Indexed OCR Text

Pages 821-840

٨٢١
الجُرُ (٣٠) - الجاعُونِ: ١٠٧ / ١-٧
بصفة الخبر، لا بالخبر. مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٢٧/
٥٥] فإن قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، و﴿قَوْمٌ﴾ خبره، ومعتمد الفائدة على صفة
الخبر، لا عليه، لأن قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ﴾ لم تحصل به الفائدة، للعلم بأنهم
قوم، وإنما حصلت الفائدة بقوله :
﴿تَجْهَلُونَ
البلاغة:
استفهام يراد به تشويق السامع إلى
﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالْدِيِنِ
الخبر والتعجيب منه.
إيجاز بالحذف، حذف منه
﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ الْبَنِيمَ
الشرط، أي إن أردت أن تعرفه فذلك الذي يدُ اليتيم.
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) ذم وتوبيخ، ووضع الظاهر موضع الضمير،
والأصل (فويل لهم) زيادة في التقبيح؛ لأنهم مع التكذيب ساهون عن
الصلاة.
• جناس ناقص.
وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (3)
﴿سَاهُونَ﴾ ﴿يُرَآءُونَ﴾ ﴿الْمَاعُونَ﴾: توافق الفواصل مراعاة لرؤوس
الآيات، وكذلك ﴿بِاَلْدِيِنِ﴾ ﴿اَلْمِسِكِينِ﴾ ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَرَءَيْتَ﴾ أي هل عرفت وعلمت؟ وهو استفهام معناه التعجب وتشويق
السامع إلى معرفة ما يذكر بعده . ﴿بِالدِّينِ) بالجزاء والحساب. والمعنى العام
للدين: هو النظام الإلهي للحياة المشتمل على الخضوع لما وراء المحسوس بآثار
الكون الدالة على وجود الله ووحدانيته، وبعثة الرسل، والتصديق بعالم
الآخرة. ﴿بَدُغُ اُلْيَنِيِمَ﴾ أي يدفعه بعنف عن حقه، ويزجره زجراً عنيفاً،
كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (3)﴾ [الطور: ١٣/٥٢].

٨٢٢
الزرعُ (٣٠) - المجاعُونَ: ١٠٧ / ١-٧
﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ لا يحث نفسه وأهله وغيرهم من الناس. ﴿عَلَى طَعَامِ
الْمِسْكِينِ﴾ إطعام. ﴿فَوَيْلٌ﴾ خزي وعذاب وهلاك. ﴿سَاهُونَ﴾ غافلون عن
الصلاة، يؤخرونها عن وقتها. ﴿يُرَاءُونَ﴾ في الصلاة وغيرها، يُرون الناس
أعمالهم ليروهم الثناء عليها، والرياء: المصانعة وفعل الشيء لغير وجه الله،
كل ما يستعان وينتفع به كالإبرة
إرضاء للناس . ﴿وَيَمْنَعُونَ اُلْمَاعُونَ (®)﴾
والفأس والقِدْر والقصعة.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
﴿أَرَءَيْتَ﴾ قال ابن عباس: نزلت في العاص بن وائل السَّهْمي، وقال
السُّدِّي: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: في أبي جهل، كان وصياً ليتيم،
فجاءه عرياناً يسأله من مال نفسه، فدفعه. وقال ابن جريج: نزلت في أبي
سفيان، وكان ينحر في كل أسبوع جَزُوراً، فطلب منه يتيم شيئاً، فقَرَعه
بعصاه؛ فأنزل الله هذه السورة.
نزول الآية (٤):
(٢): أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
{فَوَّيْلُ لِلْمُصَلِّينَ (١) قال: نزلت في المنافقين كانوا يراؤون المؤمنين
بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العارِيّة، أي الشيء
المستعار.
التفسير والبيان:
أي أأبصرت يا محمد الذي يكذب
أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالْدِينِ
بالحساب والجزاء؟ أو بالمعاد والجزاء والثواب. وقوله: ﴿أَرَءَيْتَ﴾ وإن كان
في صورة استفهام، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب. وهذا مثال آخر
لكون الإنسان في خسر.
٠

٨٢٣
الْخُرُ (٣٠) - المجاعُونِ: ١٠٧ / ١-٧
﴿فَذَلِكَ أَلَّذِى يَدُغُ الْبَنِيِمَ ﴿ وَلَا يَحُّ عَلَى طَعَامِ اٌلْمِسْكِينِ
﴾ أي هو الذي يدفع اليتيم عن حقه دفعاً شديداً، ويزجره زجراً عنيفاً،
ويظلمه حقه ولا يحسن إليه، وقد كان عرب الجاهلية لا يورِّثون النساء
والصبيان.
ولا يحث نفسه ولا أهله ولا غيرهم على إطعام المسكين المحتاج، بخلاً
بالمال، كما قال تعالى: ﴿كَلَّ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَقِيمَ ﴿ وَلَا تَحَّضُونَ عَلَى
جر: ١٧/٨٩-١٨] أي الفقير الذي لا يملك شيئاً، أو
١٨
طَعَامِ الْمِسْكِينِ
لا يجد کفایته.
اُلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ أي فخزي
٤
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّيْنَ
وعذاب للمنافقين الذين يؤدون الصلاة أحياناً تظاهراً، والذين هم غافلون
عنها، غير مبالين بها، لا يرجون بصلاتهم ثواباً إن صلوا، ولا يخافون عليها
عقاباً إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، وإذا كانوا مع المؤمنين
صلوا رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا.
ولم يقل: في صلاتهم ساهون؛ لأن السهو في أثناء الصلاة مغتفر معفو عنه
لأنه غير اختياري، وإنما قال: عن صلاتهم ساهون بتأخيرها عن وقتها رأساً،
أو فعلها مع قلة مبالاة بها، كقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى
يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢/٤]. ويجوز أن يطلق لفظ (المصلين) على تاركي
الصلاة، بناء على أنهم من جملة المكلفين بالصلاة.
﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾﴾ أي إن أولئك الساهين عن صلاتهم هم
الذين يراؤون الناس بصلاتهم إن صلوا، أو يراؤون الناس بكل ما عملوا من
أعمال البر، ليثنوا عليهم. قال الزمخشري: المراءاة: هي مفاعلة من الإراءة؛
لأن المرائي يُري الناس عمله، وهم يُرونه الثناء عليه، والإعجاب به.
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله وَله: ((من
ستمع الناس بعمله، سَمع الله به سامعَ خَلْقه، وحقّره، وصغّره)).

٨٢٤
لُزُ (٣٠) - الجَاعُونِ: ١٠٧ / ١-٧
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٣) أي يمنعون العارية وفعل الخير، و﴿ اُلْمَاعُونَ﴾.
اسم لكل ما يتعاوره الناس بينهم، من الدَّلْو والفأس والقَدُوم والقِدْر ومتاع
البيت، وما لا يمنع عادة، كالماء والملح، مما ينسب مانعه إلى الخسة ولؤم
الطبع وسوء الخلق.
فهؤلاء المنافقون لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خَلْقه، حتى ولا
بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه، ورجوعه إليهم، وهؤلاء لمنع
الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى.
روى النسائي وغيره عن عبد الله بن مسعود قال: كل معروف صدقة،
وكنا نعد الماعون على عهد رسول الله وَّله عارية الدَّلْو والقِدْر.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - ذم المكذب بالجزاء والحساب في الآخرة، واللفظ عام لا يقتصر على
من كان سبب نزول الآية.
أَ - من صفات المكذب بالجزاء الأخروي وقبائحه: زجر اليتيم وطرده
ودفعه عن حقه وظلمه وقهره، وترك الخير وعدم الحث أو عدم الأمر على إطعام
الفقير والمسكين، من أجل بخله وتكذيبه بالجزاء. وليس الذم عاماً، حتى يتناول
من تركه عجزاً، ولكنهم كانوا يبخلون مع الغنى، ويعتذرون لأنفسهم.
٣ - الويل، أي العذاب والتهديد العظيم لمن فعل ثلاثة أمور: أحدها -
السهو عن الصلاة، وثانيها - فعل المراءاة، وثالثها - منع الماعون.
وقد جمع المنافقون الأوصاف الثلاثة: ترك الصلاة، والرياء، والبخل
بالمال.

٨٢٥
إِلُعُ (٣٠) - الداعُونَ: ١٠٧ / ١-٧
والسهو عن الصلاة: تركها رأساً، أو فعلها مع قلة المبالاة بها كما تقدم.
أما السهو في الصلاة فهو أمر غير اختياري، فلا يدخل تحت التكليف.
وقد ثبت أنه وَليرسها في الصلاة، وشرع سجود السهو لمن سها. وكذلك سها
الصحابة.
وحقيقة الرياء: طلب ما في الدنيا بالعبادة، وطلب المنزلة في قلوب
الناس، وللرياء أنواع، وأولها: تحسين السَّمْت (الهيئة) مع إرادة الجاه وثناء
الناس. وثانيها: لبس الثياب القصار أو الخشنة، ليأخذ بذلك هيبة الزهد في
الدنيا. وثالثها: الرياء بالقول بإظهار السخط على أهل الدنيا، وإظهار الوعظ
والتأسف على ما يفوته من فعل الخير والطاعة.
ورابعها: إظهار الصلاة والصدقة، أو تحسين الصلاة لأجل رؤية الناس
له(١).
والفرق بين المنافق والمرائي: أن المنافق هو المظهر للإيمان المبطن للكفر،
والمرائي: المظهر ما ليس في قلبه من زيادة خشوع ليعتقد فيه من يراه أنه
(٢)
متدین(٢).
وقال العلماء: لا بأس بالإراءة إذا كان الغرض الاقتداء، أو نفي التهمة.
واجتناب الرياء صعب إلا على من راضَ نَفْسَه، وحملها على الإخلاص. ومن
هنا قال رسول الله وَله: ((الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء، في الليلة
المظلمة، على المِسْح الأسود))(٣) أي البلاس المصنوع من الشعر.
والماعون عند أكثر المفسرين: اسم جامع لما لا يمنع في العادة، ويسأله
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٩٧٢/٤، تفسير القرطبى: ٢١٢/٢٠ - ٢١٣
(٢) تفسير الرازي: ١١٥/٣٢
(٣) تفسير الكشاف: ٣٦٢/٣

٨٢٦
الُرءُ (٣٠) - الْجَاعُونِ: ١٠٧ / ١-٧
الفقير والغني في أغلب الأحوال، ولا ينسب سائله إلى لؤم، بل ينسب مانعه
إلى اللؤم والبخل، كالفأس والقِدْر والدَّلْو والمقدحة والغربال والقدوم،
ويدخل فيه الماء والملح والنار، لما روى ابن ماجه عن أبي هريرة: ((ثلاثة لا
يمنعن: الماء والنار والملح)). ومن ذلك أن يلتمس جارك الخبز من تنّورك، أو
أن يضع متاعه عندك يوماً أو نصف يوم(١). وقيل: منع الماعون: منع زكاة
أموالهم.
وبالرغم من أن هذه الأوصاف واضحة في المنافقين، فإن بعضها قد يوجد
في المسلم الصادق الإسلام، وحينئذ يلحقه جزء من التوبيخ، كالصلاة إذا
تركها، ومنع الماعون إذا تعين، ويكون منعاً قبيحاً مخلّاً بالمروءة في غير حال
الضرورة.
٤ - في الآيتين حول السهو عن الصلاة ومنع الماعون إشارة إلى أن الصلاة
لله عز وجل، والماعون للخلق أو للناس، فمن ترك الصلاة لم يراع جانب
تعظيم أمر الله، ومن منع الماعون لم يراع جانب الشفقة على خلق الله، وهذا
كمال الشقاوة، نعوذ بالله منها.
والخلاصة: وصف الله الكفار والمنافقين في هذه السورة بأربع صفات:
البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة والخير.
(١) غرائب القرآن: ١٩١/٣٠

٨٢٧
لُ (٣٠) السورة (١٠٨) التكور.
ـةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّ
فِ
سُؤْرَةُ الْكُورَ
مڪية، وهي ثلاث آيات
مكيتها أو مدنيتها:
هذه السورة مكية في المشهور وقول الجمهور، وقال الحسن وعكرمة
وقتادة: مدنية، وهو رأي ابن كثير.
تسميتها:
سميت سورة الكوثر لافتتاحها بقول الله تعالى مخاطباً نبيه وَل: ﴿إِنَّا
أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴾﴾ أي الخير الكثير الدائم في الدنيا والآخرة، ومنه:
نهر الكوثر في الجنة.
مناسبتها لما قبلها:
وصف الله الكفار والمنافقين الذين يكذبون بالدين أي بالجزاء الأخروي
بأربع صفات: البخل في قوله: ﴿يَدُغُ اَلْيَلِيمَ، وَلَا يَحُّ عَلَى طَعَامِ
، وترك الصلاة في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ
اُلْمِسْكِينِ
®). والرياء أو المراءاة في الصلاة في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ
٦
٧
ومنع الخير والزكاة في قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ

٨٢٨
لُ (٣٠) السورة (١٠٨) الكوثر
وذكر الله تعالى في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات
أربعاً للنبي وَيه، فذكر أنه أعطاه الكوثر في مقابلة البخل في قوله: ﴿إِنَّا
(٢) أي الخير الكثير الدائم، فأعط أنت الكثير ولا
أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ (إ
تبخل، وأمره بالمواظبة على الصلاة: ﴿فَصَلِ﴾ أي دُمْ على الصلاة في مقابلة
ترك الصلاة، وأمره بالإخلاص في الصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أي
لرضا ربك، لا لمراءاة الناس، في مقابلة المراءاة في الصلاة، وأمره بالتصدق
بلحم الأضاحي على الفقراء، في مقابلة منع الماعون(١).
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة المكية الحديث عن مقاصد ثلاثة هي:
اً - بيان فضل الله الكريم وامتنانه على نبيه الرحيم بإعطائه الخير الكثير في
الدنيا والآخرة، ومنه نهر الكوثر في الجنة.
أَ - أمر النبي وكذا أمته بالمواظبة على الصلاة، والإخلاص فيها، ونحر
الأضاحي شكراً لله تعالى.
٣ - بشارة الرسول وليه بنصره على أعدائه، وبخزيهم وإذلالهم وحقارتهم،
بسبب انقطاعهم عن كل خير في الدنيا والآخرة.
فضلها:
أخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: ((أغفى رسول الله وَله إغفاءة،
فرفع رأسه مبتسماً، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله
وَله: إنه أنزلت على آنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا
أَعْطَيْنَكَ اَلْكَوْثَرَ (ج) حتى ختمها، فقال: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله
(١) تفسير الرازي: ١١٧/٣٢

٨٢٩
الُهُ (٣٠) السورة (١٠٨) التكور.
ورسوله أعلم، قال: هو نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة، علیه خير كثير،
ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم، فأقول:
يا رب إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)).
وأخرج مسلم - واللفظ له - وأبو داود والنسائي عن أنس قال: ((بينا
رسول الله ◌َ﴿ بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه
مبتسماً، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: لقد أنزلت علي آنفاً سورة،
فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اَلْكَوْثَرَ ﴿ فَصَلّ لِرَبِّكَ
وَأَنْحَرْ ﴿َ إِّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَ ﴾﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟
قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير
كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم في السماء،
فِيُخْتَلَجُ(١) العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما
أُحدث بعدك)).
سبب نزول السورة:
أخرج البزار وغيره بسند صحيح عن ابن عباس قال: قدم كعب بن
الأشرف مكة، فقالت له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى هذا المنصبر المنبتر
من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السقاية، وأهل
السدانة! قال: أنتم خير منه، فنزلت: ﴿إِنَ شَائِشَكَ هُوَ الْأَبْرُ
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أوحي إلى
النبي ◌ُّ قالت قريش: بتر محمد منا، فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
٣
وأخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّي قال: كانت قريش تقول إذا مات ذكور
(١) أي ينتزع ويقتطع.
.

٨٣٠
الجزء (٣٠) - الكوثرَ: ١٠٨ / ١-٣
الرجل: بتر فلان، فلما مات ولد النبي ◌َّ، قال العاص بن وائل: بتر
محمد، فنزلت. وأخرج البيهقي في الدلائل مثله عن محمد بن علي، وسمى
الولد: القاسم، وأخرج عن مجاهد قال: نزلت في العاصي بن وائل، وذلك
أنه قال: أنا شانئ محمد.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ
قالت: نزلت يوم الحديبية، أتاه جبريل، فقال: انحر واركع، فقام، وخطب
خطبة الفطر والنحر، ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن، فنحرها. لكن فيه
غرابة شديدة كما قال السيوطي.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: بلغني أن إبراهيم ولد النبي ◌َلّ لما
مات، قالت قريش: أصبح محمداً بتراً، فغاظه ذلك، فنزلت: ﴿إِنّا
) تعزية له.
أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ (
والخلاصة: كان سبب نزول هذه السورة هو استضعاف النبي
واستصغار أتباعه، والشماتة بموت أولاده الذكور، ابنه القاسم بمكة،
وإبراهيم بالمدينة، والفرح بوقوع شدة أو محنة بالمؤمنين، فنزلت هذه السورة
إعلاماً بأن الرسول وله قوي منتصر، وأتباعه هم الغالبون، وأن موت أبناء
الرسول والقر لا يضعف من شأنه، وأن مبغضيه هم المنقطعون الذين لن يبقى
لهم ذِكر وسمعة، البعیدون عن کل خير.
كيا الله
وَسَكم
المنح المعطاة للنبي
٠
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ
إِنَّ شَانِتَكَ
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ دَ
هُوَ الْأَبْرُ
الإعراب:
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ
أصله: إننا، فحذفت إحدى

٨٣١
الُ (٣٠) - الكوثرَّ: ١٠٨ / ١-٣
النونات استثقالاً لاجتماع الأمثال، وذهب الأكثرون إلى أن المحذوفة هي
الوسطى.
والكوثر: فوعل من الكثرة، والواو فيه زائدة، وهو نهر في الجنة، وسمي
كوثراً لكثرة مائه، ورجل كوثر: كثير العطايا والخير.
﴿إِنَّ شَائِشَكَ هُوَ اُلْأَبْتَّ جَ﴾ ﴿هُوَ﴾ إما ضمير فصل لا موضع له
من الإعراب، و﴿اَلْأَبْتَرُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، أو مبتدأ، و﴿الْأَبْتَ﴾ خبره،
والمبتدأ والخبر: خبر ﴿إِنَّ﴾.
البلاغة:
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ﴾ ﴿إِنَّا﴾ بصيغة الجمع الدالة على التعظيم. وفيه تصدير
الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم؛ لأن أصلها: إن ونحن. وعبر
بصيغة الماضي المفيدة للوقوع. ﴿أَعْطَيْنَكَ﴾ ولم يقل: سنعطيك، للدلالة على
تحقق وقوع الوعد مبالغة، كأنه حدث ووقع.
﴿ اَلْكَوْثَرَ﴾: مبالغة.
﴿فَصَلِ لِرَبِّكَ﴾ الإضافة للتكريم والتشريف.
﴿إِنَّ شَانِشَكَ هُوَ الْأَبْتَ (٣)﴾ إفادة الحصر.
﴿اَلْكَوْثَرَ﴾ ﴿الْأَبْتَرُ﴾ مطابقة أو طباق؛ لأن ﴿اُلْكَوْثَرَ﴾ الخير الكثير،
{الْأَبْتَّ﴾ المنقطع عن كل خير.
و
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ﴾ يا محمد وقرئ (أنطيناك) ﴿اَلْكَوْثَرَ﴾ المفرط في كثرة
الخير من العلم والعمل وشرف الدارين بالنبوة والقرآن والدين الحق والشفاعة

٨٣٢
لُرُ (٣٠) - الكوثر: ١٠٨ / ١-٣
ونحوها، ومنه نهر في الجنة كما روي عنه ◌َلّ فيما رواه الإمام أحمد ومسلم
ومن معهما في الحديث المتقدم عن أنس أنه: ((نهر في الجنة، وعدنيه ربي، فيه
خير كثير، أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من
الزُّبْد، حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة، لا يظمأ من شرب منه)) وقيل:
حوض في الجنة.
﴿فَصَلِ لِرَبِّكَ﴾ أي داوم على الصلاة، خالصاً لوجه الله، شكراً لإنعامه،
وقيل: المراد صلاة عيد النحر . ﴿ وَأَنْحَرْ﴾ النُّسُك أو الهدي أو الأضحية،
وتصدق على المحاويج (المحتاجين).﴿شَانِئَكَ﴾ مبغضك. ﴿هُوَ اُلْأَبْرَ﴾
المنقطع عن كل خير، أو المنقطع العَقِب، أي الذي لا عقب له، إذ لا يبقى له
نسل، ولا حسن ذِكْر، وأما أنت فتبقى ذرّيتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى
يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يوصف.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾ أي منحناك الخير الكثير البالغ في الكثرة
إلى النهاية أو الغاية، ومنه نهر في الجنة، جعله الله كرامة لرسول الله وعليه
ولأمته. وهذا ردّ على الأعداء الذين استخفوا به واستقلوه، ووصف مناقض
لما عليه أهل الكفر والنفاق من البخل.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾ أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا
والآخرة، ومن ذلك نهر الكوثر، فداوم على صلاتك المفروضة والنافلة،
وأدّها خالصة لوجه ربك، وانحر ذبيحتك وأضحيتك وما هو نُسُك لك وهو
الهدي (شاة أو بعير مقدَّم للحرم) وغير ذلك من الذبائح لله تعالى وعلى اسم
الله وحده لا شريك له، فإنه هو الذي تعهدك بالتربية وأسبغ عليك نعمه دون
سواه، كما جاء في آية أخرى آمراً له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَاتِي
لَا شَرِيِكَ لََّ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَنَاْ أَوَّلُ الْسْلِمِينَ (َ﴾ [الأنعام:
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
٦/ ١٦٢- ١٦٣] .

٨٣٣
لُرُ (٣٠) - الكوثر: ١٠٨ /١-٣
وهذا على نقيض فعل المشركين الذين كانوا يصلون لغير الله، وينحرون
لغير الله، فأمر نبيه وَ يه أن تكون صلاته ونحره له، وهو أيضاً نقيض فعل
المنافقين المرائين.
وقال قتادة وعطاء وعكرمة: المراد صلاة العيد، ونحر الأضحية.
قال ابن كثير: الصحيح أن المراد بالنحر ذبح المناسك، ولهذا جاء في
حديث البراء بن عازب عند البخاري ومسلم: ((كان رسول الله وَيقام يصلي
العيد، ثم ينحر نسكه، ويقول: من صلّ صلاتنا، ونَسَك نُسُكَنا، فقد أصاب
النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له)) فقام أبو بردة بن نيار، فقال:
يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه
اللحم قال: شاتك شاة لحم، قال: فإن عندي عناقاً هي أحب إلي من
شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك)).
وقال ابن جرير في تفسير الآية: والصواب قول من قال: إن معنى ذلك:
فاجعل صلاتك كلها لربك، خالصاً دون ما سواه، من الأنداد والآلهة،
وكذلك نحرك، اجعله له دون الأوثان، شكراً له على ما أعطاك من الكرامة
والخير الذي لا كفاء له، وخصك به.
﴿﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْرُ ﴾﴾ أي إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما
جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل
الأذل المنقطع عن خيري الدنيا والآخرة، والذي لا يبقى ذِكْره بعد موته.
وهذا ردّ على ما قال بعض المشركين وهو العاص بن وائل عن النبي ◌َلآ لما
مات ابنه عبد الله من خديجة: إنه أبتر، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي
وعامة أهل التفسير. والأبتر من الرجال: الذي لا ولد له. وعن ابن عباس:
نزلت في أبي جهل. وهذا يعم جميع من اتصف بعداوة النبي ◌َّ ممن ذكر في
سبب النزول وغيرهم. قال الحسن البصري رحمه الله: عنى المشركون بكونه

٢
٨٣٤
الزُحُ (٣٠) - الكوثرَّ: ١٠٨ /١-٣
أبتر: أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله بيّن أن خصمه هو الذي يكون
كذلك.
:
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على ما يأتي:
اً - أعطى الله عز وجل نبيه محمداً وَ له مناقب كثيرة، وخيراً كثيراً عظيماً
بالغاً حدّ النهاية، ومنه نهر في الجنة، كما روى البخاري ومسلم وأحمد
والترمذي عن أنس.
وروى الترمذي أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَليقول: (الكوثر نهر
في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من
المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج)) وقال: هذا حديث حسن
صحیح.
وقيل: إنه حوض النبي ◌َّ في الموقف، كما جاء في حديث مسلم المتقدم
عن أنس.
وهذان القولان هما أصح الأقوال، فيكون الكوثر شاملاً نهراً في الجنة،
وحوضاً ترد عليه أمة النبي ◌ّ يوم القيامة.
أَ - أمر الله تعالى نبيه واله وأمته بأداء الصلوات المفروضة والنوافل
خالصة لوجه الله تعالى، دون مشاركة أحد سواه، وأمرهم أيضاً بذبح
المناسك مما يهدى إلى الحرم والأضاحي وجميع الذبائح لله تعالى، وعلى اسم
الله وحده لا شريك له.
◌ّ - إن مبغضي النبي ◌َّلّ وما جاء به من شرع ربه هم المنقطعون عن خيري
الدنيا والآخرة، والذين لا يبقى لهم ذِكر مسموع بعد موتهم؛ لأنهم لم يؤمنوا
برسالة الحق، ولم يعملوا من أجل الحق والخير المحض الله سبحانه وتعالى.
٠

٨٣٥
الجُرُ (٣٠) - الكوثر: ١٠٨ / ١-٣
هذا .. وقد ذكر الرازي رحمه الله أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من
السور، وكالأصل لما بعدها من السور، وأورد ما شرف الله به نبيه محمداً وَله
وأمته من الفضائل والمزايا والمناقب في سورة الضحى والانشراح والتين
والعَلَق والقدر والبينة والزلزال والعاديات والقارعة والتكاثر والعصر والْهُمَزة
والفيل وقريش، ثم الكوثر، فليرجع إليه، فإنه كلام رائع(١).
وروي عن علي رضي الله عنه فيما خرَّجَه الدار قطني في قوله تعالى: ﴿فَصَلّ
لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾ قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة. وقد اختلف
المالكية في هذه الهيئة، والصحيح كما قال القرطبي أن المصلي يفعل ذلك في
الفريضة والنافلة؛ لأنه ثبت أن رسول الله ولم وضع يده اليمنى على اليسرى،
من حديث وائل بن حجر وغيره. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق والشافعي
وأصحاب الرأي. واستحب جماعة إرسال اليد(٢).
والموضع الذي توضع عليه اليد مختلف فيه، فروي عن علي بن أبي طالب
أنه وضعهما على الصدر. وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل: فوق الشُّرَّة،
وقال: لا بأس إن كانت تحت السرة.
وأما رفع اليدين في التكبير عند الافتتاح والركوع والرفع من الركوع
والسجود فمختلف فيه أيضاً. والصواب ما في الصحيحين من حديث ابن
عمر، قال: ((رأيت رسول الله و ◌َل﴿ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى تكونا
حذو منكبيه، ثم يكبر، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين
يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك حين يرفع
(١) تفسير الرازي: ١١٨/٣٢ - ١١٩
(٢) تفسير القرطبي: ٢٢٠/٢٠ وما بعدها.

٨٣٦
الزرعُ (٣٠) - الكوثر: ١٠٨ / ١-٣
رأسه من السجود)). قال ابن المنذر: وهذا قول الليث بن سعد، والشافعي
وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وحكى ابن وهب عن مالك هذا القول، وبه
أقول؛ لأنه الثابت عن رسول الله وَله. وقالت طائفة: يرفع المصلي يديه حين
يفتتح الصلاة، ولا يرفع فيما سوى ذلك. هذا قول سفيان الثوري وأصحاب
الرأي(١).
(١) المرجع والمكان السابق.

٨٣٧
لِلَزُرُ (٣٠) السورة (١٠٩) الكافرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْدَةُ الْكَافِرُونَ
مكية، وهي ست آيات
تسميتها:
سميت سورة (الكافرون) لأن الله تعالى أمر نبيه محمداً وَلل بأن يخاطب
الكافرين بأنه لا يعبد ما يعبدون من الأصنام والأوثان: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
)). وتسمى أيضاً سورة المنابذة، وسورة
لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
الإخلاص، والمقشقشة.
مناسبتها لما قبلها:
أمر الله نبيه في السورة السابقة بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له،
وفي هذه السورة سورة التوحيد والبراءة من الشرك تصريح باستقلال عبادته
عن عبادة الكفار، فهو لا يعبد إلا ربه، ولا يعبد ما يعبدون من الأوثان
والأصنام، وبالغ في ذلك فكرَّره وأكَّده، وانتهى إلى أن له دينه، ولهم دينهم.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المكية - سورة البراءة من عمل المشركين والإخلاص في العمل
الله تعالى- وضعت الحد الفاصل النهائي بين الإيمان والكفر، وبين أهل الإيمان
وعبدة الأوثان، فحينما طلب المشركون المهادنة من رسول الله وَله، وأن يعبد

٨٣٨
الُزُ (٣٠) السورة (١٠٩) الكَافِرُونَ
آلهتهم سنة، ويعبدوا إلهه سنة، نزلت السورة تقطع أطماع الكفار الرخيصة،
وتفصل النزاع بين فريقي المؤمنين والكافرين إلى الأبد.
فضلها:
ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللهِ وَلليه قرأ بهذه السورة وبـ ﴿قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ في ركعتي الطواف.
وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ٹے قرأ بهما
٠
في ركعتي الفجر. وروي هذا أيضاً عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن ابن عمر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقد تقدم في سورة الزلزال في حديث ابن عباس عند الترمذي أنها تعدل
ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن.
وروى أبو القاسم الطبراني عن جَبَلة بن حارثة - وهو أخو زيد بن حارثة
-: أن النبيِ وَّ قال: ((إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: ﴿قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ
(٤)، حتى تمر بآخرها، فإنها براءة من الشرك)). وروى الإمام أحمد مثل
ذلك عن الحارث بن جبلة. والخلاصة: ثبت أن رسول الله وَله قرأ بهذه
السورة، وبـ ﴿قُلُ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ في ركعتي الطواف، وفي ركعتي
الفجر، والركعتين بعد المغرب، ويوتر بـ ﴿سَيِّحٍ﴾، و﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
سبب نزولها:
أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس: ((أن قريشاً دعت رسول الله
و ◌َلّه إلى أن يعطوه مالاً، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من
النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد، وتكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء،
فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة، قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فأنزل الله:

٨٣٩
الُهُ (٣٠) السورة (١٠٩) الكَافِرُون
﴿قُلّ يَّأَيُّهَا الْكَفِرُونَ (٣) إلى آخر السورة، وأنزل: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ
[الزمر: ٣٩ /٦٤]).
(٦٤)
تَأْمُرُوَّيِّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ
وأخرج عبد الرزاق عن وهب قال: قالت كفار قريش للنبي وَّو: إن سرَّك
أن تتبعنا عاماً، ونرجع إلى دينك عاماً، فأنزل الله: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
· إلى آخر السورة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن ميناء قال: لقي الوليد بن المغيرة،
والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف رسول الله وَلته،
فقالوا: يا محمد، هلمَّ فلتعبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ولنشترك نحن وأنت في
أمرنا كله، فأنزل الله: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
ويؤيد هذا ما ذكره النيسابوري: أنها نزلت في رهط من قريش، قالوا: يا
محمد، هلمّ، اتبع ديننا ونتّبع دينك، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن
كان الذي جئت به خيراً مما في أيدينا قد شرّكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه،
وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يدك، قد شركت في أمرنا، وأخذت
بحظك، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا
اُلْكَفِرُونَ ) إلى آخر السورة، فغدا رسول الله وَلَه إلى المسجد الحرام،
وفيه الملأ من قريش، فقرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند
ذلك(١).
وذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس: أن سبب نزولها ((أن الوليد بن
المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خَلَف؛ لقوا
رسول الله ◌َ﴾، فقالوا: يا محمد، هلمَّ فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد،
ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله؛ فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا،
(١) أسباب النزول للنيسابوري الواحدي: ص ٢٦١

٨٤٠
الجُرُ (٣٠) - الكافرون: ١٠٩ /١-٦
كنا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما
بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله عز وجل :
(١) )).
﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
سورة البراءة من الشرك والكفر وأعمال المشركين
﴿ قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ ﴿ لَآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
أَعْبُدُ ﴿ وَلَاَ أَنَاْ عَِدٌ مَّا عَبَدُمْ ﴿ وَلَّ أَنْتُمْ عَلِدُونَ مَا أَعْبُدُ
دِيِئُكُمْ وَلَِ دِينِ
القراءات:
وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ
٢
﴿وَلِىَ دِينِ﴾:
قرأ نافع، وحفص (وليَ دين) وقرأ باقون (وليْ دين).
الإعراب:
﴿لَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿﴾ ﴿مَا﴾ بمعنى الذي في موضع نصب بـ
﴿أَعْبُدُ﴾ و﴿تَعْبُدُونَ﴾ صلة (الذي) والعائد محذوف، تقديره: ما تعبدونه.
ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية، فلا تفتقر إلى عائد.
﴿وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ قال: ﴿مَآ أَعْبُدُ﴾ ولم يقل (من)
لمطابقة ما قبله وما بعده. وقيل:
﴿ مَا﴾ بمعنى (من).
﴿ وَلََّ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآَ أَعْبُدُ (®َ﴾ ﴿مَا﴾ في
﴿ وَلَّ ◌َنَاْ عَائِدٌ مَا عَبَدُم
الوضعين في موضع نصب؛ لأنها مفعول ما قبلها، وهما إما موصولة أو
مصدرية مثل ﴿مَا﴾ الأولى.
(١) القرطبي: ٢٢٥/٢٠