Indexed OCR Text

Pages 781-800

٧٨١
الُ (٣٠) - الشَّكَاثِ،: ١٠٢ / ١-٨
فزوروها، فإنها تُرِقّ القلب، وتُدْمِع العين، وتُذكِّر الآخرة، ولا تقولوا
هُجْراً)). وهذا دليل على أنها تمنع إذا كانت مصحوبة بمنكرات، كالاختلاط
والفتن والنواح.
(أ) أي ردعاً وزجراً
ثُّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
لكم عن هذا التكاثر المقيت الذي يؤدي إلى التقاطع والتدابر والأحقاد
والضغائن، وإهمال العمل للآخرة، وخير الأمة، وتصحيح السلوك
والأخلاق. وستعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة. قال الزمخشري: ﴿كَلَا﴾ ردع
وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه، ولا يهتم
بدینه.
والجملة الثانية كررت للتأكيد والتغليظ والوعيد والزجر.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ أَلْيَقِينِ جَ﴾ أي ارتدعوا عن هذا اللهو بالدنيا،
فإنكم لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علماً يقيناً، لانشغلتم عن
التكاثر والتفاخر، ولبادرتم إلى صالح الأعمال، ولما ألهاكم التباهي عن أمر
الآخرة العظيم والإعداد لها. وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي لو علمتم لما
ألهاكم.
وهذا زيادة في الزجر واللوم عن الانهماك في الدنيا، والاغترار بمظاهر
الحياة الفارغة الزائلة. وليس الكلام مجرد وعظ، وإنما الخطر الداهم يقتضي
عمق التأمل والتفكر في مستقبل الآخرة، وذلك لا يتوافر عادة بغير إيمان
قوي، وقلب واع سليم. وتكرار لفظ﴿ كَلَا﴾ المفيدة للزجر، للدلالة على
استحقاق ضرر آخر غير العذاب. وقال الحسن: ﴿كَلَّ﴾ بمعنى حقاً كأنه
قيل: حقاً لو تعلمون علم اليقين.
ثم فسر الوعيد فقال:

٧٨٢
◌ِلُرُ (٣٠) - التَّكَاثِ: ١٠٢ / ١-٨
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (4) أي لتشاهدن النار في الآخرة، والمراد ذوق
عذابها، وهذا جواب قسم محذوف. وهو توعد بحال رؤية النار التي إذا زفرت
زفرة واحدة، خرّ كل مَلَك مقرَّب، ونبي مُرْسَل، على ركبتيه من المهابة،
والعظمة، ومعاينة الأهوال الجسام.
ثم أكد ذلك بقوله:
﴿ثُمَّ لَتَرَؤُنَهَا عَيْنَ الْبَقِينِ (٣)﴾ أي ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي
نفس اليقين، وهي المشاهدة والرؤية بأعينكم، فإياكم الوقوع فيما يؤدي إلى
النار من اقتراف المعاصي والسيئات، وارتكاب الموبقات والمنكرات.
ثم أكد السؤال عن الأعمال للتحذير فقال:
﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾﴾ أي إنكم سوف تسألون عن نعيم
الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة، وتسألون عن أنواع نعيم الدنيا من
أمن وصحة وفراغ ومأكول ومشروب ومسكن وغير ذلك من النعم، قال
الزمخشري: ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾ عن اللهو والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن
الدين وتكاليفه. وقال الرازي: والأظهر أن الذي يسأل عن النعيم هم
الكفار، وفي قول آخر: إنه عام في حق المؤمن والكافر، واحتجوا بأحاديث
منها: روي عن عمر أنه قال: ((أي نعيم نسأل عنه يا رسول الله، وقد
أخرجنا من ديارنا وأموالنا؟ فقال ◌َله: ظلال المساكن والأشجار والأخبية
التي تقيكم من الحر والبرد، والماء البارد في اليوم الحار)) .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن محمود بن لَبيد قال: ((لما نزلت ﴿أَلَهَنَكُمُ
اُلْتَّكَاثُ ﴾ فقرأها النبي وَلَّ حتى بلغ ﴿ثُمَّ لَتُسْتَلُنَّ يَؤْمَيِّدٍ عَنِ النَّعِيمِ
قالوا: يا رسول الله، أي نعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: الماء
والتمر، وسُيوفُنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال: أما
إن ذلك سيكون)) .

٧٨٣
اِلُ (٣٠) - الشَّكَاثِ،: ١٠٢ / ١-٨
وثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن
عباس قال: قال رسول الله وَله: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس:
الصحة والفراغ)) . أي إنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون
بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه، فهو مغبون. وعن النبي ◌ُّ فيما
رواه الترمذي عن أبي برزة: ((لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن
أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه
وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به)) .
وأخرج البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجه عن عبيد الله بن مُحْصِن:
أن رسول الله وسلم قال: ((من أصبح منكم آمناً في سِرْبه، معافى في جسده،
عنده قوت يومه، فكأنما حيزتْ له الدنيا بحذافيرها)) .
وأخرج ابن جرير ومسلم وأهل السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهما النبي وَلّ، فقال: ما أجلسكما
ههنا؟ قالا: والذي بعثك بالحق، ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع، قال:
والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره، فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من
الأنصار(١)، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي وقلّ: أين فلان؟ فقالت: ذهب
يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قِرْبتَه، فقال: مرحباً، ما زار العباد
شيء أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق قربته بكرب نخلة، وانطلق فجاءهم
بعِذق، فقال النبي ◌ٍَّ: ألا كنت اجتنيت؟ فقال: أحببت أن تكونوا الذين
تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة، فقال له النبي وَلّى: إياك والحلوب،
فذبح لهم يومئذ فأكلوا، فقال لهما النبي تكلفته: لتسألن عن هذا يوم القيامة،
أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم)).
والظاهر أن السؤال عن النعيم للعموم؛ لأجل لام الجنس، إلا أن سؤال
(١) هو مالك بن التَّهان الأنصاري، أبو الهيثم.

٧٨٤
الجُرُ (٣٠) - التَّكَاثِ :: ١٠٢ / ١-٨
الكافر للتوبيخ؛ لأنه عصى وكفر، وسؤال المؤمن للتشريف، فإنه أطاع
وشكر. والظاهر أن هذا السؤال في موقف الحساب، وهو متقدم على مشاهدة
جهنم، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ الترتيب في الأخبار، ثم أخبركم أنكم تسألون.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - يحذر الله تعالى من ترك العمل الصالح والاستعداد للآخرة، ويوبخ
الذين تشغلهم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى يموتوا ويدفنوا
في المقابر.
والتوبيخ عام يشمل التفاخر بكل شيء من الأموال والأولاد، والقبائل
والعشائر، والسلطة والجاه، والرجال والأعوان، فهو يتضمن التفاخر
بالنفس، وهي العلوم والأخلاق الفاضلة، والتفاخر بالبدن، وهو الصحة
والجمال، والتفاخر بالأمور الخارجية، وهي المال والجاه والأعوان والأقرباء
والأصدقاء.
٣ - لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة، وزيارتها من أعظم
الدواء للقلب القاسي؛ لأنها تذكّر الموت والآخرة. وذلك يحمل على قصر
الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها، كما تقدم في الأحاديث الثابتة.
وجاء في الترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله وَله لعن زوّارات القبور.
ورأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ◌َّ في زيارة
القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره
زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهن، وكثرة جَزَعهن.
والخلاصة: زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه
للنساء، أما الشوابّ فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد الكبيرات فمباح
٠٠
١

٧٨٥
إِلُعُ (٣٠) - الشَّكَاثِ: ١٠٢ / ١-٨
لهن ذلك. وجائز لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال. وإذا حدثت فتنة
من اجتماع الرجال والنساء، فلا يحل ولا يجوز.
٢ - قال العلماء: ينبغي لعلاج القلب ثلاثة أمور: طاعة الله، والإكثار
من ذكر الموت (هاذم اللذات) وزيارة قبور أموات المسلمين.
٤ - كرر الله تعالى في هذه السورة الوعيد بعد الوعيد، للتأكيد والتغليظ
على ثبوت عذاب القبر وعذاب الآخرة، وأن ما وعدنا به من البعث وتوابعه
حق وصدق. ثم أعاد تعالى الزجر والتنبيه على أنه إن لم يفعل الناس العمل
الصالح، وترك التفاخر بالأموال والأولاد والرجال، يندموا، ويستوجبوا
العقاب.
٥ - أتى الله تعالى بوعيد آخر بقسم محذوف: والله لترون الجحيم في
الآخرة، وهذا خطاب للكفار الذين وجبت لهم النار، وقيل: الخطاب عام،
كما قال تعالى: ﴿ وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١/١٩] فهي للكفار مقر،
وللمؤمنين ممر. ثم أخبر تعالى عن رؤية الجحيم رؤية مشاهدة بالأعين،
وبعيون القلوب والأفئدة.
٩ - يُسْألُ الناس يوم القيامة عن ألوان النعيم في الدنيا، من ظلال
المساكن والأشجار، وطيب الحياة والرفاهية، والصحة والفراغ، والأمن
والستر ونحو ذلك. والكل يسألون، ولكن سؤال الكفار توبيخ؛ لأنه قد ترك
الشكر، وسؤال المؤمن سؤال تشريف؛ لأنه شكر، وهذا النعيم في كل نعمة.
ويكون السؤال في موقف الحساب، وقيل: بعد الدخول في النار؛ توبيخاً
لهم، والأول هو الظاهر.

٧٨٦
إِلُهُ (٣٠) السورة (١٠٣) الخَصُرِّ
،
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الغَصْرِ
مڪية، وهي ثلاث آيات
تسميتها:
سميت سورة (العصر) لقسم الله به في مطلعها بقوله: ﴿وَالْعَصْرِ ﴿ إِنَّ
الدهر، لاشتماله على
:
اُلْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴾﴾ ﴿وَالْعَصْرِ
الأعاجيب، من سرّاء وضرّاء، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وعز وذل،
وانقسامه إلى أجزاء: سنة وشهر ويوم وساعة ودقيقة وثانية.
مناسبتها لما قبلها:
لما بيّن في السورة المتقدمة أن الاشتغال بأمور الدنيا والتهالك عليها
مذموم، أراد أن يبين في هذه السورة ما يجب الاشتغال به من الإيمان
والأعمال الصالحات، وهو ما يعود إلى النفس، ومن التواصي بالخيرات
وكفّ النفس عن المناهي أو المعاصي، وهو ما يعود إلى المجتمع. والخلاصة:
بعد أن قال: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ جَ﴾ وهدد بتكرار: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
بَيَّن حال المؤمن والكافر.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المكية الموجزة توضح أصول الإسلام الكبرى، ودستور الحياة
الإنسانية.

٧٨٧
اِلُ (٣٠) السورة (١٠٣) الخِصرِ
فقد أقسم الله تعالى بالعصر الذي هو الدهر أو الزمان المشتمل على
العجائب والدال على قدرة الله وحكمته البالغة على خسارة الإنسان إلا من
اتصف بالأوصاف الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي مع
الآخرين بالحق، والتواصي بالصبر والمصابرة.
فضلها:
ذكر الرواة أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب، وذلك بعدما
بعث رسول الله وَّل، وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على
صاحبكم في هذه المدة؟! فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال:
إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وما هي؟ فقال: ﴿ وَالْعَصْرِ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾﴾ ففكر مسيلمة هُنيهة، ثم
قال: وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هو؟ فقال:
يا وبر يا وبر (١)، وإنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر.
ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله لتعلم أني أعلم أنك
تكذب.
وذكر الطبراني عن عبيد الله بن حفص قال: كان الرجلان من أصحاب
رسول الله صل﴿ إذا التقيا لم يفترقا، إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة
العصر، إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر. وأخرجه البيهقي عن أبي
حذيفة.
وقال الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.
(١) الوبر: دويبة تشبه الهر، أعظم شيء فيه أذناه وصدره، وباقيه دمیم، فأراد مسيلمة أن يركب.
من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان (تفسير
ابن كثير ٤ / ٥٤٧).

٧٨٨
لِجُرُ (٣٠) - الخَصْرِ: ١٠٣ / ١-٣
رسالة الحياة أو حال المؤمن والكافر
﴿ وَالْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرِ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِلصَّبْرِ
الإعراب:
﴿وَالْعَصْرِ (٣) قسم، وجوابه: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرِ ج) والمراد
بالإنسان: الجنس، ولهذا استثنى منه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾.
﴿وَتَوَاصَوْاْ﴾ أصله (تواصيوا) إلا أنه تحركت الياء وانفتح ما قبلها،
فانقلبت ألفاً، فاجتمع ساكنان: الألف والواو بعدها، فحذفوا الألف
لالتقاء الساكنين.
البلاغة:
﴿إِنَّ الْإِنسَنَ﴾ أي الناس بدليل الاستثناء، فهو إطلاق البعض وإرادة
الكل.
﴿ لَفِى خُسْرٍ﴾ التنكير للتعظيم، أي في خسر عظيم.
﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ إطناب بتكرار الفعل، لزيادة العناية به.
﴿وَنَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ بعد قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ خاص بعد عام، فإن الصبر
داخل في عموم الحق، إلا أنه خصصه بالذكر للاهتمام به بعينه.
وَالْعَصْرِ ﴿﴾، ﴿بِالصَّبْرِ﴾، ﴿خُسْرٍ﴾ سجع عفوي غير متكلف، وهو
من المحسنات البديعية.

٧٨٩
لُزُ (٣٠) - الخِصرِ: ١٠٣ /١-٣
المفردات اللغوية:
﴿وَاَلْعَصْرِ (٣) والدهر، أقسم الله به لاشتماله على الأعاجيب، وقيل:
صلاة العصر، أو وقت العصر من بعد الزوال إلى الغروب. ﴿إِنَّ الإِنسَنَ﴾
جنس الإنسان؛ فالتعريف للجنس . ﴿خُسْرٍ﴾ خسارة أو خسران في تجارته،
والتنكير للتعظيم. والخسارة: النقصان وضياع رأس المال. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، ففازوا بالحياة الأبدية
والسعادة الدائمة، فليسوا في خسران.
﴿بِالْحَقِّ﴾ وهو الشيء الثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل،
أو هو ما أرشد إليه دليل قاطع، أو عيان ومشاهدة، أو شرع صحيح جاء به
نبي معصوم.
والتواصي بالحق: أن يوصي الناس بعضهم بعضاً بما لا مجال لإنكاره من
إيمان وخير وفضيلة. ﴿بِالصَّبْرِ﴾ قوة في النفس تدعو إلى احتمال المشقة في
العمل. والتواصي بالصبر: أن يوصي الناس بعضهم بعضاً به، ويحث الواحد
غيره علیه.
وقد اكتفى سبحانه ببيان سبب الربح دون الخسران لأنه المقصود، وما
عداه يؤدي إلى الخسران والنقص.
التفسير والبيان:
﴿ وَاَلْعَصْرِ ﴿ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَفِى خُسْرِ (4) أي قسماً بالعصر، وهو
الدهر أو الزمان الذي يمر به الناس؛ لما فيه من العبر وتقلبات الليل والنهار،
وتعاقب الظلام والضياء، وتبدل الأحداث والدول، والأحوال والمصالح،
مما يدل على وجود الصانع عزّ وجلّ، وعلى توحيده وكمال قدرته، أقسم
بذلك على أن الإنسان في خسارة وهلاك ونقص وضلال عن الحق، في المتاجر

٧٩٠
الذُّءْ (٣٠) - الْخَصْرِ: ١٠٣ / ١-٣
والمساعي، وصرف الأعمار في أعمال الدنيا، إلا من استثناهم الله فيما يأتي.
وإقسام الله بالدهر دليل على شرفه وأهميته، لذا قال ◌َّر فيما أخرجه مسلم
عن أبي هريرة: ((لا تسبُّوا الدهر، فإن الله هو الدهر)). والآية كما ذكر
الرازي كالتنبيه على أن الأصل في الإنسان أن يكون في الخسران والخيبة.
وقيل: المراد بالعصر: صلاة العصر، أو وقتها؛ تعظيماً لها، ولشرفها
وفضلها، ولهذا فشَر بها الصلاة الوسطى عند كثير من العلماء. وفيه إشارة إلى
أن عمر الدنيا الباقي هو ما بين العصر إلى المغرب، فعلى الإنسان أن يشتغل
بتجارة لا خسران فيها، فإن الوقت قد ضاق، وقد لا يمكن تدارك ما فات.
والمراد بالإنسان: الجنس، واللام لام الجنس، وهو الراجح. وقيل: اللام
في الإنسان لمعهود معين، كما روي عن ابن عباس أنه أراد جماعة من
المشركين كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب. قال
أبو حيان: والعصر، والإنسان: اسم جنس يعم، ولذلك صحّ الاستثناء منه.
ثم استثنى من جنس الإنسان عن الخسران ما يأتي:
﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَنَوَاصَوْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ
أي إن الإنسان لفي خسارة وضياع ونقصان وهلاك، إلا الذين جمعوا بين
الإيمان بالله والعمل الصالح، فإنهم في ربح، لا في خسر؛ لأنهم عملوا
للآخرة، ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها، فآمنوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم
(أعضائهم).
وإلا الذين وصَّى بعضهم بعضاً بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره: وهو
الإيمان بالله والتوحيد، والقيام بما شرعه الله، واجتناب ما نهى عنه. والحق
خلاف الباطل، ويشمل جميع الخيرات وما يلزم فعله، أو هو أداء الطاعات،
وترك المحرّمات. قال الزمخشري: وهو الخير كله، من توحيد الله وطاعته
واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة.

٧٩١
اِلِزُرُ (٣٠) - الخَصْرِ: ١٠٣ /١-٣
وإلا الذين أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على فرائض الله، وعن معاصي
الله، وعلى أقداره وبلاياه. والصبر يشمل احتمال الطاعات، واجتناب
المنكرات، وتحمل المصائب والأقدار، وأذى الذين يأمرونه بالمعروف،
وينهونه عن المنكر.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على ما يأتي:
اً - الإنسان وإن ربح الثروة الكبيرة والمال الوفير، فهو في خسارة محققة،
إن لم يعمل للآخرة عملاً طيباً صحيحاً.
أَ - أقسم الله تعالى على هذا الحكم بأي عصر أو زمان، لما فيه من التنبيه
بتصرف الأحوال وتبدّلها، وما فيها من الدلالة على الصانع ووحدانيته وكمال
قدرته ومزيد حكمته التي تظهر أحياناً بعد مرور الزمان.
والعصر في الحلف بالأيمان مختلف في تقديره عند الفقهاء، فقال مالك:
من حلف ألا يكلم رجلاً عصراً، يحمل على السنة؛ لأنه أكثر ما قيل فيه،
وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الأيمان.
وقال الشافعي: يبرّ بساعة، إلا أن تكون له نية، أو يفسره بما يحتمله،
وذلك حملاً على الأقل المتيقن المراد بالعصر.
◌َّ - حكم الله تعالى بالوعيد الشديد؛ لأنه حكم بالخسارة على جميع الناس
إلا من كان آتياً بأشياء أربعة أو متصفاً بصفات أربع، وهي: الإيمان،
والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
فدلّ ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وعناصر الإيمان
ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر

٧٩٢
الجزءُ (٣٠) - الْخَصْرِ: ١٠٣ /١-٣
خيره وشره. والعمل الصالح: أداء الفرائض واجتناب المعاصي، وفعل الخير.
والتواصي بالحق: أن يوصي بعضهم بعضاً بالأمر الثابت، ويحث بعضهم
بعضاً على توحيد الله، والعمل بالقرآن، والدعوة إلى الدين والنصيحة،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه. قال
عمر رضي الله عنه: رحم الله من أهدى إلي عيوبي.
والتواصي بالصبر: أن يوصي الناس بعضهم بعضاً بطاعة الله عزّ وجلّ،
والصبر عن معاصيه، والرضا بالقضاء والقدر في المصائب والمحن.
٤ - قال الإمام الرازي رحمه الله: دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن
المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي(١).
(١) تفسير الرازي: ٩٠/٣٢

٧٩٣
الُ (٣٠) السورة (١٠٤) الهُتَرَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الْهُمْرَةِ
مكية، وهي تسع آيات
تسميتها:
سميت سورة (الْهُمَزة) لبدئها بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَةٍ
ثُمَزَّةِ ﴾﴾ والهمزة: الذي يغتاب الناس ويطعن بهم بقول أو فعل أو
إشارة، واللمزة: الذي يعيب الناس بإشارة الحاجب والعين. قال ابن
عباس: (الهمزة): المغتاب، و(اللمزة): العياب.
مناسبتها لما قبلها:
بعد أن ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة أن جنس الإنسان في خسران
ونقص وهلكة، أبان في هذه السورة حال الخاسر، وأراد به تبيان الخسران
بمثال واحد.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المكية في علاج مشكلة خلقية مستعصية بين الناس، وهي
الطعن في الآخرين بالغيبة في أثناء غيابهم، أو بالعيب حال حضورهم.
وقد بدأت بالإخبار عن العذاب الشديد لكل عيَّاب طعَّان للناس،

٧٩٤
◌ِلُ (٣٠) السورة (١٠٤) الهُشَرَة
ينتقص الآخرين ويزدريهم ويسخر بهم: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُمُزَةٍ
[الآية: ١] .
ثم ذمّت السورة الذين يحرصون على جمع الأموال في الدنيا، كأنهم مخلدون
[الآيات :
فيها: ﴿اَلَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ
٢-٣] .
وختمت بردع الفريقين السابقين، وأنبأتهم بمصيرهم الأسود، وهو النبذ
في الحطمة: نار جهنم [الآيات: ٤-٩].
سبب نزولها:
قال عطاء والكلبي والسُّدي: نزلت في الأخْنَس بن شُرَيق، كان يلمز
الناس ويغتابهم، وبخاصة رسول الله وَله.
وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي ◌َّ من ورائه،
ويطعن عليه في وجهه. وروي أيضاً أن أمية بن خلف كان يفعل ذلك.
وقال محمد بن إسحاق والسهيلي: ما زلنا نسمع أن هذه السورة نزلت في
أمية بن خلف(١). وقد روى ذلك ابن جرير عن عثمان وابن عمر.
قال أبو حيان: ونزلت في الأخنس بن شريق، أو العاص بن وائل، أو
جميل بن معمر، أو الوليد بن المغيرة، أو أمية ابن خلَف: أقوال، ويمكن أن
تكون نزلت في الجميع، وهي مع ذلك عامة فيمن اتصف بهذه الأوصاف(٢).
وعلى هذا فاللفظ عام، وإن كان في الأصل يشير إلى شخص معين،
هَمَّارٍ مَشَكِ
١٠
وكذلك قوله تعالى في سورة (ن): ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ
(١) تفسير الرازي: ٩١/٣٢
(٢) البحر المحيط: ٥١٠/٨

٧٩٥
إِلُعُ (٣٠) - الهُشْرَة: ١٠٤ / ١-٩
أَنْ كَانَ ذَا
١٣
عُقُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ
١٣
مَنَّعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِمٍ
نَمِیمٍ
[القلم: ٦٨/
١٥
﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
مَالٍ وَبَنِينَ
١٠-١٥]، فإنه سبحانه تابع في سرد الصفات حتى علم أنه يريد في الأصل
إنساناً بعينه.
والقاعدة العامة عند المحققين والأصوليين: أن خصوص السبب لا ينافي
عموم اللفظ. وهذه السورة تشتمل على سدس مقاصد القرآن، وهو حكاية
أقوال الجاحدين.
الطعان العيَّاب للناس وجزاؤه
يَحْسَبُ أَنَّ مَا لَهُ:
الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَذَّدَهُ
﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَقٍ ثُمَّزَةٍ (
أَخْلَدَهُ ﴿ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِى الْخُطَمَةِ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْخُطَمَةُ ﴿ نَارُ اللَّهِ
اُلْمُوقَدَةُ ﴿ أَلَتِى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ج فِ عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ
4
القراءات:
٠
وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف (تَمَّعَ).
(يَحْسَبُ﴾:
قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة (يحسَب) وقرأ الباقون (يحسِب).
﴿مُؤْصَدَةٌ﴾:
قرأ أبو عمرو، وحفص، وحمزة، وخلف (مؤصدة) وقرأ الباقون
(موصدة).

٧٩٦
الُعُ (٣٠) - الهُشَرَةِ: ١٠٤ / ١-٩
﴿عَمَدٍ﴾:
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (عُمُد) وقرأ الباقون (عَمَد).
الإعراب:
﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا﴾ ﴿الَّذِى﴾: إما في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ
محذوف، وتقديره: وهو الذي، أو في موضع نصب بفعل مقدر، أي أعني،
أو في موضع على البدل من (كل) .
﴿ لَيُنْبَذَنَّ﴾ بفتح الذال، أراد به: الذي جمع، ويبنى الفعل المضارع على
الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة، مثل: ليذهبَنَّ وليشتريَنْ.
ومن قرأ بضم الذال، أراد به: المال والهمزة واللمزة. وقرئ: (لينبذان) بألف
التثنية، وأراد به المال وصاحبه. وهو جواب قسم محذوف، أي ليطرحن.
﴿فِ عَمَدٍ ثُمَدَّدَةٍ جَ﴾ ﴿عَمَدٍ﴾: بفتح العين والدال، أراد به اسم
الجمع، وقرئ (عُمُد) بضمتين، وأراد به جمع عمود، کرسول ورُسُل.
البلاغة:
﴿هُمَزَقِ لُمَزَةٍ﴾ من صيغ المبالغة، على وزن: فُعَلة، كُنُومة وعُيبة وسُحَرة
وضحكة.
﴿جَمَعَ مَالًا﴾ تنكير ﴿مَالًا﴾ للتفخيم، أي جمع مالاً كثيراً.
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْخُطَمَةُ (3) الاستفهام للتفخيم والتهويل لنار جهنم،
الْخُطَمَةُ﴾: من صيغ المبالغة.
﴿هُمَزَقِ﴾، ﴿لَّمَزَةٍ﴾ جناس ناقص أو غير تام.
﴿ وَعَذَّدَهُ﴾، ﴿أَخْلَدَهُ﴾، ﴿الْمُؤْقَدَةُ﴾، ﴿قُمَدَّدَةٍ﴾ سجع مرصع، لتوافق
الفواصل.

٧٩٧
الجُزُ (٣٠) - المُشَرَةِ: ١٠٤ / ١-٩
المفردات اللغوية:
﴿وَيْلٌ﴾ خزي وعذاب شديد، ويراد به الندم والتقبيح. ﴿هُمَّزَةٍ﴾ مغتاب
طعَّان في أعراض الناس وكراماتهم . ﴿لَّمَزَّةٍ﴾ عيَّاب يعيب عادة بالحاجب أو
العين أو اليد أو الرأس تحقيراً للناس وترفعاً عليهم . ﴿وَعَذَّدَهُ﴾ عدّه مرة بعد
أخرى تلذذاً به، أو جعله عُدَّة للنوازل وحوادث الدهر.
﴿يَحْسَبُ﴾ يظن لجهله. ﴿أَنَّ مَالَهُ، أَخْلَدَهُ﴾ جعله خالداً في الدنيا، لَا
يموت. ﴿كَلَا﴾ ردع وزجر. ﴿لَيُنَْذَنَّ﴾ ليطرحنّ وليرمين بإهانة وتحقير، وهو
جواب قسم محذوف . ﴿فِ اٌلْخُطَمَةِ﴾ نار جهنم، سميت لذلك؛ لأنها تحطم كل
ما ألقي فيها، من الخَظْم: وهو الكسر. ﴿اُلْمُوقَدَةُ﴾ المسعَرة. ﴿تَطَلِعُ عَلَى
اُلْأَفْئِدَةِ﴾ تعلو أوساط القلوب، وتحيط بها، وخصت الأفئدة بالذكر؛ لأنها
محل العقائد الزائغة ومنشأ الأعمال الفاسدة القبيحة . ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة
عليهم، من أوصدت الباب: إذا أغلقته . ﴿فِى عَمَدٍ مَُّدَّدَةٍ (ج) في أعمدة
طويلة، فتكون النار داخل العَمَد، جمع عمود.
التفسير والبيان:
﴿وَيْلٌ لِكُلِ هُمَزَةٍ لَمَّزَةٍ ﴾﴾ أي خزي وعذاب شديد لكل من يغتاب
الناس ويطعن بهم، أو يعيبهم في حضورهم، قال مقاتل: إن الهمزة: الذي
يغتاب بالغيبة، واللمزة: الذي يغتاب في الوجه. وقال ابن عباس: ﴿هُمَزَةٍ
ثُمَزَةِ﴾ طعان معياب.
ثم ذكر أوصافاً أخرى له:
﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴾﴾ أي إن ذلك الهمزة اللمزة الذي يزدري
الناس ويحتقرهم ويترفع عليهم بسبب إعجابه بما جمع من المال وأحصاه،
وظن أن له به الفضل على غيره، كقوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوَّعَ
[المعارج:
١٨/٧٠] .

٧٩٨
الجُرعُ (٣٠) - المُشَرَةِ: ١٠٤ / ١-٩
أي يظن أن ماله يضمن له الخلود ويتركه
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُوَ أَخْلَدَهُ
حيّاً مخلداً لا يموت؛ لشدة إعجابه بما يجمعه من المال، فلا يعود يفكر بما بعد
الموت.
ثم ردّ الله عليه أوهامه وزجره على مزاعمه، فقال:
﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِى الْخُطَمَةِ ﴾﴾ أي زجراً له وردعاً، فليس الأمر كما
زعم ولا كما حسب، بل ليلقين ويطرحن هذا الذي جمع ماله هو وماله في
النار التي تحطم أو تهشم كل ما يلقى فيها.
ثم هوَّل عليه شأن النار وعرفها له، فقال:
أي وما أعلمك ما
﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْخُطَمَةُ ﴿َ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (﴾﴾
هذه النار، وأي شيء هي؟ فكأنها لا تدركها العقول، هي نار الله الموقدة
المستعرة بأمر الله سبحانه، التي لا تخمد أبداً.
وفائدة وصف جهنم بالحطمة مناسبتها لحال المتكبر المتجبر بماله، المترفع
على غيره، فهي تكسر كسراً كل ما يلقى فيها، لا تبقي ولا تذر.
وإضافة ﴿نَارُ اللَّهِ﴾ للتفخيم، أي هي نار، لا كسائر النيران.
ثم وصف النار بأوصاف ثلاثة هي:
﴿الَّتِى تَطَِّعُ عَلَى الْأَفْدَةِ ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةٌ ﴿ فِ عَمَدٍ مُعَدَّدَةٍ
أي التي تعلو القلوب وتغشاها بحرها الشديد، وتحرقهم وهم أحياء. والقلوب
· أشد أجزاء البدن تألماً، وخصت بالذكر لأنها محل العقائد الزائغة، والنيات
الخبيثة، وسوء الأخلاق من الكبر واحتقار الناس، والأعمال القبيحة.
وهي عليهم مطبقة، مغلقة عليهم أبوابها جميعاً، فلا منافذ، ولا يستطيعون
[البلد: ٩٠ / ٢٠] ،
٢٠
الخروج منها، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ
١
---**

٧٩٩
الجُرُ (٣٠) - المُشَرَة: ١٠٤ / ١-٩
وقال سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمِّ أُعِيدُواْ فِيَهَا﴾ [الحج:
٢٢/٢٢] .
وهي أيضاً كائنة في أعمدة ممددة طويلة موثَّقة. قال مقاتل: أطبقت
الأبواب عليهم، ثم شدّت بأوتاد من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا
يدخل علیھم روح.
والآية تفيد المبالغة في العذاب بقوله: ﴿لَيُقْبَذَنَّ﴾ أي إنه موضع له قعر
عميق جداً كالبئر، وإن أبوابها لا تفتح؛ ليزيد في حسرتهم، وتغلق إغلاقاً
محكماً للتيئيس من الخروج منها، وممددة في أعمدة دائمة اللهب، فلا أمل في
إطفائها أو تخفيف شدة حرارتها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - الخزي والعذاب والهلكة لكلّ مغتاب عيَّاب طعّان للناس. قال النّبي
وَالر: ((شرار عباد الله تعالى المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة،
الباغون للبرآء العيب))(١).
أَ - كأن سبب الهمز واللمز والترفع على الناس وازدرائهم هو المال وطول
الأمل، لأن الغنى يورث الإعجاب والكبر، وعدّ المال من غير ضرورة دليل
على المتعة النفسية والزخرفة الدنية، والانشغال عن السعادة الباقية، ولأن
المال يطول الأمل، ويمِّي بالأماني البعيدة، حتى أصبح لفرط غفلة صاحب
المال يحسب أن ماله يتركه خالداً في الدنيا.
◌ًّ - ردع الله تعالى عن كل هذه المزاعم والتحسبات، فالمال لا يرفع
:
أ
(١) تفسير القرطبي: ١٨١/٢٠
1
:

٨٠٠
الْجُزْءُ (٣٠) - المُشَرَة: ١٠٤ / ١-٩
القدر، ولا يقتضي الطعن بالآخرين، وليس المال كما يظن مخلِّداً في الدنيا،
بل المخلِّد هو العلم والعمل، كما قال علي رضي الله عنه: مات خُزَّان المال،
وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر.
٤ - حدد الله تعالى عقاب الهمزة اللمزة جامع المال حبّاً فيه لذاته، وهو
الطرح أو الإلقاء في نار جهنم التي تحطم كل ما يلقى فيها، وهي نار الله
الموقدة غير الخامدة، التي أعدها الله للعصاة، والتي تأكل جميع ما في
الأجساد، حتى تبلغ الفؤاد، ثم يخلقون خلقاً جديداً، فترجع تأكلهم.
وهي مغلقة الأبواب، مطبقة عليهم، حال كونهم موثقين بأعمدة، وهي
في أعمدة طوال تلتف بهم من كل جانب.
روى خالد بن أبي عمران عن النّبي ◌َّر: ((أن النار تأكل أهلها، حتى إذا
اطلعت على أفئدتهم - أي تعلوها وتغلبها - انتهت، ثم إذا صَدَروا تعود،
فذلك قوله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَّدَةُ ﴿ الَّتِى تَطَِّعُ عَلَى الْأَفْدَةِ