Indexed OCR Text

Pages 741-760

٧٤١
الجُزُ (٣٠) - البَّيْتَّ: ٩٨ / ٦-٨
وعيد الكفار ووعد الأبرار وجزاء الفريقين
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا
أُؤْلَتِكَ هُمْ شَرُّ الْبِيَّةِ ﴿﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيِّرُ
الْبِيَّةِ ﴿٣ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدَاً
رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ
القراءات:
اَلْبَرِيَّةِ
وقرأ نافع، وابن ذكوان (البريئة).
الإعراب:
﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ﴿خَلِينَ﴾ منصوب على الحال من ضمير مقدر،
تقديره: يجزونها خالدين فيها. و﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان مستقبل يتعلق بـ
﴿خَالِدِينَ﴾ وأما (قط) فللماضي، تقول: والله لا أكلمه أبداً، وما كلمته قط.
البلاغة:
﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ و﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ بينهما طباق.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ الآية، و﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ الآية فيهما مقابلة بين عذاب الكفار الفجار، وبين نعيم المؤمنين
الأبرار.
المفردات اللغوية:
﴿خَلِينَ فِيَهَا﴾ ماكثين فيها يوم القيامة على الدوام، بتقدير الله تعالى،
ويلاحظ أن اشتراك أهل الكتاب والمشركين في جنس العذاب لا يوجب

٧٤٢
اِجُزْءُ (٣٠) - الْبَيْنَّ: ٩٨ / ٦-٨
اشتراكهما في نوعه، فربما اختلف لتفاوت كفرهما. ﴿شَرُّ الْبَرِّيَّةِ﴾ الخليقة أو
الخلق، (جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ إقامة ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بطاعته، وهو زيادة على
جزائهم . ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بثوابه وفضله، وهو أقصى أمانيهم. ﴿ذَلِكَ﴾ أي
المذكور من الجزاء والرضوان .﴿لِمَنْ خَشِىَ رَبَُّ﴾ خاف عقابه، فانتهى عن
معصية الله تعالى، فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير.
قال البيضاوي عن وعد المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فيه مبالغات:
تقديم المدح، وذكر الجزاء المؤذن بأن ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به،
والحكم عليه بأنه من عند ربهم، وجمع جنات، وتقييدها إضافة ووصفاً بما
يزداد لها نعيماً، وتأكيد الخلود بالتأبيد(١).
المناسبة:
بعد بيان موقف الكفار والمشركين من دعوة النبي ◌َّل، ذكر الله تعالى وعيد
الكفار، ووعد الأبرار، وجزاء الفريقين، وقدم وعيد أهل الكتاب على
المشركين؛ لأنه وَ لّ كان يقدّم حق الله على حق نفسه، ولهذا حين كسروا
رَباعيته في غزوة أحد قال: ((اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون)) وحيث فاتته
صلاة العصر يوم الخندق قال: ((ملأ الله بطونهم وقبورهم ناراً)) فقال الله
تعالى: كما قدَّمت حقي على حقك، فأنا أيضاً أقدم حقك على حقي، فمن
ترك الصلاة طول عمره لم يكفر، ومن طعن فيك بوجه يكفر، ثم إن أهل
الكتاب طعنوا فيك، فقدّمتهم في الوعيد على المشركين الذين طعنوا في. ثم إن
أهل الكتاب أولى بالإيمان بالرسول محمد وَّر، فهم في الجملة يؤمنون بدين،
ويقرون بنبي آخر الزمان، وعلاماته في كتبهم، فطعنهم به في غير محله،
فاستحقوا التقديم في الوعيد لذلك(٢).
(١) تفسير البيضاوي: ص ٨٠٦
(٢) غرائب القرآن: ١٥٣/٣٠، تفسير الرازي: ٤٩/٣٢

٧٤٣
الُعُ (٣٠) - الْبَّيْتَةِّ: ٩٨ / ٦-٨
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن مآل الفجار الكفار فيقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَّ
(٤) أي إن الذين خالفوا كتب الله المنزلة، وأنبياء الله
أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْرِيَّةِ
المرسلة، من اليهود والنصارى وعبدة الأصنام، مآلهم يوم القيامة في نار
جهنم المستعرة، يصيرون إليها، ماكثين فيها على الدوام، لا يخرجون منها
ولا يموتون فيها، وهم حالاً شر الخليقة التي برأها الله وذرأها؛ لأنهم تركوا
الحق حسداً وبغياً، فسيكونون شر الخليقة مصيراً. والسبب في أنه لم يقل هنا
خالدين فيها أبداً، كما فعل في الأبرار؛ لأن رحمته أزيد من غضبه. وقوله:
﴿هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ لإفادة النفي والإثبات، أي هم دون غيرهم.
ثم أخبر الله تعالى عن حال الأبرار، فقال:
أي إن
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبِيَّةِ
الذين آمنوا بقلوبهم بربهم وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الصالحات
بأبدانهم، هم أفضل الخلق حالاً ومآلاً.
وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين
الأبرار على الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾.
ثم ذكر جزاءهم فقال:
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَجِهَا الْأَنْهَرُ خَلِنَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ
اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ ﴾﴾ أي جزاؤهم يوم القيامة عند
خالقهم ومالكهم على الإيمان والعمل الصالح جنات، أو بساتين إقامة دائمة
تجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، لا
يخرجون منها، ولا يرحلون عنها، ولا يموتون، بل هم دائمون في نعيمها،

٧٤٤
لُعُ (٣٠) - الْبَّيْنَةِّ: ٩٨ / ٦-٨
مستمرون في لذاتها إلى الأبد، لا نهاية لنعيمهم. وكلمة الجزاء تفيد معنيين:
أحدهما - أن يعطيه الجزاء الوافر من غير نقص، والثاني - أنه تعالى يعطيه ما
يقع به الكفاية؛ لأن الجزاء اسم لما يقع به الكفاية، فلا يبقى في نفسه شيء إلا
ويحققه له، كما قال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنَفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١/٤١].
وقوله: ﴿تَجْرِى﴾ إشارة إلى أن الماء الجاري ألطف من الراكد.
رضي الله عنهم؛ لأنهم أطاعوا أمره، وقبلوا شرائعه، ورضوا عنه، بما
منحهم من الثواب والفضل العميم، وتحقيق المطالب مما لا عين رأت، ولا
أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وهذا الجزاء والرضوان حاصل لمن خاف الله واتقاه حق تقواه، وعبده
كأنه يراه، وانتهى عن معاصيه بسبب ذلك الخوف.
وفي ذلك تحذير من خشية غير الله، وتنفير من إشراك غيره به في جميع
الأعمال، وترغيب في تقوى الله ورهبته، حتى يصبح العمل خالصاً لله وحده.
كما أن فيه إيماء إلى أن شرط أداء العبادة كالصوم والصلاة: خشية الله
والخشوع له.
أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((ألا أخبركم
بخير البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: رجل أخذ بعِنان فرسه في سبيل
الله، كلما كانت هَيْعة استوى عليه، ألا أخبركم بخير البرية؟ قالوا: بلى يا
رسول الله، قال: رجل في ثُلّة من غنمه، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة. ألا
أخبركم بشر البرية؟ قالوا: بلى، قال: الذي يسأل بالله ولا يعطى به)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - استحق أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمشركون عبدة الأصنام

٧٤٥
الْجُ (٣٠) - البَّيْنَةِّ: ٩٨ / ٦-٨
بسبب كفرهم بالإسلام ثلاث عقوبات: دخول نار جهنم، والخلود فيها،
ووصفهم بأنهم دون غيرهم هم شر البرية وشر خلق الله.
وقوله في وعيدهم: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ وفي آية الرعد: ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾
إشارة كما تقدم إلى كمال كرمه وسعة رحمته، كما قال في الحديث القدسي
الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة: ((سبقت رحمتي غضبي)) .
اً - قال العلماء: آية الوعيد هذه مخصوصة في صورتين:
إحداهما - أن من تاب منهم وأسلم، خرج من الوعيد.
والثانية - أن من مضى من الكفرة يجوز ألا يدخل فيها؛ لأن فرعون كان
شراً منهم.
◌َّ - استحق الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح أربعة أنواع من
الجزاء: وصفهم بأنهم خير البرية، ودخول جنات عدن تجري من تحتها
الأنهار، والخلود فيها أبداً، ورضوان الله عليهم، أي رضا أعمالهم،
ورضاهم عن الله، أي رضاهم بثواب الله تعالى.
٤ - وعملوا الصالحات: والخلود في الجنة خير من الجنة، ورضا الله خير
من الجنة. إما من مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، أو مقابلة الفرد
بالفرد، فلا مكلف يأتي بجميع الصالحات، بل لكل مكلف حظ، فحظ الغني
الإعطاء، وحظ الفقير الأخذ، كما لو قال لامرأتيه: إن دخلتما هاتين
الدارين فأنتما كذا، فيحمل على أن يدخل كل واحدة منهما داراً على حدة.
٥ - احتج بعضهم بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ﴾ أي الخليقة، ويؤيده
قراءة الهمز، على تفضيل البشر على الملائكة، أخرج ابن أبي حاتم عن أبي
هريرة مرفوعاً، قال: ((أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده
لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة، أعظم من ذلك، وقرأ هذه الآية.))

٧٤٦
لُزُ (٣٠) - الْبَيْنَةِّ: ٩٨ / ٦-٨
والجواب بأن الملائكة أيضاً داخلون في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو
المراد بالبرية: بنو آدم؛ لأن اشتقاقها من البرى: وهو التراب، لا من برأ الله
الخلق، فلا يدخل الملائكة في الآية البتة.
أَ - قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَُّ﴾ مع قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ﴾
[فاطر: ٢٨/٣٥] ظاهر في أن العلماء بالله هم خير البرية، اللهم اجعلنا منهم.
۔
---
=

٧٤٧
لُ (٣٠) السورة (٩٩) الثزلية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ
سُؤَةُ القَّكُلِّ
مدنية، وهي ثمان آيات
:
تسميتها
سميت سورة الزلزلة أو الزلزال؛ لافتتاحها بالإخبار عن حدوث الزلزال
(4). وهي سورة
العنيف قبيل يوم القيامة: ﴿إِذَا زُْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَا
مدنية، وقال ابن كثير: هي مكية.
مناسبتها لما قبلها:
لما ذكر الله تعالى في آخر سورة البِّنة وعيد الكافر ووعد المؤمن، وأن جزاء
الكافرين نار جهنم، وجزاء المؤمنين جنات، بيَّن هنا وقت ذلك الجزاء
وبعض أماراته، وهو الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها، فكأنه قيل: متى يكون
ذلك؟ فقال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَا (٣)﴾ أي يكون يوم زلزلة الأرض.
ثم إنه تعالى أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه حينما تزلزل
الأرض، مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ٣/
١٠٦]. ثم ذكر ما للطائفتين، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل
عمران: ١٠٦/٣]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٧/٣] . ثم جمع
بينهما هنا في آخر السورة بذكر الذرَّة من الخير والشر.

٧٤٨
لُ (٣٠) السورة (٩٩) الثَّزَلَّة
ما اشتملت عليه السورة:
أسلوب هذه السورة المدنية وموضوعها يشبه أسلوب وموضوع السور
المكية، لإخبارها عن أهوال القيامة وشدائدها.
وقد اشتملت على مقصدين :
اً - بيان حدوث الزلزال والاضطراب الشديد للأرض يوم القيامة،
فينهار كل ما عليها، ويخرج الناس الموتى من بطنها من قبورهم، وتشهد
حينئذ على كل إنسان بما عمل على ظهرها: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
[الآيات: ١- ٥] .
أَ - الحديث عن ذهاب الخلائق لموقف العرض والحساب، ثم مجازاتهم
على أعمالهم، وقسمتهم فريقين: سعيد إلى الجنة، وشقي إلى النار: ﴿يَوْمَيِدٍ
يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانَا لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ
[الآيات: ٦-٨] .
سبب نزولها:
كان الكفار يسألون كثيراً عن الساعة ويوم الحساب، فيقولون: ﴿أَيَّنَ يَوْمُ
الْقِيَمَةِ﴾ [القيامة: ٦/٧٥]. ﴿مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥/٦٧].
﴿مَتَ هَذَا الْفَتْحُ﴾(١) [السجدة: ٢٨/٣٢] ونحو ذلك، فأبان لهم في هذه السورة
علامات القيامة فحسب، ليعلموا أن علم ذلك عند الله، ولا سبيل إلى تعيين
ذلك اليوم للعرض والحساب والجزاء.
فضلها:
أخرج الترمذي وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: ((أتى رجل
إلى رسول الله وَ#، فقال: أقرئني يا رسول الله، قال له: اقرأ ثلاثاً من ذوات
(١) أي متى الفتح الذي تعدوننا به، وهو يوم البعث الذي يقضي الله فيه بين عباده؟

٧٤٩
الُ (٣٠) السورة (٩٩) التزلّة
الراء، فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني، قال: فاقرأ من
ذوات حم، فقال مثل مقالته الأولى، فقال: اقرأ ثلاثاً من المسبِّحات، فقال
مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة، فأقرأه
حتى إذا فرغ منها، قال الرجل: والذي
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَا
بعثك بالحق نبياً، لا أزيد عليها أبداً، ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله السيد:
أفلح الرويجل، أفلح الرويجل، ثم قال: عليّ به، فجاءه، فقال له :
أمرتُ بيوم الأضحى، جعله الله عيداً لهذه الأمة، فقال له الرجل: أرأيت
إن لم أجد إلا منيحة أنثى، فأضحّي بها؟ قال: لا(١)، ولكنك تأخذ من
شعرك، وتقلّم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذاك تمام أضحيتك
عند الله عز وجل)) .
وأخرج الترمذي - وقال: هذا حديث حسن - عن أنس بن مالك: ((أن
رسول الله وَ﴾ قال لرجل من أصحابه: هل تزوجت يا فلان؟ قال: لا والله
يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج !! قال: أليس معك: ﴿قُلُ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ (6)؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك: ﴿قُلْ يَأَتُهَا
اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك: ﴿إِذَا
زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن، تزوج)).
(١) هذا في بداية الأمر، ثم أبيح التضحية بالأنثى، واتفقت المذاهب على جواز ذلك، إلا أن
الفحل أفضل من الأنثى.

٧٥٠
الُرُ (٣٠) - الزّزَةِ: ٩٩ /١-٨
أمارة القيامة والجزاء على الخير والشر
) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴿ وَقَالَ الْإِنسَانُ
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
يَوْمَیِدٍ
٥
(١) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ
يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
٨
القراءات:
﴿يَصْدُرُ﴾:
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بإشمام الصاد الزاي، وقرأ الباقون بالصاد
الخالصة.
الإعراب:
(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾﴾ ﴿إِذَا﴾ ظرف، والعامل فيه إما ﴿فَمَن
يَعْمَلْ﴾ أو ﴿تُحَدِّثُ﴾ ويكون ﴿يَوْمَيِدٍ﴾ تكراراً وبدلاً من ﴿إِذَا﴾، وتقديره:
إذا زلزلت الأرض تحدث أخبارها. و﴿زِلْزَالَهَا﴾: منصوب على المصدر،
بكسر الزاي الأولى، ولو فتح لكان اسماً، وقيل: هو بالفتح أيضاً مصدر.
﴿ أَشْنَانًا﴾ منصوب على الحال من ﴿النَّاسُ﴾ جمع (شَتُّ) وهو المتفرق.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ﴾ (من) في الموضعين: شرطية في موضع
رفع بالابتداء. و﴿يَرَهُ﴾: خبره.
البلاغة:
﴿زِلْزَالَا﴾ الإضافة للتهويل. و﴿زُلْزِلَتِ﴾ ﴿زِلْزَالَهَا﴾ بينهما جناس
الاشتقاق.

٧٥١
الجُرُ (٣٠) - الزُّلِّ: ٩٩ / ١-٨
﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ﴾ إظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير والتوكيد.
استفهام للتعجب والاستغراب أو
﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَا
الاستهجان.
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ (٣)﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
بينهما مقابلة.
ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
﴿زِلْزَالَا﴾، ﴿أَثْقَالَهَا﴾، ﴿أَوْحَى لَهَا﴾، ﴿أَخْبَارَهَا﴾، ﴿مَا لَا﴾ سجع
مرصع من المحسنات البديعية.
﴿أَوْحَى لَهَا﴾ تضمين، ضمن ذلك معنى الإذن والأمر لها.
المفردات اللغوية:
﴿ زُلْزِلَتِ﴾ الزلزال: التحريك والاضطراب الشديدان، وذلك يحصل عند
النفخة الأولى أو الثانية أو الممكِّن لها في الحكمة الإلهية. ﴿أَثْقَالَهَا﴾ الأثقال
في الأصل: أمتعة البيت، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ١٦/
٤٧ جمع ثقل: متاع البيت، والمراد هنا: ما في جوف الأرض من الكنوز
والدفائن والأموات، وتخرج أثقالها: تلقيها على ظهرها. ﴿وَقَالَ الْإِنسَنُ مَا لَهَا
٣
يتساءل الإنسان عما يبهره من الأمر الفظيع وإنكاراً لتلك الحالة،
وقيل: المراد بالإنسان: الكافر بالبعث، فإن المؤمن يعلم ما لها. ﴿تُحَدِّثُ
أَخْبَارَهَا﴾ تخبر بما عمل عليها من خير وشر. وهي تحدِّث الخلق إما بلسان
الحال وهو ما لأجله زلزالها وإخراجها، أو ينطقها الله فتخبر بما عمل عليها.
وهو جواب ﴿إِذَا﴾ جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي عن أبي
هريرة: ((تشهد على كل عبد أو أمة بكل ما عمل على ظهرها)).
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ أي تحدِّث بسبب أن ربك ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أمرها بذلك،
والوحي: الإلهام بخفاء، يقال: أوحى له وإليه، ووحى له وإليه: كلّمه خفية

٧٥٢
الُ (٣٠) - التُّالَّةِ: ٩٩ /١-٨
أو ألهمه ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ يرجعون وينصرفون من موقف الحساب.
١
﴿أَشْنَانًا﴾ متفرقين متمايزين بحسب مراتبهم وأعمالهم. ﴿لِّيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ﴾
يروا جزاء أعمالهم من الجنة أو النار .﴿ذَرَّةٍ﴾ الذرة: الهباء الذي يرى في
ضوء الشمس الداخل من نافذة، أو النملة الصغيرة، و﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ زنة
ملة أو هباء، وهو مثل في الصغر .﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ يرى ثوابه. ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾
يرى جزاءه. وقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ تفصيل ﴿لِيُرَوْاْ﴾.
سبب النزول:
نزول الآية (٨،٧):
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما
نزلت: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية، كان المسلمون يرون أنهم لا
يُؤْجَرون على الشيء القليل، إذا أعْطَوْه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون
على الذنب اليسير: الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأشباه ذلك، ويقولون: إنما
وعد الله النار على الكبائر، فأنزل الله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
٨
يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
وقد سّى رسول الله وَّهِ هذه الآية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾
الجامعة الفاذة، حين سئل عن زكاة الخُمُر، فقال فيما أخرجه البخاري
ومسلم عن أبي هريرة: ((ما أنزل الله فيها شيئاً إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَهَ
٨
وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين، وذلك أنه لما نزل: ﴿وَيُطْعِمُونَ
اُلَطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ كان أحدهما يأتيه السائل، فيسأل أن يعطيه التمرة والكسرة
(١) أخرجه البخاري ومسلم.

٧٥٣
الُ (٣٠) - الزُّالَّةِ: ٩٩ / ١-٨
والجوزة، ويقول: ما هذا بشيء، وإنما نؤجر على ما نعطي. وكان أحدهما
يتهاون بالذنب الصغير، ويقول: لا شيء عليَّ من هذا، فرغب الله تعالى في
القليل من الخير؛ لأنه يوشك أن يكثر، وحذر من الذنب اليسير، فإنه يوشك
أن يعظم، فلهذا قال النبي ◌َ ◌ّ فيما أخرجه البخاري ومسلم عن عدي بن
حاتم: ((اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيِّبة)).
التفسير والبيان:
أي إذا تحركت الأرض من أسفلها
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
حركة شديدة، واضطربت اضطراباً هائلاً حتى يتكسر كل شيء عليها، كما
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ
﴿ إِذَا رُجّتِ
[الحج: ١/٢٢] وقال سبحانه:
[الواقعة:
رجًا
الأرْض
٤/٥٦] .
﴾ ألقت ما في جوفها من الأموات
﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَنْقَالَهَا
والدفائن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا اُلْأَرْضُ مُذَتْ ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَنَّتْ ®)
[الانشقاق: ٣/٨٤-٤]. وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ور: ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب
والفضة، فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قَتَلْتُ، ويجيء القاطع فيقول: في
هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطِعتْ يدي، ثم يَدَعونه
فلا يأخذون منه شيئاً)) .
وتخرج الأرض الأموات في النفخة الثانية.
﴿ وَقَالَ الْإِنسَنُ مَا لَا (٣)﴾ أي قال كل فرد من أفراد الإنسان لما يبهره
أمرها ويذهله خَطْبها: ما لهذه الأرض؟ ولأي شيء زلزلت، وأخرجت
أثقالها؟

٧٥٤
لُرُ (٣٠) - الزُّلَّةِ: ٩٩ / ١-٨
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (1) أي في ذلك الوقت المضطرب، وقت
الزلزلة، تخبر الأرض بأخبارها، وتحدِّث بما عمل عليها من خير وشر،
ينطقها الله سبحانه، لتشهد على العباد. قال ابن عباس في الآية: قال لها
ربها: قولي، فقالت.
أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي - واللفظ له - عن أبي هريرة قال:
قال: أتدرون
((قرأ رسول الله وَ ه هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (
ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل
عبد وأمة بما عمل على ظهرها؛ أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا،
فهذه أخبارها))(١). وقال الطبري: إن هذا تمثيل، والمراد أنها تنطق بلسان
الحال، لا بلسان المقال.
ثم أبان الله تعالى مصدر هذه الواقعة: فقال:
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾﴾ أي تحدِّث أخبارها بوحي الله وإذنه لها بأن
تتحدث وتشهد. فقوله: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أي أذن لها وأمرها، أو أوحى إليها،
أي أهمها.
(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ ﴾﴾ أي في هذا اليوم
المضطرب، وفي يوم الخراب المدمر، يصدر الناس من قبورهم إلى موقف
الحساب، مختلفي الأحوال، فبعضهم آمن، وبعضهم خائف، وبعضهم بلون
أهل الجنة، وبعضهم بلون أهل النار، ليربهم الله أعمالهم معروضة عليهم.
هذا ما يراه بعض المفسرين كالشوكاني. فالصدر على هذا الرأي: هو قيامهم
للبعث بعد أن كانوا مدفونين في الأرض، و﴿أَشْنَانًا﴾ فرقاً: مؤمن وكافر
وعاص، سائرون إلى العرض، ليروا أعمالهم.
(١) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.

٧٥٥
الُ (٣٠) - الزُّالَّهِ: ٩٩ / ١-٨
وقال آخرون كابن كثير: يرجعون عن موقف الحساب أشتاتاً، أي أنواعاً
وأصنافاً، ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة، ومأمور به إلى النار،
ليجازوا بما عملوه في الدنيا من خير وشر، فيكون المراد بقوله: ﴿لُّرَوْأ
أَعْمَلَهُمْ﴾ ليروا جزاء أعمالهم، وهو الجنة والنار، ولهذا قال:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ ﴾﴾ أي فمن يعمل في الدنيا وزن نملة صغيرة أو هباء لا يرى إلا
في ضوء الشمس، والمراد أي عمل مهما كان صغيراً، فإنه يجده يوم القيامة في
كتابه، ويلقى جزاءه، فيفرح به، أو يراه بعينه معروضاً عليه. وكذلك من
يعمل في الدنيا أي شيء من الشر ولو كان حقيراً أو قليلاً، يجد جزاءه يوم
القيامة، فيسوؤه. والذرّ كما تقدم: ما يرى في شعاع الشمس من الهباء، أو
هو النملة الصغيرة.
.. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَ نُظْلَمُ
نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنَيَّنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
ووضع
حَسِبِينَ (4)) [الأنبياء: ٤٧/٢١] وقوله سبحانه:
فتری
الْكِنَبُ
اَلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا
(ج) [الكهف: ٤٩/١٨].
وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعاً: ((اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة، ولو
بكلمة طيبة)) وفي الصحيح له أيضاً: ((لا تحقِرنَّ من المعروف شيئاً، ولو أن
تفرغ من دَلْوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك، ووجهك إليه منبسط)»
وفي الصحيح أيضاً: ((يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرنَّ جارة لجارتها، ولو
فِرْسنَ شاة)) يعني ظلفها. وفي الحديث الآخر الذي أخرجه أحمد والبخاري في
التاريخ والنسائي عن حوَّاء بنت السكن: ((ردُّوا السائل، ولو بظلف محرق)).

٧٥٦
الُرُ (٣٠) - الزَّزلَّةِ: ٩٩ /١-٨
وأخرج الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله وسلم قال: ((يا عائشة استتري من
النار، ولو بشق تمرة، فإنها تسدّ من الجائع مسدّها من الشبعان)).
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال: ((كان أبو بكر يأكل مع
النبي ◌َ﴿، فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
٧
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ ج))) فرفع أبو بكر يده، وقال: يا
رسول الله وَليه إني أُجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر، فقال: يا أبا
بكر، ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذرّ الشر، ويدخر الله لك مثاقيل
ذرّ الخير، حتى تُوفّاه يوم القيامة)) .
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ((لما نزلت:
﴿إِذَا زُلِّلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قاعد،
فبكى، فقال له رسول الله وَله: ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: يبكيني هذه
السورة، فقال له رسول الله وقلله: لولا أنكم تخطئون وتذنبون، فيغفر الله
لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون، فيغفر لهم)) .
حسنات الكافر: قال ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو
شراً إلا أراه الله تعالى إياه، فأما المؤمن فيغفر له سيئاته، ويثاب بحسناته. وأما
الكافر فترد حسناته ویعذب بسيئاته.
وعلى هذا يعاقب الكافر بسبب كفره، وأما حسناته فتنفعه في الدنيا، كدفع
شر أو ضرر عنه، وأما في الآخرة فلا تفيده، ولا تنجيه من عذاب الكفر
الذي يخلد به في النار، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ
﴾ [الفرقان: ٢٣/٢٥].
هَبَآءُ مَنتُورًا الرَّحْيَ)
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:

٧٥٧
اِلُ (٣٠) - الزُّلَّةِ: ٩٩ / ١-٨
اً - من أمارات الساعة: الزلزلة الشديدة للأرض، وإخراج الأرض
أثقالها، أي ما في جوفها من الدفائن والأموات. قالوا: إنها عند النفخة
الأولى تتزلزل، فتلفظ بالكنوز والدفائن، وعند النفخة الثانية ترجف فتخرج
الأموات أحياء، كالأم تلد حياً.
أَ - لا شك بأن الإنسان في وقت الزلازل والبراكين يرتجف ويخاف
ويتساءل: ما للأرض زلزلت؟ ما لها أخرجت أثقالها؟ وهي كلمة تعجيب.
٣ - إذا زلزلت الأرض تخبر يومئذ بما عمل عليها من خير أو شر، ومعنى
تحديث الأرض عند أبي مسلم الأصفهاني: يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله،
فكأنها حدثت بذلك، كقولك: الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة، فكذا
انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت، وأن الآخرة قد
أقبلت. وقال الطبري: تُبين أخبارها بالرّجة والزلزلة وإخراج الموتى.
وقال الجمهور: المعنى أن الله تعالى يجعل الأرض حيواناً عاقلاً ناطقاً،
ويعرفها جميع ما عمل أهلها، فحينئذ تشهد لمن أطاع، وعلى من عصى، قال
وَّ في حديث الترمذي عن أبي هريرة: ((إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل
عمل عمل عليها)) ثم تلا هذه الآية(١).
٤ - الذي تخبر به الأرض: إما أعمال العباد على ظهرها، كما جاء في
حديث الترمذي عن أبي هريرة المتقدم: «أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله
ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمِل على
ظهرها، تقول: عمل يوم كذا، كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها)).
أو أنها تخبر بما أخرجت من أثقالها، كما جاء في حديث ابن ماجه عن ابن
مسعود عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إذا كان أجل العبد بأرض أوْ ثَبَتْه الحاجة
(١) تفسير الرازي: ٥٩/٣٢، تفسير القرطبي: ١٤٩/٢٠، غرائب القرآن: ١٥٧/٣٠

٧٥٨
الُهُ (٣٠) - الزُّلِّ: ٩٩ /١-٨
إليها، حتى إذا بلغ أقصى أثره، قبضه الله، فتقول الأرض يوم القيامة: ربّ
هذا ما استودعتني)).
أو أنها تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان: ما لها؟ وهذا قول ابن
مسعود، فتخبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرة قد أتى، فيكون ذلك
منها جواباً لهم عند سؤالهم، ووعيداً للكافر، وإنذاراً للمؤمن(١).
٥ - في يوم الزلزلة يذهب الناس من مخارج قبورهم إلى الموقف، بعضهم
إثر بعض، أو يرجعون وينصرفون من موقف الحساب إلى موضع الثواب
والعقاب فِرِقاً فرقاً، ليروا صحائف أعمالهم، أو جزاء أعمالهم، وهو الجنة
أو النار، وما يناسب كلّاً منهما.
ويؤيد هذا قول النبي وَلّ: (ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، فإن
كان محسناً فيقول: لم لا ازددت إحساناً؟ وإن كان غير ذلك يقول: لم لا
نزعت عن المعاصي)) (٢)؟ وهذا عند معاينة الثواب والعقاب.
٩ - كل من يعمل في الدنيا عملاً خيراً صغيراً أو كبيراً، يره بعينه، أو يُره
الله إياه يوم القيامة، وكل من يعمل في الدنيا عملاً شراً مهما كان قليلاً، يره
بنفسه، أو يُره الله إياه يوم القيامة. أو أن المراد: يجد جزاءه إن خيراً فخير،
وإن شراً فشر.
أما الكافر كما تقدم فحسناته في الآخرة محبطة بكفره، وترد في وجهه،
ويجد عقاب ما فعل من كفر أو شر، فيعذب بسيئاته، أي إن عموم الآية
قائم، ولكن لا تقبل حسنات الكفار.
قال ابن مسعود عن آية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾: هذه أحكم آية في القرآن. وقد
(١) تفسير القرطبي: ١٤٨/٢٠ - ١٤٩
(٢) تفسير القرطبي: ١٥٠/٢٠

٧٥٩
لُ (٣٠) - التزلّةِ: ٩٩ /١-٨
اتفق العلماء على عموم هذه الآية. قال كعب الأحبار: لقد أنزل الله على
محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزَّبور والصُّحف: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
٨
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ (
وكان النبي ◌َ ◌ّ - كما تقدم - يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة.
٠

٧٦٠
لِلُ (٣٠) السورة (١٠٠) الغَّادِيَات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ
سُورَةُ الْغَّادِيَاتِ
مڪية، وهي إحدى عشرة آية
تسميتها:
سميت سورة العاديات؛ لأن الله افتتحها بالقسم بالعاديات: وهي خيل
المجاهدين المسرعة في لقاء العدو.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر المناسبة بين السورتين من وجهين:
اً - هناك تناسب وعلاقة واضحة بين قوله تعالى في الزلزلة: ﴿وَأَخْرَجَتِ
(٣)) [الزلزلة: ٢/٩٩] وقوله في هذه السورة: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى
اُلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
اٌلْقُبُورِ﴾.
اً - لما ختمت السورة السابقة ببيان الجزاء على الخير والشر، وبَّخ الله
تعالى الإنسان على جحوده نعم ربه، وإيثاره الحياة الدنيا على الآخرة، وترك
استعداده للحساب في الآخرة بفعل الخير والعمل الصالح، وترك الشر
والعصيان.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة المكية مقاصد ثلاثة :