Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى
ورُوي عن القاسم بن محمد أن رجلاً قرأ في مسجد النبيِّ وَّهِ، فَطَرَّب، فأنكرَ
ذلك القاسمُ، وقال: يقول اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِثَبُ عَزِيزٌ ﴿ لَّا يَأِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ
يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] الآية (١).
ورُويَ عن مالك أنه سُئل عن النَّبْر في قراءة القرآن (٢) في الصلاة، فأنكر ذلك،
وگرهه كراهةً شديدة، وأنگر رَفعَ الصوت به.
ورَوى ابنُ القاسم(٣) عنه، أنه سُئِلَ عن الألحان في الصلاة، فقال: لا يُعجُبُني،
وقال: إنَّما هو غِناءٌ يَتَغَنَّوْنَ به ليأخذوا عليه الدَّراهم.
وأجازت طائفةٌ رفعَ الصوت بالقرآن، والتطريبَ به؛ وذلك لأنه إذا حَسَّنَ الصوتَ
به، كان أوقعَ في النفوس، وأسمعَ في القلوب.
واحتجُّوا بقوله عليه السلام: ((زَيِّنُوا القرآنَ بأصواتِكم)) رواه البَرَاء بن عازب.
أخرجه أبو داود والنَّسائي(٤). وبقوله عليه السلام: ((ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن)).
أخرجه مسلم(٥). وبقول أبي موسى للنبي نَّهِ: لو أعلمُ(٦) أنك تستمِعُ لقراءتي لَحَبَّرْتُهُ
لك تَخْبِيراً (٧). وبما رواه عبدُ الله بن مُغَفَّل قال: قرأ رسولُ اللهِّهِ عامَ الفَتح في
مسير له سورةً الفتح على راحلته، فَرَجَّعَ في قراءته(٨).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٦٦/١٠.
(٢) يعني رفع الصوت به.
(٣) هو عبد الرحمن بن القاسم أبو عبد الله العُتَقي مولاهم، المصري، صاحب مالك، عالم الديار
المصرية ومفتيها، توفي سنة (١٩١ هـ). سير أعلام النبلاء ٩/ ١٢٠.
(٤) سنن أبي داود (١٤٦٨)، والسنن الصغرى للنسائي ١٧٩/٢، وهو في مسند أحمد (١٨٤٩٤)، وهو
حديث صحيح.
(٥) ليس في صحيح مسلم، وأخرجه البخاري (٧٥٢٧) من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد (١٤٧٦)،
وأبو داود (١٤٦٩) من حديث سعد بن أبي وقاص.
(٦) في (ظ): علمتُ.
(٧) قطعة من حديث أخرجه ابن حبان (٧١٩٧). وأصل الحديث في صحيح البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم
(٧٩٣)، وأخرجه أحمد (٨٦٤٦) من حديث أبي هريرة.
(٨) أخرجه أحمد (١٦٧٨٩)، والبخاري (٥٠٤٧)، ومسلم (٧٩٤)، وسيذكر المصنف معنى الترجيع في
القراءة ص ٣٠.

٢٢
مقدمة المصنف
وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابُه، والشافعيُّ، وابنُ المبارك(١)،
والنَّضْرُ بنُ شُمَيل(٢)، وهو اختيارُ أبي جعفر الطبري(٣)، وأبي الحسن بن بَطّال(٤)،
والقاضي أبي بكر بن العربي(٥)، وغيرِهم.
قلت: القولُ الأوَّل أصحُ لما ذكرناه، ويأتي.
وأما ما احتجّوا به من الحديث الأول، فليس على ظاهره، وإنما هو من باب
المقلوب، أي: زَيّنُوا أصواتكم بالقرآن.
قال الخطابي(٦): وكذا فسَّره غيرُ واحد من أئمة الحديث: زَيِّنُوا أصواتكم
بالقرآن، وقالوا: هو من باب المقلوب، كما قالوا: عَرَضتُ الناقةَ على الحوض،
وإنما هو: عرضتُ الحَوضَ على النَّاقة(٧). قال: ورواه مَعمَر، عن منصور، عن
طلحة، فقدَّم الأصوات على القرآن، وهو الصحيح.
قال الخطابي: ورواه طلحة، عَن عبد الرحمن بن عَوْسَجة، عن البَرَاء أنَّ
رسول الله ﴿ قال: ((زيِّنوا القرآنَ بأصواتكم))(٨). أي: الهَجُوا بقراءته، واشغَلُوا به
(١) هو عبد الله بن المبارك، أبو عبد الرحمن الحنظلي، المروزي، الحافظ، عالم زمانه، توفي سنة
(١٨١ هـ). السير ٣٧٨/٨.
(٢) أبو الحسن المازني، البصري، الحافظ، نزيل مرو وعالمُها، توفي سنة (٢٠٤هـ) السير ٣٢٨/٩.
(٣) محمد بن جرير، صاحب التفسير، والتاريخ، وتهذيب الآثار. توفي سنة (٣١٠هـ). السير ١٤/ ٢٦٧.
(٤) هو علي بن خلف بن بطّال القرطبي، يعرف بابن اللَّجَّام، شارح صحيح البخاري، توفي سنة (٤٤٩هـ).
السير ٤٧/١٨.
(٥) هو محمد بن عبد الله بن محمد ابن العربي، الأندلسي، الإشبيلي، المالكي، له: عارضة الأحوذي في
شرح جامع الترمذي، وأحكام القرآن. توفي سنة (٥٤٣هـ). السير ١٩٧/٢٠.
(٦) في معالم السنن ١/ ٢٩٠. والخطّابي: هو أبو سليمان، حَمْدُ بنُ محمد بن إبراهيم، البُستي، الحافظ،
اللغوي، صاحب التصانيف. توفي سنة (٣٨٨هـ). السير ١٧/ ٢٣.
(٧) اضطربت العبارة في (ز)، ووقعت مقلوبة في (م) والتذكار للمصنف ص١٤٨. والمثبت من (ظ) و(د)،
وهو الموافق لمعالم السنن ٢٩٠/١، وانظر الصحاح واللسان (عرض).
(٨) كذا قال القرطبي، وهو وهم منه رحمه الله، فإن الخطابي بعد أن أشار إلى رواية طلحة، وذكر أن فيها
تقديم الأصوات على القرآن، أخرج روايته، فقال: أخبرناه محمد بن هاشم، حدثنا الدَّبَري، عن عبد
الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء أن رسول الله الخوي
قال: ((زيَّنوا أصواتكم بالقرآن)). فجعلهما القرطبي روايتين، وقال أيضاً: ((زيِّنوا القرآن بأصواتكم))،
وصوابُه في هذا الموضع لفظ: ((زيِّنوا أصواتكم بالقرآن)).

٢٣
كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى
أصواتَكُم، واتَّخِذوه شعاراً وزينة.
وقيل: معناه الحَضُّ على قراءة القرآن والدُّؤوب عليه. وقد رُويَ عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله وَلَه يقول: (زَيِّنُوا أصواتَكم بالقرآن))(١).
ورُويَ عن عمر أنه قال: حَسِّنُوا أصواتكم بالقرآن(٢).
قلتُ: وإلى هذا المعنى يرجعُ قولُه عليه السلام: ((ليس منَّا مَن لم يَتَغَنَّ
بالقرآن)). أي: ليس منَّا من لم يُحَسِّن صَوتَه بالقرآن، كذلك تأوَّلَه عبدُ الله بنُ أبي
مُلَيَكَةَ(٣). قال عبد الجبار بنُ الوَرد: سمعتُ ابنَ أبي مُلَيَكَة يقول: قال عُبيد الله(٤) بن
أبي يزيد: مرَّ بنا أبو لُبَابة (٥)، فاتَّبَعناه حتى دخلَ بيته، فإذا رجلٌ رَثُّ الهيئة، فسمعتُه
يقول: سمعتُ رسولَ الله ◌ِوَل﴿ه يقول: ((ليس منَّا مَن لم يَتَغَنَّ بالقرآن)). قال: فقلتُ
لابنِ أبي مُلَيكة: يا أبا محمد، أرأيتَ إذا لم يكن حَسَنَ الصوت؟ قال: يُحَسِّنُهُ ما
استطاع. ذكره أبو داود(٦).
وإليه يرجع أيضاً قولُ أبي موسى للنبيِّ وَّهِ: إِنِّي لو علمتُ أنَّك تستمعُ
لقراءتي، لَحَسَّنتُ صوتي بالقرآن، وزيَّتُه به (٧)، ورثَّلتُه. وهذا يدلُّ أنه كان يَهُذُّ في
قراءته(٨) مع حُسنِ الصوت الذي جُبِل عليه. والتَّحبيرُ: التزيين والتَّحسين. فلو علم
(١) لم تجده بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة، إنما أخرجَ ابنُ حبان (٧٥٠) حديث أبي هريرة بلفظ حديث
البراء المذكور أعلاه: ((زَينُوا القرآنَ بأصواتكم)). وأخرجَ عبد الرزاق عن معمر (٤١٧٦) لفظَ: ((زَيِّنُوا
أصواتكم بالقرآن)) من حديث البراء أيضاً، وأخرجه كذلك الحاكم في المستدرك ١/ ٥٧١ و٥٧٢.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤٦٤/١٠.
(٣) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، أبو بكر وأبو محمد، القرشي، التميمي، المكي، القاضي،
توفي سنة (١١٧هـ). السير ٨٨/٥.
(٤) وقع في (م): عبد الله، وفي (ز): عبد الحق، والمثبت من (ظ) و(د)، وهو الصواب.
(٥) هو أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، صحابي مختلف في اسمه، فقيل: اسمه بَشِير، وقيل: رفاعة،
مات في خلافة علي رضي الله عنه، وقيل غير ذلك. الإصابة ٣٢٢/١١.
(٦) سنن أبي داود (١٤٧١).
(٧) لفظة: به، من (د) و(ز).
(٨) أي: يسرع فيها. القاموس (هذَّ).

٢٤
مقدمة المصنف
أنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان يسمعُه، لَمَدَّ في قراءته، ورثَّلَها، كما كان يقرأُ على النبيِّ ◌َِّ،
فيكون ذلك زيادة في حُسن صوتِه بالقراءة. ومعاذ الله أن يتأوَّل على رسول الله وَ له
أن يقول: إن القرآن يُزَيَّن بالأصوات، أو بغيرها، فَمن تأوَّلَ هذا، فقد واقع أمراً
عظيماً أن يُخْوِجَ القرآنَ إلى من يُزَيِّنُهُ، وهو النُّور والضياء، والزَّيْنُ(١) الأعلى لمن
أُلِسَ بهجتَه، واستنارَ بضيائه.
وقد قيل: إن الأمرَ بالتَّزيين اكتسابُ القراءات وتزيينُها بأصواتنا، وتقدير ذلك
أي: زيِّنوا القراءةَ بأصواتكم؛ فيكون القرآن بمعنى القراءة، كما قال تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ
اٌلْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: قراءةً الفجر، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨]
أي: قراءته. وكما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: إنَّ في البحر
شياطينَ مَسْجُونةً، أوثقَها سليمانُ عليه السلام، يُوشِكُ أن تَخرُجَ، فتقرأ على النَّاسِ
قُرآناً (٢). أي: قراءةً.
وقال الشاعر في عثمان رضي الله عنه :
يُقَطِّعُ الليلَ تَسبِيحاً وقُرآنًا (٣)
ضَخَّوْا بأشمَطَ عُنوانُ السجودِ به
أي: قراءة، فيكون معناه على هذا التأويل صحيحاً، إلاَّ أن يُخرِجَ القراءةَ - التي
هي التلاوةُ - عن حدِّها - على ما نبيُّه - فيمتنع .
وقد قيل: إنَّ معنى ((يتغنَّى به)): يستغني به، من الاستغناء الذي هو ضِدُّ الافتقار،
لا من الغِناء؛ يقال: تغنَّيتُ وتغانيت، بمعنى: استغنيتُ. وفي ((الصحاح)): تَغَنَّى
الرجلُ، بمعنى استَغْنَى، وأغنَاهُ الله. وتَغَانَوا، أي: استَغنَى بعضُهم عن بعض. قال
(١) في النسخ الخطية: الدين، والمثبت من (م).
(٢) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١٢/١. وهو موقوف على ابن عمرو رضي الله عنهما، وكان قد رَوَی عن
أهل الكتاب، كما ذكر الذهبي في السير ٨١/٣، وقال أبو العباس القرطبي في المفهم ١/ ١٢٠: هذا
ونحوه لا يُتوصَّل إليه بالرأي والاجتهاد، بل بالسمع، والظاهر أن الصحابة إنما تستند في هذا للنبي وَّر ،
مع أنه یحتمل أن يُحدِّثَ به عن بعض أهل الكتاب.
(٣) البيت لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص٤٦٩. قوله: الأشمط، يعني المختلط سوادُ شعرِه ببياض.

٢٥
كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى
المغيرة بن حَبناء التميمي(١) وأجاد(٢):
ونحن إذا مِتْنَا أشدُّ تَغانِيا(٣).
كلانَا غَنِيٌّ عن أخيهِ حَياتَه
وإلى هذا التأويل ذهبَ سفيان بن عُيَينَةَ، ووَكيع بنُ الجرَّاحِ(٤)، ورواه سفيان عن
سعد بن أبي وقاص(٥) .
وقد رُوي عن سفيان أيضاً وجه آخر، ذكره إسحاق بن رَاهَوَيه(٦)، أي: يستغني به
عماسواه من الأحاديث.
وإلى هذا التأويل ذهب البخاري محمد بن إسماعيل لإتباعه الترجمة بقوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اَلْحِكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِزْ﴾(٧) [العنكبوت: ٥١]. والمرادُ
الاستغناءُ بالقرآن عن علم أخبار الأمم. قاله أهل التأويل.
وقيل: إن معنى يتغنى به: يتحرَّن به، أي: يَظهرُ على قارئه الحُزنُ - الذي هو ضدُّ
السُّرور - عند قراءته وتلاوته، وليس من الغُنية؛ لأنه لو كان من الغُنية لقال: يَتَغانى
(١) من شعراء الدولة الأموية، له مدائح في المهلَّب بن أبي صُفرة وطلحة الطلحات. الشعر والشعراء ٤٠٦/١
والأغاني ١٣/ ٨٤.
(٢) قوله: وأجاد، من (ظ).
(٣) نسبه صاحب اللسان إلى المغيرة بن حَبناء، ونسبه المبرِّد في الكامل ٢٧٦/١ - ٢٧٧ إلى عبد الله بن
معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ونقله عنه البغدادي في شرح أبيات المغني ٢٦٦/٤، وذكر
في ٤/ ٢٧٠ أن هذا البيت وقع في عدة أشعار لشعراء. وأوردهم.
(٤) أخرجه عنهما أبو داود (١٤٧٢). وسفيان بن عيينة: هو أبو محمد الهلالي، الكوفي، ثم المكي، انتهى
إليه علو الإسناد، توفي سنة (١٩٨ هـ). السير ٨/ ٤٥٤.
ووكيع بن الجراح: هو أبو سفيان الرؤاسي، محدث العراق، له كتاب الزهد. توفي سنة (١٩٧ هـ).
السير ١٤٠/٩.
(٥) رواية سفيان لحديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود (١٤٧٠)، ورواية وكيع لحديث سعد عند أحمد
(١٤٧٦)، وجاء أيضاً تفسير سفيان للتغني بالاستغناء في صحيح البخاري إثر روايته لحديث أبي هريرة
(٥٠٢٨): ((ما أذن الله لشيء .... )).
(٦) هو إسحاق بن إبراهيم، أبو يعقوب، سيد الحفاظ، صاحب المسند، وراهويه لقبٌ لُقِّب به أبوه، لأنه
٠٠
ولد في طريق مكة، توفي سنة (٢٣٨هـ). السير ٣٥٨/١١.
(٧) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، ولفظ الترجمة: باب من لم يتغن بالقرآن. وينظر الفتح ٦٨/٩.

٢٦
مقدمة المصنف
به، ولم يقل: يتغنَّى به. ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، منهم الإمام أبو [ حاتم ]
محمد بنُ حِبَّان البُستِي(١) .
واحتجوا بما رواه مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه قال: رأيتُ رسول الله وَه
يُصلِّي، ولصدرِهِ أزِيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء(٢). الأزيز، بزايين: صَوتُ الرعد
وغَلَيَانُ القِدر. قالوا: ففي هذا الخبر بيانٌ واضحٌ على أن المراد بالحديث التحزُّن.
وعَضَدُوا هذا أيضاً بما رواه الأئمة عن عبد الله قال: قال لي (٣) النبي وَلُ: ((اقرأ
عليَّ)). فقرأتُ عليه سورةَ النساء، حتَّى إذا بلغتُ(٤): ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [الآية: ٤١] فنظرتُ إليه، فإذا عيناه تَدْمَعان(٥).
فهذه أربعُ تأويلات، ليس فيها ما يدلُّ على القراءة بالألحان والترجيع فيها .
وقال أبو سعيد بنُ الأعرابي(٦) في قوله بَّهِ: (ليس منَّا مَن لَم يَتَغَنَّ بالقرآن)) قال:
كانت العرب تُولَعُ بالغِناء والنَّشيد في أكثر أقوالها، فلمَّا نزلَ القرآنُ، أحبُّوا أن يكون
القرآنُ هِجِّيراهم(٧) مكان الغِناء، فقال: ((ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن»(٨).
التَّأويل الخامس: ما تأوَّلَه مَنِ استَدَلَّ به على التَّرجيع والتَّطريب، فذكر عمرُ بن
شَبَّةَ (٩) قال: ذكرتُ لأبي عاصم النَّبِيل(١٠) تأويلَ ابنِ عُيَينَة في قوله: ((يتغنَّى)):
(١) في صحيحه بإثر الحديث (٧٥١) (الإحسان). وابنُ حِبَّان: هو الإمام الحافظ شيخ خراسان، توفي
بسجستان سنة (٣٥٤ هـ). سير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٢.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٣٢١)، وأبو داود (٩٠٤)، والنسائي ١٣/٣، وهو حديث صحيح.
(٣) لفظة: لي، من (ز) و(ظ).
(٤) في (د): حتى بلغت.
(٥) أخرجه أحمد (٣٦٠٦)، والبخاري (٤٥٨٢)، ومسلم (٨٠٠).
(٦) أحمد بن زياد، أبو سعيد، المحدِّث، نزيل مكة وشيخ الحرم، صنف المعجم في الحديث، وطبقات
النساك وغيرهما، توفي سنة (٣٤٠هـ). سير أعلام النبلاء ١٥ / ٤٠٧.
(٧) يعني دأبهم وشأنهم.
(٨) نقل الخطابي كلام ابن الأعرابي هذا في معالم السنن ٢٩١/١.
(٩) أبو زيد النميري البصري النحوي، الحافظ، نزيل بغداد، له تاريخ المدينة وأخبار الكوفة وغيرهما،
توفي سنة (٢٦٢هـ). السير ٣٦٩/١٢.
(١٠) هو الضَّحَّاك بن مَخْلَد البصري، أجلُّ شيوخ البخاري وأكبرهم، توفي سنة (٢١٢هـ). السير ٩/ ٤٨٠.

٢٧
كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى
يستغني، فقال: لم يصنَع ابنُ عُبَينَة شيئاً .
وسُئلَ الشافعيُّ عن تأويلِ ابنِ عُيَينَةَ، فقال: نحن أعلمُ بهذا، لو أراد النبيُّ وَّـ
الاستغناء، لقال: مَن لم يَسْتَغْنِ، ولكن لمَّا قال: ((يتغنَّى (١)))، علمنا أنَّه أراد
التغنّي.
قال الطبري: المعروفُ عندنا في كلام العرب أن التغني إنما هو الغِناء الذي هو
حُسنُ الصوت بالتَّرجيع. وقال الشاعر:
إِنَّ الغِناء لهذا(٢) الشِّعر مِضمارُ(٣)
تَغَنَّ بالشِّعرِ مهما کُنتَ قائله
قال: وأمَّا ادِّعاءُ الزَّاعم أنَّ ((تغنَّيتُ)) بمعنى ((استَغنَيتُ)) فليس في كلام العرب
وأشعارِها، ولا نعلمُ أحداً من أهل العلم قاله. وأمَّا احتجاجُه بقولِ الأعشى(٤):
وكنتُ امرأْ زَمَناً بالعِراق عفيفَ المُناخِ طَوِيلَ الثَّغَنّ(٥)
وزعم أنه أراد الاستغناء، فإنَّهُ غلَطٌ مِنه، وإنَّما عَنَى الأعشى في هذا الموضع
الإقامةَ، من قولِ العَرب: غَنِيَ فلانٌ بمكان كذا، أي: أقام، ومنه قوله تعالى: ﴿كأن
لَّمْ يَغْنَواْ فِيهَاً﴾ [الأعراف: ٩٢]. وأما استشهاده بقوله:
ونحنُ إذا مِتْنَا أشدُّ تَغانيا
فإنَّه إغفالٌ منه، وذلك أنَّ الثَّغانيَ تفاعلٌ من نَفْسَين، إذا استغنى كلُّ واحد منهُما
عن صاحبه، كما يقال: تضاربَ الرَّجُلان: إذا ضربَ كلُّ واحد منهما صاحبه. ومن
قال هذا في فعل الاثنين، لم يجز أن يقول مثله في الواحد، فغير جائز أن يقال:
تغانى زيد، وتضاربَ عمرو. وكذلك غيرُ جائز أن يُقال: تغنى، بمعنى: استغنى.
قلت: ما ادَّعاهُ الطبري من أنَّه لم يَرد في كلام العرب تغنَّى بمعنى: استغنى، فقد
(١) في (م): يتغن، وفي (ظ): يتغنى به.
(٢) في (م): بهذا.
(٣) قائله حسان، كما في شرح الحماسة للمرزوقي ١٠/١، وهو في اللسان وتاج العروس (غنى).
(٤) هو ميمون بن قيس، أبو بصير، شاعر جاهلي قديم، أدرك الإسلام في آخر عمره، ولم يسلم، ويُسمَّى
صنَّاجة العرب. الشعر والشعراء ١/ ٢٥٧.
(٥) ديوانه ص٧٥، قوله: المُناخ، يعني محل الإقامة.

٢٨
مقدمة المصنف
ذكره الجوهريُّ(١) كما ذكرنا، وذكره الهَرَوي(٢) أيضاً.
وأمَّا قوله: إنَّ صيغة فاعل إنما تكون من اثنين، فقد جاءت من واحد في مواضعَ
كثيرة، منها قولُ ابن عمر: وأنا يومَئذ قد ناهزتُ الاحتلام(٣). وتقول العرب:
طارقتُ النعلَ، وعاقبتُ اللِّصَّ، ودَاوَيتُ العليل. وهو كثير، فيكون ((تَغَانَى)) منها .
وإذا احتَمَلَ قولُه عليه الصلاة والسلام: ((يتغنَّ)) الغِناءَ والاستغناءَ، فليس حملُه على
أحدِهما بأولى من الآخر، بل حملُه على الاستغناء أولَى، لو لم يكن لنا تأويلٌ غيره،
لأنَّه مرويٌّ عن صحابي كبير، كما ذكر سفيان. وقد قال ابنُ وَهْب(٤) في حقِّ سفيان:
ما رأيتُ أحداً (٥) أعلمَ بتأويل الأحاديث من سفيانَ بن عُيَينَة. ومَعلومٌ أنَّه رأى
الشافعيَّ وعاصَرَه.
وتأويلٌ سادس: وهو ماجاء من الزِّيادة في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنَّه سمع
رسولَ اللهِوَ ﴿ يقول: ((ما أذِنَ اللهُ لِشَيء ما أذِنَ لنبيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ يتغنَّى بالقرآن يَجْهَرُ
به))(٦)
قال الطبريُّ: ولو كان كما قال ابنُ عُيَينة، لم يكن لذِكرِ حُسنِ الصَّوتِ والجهرِ به
معنی .
(١) إسماعيل بن حماد، أبو نصر الفارابي، مصنف كتاب الصحاح، وأحد من يضرب به المثل في ضبط
اللغة، قيل: إنه اختلط في آخر عمره، ومات متردياً من سطح داره بنيسابور في حدود سنة أربع مئة.
السير ١٧/ ٨٠.
(٢) في غريب الحديث ١٦٩/٢ - ١٧٢.
(٣) كذا وقع في النسخ: ابن عمر، ولم نجد هذا القول له فيما بين أيدينا من مصادر، وسيكرره المصنف
عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]. وهذا القولُ مرويٌّ عن ابن عباس فيما
أخرجه أحمد (٣١٨٥)، والبخاري (٧٦)، ومسلم (٥٠٤) من حديثه قال: أقبلتُ راكباً على أتان، وأنا
يومئذ قد ناهزتُ الاحتلامِ، ورسولُ اللهِ ﴿﴿ يصلي بالناس بمنى، فمررتُ بين يدي الصف، فنزلتُ،
فأرسلتُ الأتان ترتع، ودخلتُ في الصف، فلم ینکر ذلك عليَّ أحد.
(٤) هو عبد الله بن وَهْب بن مسلم، أبو محمد الفهري مولاهم، المصري الحافظ، لقي بعض صغار
التابعين، له: الجامع، وتفسير غريب الموطأ، توفي سنة (١٩٧هـ). السير ٢٢٣/٩.
(٥) قوله: أحداً، من (ز) و(ظ).
(٦) صحيح مسلم (٧٩٢) (٢٣٣)، وعنى المصنف بالزيادة قولَه: يجهر به. والحديث في صحيح البخاري
(٥٠٢٣) بلفظ: ((لم يأذنِ اللهُ لشيء ما أذنَ لنبيَّ أن يتغَنى بالقرآن)). وقال صاحبٌ له: يريد: يجهرُ به.
وهو في مسند أحمد (٧٨٣٢).

٢٩
كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى
: .
قلنا: قوله: ((يَجْهَرُ به)) لا يخلو(١) أن يكون من قول النبيِّ ◌َلاغير، أو من قول أبي
هريرة، أو غيرِهِ، فإن كان الأوَّل ـ وفيه بُعدٌ - فهو دليلٌ على عَدمِ التَّطريب والتَّرجيع،
لأنَّه لم يقُل: يُطَرِّبُ به، وإنما قال: يَجهَرُ به، أي: يُسمِعُ نفسَه ومَن يليه، بدليل قوله
عليه السلام للَّذي سمعَهُ وقد رفع صوته بالتَّهليل: ((أيُّها الناس، اربَعُوا على أنفُسِكم،
فإنَّكُم لستُم تدعُونَ أصمَّ ولا غائباً)) الحديث، وسيأتي(٢). وکذلك إن كان من
صحابيٍّ أو غيره، فلا حُجَّةَ فيه(٣) على ما رَامُوه. وقد اختار هذا التأويلَ بعضُ
علمائنا(٤)، فقال: وهذا أَشبَهُ، لأن العرب تُسمِّ كلَّ مَن رفع صوته ووالَى به غانياً،
وفِعلَه ذلك غِناءً، وإن لم يُلحِّنْهُ بتلحين الغِناء. قال: وعلى هذا فسَّرَهُ الصَّحابي، وهو
أعلم بالمقال، وأقعَدُ بالحال.
وقد احتَجَّ أبو الحسن بن بَظَّال لمذهب الشافعي، فقال: وقد رفعَ الإشكالَ في
هذه المسألة ما رواه ابنُ أبي شيبة قال: حدثنا زیدُ بنُ الحُبّاب، قال: حدثنا موسى بن
عُلَي بن رَباح، عن أبيه، عن عُقبةَ بن عامر قال: قال رسول الله وَّهِ: (تَعَلَّمُوا القرآنَ،
وغَنُّوا به، واكتُبوه، فوالذي نفسي بيده لَهُوَ أشدُّ تَفَصِّياً من المخَاض من العُقُل))(٥).
قال علماؤنا(٦): وهذا الحديث، وإن صَحَّ سنَدُه، فيردُّه ما يُعلَمُ (٧) على (٨) القَطع
والبتاتِ(٩) من أنَّ قراءةَ القرآن بَلَغَتْنا متواتِرةً عن كافة المشايخ، جِيلاً فجيلاً إلى
العصر الكريم، إلى رسولِ اللهِ وَ﴾، وليس فيها تلحينٌ، ولا تَطريبٌ، مع كثرة
(١) في (ظ): لا يخلو إما.
(٢) أخرجه أحمد (١٩٥٢٠)، والبخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري،
وسيذكره المصنف عند تفسير الآية (٥٥) من سورة الأعراف.
(٣) في (ظ): لهم.
(٤) المفهم ٤٢٣/٢.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٥٠٠، وفيه: ((واتلوه)، بدل: ((وغنُّوا))، وهو في مسند أحمد (١٧٣١٧)،
وفيه: وتَغَنَّوا. وهو حديث صحيح. قوله: تفصِّياً أي: خروجاً. النهاية (فصى).
(٦) المفهم ٤٢٢/٢.
(٧) في (ظ): نعلم.
(٨) في (د) و(ز): من.
(٩) في (ظ): البيان، وفي (ز) و(د): الثبات، والمثبت من (م).

٣٠
مقدمة المصنف
المتعمِّقين في مخارج الحروف، وفي المدِّ والإدغام والإظهار، وغير ذلك من كيفيَّةٍ
القراءات.
ثم إنَّ في التَّرجيع والتَّطريب هَمْزَ ما ليس بمهموز، ومدَّ ما ليس بممدود، فترجعُ
الألِفُ الواحدة ألفات، والواو الواحدة واوات، والشُّبهةُ الواحِدةُ شُبُهات(١)، فيؤدي
ذلك إلى زيادة في القرآن، وذلك ممنُوعٍ، وإن وافقَ ذلك موضعَ نَبْر وهَمْز،
صَيَّروهما(٢) نَبَرات وهَمَزَات. والنَّبرةُ حيثُما وقعت من الحروف، فإنما هي همزةٌ
واحدة لا غير، إمَّا ممدودةٌ وإمَّا مقصورة.
فإن قيل: فقد روى عبدُ الله بنُ مُغَفَّل قال: قرأ رسولُ اللهِوَلُ﴿ في مسير له سورةً
الفتح على راحلته، فرجَّعَ في قراءته، وذكره البخاري، وقال في صفة التَّرجيع:
آ،آ،آ، ثلاث مرات(٣). قلنا: ذلك محمولٌ على إشباع المَدِّ في موضعِه. ويحتمل أن
يكون حِكَايةَ صَوتِهِ عند هَزِّ الرَّاحِلَة. كما يعتري رافعَ صوتِه إذا كان راكباً من انضغاطِ
صوتِه وتقطيعِه لأجل هَزِّ المركوبِ. وإذا احتمل هذا، فلا حُجَّةً فيه.
وقد خَرَّج أبو محمد عبدُ الغني بنُ سعيد الحافظُ(٤) من حديث قتادة، عن
عبد الرَّحمن بن أبي بَكْرةُ(٥)، عن أبيه قال: كانت قراءةُ رسولِ الله ◌ِصَ﴿ المدَّ، ليس
فيها ترجيع(٦).
(١) يريد: الحروف، كما صرح به ص ١٠٨، باب ذكر معنى السورة والآية.
(٢) في (ز) و(ظ) و(م): صيروها، والمثبت من (د).
(٣) صحيح البخاري (٥٠٤٧) و(٧٥٤٠)، وسلف ص٢١ -٢٢.
(٤) محدِّثُ الديار المصرية، له كتاب المؤتلف والمختلف، توفي سنة (٤٠٩هـ). السير ٢٦٨/١٧.
(٥) تحرف في (ظ) و(د) و(م) إلى: أبي بكر، والمثبت من (ز)، وهو الصواب.
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٧٤٤)، وابنُ عدي في الكامل ٧/ ٢٥٤٤ (في ترجمة الوليد بن القاسم
الهمداني)، وفي إسناده عمر بن موسى، المعروف بابن وجيه. قال ابن عدي: يضع الحديث. وأورده
الذهبي في ميزانه ٣٤٤/٤ (في ترجمة الوليد المذكور) وقال: تفرَّد به عمر، وهو متهم. وحسَّنه
السيوطي في الجامع الصغير ! فتعقبه المناوي في ((الفيض)) ٥/ ١٧٣ بقوله: وليس كما ظنَّ، فقد قال
الهيثمي [في المجمع ٢٦٦/٢]: فيه عمر بن وجيه، وهو ضعيف. اهـ وقد وجَّه ابن الأثير هذه الرواية
في النهاية ٢/ ٢٠٢، فقال: وجهُه أنه لم يكن حينئذ راكباً، فلم يحدث في قراءته الترجيع. قلنا: وقد
صحَّ من حديث أنس رضي الله عنه أن قراءة النبي ﴿ كانت مدًّا، فيما أخرجه أحمد (١٢٢٨٣)،
والبخاري (٥٠٤٦) وغيرهما، وسلف ص ١٨ - ١٩.

٣١
كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى
وروى ابنُ جُرَيج(١)، عن عطاء(٢)، عن ابن عبّاس قال: كان لرسول الله وَّة
مؤذِّنْ يُطرِّبُ، فقال رسول الله بَّهِ: ((إنَّ الأذانَ سَهْلٌ سَمْحٌ، فإذا كان أذانُكَ سمحاً
سهلاً، وإلَّا، فلا تُؤذِّن)). أخرجه الدار قطني(٣) في ((سُننه)) (٤). فإذا كان النبيُّ ◌َ لآ قد
منعَ ذلك في الأذان، فأحرى ألا يُجوِّزَه في القرآن الذي حفظَهُ الرَّحمن، فقال - وقولُه
الحقُّ -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وقال تعالى: ﴿لَّا يَأْيِهِ
الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
قُلتُ: وهذا الخِلافُ إنَّما هو ما لم يُفهم معنى القُرآن، بترديد الأصواتِ، وكثرةٍ
الترجيعات، فإن زادَ الأمر على ذلك حتى لا يُفهم معناهُ، فذلك حرامٌ باتفاق، كما
يفعل القرَّاء بالدِّيار المصريَّة الذين يقرؤون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون على ذلك
الأجور والجوائز، ضلَّ سَعيُهُم، وخابَ عملُهم، فيستحلُّون بذلك تغييرَ كتابِ الله،
ويُهوِّنُونَ على أنفسهم الاجتِراءَ على الله، بأن يَزيدُوا في تنزيله ما ليس فيه، جهلاً
بدينهم، ومُرُوقاً عن سُنَّة نَبِيِّهم، ورفضاً لسيرِ الصَّالحين فيه من سَلَفِهم، ونُزوعاً إلى ما
يُزيِّنُ لهم الشيطانُ من أعمالهم ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَهُمْ يُحْسِنُونَ سُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، فهم في
غَيِّهم يَتَردّدُون، وبكتاب الله يتَلاعَبُون، فإنَّا لله وإنّا إليه رَاجِعون، لكن قد أخبر
الصَّادقُ أنَّ ذلك يكون، فكان كما أخبر ◌ِّهِ: ذكر الإمامُ الحافظُ أبو الحسن(٥)
رَزِين(٦)، وأبو عبد الله التِّرمذي الحكيم في ((نوادر الأصول))(٧)، من حَديث حُذيفة أنَّ
(١) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد القرشي، الإمام، وهو أول من دوَّن العلم بمكة. توفي
سنة (١٥٠هـ). السير ٣٢٥/٦.
(٢) هو عطاء بن أبي رباح، أبو محمد القرشي، مفتي الحرم، مات سنة (١١٥ هـ). السير ٧٨/٥.
(٣) علي بن عمر بن أحمد، أبو الحسن البغدادي، الحافظ، صاحب التصانيف، منها: السنن، والعلل،
مات سنة (٣٨٥هـ). السير ٤٤٩/١٦.
(٤) ٨٦/٢، وفي إسناده إسحاق بن أبي يحيى الكعبي الراوي عن ابن جُرَيج، قال الذهبي في الميزان
١/ ٢٠٥: مالكٌ يأتي بالمناكير عن الأثبات، وذكر له هذا الحديث.
(٥) في (م): أبو الحسين، وهو خطأ.
(٦) هو رَزِينُ بنُ معاوية بن عمَّار، العَبدريُّ، الأندلسيُّ، السَّرَقُسطي، المحدِّثُ، له كتاب تجريد الصحاح.
توفي سنة (٥٣٥هـ). السِّيَر ٢٠٤/٢٠.
(٧) ص٣٣٤، والحكيم الترمذي: هو محمد بن علي بن الحسن، له مصنفات وحكم ومواعظ، قدم نيسابور
وحدث بها سنة (٢٨٥ هـ)، توفي نحو سنة (٣٢٠) هـ. السير ٤٣٩/١٣.

٣٢
مقدمة المصنف
رسولَ اللهِ﴿ قال: ((اقرؤُوا القرآنَ بلُحُون العرب وأصواتِها، وإِيَّاكم ولُحُونَ أهلِ
العِشْق(١)، ولُحونَ(٢) أهلِ الكتابَين، وسَيَجيءُ بعدي قَومٌ يُرَجِّعُون بالقُرآنِ ترجيعَ
الغِناء والنَّوح، لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم، مَفْتُونَةٌ قلوبُهُم، وقُلوبُ الذين يُعجِبُهم شأنُهم)).
اللُّحونُ: جَمِعُ لَخن، وهو التَّطرِيبُ، وتَرجِيعُ الصَّوتِ، وتحسينُه، بالقراءة والشِّعر
والغِناء(٣).
قال علماؤنا: ويُشبِهُ أن يكونَ هذا الذي يفعلُه قراءُ زمانِنا بين يَدَيِ الوُغَّاظِ، وفي
المجالس، من اللُّحونِ الأعجمية التي يقرؤون بها ما نَهى عنه رسولُ الله ◌ِ له.
والترجيعُ في القراءَةِ: ترديدُ الحروف، كقراءة النصارى. والترتيلُ في القراءة:
هو الثَّنِّي فيها، والتَّمهُّلُ، وتَبِينُ الحروف والحركاتِ، تشبيهاً بالثَّغر المُرَثَّل، وهو
المُشَبَّه بنَوْر الأُقحُوان، وهو المطلوب في قراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَرَّلِ الْقُرْمَانَ
تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].
وسُئلت أمُّ سَلَمَةَ عن قراءة رسول الله بَّهِ وصَلاتِه، فقالت: مالكم وصَلاتَه ؟ ثم
نَعَتَت قراءتَه، فإذا هي تَنْعَتُ قراءَةً مُفَسَّرةً حَرفاً حَرفاً. أخرجه النسائي وأبو داود
والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب(٤).
بابُ تحذيرِ أهلِ القرآنِ والعلم من الرِّياء وغيرِه
قال الله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقال تعالى:
﴿فَنْ كَانَ يَرَّحُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَدِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةٍ رَيِِّ ◌َحَدَأْ﴾ [الكهف: ١١٠].
روى مُسلمٌ عن أبي هُريرةً قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِوَ﴿ يقول: ((إنَّ أوَّلَ النَّاسِ
يُقضَى عليه يَومَ القِيامَةِ رَجُلٌ اسْتُشهِدَ، فَأَتِيَ به، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَها. قال: فما عَمِلتَ
(١) في فضائل أبي عبيد، وشُعب الإيمان، والعلل المتناهية: الفِسِق.
(٢) في (ظ): وترجيع.
(٣) حديث ضعيف، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٨٠، والطبراني في الأوسط (٧٢١٩)،
وابنُ عدي في الكامل ٢/ ٥١٠ - ٥١١، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٦٤٩) و(٢٦٥٠)، وابنُ الجوزيِّ
في العلل المتناهية (١٦٠). وقال: هذا حديثٌ لا يصحُّ.
(٤) سنن النسائي ٢/ ١٨١ و٢١٤/٣، وسنن أبي داود (١٤٦٦)، وسنن الترمذي (٢٩٢٣)، وهو في المسند
(٢٦٥٢٦).

٣٣
تحذير أهل القرآن من الرياء
فيها ؟ قال: قاتلتُ فيك حتَّى استُشهِدتُ. قال: كَذَبتَ، ولَكِنَّك قَاتَلتَ ليقال(١):
جَرِيءٌ، فقد قِيلِ. ثُمَّ أُمِرَ به، فَسُحِبَ على وَجهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار.
ورجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وعَلَّمَهُ، وَقَرأَ القُرآنَ، فأُتِيَ به، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَها. قال: فما
عَمِلتَ فيها؟ قال: تَعلَّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُه، وَقَرأْتُ فيك القُرآنَ. قال: كَذَبتَ، ولَكنَّك
تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقالَ: عالِمٌ، وقرأتَ القُرآنَ لِيُقالَ: هُو (٢) قارِئٌ، فقد قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ به،
فَسُحِبَ على وَجِهِهِ حَتَّى أُلقِيَ في النَّار.
ورجلٌ وَسَّعَ اللهُ عليه، وأَعطاهُ مِن أصنافِ المالِ كُلِّه، فَأَتِيَ به، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ،
فَعَرَفَها، قال: فما عَمِلتَ فيها ؟ قال: ما تَرَكتُ مِن سَبِيل تُحبُّ أن يُنفَقَ فيها إلا أَنفَقتُ
فيها لك. قال: كَذَبتَ، وَلَكنَّك فَعَلتَ لِيُقال: هو جَوادٌ، فقد قِيل. ثُمَّ أُمِرَ به، فَسُحِبَ
على وَجهِهِ، ثُمَّ(٣) أُلْقِيَ فِي النَّار))(٤).
وقال التّرمِذي في هذا الحديث: ثُمَّ ضَرَبَ رسولُ الله ◌َ ﴿ على رُکبتي، فقال: ((یا
أبا هريرة، أُولئك الثَّلاثَةُ أَوَّلُ خَلقِ الله، تُسَعَّرُ بهم النَّارُ يَومَ القِيامة))(٥). أبو هريرة:
اسمُه عبدُ الله، وقيل: عبدُ الرَّحمن، وقال: كُنِّيتُ أبا هُرَيرةَ لأَنِّي حَمَلتُ هِرَّة في
كُمِّي، فرآني رسولُ الله ◌َّ فقال: ((ما هذه))؟ قلتُ: هِرَّة، فقال: ((يا أبا هُرَيْرَة))(٦).
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وهذا الحديثُ فيمَن لَم يُرِدِ بِعمَلِه وعِلمِه وَجهَ الله تعالى(٧) .
ورُويَ عن النَّبِيِّ وَ أنَّه قال: ((مَن طَلَبَ العِلمَ لِغَيرِ الله، أو أرادَ به غَيرَ الله،
فَلَيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار))(٨).
(١) في (م): لأن يقال.
(٢) كلمة هو، ليس في (د).
(٣) في (ظ): حتى.
(٤) صحيح مسلم (١٩٠٥)، وهو في المسند برقم (٨٢٧٧).
(٥) سنن الترمذي (٢٣٨٢).
(٦) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أبي هريرة ١٢/ ١٧١ (بهامش الإصابة).
(٧) جامع بيان العلم وفضله ص ٢٤٠.
(٨) أخرجه الترمذي (٢٦٥٥)، والنسائي في الكبرى(٥٨٧٩)، وابن ماجه (٢٥٨)، وابن عدي في الكامل
١٨٢٧/٥ من طريق خالد بن دُرَيك عن ابن عمر. قال الترمذي: حديث حسن غريب. اهـ وإسناده
منقطع، فقد ذكر المِزِّي في تهذيب الكمال أن خالد بن دُرَيك روى عن عبد الله بن عمر ولم يدركه.

٣٤
مقدمة المصنف
وخرَّجَ ابنُ المُبارك في ((رقائقه))(١) عن العَبَّاس بنِ عبدِ المُطَّلب قال: قال
رسولُ اللهِ وَلِ: ((يَظهَرُ هذا الدِّينُ حتَّى يُجاوِزَ البِحار، وحَتَّى تُخاضَ البِحارُ بالخيل
في سبيل الله تبارَكَ وتعالى، ثُمَّ يَأتي أقوامٌ يقرؤون القُرآنَ، فإذا قَرؤوه قالُوا: مَن أقرَأُ
مِنَّا؟ مَن أعلَمُ مِنَّا ؟)) ثمَّ التَفَتَ إلى أصحابه، فقال: ((هل تَرَونَ في أولئكم مِن خَير ؟))
قالوا: لا. قال: ((أُولئكَ مِنكم، وأولئِكَ مِن هَذه الأُمَّة، وأولئك هُم وَقُودُ النَّار)).
وروى أبو داود والترمذيُّ عن أبي هُريرةَ قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((مَن تَعَلَّمَ
عِلماً مِمَّا يُبْتَغَى به وَجَهُ الله، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ به عَرَضاً من الدُّنيا، لم يَجِد عَرْفَ
الجَنَّةِ يَومَ القيامة)). يعني ريحَها. قال التِّرمذي: حديثٌ حسن(٢).
ورَوَى عن أبي هُريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((تَعَوَّذُوا باللهِ من جُبِّ الحَزَن)»
قالوا: يارسولَ الله، وما جُبُّ الحَزَن؟ قال: ((وَادٍ في جَهَنَّم، تتعوَّذُ منه جَهَنَّهُ في كُلِّ
يَوم مئةَ مَرَّة)). قيل: يارسولَ الله، ومَن يَدخُلُهُ؟ قال: ((القُرَّاءُ المراؤون بأعمالهم».
قال: هذا حديث غريب(٣).
وفي كتاب أسَدِ بن مُوسى(٤) أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((إنَّ في جَهَنَّمَ لَوادِيا، إنَّ جَهَنَّمَ
لَتَتَعَوَّذُ من شَرِّ ذلك الوادِي كُلَّ(٥) يَومِ سَبعَ مَرَّات، وإنَّ في ذلك الوادي لَجُبًّا، إنَّ
جهنم وذلك الوادي، لَيَتعوَّذُون بالله مِن شَرِّ ذلك الجُبِّ (٦)، وإنَّ في ذلك(٧) الجُبِّ
(١) الزهد والرقائق (٤٥٠)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٥/١ - ١٨٦ وقال: فيه موسى بن عُبيدة
الرَّبذي، وهو ضعيف.
(٢) سنن أبي داود (٣٦٦٤)، وليس في سنن الترمذي كما ذكر المصنف، انظر تحفة الأشراف ١٠/ ٧٧ -٧٨.
وهو في المسند برقم (٨٤٥٧).
(٣) سنن الترمذي (٢٣٨٣)، وفي إسناده أبو معان (ويقال: أبو معاذ) وهو مجهول، وعمار بن سيف وهو
ضعيف. تنزيه الشريعة ٣٨٥/٢.
(٤) هو أبو سعيد القرشي الأموي، ذو التصانيف، ويقال: هو أول من صنف المسند. توفي سنة (٢١٢هـ).
السير ١٦٢/١٠.
(٥) في (م): في كل.
(٦) في (ظ) زيادة: سبع مرات.
(٧) في (م): وإن في الجبّ.

٣٥
تحذير أهل القرآن من الرياء
لَحَيَّةً، وإن جهنم والواديَ والجُبَّ لَيتَعوَّذُون بالله من شَرِّ تلك الحَيَّةِ سبعَ مرَّات،
أَعَدَّها الله للأشقياء مِن حَمَلَةِ القرآن، الذين يَعصُونَ الله))(١).
فَيَجبُ على حامل القرآن وطالبِ العِلم أن يَتَّقِيَ الله في نفسه، ويُخلِصَ العملَ لله.
فَإن كانَ تَقَدَّمَ له شيءٌ ممَّا يَكرِهُ، فَلْيُبَادِرِ التوبة والإنابةَ، وليَبتَدِىء الإخلاصَ في
الطلب(٢) وعمله. فالذي يلزمُ حاملَ القرآن من الثَّحفّظِ أَكثَرُ ممَّا يلزمُ غيرَه، كما أَنَّ له
من الأجرِ ما ليس لغيره، روى التِّرمذي عن أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله إِلّه :
((أَنزلَ اللهُ في بَعضِ الكُتُبِ - أو أَوحَى إلى بعض الأنبياء -: قُل للَّذين يَتَفَقَّهُون لِغَير
الدِّين، ويتَعَلَّمون لِغَيرِ العَمَل، ويطلُبون الدُّنيا بعمل الآخرة، يَلْبَسُون للناس مُسُوكَ
الكِباش، وقُلُوبُهم كقلوب الذِّئاب، أَلسِنَتُهم أحلَى من العَسَل، وقلوبُهم أمَرُّ من
الصَّبر، إِيَّايَ يُخادِعون وبي يَستَهزِؤون؟! لأُتِيحَنَّ لهم فِتْنَةً تَذَرُ الحليمَ فيهم
حَيرَان))(٣).
وخرَّج الطَّبري في كتاب ((آداب النُّفوس)) (٤): حدَّثنا أبو كُرَيب محمَّد بنُ العَلاء،
حدَّثنا المُحاربي، عن عَمرو بن عامر البَجَليِّ، عن ابن صَدَقة، عن رجل من أصحاب
النبيِّ ◌ََّ، أو مَن حدَّثْه قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لا تُخادِعِ الله، فإنَّه مَن يُخَادِعِ الله،
يَخدَعْهُ الله، ونَفسَه يَخدَعُ لو يَشعُر)). قالوا: يارسولَ الله، وكيف يُخادَعُ الله ؟ قال:
(تَعَمَلُ بما أمَركُ اللهُ به، وتطلُبُ به غيرَه، واتَّقُوا الرِّياءَ فإنَّه الشّركُ، وإِنَّ المُرائي يُدعَى
(١) وذكره مكي في الرعاية ص ٧٤، وقد نقل الحافظ ابن حجر في تهذيبه عن ابن يونس قوله في أسد بن
موسى: حدَّثَ بأحاديث منكرة، وأحسبُ الآفة من غيره.
(٢) في (د): التوبة.
(٣) لم يخرجه الترمذي، إنما أخرج نحوه (٢٤٠٤) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده يحيى بن عبيد الله،
وهو متروك الحديث، وبرقم (٢٤٠٥) من حديث ابن عمر، وفي إسناده حمزة بن أبي محمد، وهو
ضعيف. وأما حديث أبي الدرداء (الذي أورده المصنف) فقد أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم
ص ٢٢٩، وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو متروك الحديث
أيضاً. ومثل هذه الطرق لا تتقوَّى ببعضها، فالحديث ضعيف.
(٤) ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٤ أن للطبري كتاب ترتيب العلماء، ابتدأه بآداب النفوس،
ولم يتمَّه، وذكر له صاحب هدية العارفين ٢٧/٦ كتاب الآداب الحميدة والأخلاق النفيسة، ولعله هو.

٣٦
مقدمة المصنف
يومَ القيامة على رؤوس الأشهاد بأربَعَةٍ أَسماء يُنسَّبُ إليها: يا كافر، ياخاسر،
يا غادر، يافاجر، ضَلَّ عَمَلُك، وبَطَلَ أجرُكَ، فلا خَلاقَ لك اليَومِ، فالتَّمِس أَجرَكَ
ممَّن كُنتَ تَعمَلُ له يامُخادِعٍ))(١).
وروى عَلَقَمَةُ(٢)، عن عبد الله بن مَسعُود قال: كيفَ أنْتُم إذا لَبِسَتْكُم(٣) فِتنةٌ يَرِبُو
فيها الصَّغِير، ويَهِرَمُ الكَبِير، وتُتَّخَذُ سُنَّةٌ مُبتَدَعَةٌ، يجري عليها النَّاسُ، فإذا غُيِّرَ منها
شَيءٌ قيل: قد غُيِّرتِ السُّنَّة. قيل: متَى ذلك يا أبا عبد الرَّحمن؟ قال: إذا كَثُر
قُرَّاؤكم، وقَلَّ فُقَهاؤكم، وكَثُرَ أُمَراؤكم، وقَلَّ أُمَناؤكم، والتُمِسَتِ (٤) الدُّنيا بعَمَلٍ
الآخِرة، وتُفُقِّه لِغَيرِ الدِّين(٥) .
وقال سُفيانُ بنُ عُيّينَة: بلَغَنا عن ابن عَبَّاس أنَّه قال: لو أنَّ حَمَلَةَ القُرآن أخَذُوه
بحَقِّه وما يَنْبَغِي، لأَحَبَّهُمُ الله، ولَكِنْ طَلَبُوا به الدُّنيا، فَأَبَغَضَهُمُ الله، وهانُوا على
النَّاس(٦).
ورُوي عن أبي جعفر محمَّد بن عليٍّ (٧) في قول الله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا مُمْ
(١) المحاربي - وهو عبد الرحمن بن محمد - وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: يروي عن
المجهولين أحاديث منكرة. (كذا في التهذيب). وعمرو بن عامر البجلي؛ قال الحافظ في التقريب:
مقبول. اهـ يعني حيث يُتَابَع، وإلا فليِّن الحديث. وابنُ صدقة - وهو صخر - لم يُذكر له روايةٌ عن
الصحابة، وذكره ابن حبان في الثقات ٣٢٢/٨ وقال: يروي المقاطيع. وقد أورد السيوطي هذا الخبر في
الدر المنثور ٣٠/١، وضعَّفه.
(٢) هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، أبو شبل، فقيه الكوفة ومقرئها، روى عن كثير من الصحابة،
توفي سنة (٦٢ هـ) وقيل غير ذلك. السير ٤/ ٥٣.
(٣) في (د) و(ز): ليستم.
(٤) في (د): والتمستم.
(٥) أخرجه الدارمي (١٨٦)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٢٣)، وابن عبد البر في جامع بيان
العلم ص٢٢٨ من طريق علقمة، عن ابن مسعود. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٢٤/١٥، والدارمي
(١٨٥)، والحاكم في المستدرك ٥١٤/٤ - ٥١٥ من طريق شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، وهو
صحيح إليه.
(٦) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص ٢٢٨.
(٧) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، مات سنة بضع عشرة ومئة.
السير ٤/ ٤٠١.

٣٧
ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به
وَالْغَاُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤] قال: قَومٌ وَصَفُوا الحقَّ والعَدلَ بألسنتهم، وخالفوه(١) إلى
غيره(٢) .
وسيأتي لهذا الباب مَزيدُ بيان في أثناء الكتاب، إن شاء الله تعالى.
باب ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذَ نفسَه به، ولا يغفلَ عنه
فأولُ ذلك أن يُخلِصَ في طَلَبِهِ لله جَلَّ وعَزَّ، كما ذكرنا، وأن يأخُذَ نفسَه بقراءةٍ
القرآن في ليله ونهارِهِ، في الصلاة، أو في غير الصلاة، لئلا ينساه. روى مسلمٌ عن
ابنِ عمر أنَّ رسولَ اللهِوَّ﴿ قال: ((إنما مَثَلُ صاحِبِ القرآنِ كَمَثَلٍ صاحِبِ الإبلِ
المُعَقَّلَةِ، إن عاهَدَ عَلَيها، أَمسَكَها، وإن أَطْلَقَها ذَهَبَت، وإذا قامَ صاحبُ القرآن،
فقرأه بالليل والنهار، ذَكَره، وإذا لم يقم به، نَسِيَه))(٣).
وينبغي له أن يكونَ لله حامداً، وَلِنِعَمِه شاكراً، وله ذاكراً، وعليه مُتوكِّلاً، وبه
مُستعيناً(٤)، وإليه راغباً، وبه مُعتَصِماً، وللموتِ ذَاكراً، وله مُستعدًّا.
وينبغي له أن يكونَ خائفاً من ذنبه، راجياً عَفوَ ربِّه، ويكونَ الخوفُ في صحته
أغلَبَ عليه، إذ لا يَعلمُ بما يُختَمُ له، ويكونَ الرجاءُ عند حضورِ أجَلِه أقوى في نفسه،
لِحُسنِ الظَّنِّ بالله، قال رسول الله وَّهِ: ((لا يَمُوتَنَّ أحَدُكُم إلا وهو يُحسِنُ بالله
الَّنَّ»(٥). أي أنه يرحمه ويغفر له.
وينبغي له أن يكون عالماً بأهل زمانِه، مُتَحَفِّظاً من سلطانه، ساعياً في خلاصٍ
نفسِه، ونجاةٍ مُهِجَتِه، مقدِّماً بين يديه ما يَقدِرُ عليه من عَرَض دنياه، مُجاهِداً لنفسه في
ذلك ما استطاع.
وينبغي له أن يكونَ أهمَّ أمورِه عندَه الوَرَُ في دينه، واستعمالُ تقوى الله ومراقبتُه
فیما أمره به، ونهاه عنه.
(١) في (د): وخالفوا.
(٢) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص ٢٣٨.
(٣) صحيح مسلم (٧٨٩)، وهو في مسند أحمد (٤٦٦٥).
(٤) في (د): مستغيثاً.
(٥) أخرجه أحمد (١٤٤٨١)، ومسلم (٢٨٧٧) وغيرهما من حديث جابر رضي الله عنه.

٣٨
مقدمة المصنف
وقال ابنُ مسعود: ينبغي لقارىء القُرآنِ أن يُعرَفَ بِلَيلِهِ إذا الناسُ نائمون، وبِنهارِهِ
إذا الناسُ مُفطِرُون(١)، وببكائِه إذا الناسُ يَضحكون، وَبِصّمتِه إذا الناسُ يَخُوضُون،
وبخشوعه(٢) إذا الناسُ يَختالُون، وبِحُزنِه إذا الناسُ يَفْرَحُون(٣).
وقال عبد الله بنُ عمرو(٤): لا ينبغي لحاملِ القرآنِ أن يَخُوضَ معَ مَن يخُوضُ،
ولا يجهلَ مع مَن يَجهَلُ، ولكن يعفو ويصفحُ، لِحقِّ القرآن، لأنَّ في جوفه كلامَ الله
تعالی(٥).
وينبغي له أن يأخذَ نفَسه بالتَّصاون عن طُرُق الشُّبُهات، ويُقِلَّ الضحك والكلامَ
في مجالس القرآنِ وغيرها بما لا فائدة فيه، ويأخذَ نفسَه بالحِلم والوقار.
وينبغي له أن يتواضعَ للفقراء، ويَتَجَّبَ التَّكَبُّر والإعجابَ، ويَتَجافَى عن الدنيا
وأبنائها إن خاف على نفسه الفتنة، ويتركَ الجِدال والمِراء، ويأخذَ نفسَه بالرِّفق
والأدب.
وينبغي له أن يكونَ ممَّن يُؤْمَنُ شَرُّه، ويُرجَى خَيرُه، ويُسلَمُ مِن ضَرِّه، وألا يَسمَع
ممَّن نَمَّ عندَه، ويُصاحِبَ مَن يُعاونُه على الخير، ويَدُلَّه على الصِّدقِ ومكارم
الأخلاق، ويَزِينُهُ ولا يَشِينُه.
وينبغي له أن يتعلمَ أحكامَ القرآن، فيفهمَ عن الله مُرادَه، وما فَرَضَ عليه، فينتفعَ
بما يقرأُ، ويعملَ بما يتلُو، فما أقبحَ لحاملِ القُرآن أن يَتَلُوَ فرائضَه وأحكامَه عن ظَهرِ
قلب، وهو لا يَفهَمُ ما يتلُو، فكيف يعملُ بما لا يَفْهَمُ معناه ؟! وما أقبحَ أن يُسألَ عن
فِقهِ ما يتلوه ولا يَدرِيه! فما مَثَلُ مَن (٦) هذه حالتُه إلَّا كَمَثَلِ الحمار يَحمِلُ أسفَاراً.
وينبغي له أن يعرفَ المَكِّيَّ منَ المَدَنِيِّ، لِيُفرِّقَ بذلك بين ما خاطب الله به عبادَه
(١) في (م): مستيقظون، وهو خطأ.
(٢) في (م): وبخضوعه.
(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص٥٢، وأحمد في الزهد ص ٢٠٢ - ٢٠٣ والآجري في أخلاق
حملة القرآن (٣٩) والبيهقي في شعب الإيمان (١٨٠٧).
(٤) في (د): عمر.
(٥) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص ٥٣ بنحوه أطول منه.
(٦) في النسخ الخطية: فما من، والمثبت من (م).

٣٩
ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به
في أوَّلِ الإسلام، وما نَدَبَهم إليه في آخِرِ الإسلام، وما افترضَ اللهُ في أولِ الإسلام،
وما زادَ عليه منَ الفرائض في آخِرِه. فالمَدَنيُّ هو الناسخُ للمكِّيِّ في أكثرِ القرآن، ولا
يمكنُ أن يَنسَخَ المَكِّيُّ المَدَنيَّ؛ لأن المنسوخَ هو المتقدِّمُ في النزول قبل الناسخ له.
ومِن كمالهِ أن يَعرِفَ الإعرابَ والغَرِيبَ، فذلك مما يُسَهِّلُ عليه معرفةَ ما يقرأُ،
ويُزِيلُ عنه الشكَّ فيما يتلُو. وقد قال أبو جعفر الطبريُّ(١): سمعتُ الجَرمِيّ(٢) يقول:
أنا منذ ثلاثينَ سنةً أُفتي الناسَ في الفقه من كتاب سيبويه، قال محمد بنُ يزيد(٣):
وذلك أن أبا عمر الجَرمِيَّ كان صاحبَ حديث، فلما عَلِمَ كتابَ سيبويه، تَفَقَّه في
الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يُتعلَّمُ منه النظرُ والتفسير.
ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله وَّه، فبها يصلُ الطالبُ إلى مراد
الله عزَّ وجلَّ في كتابه، وهي تفتحُ له أحكام القرآن فتحاً، وقد قال الضَّحَّاك(٤) في
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُنُواْ رَبَِّيْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ﴾ [آل عمران: ٧٩] قال: حَقٌّ
على كلِّ مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ أن يكونَ فَقِيهاً .
وذكر ابنُ أبي الحواريِّ(٥) قال: أتينا فُضَيلَ بنَ عِياض(٦) سنة خمس وثمانين ومئة
ونحن جماعة، فَوقَفنا على الباب، فلم يَأْذَن لنا بالدخول، فقال بعض القوم: إن كان
خارجاً لشيء، فسيخرجُ لتلاوة القرآن، فأمَرْنا قارئاً فقرأ، فاطّلعَ علينا من كُوَّة، فقلنا:
السلامُ عليك ورحمةُ الله، فقال: وعليكم السلام، فقلنا: كيف أنت يا أبا عليٍّ ؟
(١) أحمد بن محمد بن رستم الطبري النحوي، كان متصدرا لإقراء النحو. له: غريب القرآن والمقصور
والممدود وغيرهما. إنباه الرواة ١٢٨/١، وذكر أنه سُمع منه ببغداد سنة (٣٠٤هـ).
(٢) هو صالح بن إسحاق البصري، أبو عمر الجَرمي، إمام العربية، صاحب التصانيف، له: الأبنية،
والعروض، وغريب سيبويه وغير ذلك، توفي سنة (٢٢٥ هـ). السير ١٠/ ٥٦٠، وقد ذكره الزبيدي في
طبقات النحويين واللغويين ص٧٤ - ٧٥ وذكر له هذه القصة.
(٣) أبو العباس المبرد، البصري، إمام النحو، صاحب الكامل. مات سنة (٢٨٦ هـ). السير ٥٧٦/١٣،
طبقات النحویین واللغويين ص١٠١.
(٤) ابنُ مُزاحم الهلالي، أبو محمد، صاحب التفسير، كان من أوعية العلم، وليس بالمجوّد لحديثه، وهو
صدوق في نفسه، توفي سنة (١٠٢ هـ) وقيل غير ذلك. السير ٥٩٨/٤.
(٥) أحمد بن عبد الله بن ميمون، شيخ أهل الشام، أصله من الكوفة، توفي سنة (٢٤٦هـ). السير ١٢/ ٨٥.
(٦) هو أبو علي التميمي، اليربوعي، الخراساني، توفي سنة (١٨٧هـ). السير ٤٢١/٨.

٤٠
مقدمة المصنف
وكيف حالك ؟ فقال: أنا مِنَ الله في عافية، ومنكم في أذّى، وإنَّ ما أنتم فيه حَدَثٌ في
الإسلام، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون، ما هكذا كنّا نطلبُ العِلمَ، ولكنَّا كنَّا نأتي
المَشيخَةَ، فلا نَرَى أنفسَنا أهلاً للجلوس معهم، فنجلسُ دونَهم، ونَستَرِقُ السَّمِعَ، فإذا
مَرَّ الحديثُ سألناهم إعادته، وقَيَّدناه، وأنتم تطلبون العِلمَ بالجهل، وقد ضَيَّعتُم كتابَ
الله، ولو طلبتُم كتابَ الله، لوجدتُم فيه شِفاءً لما تريدون. قال: قلنا (١): قد تَعَلَّمنا
القرآن، قال: إنَّ في تعلُّمكم القرآنَ شُغلاً لأعمارکم، وأعمارٍ أولا دِكم. قلنا: کیف یا
أبا عليّ؟ قال: لَن تَعَلَّمُوا القرآنَ حتى تعرفوا إعرابَه، ومُحْكّمَه من مُتَشابِهِه، وناسِخَهُ
مِن مَنسُوخِه، إذا عرفتُم ذلك، استَغنَيتُم عن كلام فُضَيل وابنٍ عُيّينَة. ثم قال: أَعوذُ
بالله السميعِ العليم من الشيطان الرجيم(٢)، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
◌ََّتَّكُم مَّوْيِظَةٌ مِّن رَّيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٧ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ -٥٨].
قلت: فإذا حَصَلَت هذه المراتبُ لقارىء القرآن، كان ماهراً بالقرآن، وعالِماً
بالفُرقان، وهو قريبٌ على مَن قَرَّبَه الله عليه(٣)، ولا ينتفعُ بشيء مما ذكرنا(٤) حتى
يُخلِصَ النيةَ فيه لله - جلَّ ذِكرُه - عند طلبه، أو بعدَ طلبه، كما تقدَّم. فقد يبتدئُّ الطالبُ
للعلم يريدُ به المباهاةَ والشرفَ في الدنيا، فلا يزالُ به فَهمُ العلم حتى يتبيَّنَ أنه على خطأ
في اعتقاده، فيتوبَ من ذلك، ويخلصَ النيةَ لله تعالى، فينتفعَ بذلك، ويَحسن حالُه.
قال الحسن: كنا نطلبُ العلمَ للدنيا، فَجَرَّنا إلى الآخرة. وقاله سفيان الثَّوري(٥). وقال
حبيب بنُ أبي ثابت(٦): طَلَبنا هذا الأمرَ وليس لنا فيه نِيَّة، ثم جاءتِ النيةُ بعدُ(٧).
(١) في (د): قالوا كنا، وفي (ظ): قالوا فعلنا.
(٢) في (د) و(ظ): أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
(٣) في (م): قرّبه عليه.
(٤) في (ظ): علم.
(٥) هو سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله، الكوفي، إمام الحفاظ، توفي سنة (١٢٦هـ). السير
٢٢٩/٧.
(٦) أبو يحيى القرشي، الأسدي مولاهم، فقيه الكوفة، توفي سنة (١١٩ هـ). السير ٢٩٠/٥.
(٧) المحدث الفاصل للرامهرمزي ص ١٨٣، والجامع لأخلاق الراوي (٦٩٨) و(٧٧٧) ... (٧٨٢)، وجامع
بيان العلم ص ٢٦٦ - ٢٦٧.