثاني فُقدَتْ آيةٌ من سورة الأحزاب. وحكى الطبريُّ: أنَّ آيَةَ ((براءة)) سَقَطَت في الجمع الأخير، والأوَّل أصحُ(٣)، والله أعلم. فإن قيل: فما وجهُ جمع عثمانَ للناسِ (٤) على مُصْحَفِه، وقد سبقَه أبو بكر إلى ذلك، وفَرَغَ منه ؟. قيل له: إنَّ عثمانَ رضي الله عنه لم يَقصِد بما صنعَ جَمعَ الناسِ على تأليف المصحف، ألا ترى كيف أرسلَ إلى حَفْصَةً أَن أرسِلي إلينا بالصُّحُف نَنسَخُها في المصاحف، ثم نَردُّها إليكِ؟ على ما يأتي. وإنما فعلَ ذلك عثمانُ، لأنَّ الناسَ اختلفوا في القراءات بسبب تفرُّق الصحابة في البلدان، واشتدَّ الأمرُ في ذلك، وعَظُمَ اختلافُهم وتَشَتُّهم(٥)، ووقعَ بين أهل الشام والعراق ما ذكره حذيفةُ رضي الله عنه، وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة إِرِمِينِيَةً، فقرأَت كُلُّ طائفة بما رُوِيّ لها، فاختَلَفوا، وتَنازَعُوا، وأظهرَ بعضُهم إكفارَ بعض(٦)، والبراءةَ منه، وتلاعَنوا، فأشفَقَ حذيفةُ مما (١) صحيح البخاري (٤٧٨٤)، وهو في مسند أحمد (٢١٦٤٠). (٢) سنن الترمذي (٣١٠٤). (٣) المحرر الوجيز ٤٩/١. وانظر تفسير الطبري ١/ ٥٤ - ٥٦. (٤) في (م): الناس. (٥) في (م): وتشبثهم. (٦) في المحرر الوجيز ١/ ٤٧: فاختلفوا وتنازعوا حتى قال بعضهم لبعض: أنا كافر بما تقرأ به. ٨٦ مقدمة المصنف رَأَى منهم، فلما قَدِمِ حُذَيفَةُ المدينةَ - فيما ذكر البخاريُّ والترمذي(١) - دخل إلى عثمانَ قبل أن يَدخُلَ إلى بيته، فقال: أدرِكْ هذه الأمةَ قبل أن تَهلِكَ ! قال: فيماذا ؟ قال: في كتاب الله، إني حضرتُ هذه الغزوةَ، وجَمَعَت ناساً من العراق والشام والحجاز. فوصفَ له ما تقدَّم، وقال: إني أخشى عليهم أن يختلفُوا في كتابهم، كما اختلف اليهودُ والنصارى(٢). قلت: وهذا أدلُّ دليل على بطلان مَن قال: إنَّ المرادَ بالأحرف السبعة قراءاتُ القُرَّاء السبعة، لأنَّ الحقَّ لا يُختلَفُ فيه. وقد روى سُوَيِدُ بنُ غَفَلَةَ(٣)، عن عليّ بن أبي طالب أنَّ عثمان قال: ما تَرَونَ في المصاحف ؟ فإنَّ الناسَ قد اختلفوا في القراءة، حتى إنَّ الرجلَ لَيقول: إنَّ قراءتي خيرٌ من قراءتك، وقراءتي أفضلُ من قراءتك. وهذا شبيهٌ بالكفر ؟ قلنا: ما الرأيُ عندك يا أميرَ المؤمنين ؟ قال: الرأيُ عندي أن يجتمعَ الناسُ على قراءة، فإنكم إذا اختلفتُم اليومَ، كان مَن بَعدَكم أشَدَّ اختلافاً، قلنا: الرأيُ رأيُك يا أميرَ المؤمنين. فأرسلَ عثمانُ إلى حَفصَةً أَن أرسِلي إلينا بالصُّحُف نَنسَخُها في المصاحف، ثم نَرُدُّها إليك. فأرسلَت بها إليه، فأمرَ زيدَ بنَ ثابت، وعبد الله بنَ الزُّبير، وسعيدَ بنَ العاصي(٤)، وعبد الرحمن بنَ الحارث بنِ هشام(٥)، فنسخُوها في المصاحف. وقال عثمانُ الرَّهط القُرَشِيِين: إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بنُ ثابت في شيء من القرآن، فاكتُبُوه بلسان قريش، فإنما نزلَ بلسانهم، ففعلوا. حتى إذا نَسَخُوا الصُّحُفَ في المصاحف، ردَّ عثمانُ الصُّحُفَ إلى حفصةَ، وأرسلَ إلى كلِّ أفُق بمصحف مما نَسخُوا، وأمرَ بما سوى ذلك من القرآن في كلِّ صحيفة أو مصحف أن يُحرقَ(٦). (١) صحيح البخاري (٤٩٨٧)، وسنن الترمذي (٣١٠٤). (٢) من قوله: ووقع بين أهل الشام والعراق ... إلى هذا الموضع، من المحرر الوجيز ١/ ٤٧. (٣) أبو أمية، الجُعفي الكوفي، أسلَم في حياة النبي وَ له، وقدم المدينة حين فرغوا من دفن رسول الله وَّته، وشهد اليرموك، مات سنة (٨١هـ). السير ٦٩/٤. (٤) الأموي، كان له عند موت النبي و8 8* تسع سنين، وَلِيَ إمرة الكوفة لعثمان، وإمرةً المدينة لمعاوية، مات سنة (٥٧هـ). السير ٤٤٤/٣. (٥) المخزومي، رأى النبي ◌َ له، مات في خلافة معاوية بالمدينة، سنة (٤٣هـ) السير ٤٨٤/٣. (٦) أخرجه مختصراً ابن أبي داود في المصاحف ص٢٢، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح ١٨/٩. :٠ ٨٧ باب جمع القرآن وكان هذا من عثمانَ رضي الله عنه بعد أن جمعَ المهاجرين والأنصارَ، وجِلَّةَ أهلٍ الإسلام، وشاورَهم في ذلك، فاتفقُوا على جَمعِه بما صحَّ، وثبتَ من(١) القراءات المشهورةِ عن النبيِّ ◌َّ﴿، واطّراحِ ما سواها، واستَصوَبُوا رأيَه، وكان رأياً سَديداً مُوفَّقاً، رحمة الله عليه وعليهم أجمعين. وقال الطبري فيما رَوى: إن عثمانَ قَرَنَ بزيد أبَانَ بنَ سعيد بنِ العاصي(٢) وحده، وهذا ضعيفٌ(٣). وما ذكره البخاريُّ والترمذيُّ وغيرُهما أصحُ. وقال الطبري أيضاً: إن الصُّحُفَ التي كانت عند حفصةً، جُعلت إماماً في هذا الجمع الأخير (٤). وهذا صحيحٌ. قال ابن شهاب: وأخبرني عبيدُ الله بن عبد الله، أنَّ عبدَ الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نَسخَ المصاحفِ، وقال: يامعشرَ المسلمين، أُغْزَلُ عن نَسخ المصاحف، ويتولاها(٥) رجلٌ، والله، لقد أسلمتُ وإنه لَفي صُلب رجل كافر ! يُريد زيدَ بنَ ثابت. ولذلك قال عبدُ الله بنُ مسعود: يا أهلَ العراق، اكتُمُوا المصاحفَ التي عندكم وغُلُّوها، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَمَن يَغْلُلْ بَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: (١٦]، فَالْقَوا اللهَ بالمصاحف. خرَّجه الترمذي(٦). وسيأتي الكلام في هذا في سورة آل عمران، إن شاء الله تعالى(٧). (١) في (م): في . (٢) هو أبو الوليد الأموي، أسلم قبل الفتح، واستعمله النبي ول# على البحرين، استُشهد يوم أجنادين. السير ١/ ٢٦١. (٣) تفسير الطبري ٥٤/١ _ ٥٥، وفي إسناده عُمارة بنُ غَزِيَّة. قال الخطيب - فيما نقله عنه الحافظ في الفتح ١٩/٩ -: ووهم عُمارةُ في ذلك، لأن أبان قُتل بالشام في خلافة عمر، ولا مدخل له في هذه القصة. (٤) تفسير الطبري ٥٦/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٩/١ .. (٥) في (م): ويتولاه. (٦) سنن الترمذي (٣١٠٤). ابنُ شِهاب: هو الزُّهرِي، وعُبيد الله بنُ عبد الله: هو ابنُ عُتبةً بن مسعود. وقال الترمذي بعده: قال الزُّهري: فبلغني أن ذلك كَرِهَه من مقالة ابنِ مسعود رجالٌ من أفاضل أصحابٍ النبي ﴾. (٧) لم يذكر المصنف في تفسير الآية المذكورة التأويلَ الذي ذهب إليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند (٣٩٢٩): كان هذا من ابن مسعود ... خشية اختلافهم، فغضب ابن مسعود، وهذا رأيُه، ولكنه رحمه الله أخطأ خطأ شديداً في تأويل الآية على ما = ٨٨ مقدمة المصنف قال أبو بكر الأنباريُّ: ولم يكن الاختيارُ لزيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمانَ على عبد الله بن مسعود في جمع القرآن - وعبدُ الله أفضلُ من زيد، وأقدمُ في الإسلام، وأكثرُ سوابقَ، وأعظمُ فضائلَ - إلا لأن(١) زيداً كان أحفظَ للقرآن من عبد الله، إذ وَعاه كلَّه ورسولُ اللهِوَ ل ◌َ حَيٍّ، والذي حَفِظَ منه عبدُ الله في حياة رسولِ الله ◌ِوَ لَ نَيِّفٌ وسبعون سورة، ثم تَعلَّمَ الباقيَ بعدَ وفاةِ الرسولِ وَّهِ، فالذي ختمَ القرآنَ وحفظَه ورسولُ اللهِ وَل ◌ِ حِيٍّ، أَولَى بجمع المصحف، وأحقُّ بالإيثار والاختيار. ولا ينبغي أن يَظْنَّ جاهلٌ أنَّ في هذا طعناً على عبد الله بن مسعود، لأن زيداً إذا كان أحفظَ للقرآن منه، فليس ذلك مُوجِباً لتقدمته عليه، لأنَّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كان زيدٌ أحفظَ منهما للقرآن، وليس هو خيراً منهما، ولا مساوياً لهما في الفضائل والمناقب. قال أبو بكر: وما بدا من عبد الله بن مسعود من نكير ذلك، فشيءٌ نَتَجَهُ الغضب، ولا يُعمَل به، ولا يُؤخذ به، ولا يُشكُّ في أنه رضي الله عنه قد عَرَفَ بعد زوالٍ الغضب عنه حُسنَ اختيار عثمانَ، ومَن معه من أصحاب رسول الله بَّهِ، وبقيَ على موافقتهم، وتركَ الخلافَ لهم. فالشائعُ الذائعُ المتعالَمُ عند أهل الرواية والنقل أنَّ عبدَ الله بنَ مسعود تعلَّم بقيَّةً القرآنِ بعد وفاةِ رسول الله بَّه. وقد قال بعضُ الأئمة: مات عبدُ الله بن مسعود قبلَ أن يَخْتِمَ القرآنَ. قال يزيدُ بنُ هارون(٢): المُعَوِّذَتان بمنزلة البقرة وآل عمران، مَن زعمَ أنهما ليستا من القرآن، فهو كافرٌ بالله(٣) العظيم، فقيل له: فقولُ عبد الله بن مسعود فيهما ؟ فقال: لا خلاف بين المسلمين في أنَّ عبدَ الله بن مسعود مات وهو لا يَحفَظُ القرآنَ كلَّه. قلتُ: هذا فيه نظرٌ، وسيأتي (٤). وروى إسماعيلُ بن إسحاقَ وغيره، قال حِمَّادٌ: أظنُّه عن أنس بن مالك قال: كانوا يختلفون في الآية، فيقولون: أَقرأَها رسولُ اللهِ وَاللّه فلانَ بنَ فلان، فعسى أن = أوَّل، فإنَّ الغُلول هو الخيانة، والآيةُ واضحةُ المعنى في الوعيد لمن خان أو اختلس من المغانم. (١) في النسخ الخطية: أن، والمثبت من (م). (٢) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن، توفي في خلافة المأمون سنة (٢٠٦ هـ). سير أعلام النبلاء ٣٥٨/٩. (٣) في (ظ): بالقرآن. (٤) ص ٩٥. ٨٩ باب جمع القرآن يكونَ من المدينة على ثلاثٍ ليال، فُيرسَلُ إليه، فُيجاء به، فيقال: كيف أقرأَكَ رسولُ الله ﴿ ﴿ آيةَ كذا وكذا ؟ فيكتُبون كما قال(١). قال ابنُ شِهاب: واختلفوا يومئذ في ((التابوت))، فقال زيدٌ: ((التابوه)). وقال ابنُ الزُّبير وسعيد بن العاصي: ((التابوت))، فرُفع اختلافُهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه بالتاء، فإنه نَزَلَ بلسان قريش. أخرجه البخاري والترمذي(٢). قال ابن عطية(٣): قرأه زيد بالهاء، والقرشيون بالتاء، فأثبتوه بالتاء، وكُتبتٍ المصاحفُ على ما هو عليه غابِرَ الدهر، ونَسخَ منها عثمانُ نُسَخاً. قال غيره: قيل: سبعة، وقيل: أربعة، وهو الأكثر، ووجَّه بها إلى الآفاق، فوجَّه للعراق والشام ومصر بأمَّهات، فاتخذَها قُرَّاءُ الأمصار مُعتمَدَ اختياراتِهم، ولم يخالف أحدٌ منهم مصحفَه على النحو الذي بلغَه، وما وُجدَ بين هؤلاء القُرَّاء السبعةِ من الاختلاف في حروف يَزِيدُها بعضُهم، ويَنْقُصُها بعضُهم، فذلك لأنَّ كلَّ منهم اعتمدَ على ما بلغَه في مصحفه ورواه، إذ قد کان عثمانُ کتب تلك المواضعَ في بعض النسخ، ولم یکتُبها في بعض، إشعاراً بأنَّ كلَّ ذلك صحيحٌ، وأنَّ القراءةَ بكلِّ منها جائزةٌ. قال ابنُ عطية: ثم إنَّ عثمانَ أمرَ بما سواها من المصاحف أن تُحرقَ، أو تُخرقَ - تُروى بالحاء غير منقوطة، وتُروى بالخاء على معنى - ثم تُدفنَ، وروايةُ الحاء غير منقوطة أحسن(٣). وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب ((الردّ» عن سُوَيدِ بنِ غَفَلةَ قال: سمعتُ عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه يقول: يامعشرَ الناس، اتقوا الله، وإيَّكم والغُلُوَّ في عثمانَ وقولَكم: حرق(٤) المصاحف، فوالله ما حَرقَها إلا عن ملأ منَّا أصحابَ (١) أخرجه أبو عمرو الداني في المقنع ص٧، وقد اختصر القرطبي إسناده. حماد: هو ابن زيد، وأخرج ابنُ أبي داود في المصاحف ص٢٢.٢١ نحوه من وجه آخر. (٢) لم يخرجه البخاري، وإنما أخرجه الترمذي (٣١٠٤)، ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/ ٢٠ عن الخطيب أن هذه الزيادة رواها ابن شهاب - وهو الزُّهري - مرسلة. (٣) المحرر الوجيز ٤٩/١. (٤) في (م): حرَّاق. ٩٠ مقدمة المصنف محمد ◌َ﴾(١). وعن عُميربن سعيد قال: قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: لو كنتُ الواليَ وقتَ عثمان، لفعلتُ في المصاحف مثلَ الذي فعل عثمان(٢). قال أبو الحسن بنُ بطّال: وفي أمرٍ عثمانَ بتحريق الصُّحُف والمصاحف حين جمعَ القرآنَ جوازُ تحريقِ الكتبِ التي فيها أسماءُ الله تعالى، وأنَّ ذلك إكرامٌ لها، وصيانةٌ عن الوطء بالأقدام، وطرحِها في ضِياع من الأرض. روى مَعمَرٌ، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان يَحرِقُ الصُّحُفَ إذا اجتمعَت عنده الرسائلُ فيها ((بسم الله الرحمن الرحيم)). وحرقَ عروةُ بنُ الزُّبير(٣) كتب فقه كانت عندَه يومَ الحَرَّة. وكرهَ إبراهيمُ أن تُحرَقَ الصُّحُفُ إذا كان فيها ذكرُ الله تعالى (٤). وقولُ من حرقها أولى بالصواب، وقد فعلَه عثمان. وقد قال القاضي أبو بكر لسان الأمة(٥): جائزٌ للإمام تحريقُ الصُّحُف التي فيها القرآن، إذا أدَّاه الاجتهادُ إلى ذلك. 3 فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وفي فعل عثمانَ رضي الله عنه ردٌّ على الحُلُولية(٦) والحَشْوِيَّةَ(٧) القائلين بقِدَم الحروف والأصوات، وأنَّ القراءةَ والتلاوةَ قديمةٌ، وأنَّ (١) أخرجه ابن شبَّة في تاريخ المدينة ٩٩٤/٣ - ٩٩٥ مطولاً. (٢) وأخرج هذين الأثرين ابنُ أبي داود في المصاحف ص٢٢ و٢٣، وأخرج الثاني منهما أبو عمرو الداني في المقنع ص٨. (٣) أبو عبد الله القرشي، أحدُ الفقهاء السبعة، أبوه الزبير بن العوام حواريُّ رسول الله وَّر، توفي سنة (٩٤هـ). السير ٤٢١/٤. (٤) أخرج الآثار الثلاثة عبد الرزاق في مصنفه ٤٢٥/١١ (٢٠٩٠١) (٢٠٩٠٢) (٢٠٩٠٣). (٥) هو أبو بكر ابنُ الطيب الباقلاني، وسلفت ترجمته ص٧٤، وقد لقَّبه بلسان الأمة القاضي عياض في ترتيب المدارك ٤ /٥٨٥. (٦) هم القائلون: إن الله حالٌّ في كل شيء، مُتَّحِدٌ به، حتى جوَّزوا أن يطلق على كل شيءٍ أنه الله! تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً . وينظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٦٤/٢ وما بعدها . (٧) الحَشْوِيَّة - بسكون الشين؛ نسبة إلى الحَشْو - طائفة من المبتدعة؛ لُقِّبُوا بهذا اللقب؛ لاحتمالهم كل حَشْوِ رُويَ من الأحاديث المختلفة، أو لأن منهم المجسِّمة، والجسم محشوّ. المستصفى للغزالي ٤٦٢/٢، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، ودائرة المعارف الإسلامية (حشو). وقد يطلق بعض المبتدعة هذا اللقب على المخالف لهم. وقيل: إن أول من أطلق هذا اللقب عمرو بن= ٩١ باب جمع القرآن الإيمانَ قديمٌ، والروحَ قديم. وقد أجمعتِ الأمةُ، وكُلُّ أمة من النصارى واليهود والبراهمة، بل كلُّ مُلحِد وموحِّد، أنَّ القديمَ لا يُفعَل، ولا تتعلقُ به قدرةُ قادر بوجه ولا بسبب، ولا يجوز العدمُ على القديم، وأنَّ القديمَ لا يصيرُ مُحدَثاً، والمُحدَثَ لا يصيرُ قديماً، وأنَّ القديمَ ما لا أوَّلَ لوجوده، وأنَّ المُحدَثَ هو ما كانَ بعدَ أن لم يكن، وهذه الطائفةُ خَرَقَت إجماعَ العقلاء من أهل المِلل وغيرِهم، فقالوا: يجوز أن يصيرَ المُحْدَثُ قديماً، وأنَّ العبدَ إذا قرأ كلامَ الله تعالى، فعلَ كلاماً لله قديماً، وكذلك إذا نَحتَ حروفاً من الآجُرِّ والخشب، أو صاغَ أحرفاً من الذهب والفضة، أو نسجَ ثوباً، فنقشَ عليه آيةً من كتاب الله، فقد فعل هؤلاء كلامَ الله قديماً، وصار كلامُه منسوجاً قديماً، ومنحوتاً قديماً، ومَصُوغاً قديماً. فيقال لهم: ما تقولون في كلام الله تعالى، أيجوزُ أنْ يذابَ ويُمحى ويُحرقَ؟ فإن قالوا: نعم، فارقوا الدِّينَ، وإن قالوا: لا، قيل لهم: فما قولُكم في حروف مصوّرة آية من كتاب الله تعالى من شَمَع، أو ذهب، أو فضة، أو خشب، أو كاغَد، فوقَعَت في النار، فذابَت واحترقَت، فهل تقولون: إنَّ كلامَ الله احترق ؟ فإن قالوا: نعم، تركوا قولَهم، وإن قالوا: لا، قيل لهم: أليس قلتُم: إنَّ هذه الكتابةَ كلامُ الله وقد احترقت، وقلتُم: إن هذه الأحرفَ كلامُه وقد ذابَت ؟! فإن قالوا: احترقتِ الحروفُ، وكلامُه تعالى باقٍ، رَجَعوا إلى الحقِّ والصواب، ودَانُوا بالجواب، وهو الذي قاله النبيُّ وَ لِ مُنَبِّهاً على ما يقول(١) أهلُ الحق: «لو كان القرآنُ في إهاب، ثم وقعَ في النار، ما احتَرقَ))(٢). وقال الله عز وجل: ((أنزلتُ عليك كتاباً لا يَغسِلُه الماءُ، تقرؤه نائماً ويقظانَ» الحديث. أخرجه مسلم (٣). = عُبيد المعتزلي على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. توضيح المقاصد في شرح قصيدة ابن القيم لا بن عيسى ٧٦/٢ -٠٨٠ (١) في (ظ): يقوله. (٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٧٣٦٥) من حديث عقبة بن عامر، وإسناده ضعيف، ونقل البغوي في شرح السنة ٤٣٧/٤ عن الإمام أحمد قوله: معناه: لو كان القرآن في إهاب، يعني في جلد، في قلب رجل، يُرجى لمن القرآن محفوظ في قلبه أن لا تمسَّه النار. ونقل عن أبي عبد الله البوشنجي قوله: معناه: أن من حمل القرآن وقرأه، لم تمسَّه النار يوم القيامة. وانظر جمال القراء للسخاوي ١٥٣/١ - ١٥٥. (٣) صحيح مسلم (٢٨٦٥). وهو قطعة من حديث عياض بن حمار المجاشعي، وأخرجه أحمد (١٧٤٨٤). قال النووي في شرح صحيح مسلم ١٩٨/١٧: معناه: محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على ممر الأزمان. يكون محفوظاً لك في حالتي النوم واليقظة، وقيل: تقرأه في يسر وسهولة. ٩٢ مقدمة المصنف فثبت بهذا أنَّ كلامَه سبحانه ليس بحرف، ولا يُشبه الحروفَ. والكلامُ في هذه المسألة يطول، وتتميمُها في كتب الأصول، وقد بيَّنَّاها في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)). فصل وقد طعن الرافضةُ - قبَّحهم الله تعالى - في القرآن، وقالوا: إنَّ الواحدَ يكفي في نقل الآيةِ والحرفِ، كما فعلتُم، فإنكم أثبتُّم بقول رجل واحد - وهو خُزيمةُ بنُ ثابت وحدَه - آخرَ براءة (١)، وقوله: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. فالجوابُ: أن خُزيمةَ رضي الله عنه لمَّا جاء بها تَذكَّرَها كثيرٌ من الصحابة، وقد كان زيدٌ يعرفها(٢)، ولذلك قال: فقدتُ آيَتَينِ من آخر سورة التوبة. ولو لم يعرفها(٣)، لم يَدرِ هل فَقَدَ شيئاً أَو لا ، فالآيةُ إنما ثَبتَت بالإجماع، لا بخزيمةَ وحده. جوابٌ ثان: إنما ثَبتَت بشهادة خُزيمةً وحدَه لقيام الدليل على صِحَّتها في صفة النبيِّي ◌َّةِ، فهي قرينة تُغني عن طلب شاهد آخرَ، بخلاف آية الأحزاب، فإنَّ تلك ثبتَت بشهادة زيد وأبي خُزيمةَ، لسماعهما إيَّاها من النبيِّ وَِّ. قال معناه المهلب(٤)، وذكر أنَّ خُزيمةَ غيرُ أبي خُزيمةً، وأنَّ أبا خُزيمةَ الذي وُجدَت معه آيةُ التوبة معروفٌ من الأنصار، وقد عَرَفه أنسٌ، وقال: نحن وَرِثناه، والتي في الأحزاب وُجدَت مع خُزيمةَ بنِ ثابت، فلا تَعارضَ، والقصةُ غيرُ القصة، لا إشكالَ فيها ولا التباس. وقال ابنُ عبد البر: أبو خزیمةً لا یُوقَفُ علی صحة اسمه، وهو مشهورٌ بگنیته، وهو أبو خُزيمةً بنُ أوس بن زيد بن أَصْرم بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجار، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وتُوفِّي في خلافةٍ عثمانَ بنِ عفان، وهو أخو مسعود بنِ أوس(٥). قال ابنُ شِهاب، عن عُبَيد بنِ السَّاق، عن زيدِ بنِ ثابت: وجدتُ آخِرَ التوبة (١) في (م): سورة براءة. (٢) في (م): لما جاء بهما تذكرهما وقد كان زيد يعرفهما. (٣) في (م): يعرفهما. (٤) هو أبو القاسم المهلب بن أحمد بن أبي صُفرة أسيد بن عبد الله الأسدي الأندلسي، ولي قضاء المريَّة. توفي سنة (٤٣٥هـ). سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٧٩. (٥) هو أبو محمد الأنصاري، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، قيل: توفي في خلافة عمر. الاستيعاب ٧٩/١٠ (بهامش الإصابة) . . ٩٣ باب جمع القرآن مع أبي خُزَيمةَ الأنصاري. وهو هذا، ليس(١) بينه وبين الحارث بنِ خُزيمةً(٢) أبي خزيمة نسبٌ إلا اجتماعُهما في الأنصار، أحدُهما أوسيٍّ، والآخَرُ خَزْرَجِيٌّ(٣). وفي ((مسلم)) و((البخاري))، عن أنس بن مالك قال: جمعَ القرآنَ على عهد النبيِّ ﴿ له أربعةٌ، كلُّهم من الأنصار: أُبَيُّ بنُ كعب، ومعاذُ بنُ جَبَل، وزيدُ بنُ ثابت، وأبو زيد. قلتُ لأنس: مَن أبو زيد؟ قال: أحدُ عمومتي(٤). وفي (البخاري)) أيضاً، عن أنس قال: ماتَ النبيُّ ◌َ﴿ ولم يجمع القرآنَ غيرُ أربعة: أبو الدرداء، ومعاذُ بن جبل، وزيد، وأبو زيد، ونحن وَرِثْناه(٥). وفي أُخرى قال: مات أبو زيد ولم يَترك عَقِباً، وكان بَدرِيًّا (٦)، واسمُ أبي زيد: سَعدُ بنُ عُبَيْد(٧) . قال ابنُ(٨) الطَّيِّب رضي الله عنه: لا تدلُّ هذه الآثارُ على أنَّ القرآنَ لم يَحفَظه في حياة النبيِّ وَّ، وأنه لم(٩) يجمعه غيرُ أربعة من الأنصار، كما قال أنسُ بن مالك، فقد ثبتَ بالطرق المتواترة أنه جمعَ القرآنَ عثمانُ، وعليٍّ، وتَمِيمٌ الداريُّ (١٠)، وعُبادةُ بنُ الصامت، وعبدُ الله بنُ عَمرو بنِ العاص. فقولُ أنس: لم يجمعِ القرآنَ غيرُ أربعة، يَحتَمِلُ أنه لم يجمع القرآنَ، وأخذَه تَلَقِّياً (١١) (١) في (م): وليس. (٢) شهد بدراً وما بعدها، ومات بالمدينة سنة (٤٠هـ). الاستيعاب ٢٣٤/٢. (٣) الاستيعاب لابن عبد البر ٢١٤/١١ (بهامش الإصابة)، وقول زيد بن ثابت أخرجه البخاري ضمن حديث جمع القرآن (٤٩٨٦)، وانظر كلام الحافظ في الفتح ٣٤٥/٨ و١٥/٩. (٤) صحيح البخاري (٣٨١٠)، وصحيح مسلم (٢٤٦٥)، وهو في مسند أحمد (١٣٩٤٢). (٥) صحيح البخاري (٥٠٠٤). (٦) صحيح البخاري (٣٩٩٦). (٧) ذكر الحافظ في الفتح ١٢٨/٧ أن الأرجح في اسمه: قيس بن السكن، وذكر أيضاً في ٩/ ٥٣ أن ابن أبي داود روى بإسناد على شرط البخاري إلى ثمامة عن أنس أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه قيس بن السكن قال: وكان رجلاً منا من بني عدي بن النجار، أحد عمومتي، ومات ولم يدع عقباً، ونحن ورثناه. (٨) وقع في هذا الموضع وفي المواضع السالفة في (ظ): أبو، وهو خطأ. (٩) في (م): ولم. (١٠) أبو رقية، صاحب رسول الله ور، وفد سنة تسع وأسلم، حدث عنه النبي ول* بقصة الجسّاسة، توفي سنة (٤٠هـ). سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٤٢. (١١) في (م): تلقيناً. ٩٤ مقدمة المصنف من في رسول الله وَ﴿، غيرُ تلك الجماعة، فإنَّ أكثرَهم أخذَ بعضَه عنه، وبعضَه عن غيره، وقد تظاهرتِ الرواياتُ بأنَّ الأئمةَ الأربعةَ جمعُوا القرآنَ على عهد النبيِّ وَلـ لأجل سَبقِهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول مثل﴿ لهم. قلت: لم يذكر القاضي عبدَ الله بن مسعود وسالماً مولى أبي حُذيفة (١) رضي الله عنهما فيما رأيت، وهما ممَّن جمعَ القرآن. روى جريرٌ، عن عبد الله بن يزيدَ الصُّهباني، عن كُمَيْل قال: قال عمرُبن الخطاب: کنتُ مع رسول الله ێے، ومعه أبو بكر، ومن شاء الله، فمرَرنا بعبد الله بنِ مسعود وهو يُصلِّي، فقال رسولُ الله وَليِ: (مَن هذا الذي يقرأ القرآن؟)) فقيل له: هذا عبدُ الله بنُ أُمِّ عَبد، فقال: ((إنَّ عبدَ الله يقرأُ القرآنَ غَضَّا كما أُنْزِلَ))(٢) الحديث. قال بعضُ العلماء: معنى قوله: ((غَضَّا كما أُنزل)) أي: إنه كانَ يقرأُ الحرفَ الأوَّلَ الذي أُنزِل عليه القرآنُ دون الحروفِ السبعة التي رُخِّصَ لرسول الله (٣) وَلِّ في قراءته عليها بعد معارضة(٤) جبريل عليه السلام القرآنَ إِيَّاه في كلِّ رمضان. وقد روى وكيعٌ وجماعةٌ معه، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان قال: قال لي عبدُ الله بنُ عباس: أيَّ القراءتين تقرأ؟ قلتُ: القراءةَ الأولى؛ قراءةَ ابنِ أُمّ عَبْد، فقال لي: بل هي الآخِرةُ(٥)، إنَّ رسولَ اللهِ وَلّ كان يَعرِضُ القرآنَ على جبريلَ في كلِّ عام مرَّة، فلما كان العامُ الذي قُبِضَ فيه رسولُ اللهَِّ، عَرَضَه عليه مرَّتين، فحضَرَ ذلك عبدُ الله، فعَلِمَ ما نُسِخَ من ذلك، وما بُدِّل(٦). (١) أبو حذيفة: هو ابنُ عتبة بن ربيعة، القرشي، قيل: اسمه مِهِشَم، أحدُ السابقين، وقد أسلم قبل دخولهم دار الأرقم، استشهد هو ومولاه سالم يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة. ومولاه سالم، هو ابنُ معقل، أصلُه من اصطخر، وهو من السابقين الأولين، وهو الذي أرضعته سهلة بنتُ سهيل زوجة أبي حذيفة لتظهر عليه، وخُصًّا بذلك الحكم عند جمهور العلماء. السير ١٦٤/١ - ١٦٧. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣١٧/٣ من الطريق التي ذكرها المصنف، لكن قال فيه: عن علي قال: كنتُ مع النبي صل﴾ ... الحديث. وكذا ذكره الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة ١١/ ٦٠٠. فلعلَّ قوله أعلاه: عمر بن الخطاب، خطأً، أو وهم. وقد أخرجه أحمد في المسند (١٧٥) من طريق إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب، وأخرجه أيضاً (٤٢٥٥) من طريق عاصم، عن زر، عن ابن مسعود. (٣) في النسخ الخطية: رسول الله، والمثبت من (م). (٤) في النسخ الخطية: معارضته، والمثبت من (م). (٥) في (ظ): لا بل الآخرة. (٦) أخرجه أحمد في مسنده (٣٤٢٢)، وإسناده صحيح .. ٩٥ باب جمع القرآن وفي ((صحيح)) مسلم عن عبد الله بنِ عَمرو قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَآل# يقول: (خُذُوا القرآنَ من أربعة: من ابنِ أمِّ عبد. فبدأ به. ومعاذٍ بنِ جَبَل، وأُبَيِّ بنِ كَعب، وسالم مَولى أبي حُذَيفَ))(١). قلتُ: هذه الأخبارُ تدلُّ على أنَّ عبدَ الله جمعَ القرآنَ في حياة رسول الله وَّل، خلافَ ما تقدَّم(٢). والله أعلم. وقد ذکر أبو بكر الأنباري في کتاب «الرَّد»: حدثنا محمدُ بن شھریار، حدثنا حسينُ بنُ الأسود، حدثنا يحيى بنُ آدَمَ، عن أبي بكر، عن أبي إسحاقَ قال: قال عبدُالله بن مسعود: قرأتُ من في رسول الله وَ * ثنتين وسبعين سورة - أوثلاثاً وسبعين سورة - وقرأتُ عليه من البقرة إلى [قوله تعالى]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ [البقرة: ٢٢٢]. الْمُطَهْرِنَ﴾ قال أبو إسحاق: وتعلَّم عبدُ الله بقيَّةَ القرآن من مُجَمِّعٍ بنِ جارِيَّةَ الأنصاريِّ. قلت: فإن صَحَّ هذا، صحَّ الإجماعُ الذي ذكره يزيدُ بن هارون، فلذلك لم يذكره القاضي أبو بكر بنُ الطَّيِّب مع مَنْ جمع القرآنَ وحَفِظَه في حياة النبيِّ نَّهِ. والله أعلم. قال أبو بكر الأنباري: حدثني إبراهيمُ بن موسى الجَوْزي(٣)، حدثنا يوسفُ بن موسى، حدثنا مالك بن إسماعيلَ، حدثنا زهيرٌ، عن أبي إسحاق قال: سألتُ الأسودَ: ما كان عبدُ الله يصنعُ بسورة الأعراف؟ فقال: ما كان يَعلَمُها(٤) حتى قَدِم الكوفةَ. قال: وقد قال بعضُ أهل العلم: مات عبدُ الله بن مسعود رحمه الله قبلَ أن يتعلَّمَ المعوِّذَتَيْن. فلهذه العلةِ لم تُوجدا في مصحفه، وقيل غيرُ هذا على ما يأتي بيانُه آخِرَ الكتاب، عند ذكر المعوِّذتين، إن شاء الله تعالى. قال أبو بكر: والحديثُ الذي حدثناه إبراهيمُ بن موسى، حدثنا يوسفُ بن موسى، حدثنا عُمر بن هارون الخُراساني، عن ربيعةً بن عثمان، عن محمد بن كعب القُرَِيِّ قال: كان ممَّن ختمَ القرآنَ ورسولُ اللهِوََّ حِيٌّ: عثمانُ بنُ عفان، وعليُّ بنُ أبي (١) صحيح مسلم (٢٤٦٤)، وهو عند أحمد (٦٧٩٠). (٢) ص ٨٨. (٣) في (م): الخوزي، وهو خطأ، انظر السير ٢٣٤/١٤. (٤) في (د): تعلَّمها. ٩٦ مقدمة المصنف طالب، وعبدُ الله بنُ مسعود، رضي الله عنهم، حديثٌ ليس بصحيح عند أهل العلم، إنما هو مقصورٌ على محمد بن كعب، فهو مقطوع، لا يُؤخذ به، ولا يُعوَّلُ عليه. قلت: قوله عليه السلام: ((خُذُوا القرآنَ من أربعة: من ابنٍ أُمِّ عَبد)) يدلُّ على صِحَّته، ومما يبيِّنُ لك ذلك أنَّ أصحابَ القراءات من أهل الحجاز والشام والعراقِ، كلٌّ منهم عَزَا قراءَتَه التي اختارها إلى رجل من الصحابة، قرأها على رسول الله وصله، لم يستثن من جملة القرآنِ شيئاً، فأسندَ عاصمٌ (١) قراءتَه إلى عليٍّ وابنٍ مسعود، وأسندَ ابنُ كثير(٢) قراءتَه إلى أُبَيِّ، وكذلك أبو عمرو بنُ العلاءِ(٣)؛ أسندَ قراءتَه إلى أُبَيِّ، وأما عبدُ الله بنُ عامر (٤)، فإنه أسنَدَ قراءته إلى عثمان، وهؤلاء كلُّهم يقولون: قرأْنا على رسول الله وَله، وأسانيدُ هذه القراءات متصلةٌ، ورجالُها ثقاتٌ. قاله الخَطَّابي(٥) . باب ما جاء في ترتيب سُوَر القرآن وآياته، وشَكْلِهِ ونَقْطِه، وتَخْزِيبِهِ، وتعشيرِه، وعددِ حروفِه، وأجزائِه(٦)، وكلماتِهِ، وآپِهِ قال ابنُ الطَّيِّب: إن قال قائلٌ: قد اختلفَ السَّلَفُ في ترتيبٍ سُوَرِ القرآن، فمنهم مَن كتبَ في مُصحفه السورَ على تاريخ نزولها، وقَدَّم المكيَّ على المدنيِّ، ومنهم مَن جَعَلَ فِي أَوَّل مصحفه: ﴿الْحَمْدُ﴾، ومنهم مَن جعلَ في أوَّله: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمٍ رَيَّكَ﴾، وهذا أوَّلُ مصحف عليٍّ رضي الله عنه. وأما مصحفُ ابن مسعود؛ فإنَّ أوَّلَه: ﴿مَلِكِ (١) هو عاصم بنُ أبي النَّجود بَهدَلة (وقيل: بهدلة أمُّه) أبو بكر الأسدي، شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القُرَّاء السبعة. توفي آخر سنة (١٢٧ هـ). سير أعلام النبلاء ٢٥٦/٥. (٢) هو عبد الله بن كثير، مقرىءُ مكة، أحد القُرَّاء السبعة، أبو معبد الكناني. توفي سنة (١٢٠هـ). السير ٣١٨/٥. (٣) البصري، أحد القراء السبعة، اختلف في اسمه على أقوال، أشهرها زيَّان، كان أعلم الناس بالقراءات والعربية والشعر وأيام العرب، مدحه الفرزدق وغيره، توفي سنة (١٥٤ هـ)، وقيل (١٥٧هـ). السير ٤٠٧/٦. (٤) أبو عمران اليَحصُبي، الدمشقي، مقرىء الشام، أحد القُرَّاء السبعة، توفي سنة (١٢٨ هـ). السِّير ٢٩٢/٥. (٥) في أعلام الحديث ١٨٥٥/٣. (٦) في (ظ): وأحزابه، وهو تكرار. ٩٧ ترتيب سور القرآن وآياته يَوْمِ الدّينِ﴾ ثم البقرة، ثم النساء، على ترتيب مختلف. وفي مصحف(١) أبيّ كان أوَّلُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [ثم البقرة] ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، ثم الأعراف، ثم المائدة، ثم كذلك على اختلاف شدید. قال القاضي أبو بكر بنُ الطَّيِّب: فالجواب أنه يحتمل أن يكونَ ترتيبُ السور على ما هي عليه اليومَ في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة(٢). وذكر ذلك مكيٍّ رحمه الله في تفسير سورة براءة(٣)، وذكر أنَّ ترتيبَ الآيات في السور، ووضعَ البسملة في الأوائل، هو من النبيِّ ◌َ ﴿ِ، ولما لم يأمُر بذلك في أوَّل سورة براءة، تُركت بلا بسملة. هذا أصحُ ما قيل في ذلك، وسيأتي (٤). وذكر ابنُ وَهْب في «جامعه» قال: سمعتُ سليمانَ بنَ بلال(٥) يقول: سمعتُ ربيعةً(٦) يُسأل: لم قُدِّمتِ البقرةُ وآلُ عمران، وقد نزلَ قبلَهما بضعٌ وثمانون سورة، وإنما نزلتا بالمدينة ؟ فقال ربيعةُ: قد قُدِّمتا، وأُلٌف القرآنُ على علم ممَّن ألَّفه، وقد اجتمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ننتهي إليه، ولانسالُ(٧) عنه. وقد ذكر سُنَّيْدٌ(٨) قال: حدثنا مُعتَمِرٌ، عن سلَّام بنِ مسكين، عن قتادةَ قال: قال ابنُ مسعود: مَن كان منكم متأسِّياً، فَليتأسَّ بأصحاب رسول الله وَِّ، فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمةِ قلوباً، وأعمقَها علماً، وأقلَّها تَكَلُّفاً، وأقومَها هَدياً، وأحسنَها حالاً، اختارهم اللهُ لصحبة نبيِّهِ وَّه وإقامة دينه، فاغْرِفوا لهم فضلَهم، واتَّبِعُوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهُدَى المستقيم. (١) في (م): ومصحف. (٢) الانتصار (١٦٥ - ١٦٦ مخطوط) بتصرف واختصار، وما بين حاصرتين منه. (٣) لعله ذكر ذلك في كتابه ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) في معاني القرآن وأنواع علومه في سبعين جزءًا، ذكره صاحب هدية العارفين ٦/ ٤٧١. (٤) في أول سورة براءة. (٥) القرشي التيمي مولاهم، المدني، المفتي الحافظ، توفي سنة (١٧٢هـ). السير ٤٢٥/٧. (٦) هو ابنُ أبي عبد الرحمن، أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن القرشي، المشهور بربيعة الرأي، مفتي المدينة، توفي سنة (١٣٦ هـ) السير ٨٩/٦. ولم نجد قول ابن وهب في جامعه الذي بين أيدينا. (٧) في (ظ): تسأل. (٨) هو ابنُ داود المِصِّيصي، من رجال التهذيب. : ٩٨ مقدمة المصنف وقال قومٌ من أهل العلم: إنَّ تأليفَ سُوَر القرآن على ما هو عليه في مُصحفنا كان عن توقيف من النبيِّ وَّهِ، وأمَّا ما رُوي من اختلاف مُصحفٍ أُبَيِّ وعليٍّ وعبدِ الله، فإنما(١) كان قبلَ العَرضِ الأخير، وإنَّ رسولَ اللهِوََّ رتَّبَ لهم تأليف السور بعد أن لم يكُن فعل ذلك. روى يونسُ، عن ابنٍ وَهْب قال: سمعتُ مالكاً يقول: إنما أُلِّف القرآنُ على ما کانوا یسمعونه من رسول الله گێ . وذكر أبو بكر الأنباريُّ في كتاب ((الردّ» أنَّ الله تعالى أنزلَ القرآنَ جملة إلى سماء الدُّنيا، ثم فُرْقَ على النبيِّ وَّ﴿ في عشرين سنة، وكانت السورةُ تَنزِلُ في أمر يحدُثُ، والآيةُ جواباً لمستخبرٍ يَسأل، ويُوقِفُ جبريلُ رسولَ الله ◌ِ ﴿ على موضع السورة والآية، فاتِّساقُ السُّور كاتِّساق الآيات والحروف، فكلُّه عن محمد خاتم النبيِّين عليهم السلام، عن ربِّ العالمين، فمَن أخَّرَ سورة مُقدَّمة، أو قَدَّمَ أخرى مُؤخَّرة، فهو كمن أفسدَ نَظْمَ الآيات، وغيّر الحروف والكلماتِ، ولا حُجَّةَ على أهل الحقِّ في تقديم البقرةِ على الأنعام - والأنعامُ نزلَت قبلَ البقرة - لأنَّ رسولَ الله ◌َفيِ أُخِذَ عنه هذا الترتيبُ، وهو كان يقول: ((ضَعُوا هذه السورةَ موضعَ كذا وكذا من القرآن))(٢). وكان جبريلُ عليه السلام يَقِفُ على مكان الآيات. حدثنا حسنُ بن الحُبَاب، حدثنا أبو هشام، حدثنا أبو بكر بنُ عيَّاش، عن أبي إسحاقَ، عن البراء قال: آخِرُ ما نزلَ من القرآن(٣): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الكَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] (٤). قال أبو بكر بنُ عيَّاش: وأخطأ أبو إسحاقَ، لأنَّ محمدَ بنَ السائب حدثنا عن أبي صالح(٥)، عن ابن عباس قال: آخِرُ ما نزلَ من القرآن: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ (١) في النسخ الخطية: إنما، والمثبت من (م). (٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣٩٩) من حديث عثمان بن عفان مطولاً. (٣) قوله: من القرآن، ليس في (ظ). (٤) أبو هشام - وهو محمد بن يزيد الرفاعي - ضعيف، لكن الحديث صحيح، فقد أخرجه من وجه آخر البخاري (٤٣٦٤)، ومسلم (١٦١٨). (٥) في النسخ الخطية و(م): عن أبي السائب، وهو خطأ . ٩٩ ترتيب سور القرآن وآياته إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَّ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]. فقال جبريلُ للنبيِّ عليهما السلام: يا محمدُ، ضَعْها في رأس ثمانين ومئتين من البقرة(١). قال أبو الحسن بنُ بظَّال: ومَن قالَ بهذا القولِ، لا يقولُ: إنَّ تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن تكونَ مرتَّبةً على حسب الترتيب الموقَّف عليه في المصحف، بل إنما يجب تأليفُ سُوَرِهِ في الرسم والخطّ خاصَّة، ولا يُعلَمُ أنَّ أحداً منهم قال: إنَّ ترتيبَ ذلك واجبٌ في الصلاة، وفي قراءة القرآن ودرسه، وأنه لا يَحِلُّ لأحد أن يَتلقَّنَ الكهفَ قبلَ البقرة، ولا الحجَّ قبل(٢) الكهف. ألا ترى قولَ عائشةَ رضي الله عنها للذي سألها: لا يَضرُّكَ أيَّهُ قرأتَ قبلُ(٣) ؟ وقد كان النبيُّ وَلم يقرأ في الصلاة السورةً في ركعة، ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها . وأما مارُوي عن ابن مسعود وابن عمر، أنهما كّرِها أن يُقرأ القرآنُ منكوساً، وقالا : ذلك منكوسُ القلب(٤)؛ فإنما عَنَيا بذلك مَن يقرأُ السورةَ منكوسة، ويَبتدىءُ من آخرها إلى أوَّلها، لأنَّ ذلك حرامٌ محظورٌ، ومن الناس مَن يتَعاطى هذا في القرآن والشِّعر، لِيُذَلِّلَ لسانَه بذلك، ويَقدِرَ على الحفظ، وهذا حظَره الله تعالى، ومنعه في القرآن؛ لأنه إفسادٌ لِسُوَرِهِ، ومخالفةٌ لما قُصِدَ بها . ومما يدلُّ على أنه لا يجب إثباتُه في المصاحف على تاريخ نزوله، ما صحَّ وثبتَ أنَّ الآياتِ كانت تَنزِلُ بالمدينة، فتُوضَعُ في السورة المكيَّةِ. ألا ترى قولَ عائشةَ رضي (١) محمد بن السائب: هو الكلبي، وقد تكلموا فيه، وأبو صالح (وهو باذام - ويقال باذان - مولى أم هانىء) ضعيف. والكلبي معروف بروايته عنه، وقد أخرجه الفرَّاء في معاني القرآن ١٨٣/١ عن أبي بكر بن عياش، بهذا الإسناد. وكذلك أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٧/ ١٣٧ من طريق سفيان الثوري، عن الكلبي بنحوه. وقد صحَّ هذا الحديث من طرق أخرى فيما أخرجه الطبري في التفسير ٥/ ٦٧ وغيرُه. وجمع الحافظ ابن حجر في الفتح ٨/ ٢٠٥ بين هذه الرواية والرواية السالفة بأن الآيتين نزلتا جميعاً، فيصدق أن كلاً منهما آخر بالنسبة لما عداهما. (٢) في النسخ الخطية: بعد، والمثبت من (م). (٣) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٤٩٩٣). (٤) أثر صحيح، وأخرجه عبد الرزاق (٧٩٤٧)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٥٦٤، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٣١٢) و(٢٣١٣) من طريقين عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود. ١٠٠ مقدمة المصنف الله عنها: وما نزلَت سورةُ البقرة والنساء إلا وأنا عنده(١) ؟ يعني بالمدينة. وقد قُدِّمَتا في المصحف على ما نزلَ قبلَهما من القرآن بمكة. ولو ألَّفوه(٢) على تاريخ النزول، لوجب أن ينتقِضَ ترتیبُ آیاتِ السُّوَر. قال أبو بكر الأنباريُّ: حدثنا إسماعيلُ بن إسحاق القاضي، حدثنا حجّاج بن مِنهال، حدثنا همَّامٌ، عن قتادةً قال: نزلَ بالمدينة من القرآن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والرَّعد، والنَّحل، والحجّ، والنور، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحُجُرات، والرحمن، والحديد، والمجادلة، والحَشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، ويا أيها النبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ إلى رأس العَشر، وإذا زُلزلت، وإذا جاء نصرُ الله. هؤلاء السُّوَرُ نزلنَ(٣) بالمدينة، وسائرُ القرآن نزل بمكة(٤). قال أبو بكر: فَمَن عَمِلَ على تركِ الأثر، والإعراض عن الإجماع، ونظَمَ السُّوَرَ على منازلها بمكةَ والمدينة، لم يَدرِ أينَ تقعُ الفاتحةُ، لاختلاف الناس في موضع نزولها، ويضطرُّ إلى تأخير الآية التي في رأس خمس وثلاثين ومئتين من البقرة إلى رأس الأربعين، ومن أفسَدَ نَظمَ القرآن، فقد كفرَ به، وردًّ على محمد چ ما حكاه عن رَبِّه تعالى. وقد قيل: إنَّ عِلَّةَ تقديم المدنيّ على المكِّيّ هو أنَّ الله تعالى خاطَبَ العربَ بلغتها، وما تعرِفُ من أفانين خطابها ومحاورتها، فلما كان فَنٍّ من كلامِهم مبنيًّا على تقديمِ المؤثّر، وتأخيرِ المقدَّم، خُوطبوا بهذا المعنى في كتاب الله تعالى، الذي لو فقدوه من القرآن، لقالوا: ما بالُه عَرِيَ من هذا الباب الموجود في كلامنا، المُستَحلَى من نِظامنا. قال عَبِيدُ بنُ الأبرص(٥): (١) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٤٩٩٣). (٢) في (ظ): أبقوه. (٣) في (ظ): نزلت. (٤) وأورده كذلك السيوطي في الإتقان ١١/١ - ١٢ عن ابن الأنباري. (٥) شاعر جاهلي قديم، من المعمَّرين، شهد مقتل حُجر أبي امرىء القيس. الشعر والشعراء ٢٦٧/١، وذكره ابن سلَّام الجُمحي في الطبقة الرابعة من طبقاته ١٣٨/١، وقال: قديم، عظيم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب. والبيتان في ديوانه ص٢٤.