Indexed OCR Text
Pages 701-720
٧٠١ الُ (٣٠) السورة (٩٦) الْخَلِقّ فقال: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ آقْرَأْ وَرَبُّكَ ٢ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَم الأَكْرُ قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: زمِّلوني زمِّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوْعِ، فقال: يا خديجة، ما لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصِل الرَّحِمَ، وتصدُق الحديث، وتحمل الْكَلّ - الضعيف العاجز - وتَقْري الضيف، وتُعين على نوائب الحق. ثم انطلقتْ به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَّ، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ قد تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة: أي ابنَ عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي، ما ترى؟ فأخبره رسول الله وسلّم بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، ليتني فيها جَذَعاً(١)، ليتني أكون حيّاً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله وَله: أوَ مُخْرِجيَّ هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً. ثم لم يَنْشَب (٢) ورقة أن توفي، وفتَر الوحي، حتى حزن رسول الله وَل فیما بلغنا حُزْناً، غدا منه مراراً کاد یتردی من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذِرْوة جبل لكي يُلقي نفسه منه، تبدَّى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقاً، فَيَسْكُن بذلك جأشه، وتقَرُّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجيل، تبدَّى له جبريل، فقال له مثل ذلك. (١) الجذع: الشاب القوي الجَلْد. (٢) لم ينشب: لم يلبث. ٧٠٢ الجُرَءُ (٣٠) - الْخَلِوع: ٩٦ / ١-٨ الحكمة في خلق الإنسان وتعليمه القراءة والكتابة ٣ أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ أَ خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ (٦) أَن رَّوَاهُ جَ كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيَطْفَىٌ ( الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمَ ٨ أُسْتَغْفَىَ ﴿ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَّ الإعراب: ﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ ﴿3﴾ ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿اقْرأْ﴾. ﴿عَلَّمَ﴾ بدل اشتمال من ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ أي علمه به وبدونه من الأمور الكلية والجزئية والجلية والخفية. ﴿4﴾ ﴿أَنْ زََّاهُ﴾: في موضع نصب على أنه مفعول ﴿أَنْ رَّءَاهُ أُسْتَغْنَ لأجله، أي لأن رآه، وأصله (رأيَه) فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً. ورأى: يتعدى إلى مفعولين؛ لأنه من رؤية القلب، فالمفعول الأول: الهاء، والثاني: ﴿أُسْتَغْنَىَّ﴾. وقرئ (رأه) بهمزة من غير ألف بعدها، على أساس حذف لام الفعل مثل (حاش لله) أو لأن مضارعه (يرى) وقد حذفت عينه بعد نقل حركتها إلى ما قبلها، أو حذفت لسكونها وسكون السين في ﴿أُسْتَغْنَىَ﴾. ٤ سجع مرضَّع. ٢ البلاغة: خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ (١) ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ و﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾﴾ إطناب بتكرار الفعل، لمزيد الاهتمام بشأن القراءة والعلم. ٧٠٣ لُعُ (٣٠) - الْخَلِقِّ: ٩٦ / ١-٨ ﴿خَلَقَ﴾ و﴿عَلَقٍ﴾ بينهما جناس ناقص. ﴾ بينهما طباق السلب. ۵ ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمَ (٨) التفات من الغيبة إلى الخطاب، تهديداً وتحذيراً ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَّ من عاقبة الطغيان. المفردات اللغوية: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ ابتدئ قراءة القرآن مفتتحاً باسم ربِّك، أو مستعيناً به. ﴿الَّذِى خَلَقَ﴾ الذي خلق كل شيء. ﴿خَلَقَ اُلْإِنسَنَ﴾ جنس الإنسان. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقة: وهي قطعة دم يسيرة جامدة، فإذا جرى الدم فهو المسفوح . ﴿أَقْرأْ﴾ تأكيد للأول. ﴿وَرَبُّكَ اَلْأَكَرَُ﴾ الذي لا يوازيه كريم، الزائد في الكرم على كل كريم، فإنه يُنعم بلا غرض. ﴿ الَّذِى عَلَّمَ بِلْقَلِمِ ﴾﴾ علّم الخط والكتابة بالقلم، وأول من خط به إدريس عليه السلام . ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (@) علم جنس الإنسان بخلق القوى، وإقامة الدلائل، وإنزال الآيات، وبتعليمه الأشياء من غير معلِّم كالكتابة والصناعة وغيرها، والمقصود: أنه يعلمك القراءة وإن لم تكن قارئاً. وقال: ﴿مِنْ عَلَقِ﴾ بلفظ الجمع؛ لأنه أراد بالإنسان الجمع، وكل الناس خلقوا من علق بعد النطفة. والعلقة: قطعة من دم رطب، سميت بذلك؛ لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه، فإذا جفّت لم تكن علقة. وقد أبان في هذه الآيات مبدأ خلق الإنسان الذي يدلّ على الأوصاف الإلهية، وأهمها بيان وجوده وقدرته تعالى، ثم أشار إلى إثبات العلوم السمعية الموقوفة على النقل والكتابة، ثم إثبات النبوة. ﴿كَلَّ﴾ أي حقاً عند بعض المفسرين؛ لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يتوجه إليه الردع، وقال الزمخشري: إنه ردع لمن كفر بنعمة الله عليه وطغى، وهذا معلوم من سياق الكلام، وإن لم يذكر . ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ﴾ أي: أيَّ فرد من النوع ٧٠٤ لِلُعُ (٣٠) - الْخَلِق: ٩٦ / ١-٨ الإنساني. ﴿لَيَطْفَى﴾ يتكبر ويتجاوز الحدّ في العصيان. ﴿أَنَ زَّءَاهُ﴾ لأن رأى نفسه. ﴿اَسْتَغْنَى﴾ اغتنى بالمال وغيره، أي صار ذا مال وأعوان يغنى بهما، والآية نزلت في أبي جهل، كما سأبيّن. ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ﴾ يا إنسان. ﴿الرُّجْعَّ﴾ الرجوع، والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، أي المصير والعودة، والمراد تخويف الإنسان، فإن الله يجازي الطاغي بما يستحقه. سبب النزول: نزول الآية (٦): ﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ﴾: أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن المنذر وغيرهم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعِّر محمدٌ وجْهَه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل لأطأنّ على رقبته، ولأعفرنّ وجهه في التراب، فأنزل الله: ﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَطْفَىُ (٦) الآيات. ثم إنه رأى رسول الله وَر في الصلاة، فنكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار، وهولاً شديداً. التفسير والبيان: ﴿أَقْرَأْ بِأُسِّ رَيِكَ الَّذِى خَلَقَ ﴾﴾ أي اقرأ مبتدئاً باسم ربِّك، أو مستعيناً باسم ربِّك، الذي أوجد وخلق كل شيء. وقد وصف الله لنا نفسه بأنه الخالق للتذكير بأول النعم وأعظمها. والمراد: الأمر من الله لنبيّه بأن يصير قارئاً، بقدرة الله الذي خلقه وإرادته، وإن لم يكن من قبل قارئاً ولا كاتباً، فمن خلق الكون قادر على أن يوجد فيه القراءة، وإن لم يتعلمها سابقاً. ﴿خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ (٣) أوجد بني آدم من قطعة دم جامد وهي العلقة، التي هي طور من أطوار خلق الجنين، فإنه يبدأ نطفة، ثم يتحول بقدرة الله إلى علقة: وهي كأنها قطعة من الدم الجامد، ثم يكون مضغة: وهي كأنها قطعة لحم، ثم يظهر فيها بقية التخليق من عظام، فلحم، فإنسان كامل الخلقة. ٧٠٥ لِلُُ (٣٠) - الْخَلِقَ: ٩٦ / ١-٨ ويلاحظ أنه تعالى أطلق الخلق أولاً ليتناول كل المخلوقات، ثم خصّ الإنسان بالذِّكر لشرفه، أو لعجيب فطرته، أو لأن الآية سيقت من أجله. وإنما قال: باسم ربِّك، ولم يقل: باسم الله كما في التسمية المعروفة: (بسم الله الرحمن الرحيم) لأن الربّ: من صفات الفعل، والله: من أسماء الذات، وبما أنه أمره بالعبادة، وصفات الذات لا تستوجب شيئاً، وإنما يستوجب العبادة صفات الفعل، فكان ذلك أبلغ في الحثّ على الطاعة، والخلاصة: أنه لم يأت بلفظ الجلالة، لما في لفظ الرّب من معنى الذي ربّاك، ونظر في مصلحتك، وجاء الخطاب ليدل على التأنيس والاختصاص، أي ليس لك ربّ غيره. وإنما أضاف ذاته إلى رسوله، فقال: ﴿بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ للدلالة على أنه له، تصل إليه منفعته، أما طاعة العبد فلا تحقق منفعة لله، فإذا أتى بما طلبه منه من طاعة أو توبة، أضافه إلى نفسه بوصف العبودية، فقال: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [الإسراء: ١/١٧] . وإنما ذكر قوله ﴿اُلَّذِى خَلَقَ﴾ بعد قوله: ﴿رَبِّكَ﴾ للاستدلال على أنه ربّه، وهو الذي أوجده، فصار موجوداً بعد أن كان معدوماً، والخلق والإيجاد تربية، وكذلك جاء بصفة الخالق، أي المنشئ للعالم، للإتيان بصفة لا يمكن للأصنام شركة فيها، فيكون ردّاً على العرب التي كانت تسمي الأصنام أرباباً. ﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾﴾ أي افعل ما أُمرت به من القراءة، وربّك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم من كل كريم، ومن كرمه: تمكينك من القراءة وأنت أميّ. وإنما كرر كلمة ﴿أَقْرَأْ﴾ للتأكيد، ولأن القراءة لا تتحقق إلا بالتكرار والإعادة. وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ لإزاحة المانع، وإزالة العذر الذي اعتذر به النبيِ وَّهه لجبريل حين طلب منه بقوله: ﴿اقْرَأْ﴾، فقال: ما أنا بقارئ. والأوجه: أن يراد بقوله الأول: ﴿اقْرَأْ﴾: أوجد القراءة، وبالثاني: استعن باسم ربّك. ٧٠٦ الجُ (٣٠) - الْخَلِقّ: ٩٦ / ١-٨ ثم قرن القراءة بالكتابة، فقال: ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلِ ﴾﴾ أي علّم الإنسان الكتابة بالقلم، فهو نعمة عظيمة من الله عزّ وجلّ، وواسطة للتفاهم بين الناس كالتعبير باللسان، ولولا الكتابة لزالت العلوم، ولم يبقَ أثر لدين، ولم يصلح عيش، ولم يستقر نظام، فالكتابة قيد العلوم والمعارف، ووسيلة ضبط أخبار الأولين ومقالاتهم، وأداة انتقال العلوم بين الأمم والشعوب، فتبقى المعلومات، ثم يبنى عليها ويزاد إلى ما شاء الله، فتنمو الحضارات، وتسمو الأفكار، وتحفظ الأديان، وتنشر الهداية. جاء في الأثر: ((قيدوا العلم بالكتابة))(١). لهذا بدأت دعوة الإسلام بالترغيب في القراءة والكتابة، وبيان أنها من آيات الله في خلقه، ومن رحمته بهم، وكانت معجزة محمد وَيقول الخالدة، وهو العربي الأميّ، قرآناً يتلى، وكتاباً يكتب، وأنه بذلك نقل أمته من حال الأميّة والجهل إلى أفق النور والعلم، كما قال تعالى ممتناً بذلك: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِي الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَلِهِ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ (+) [الجمعة: ٢/٦٢]. وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبیٍ ثم أبان عموم فضله وكثرة نعمه، فقال: ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمَ ﴾﴾ أي علَّم الله الإنسان بالقلم كثيراً من الأمور ما لم يعلم بها، فلا عجب أن يعلمك الله أيها النبي القراءة، وكثيراً من العلوم، لنفع أمتك. ورد في الأثر: ((من عمل بما علم، ورّثه الله علم ما لم یکن یعلم)) (٢). ثم ردع الإنسان على طغيانه حال الغنى، فقال: (١) أخرجه الطبراني والحاكم عن عبد الله بن عمرو، وهو صحيح. (٢) تفسير ابن كثير: ٥٢٨/٤ ٧٠٧ الُعُ (٣٠) - الْخَلِق: ٩٦ / ١-٨ ﴾ أي ارتدع وانزجرْ أيها ٧ ﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيَطْفَىٌ ﴿ أَنْ زَّءَاهُ أُسْتَغْنَى الإنسان، عن كفرك بنعمة الله عليك، وتجاوزك الحدّ في العصيان، لأن رأيت نفسك مستغنياً بالمال والقوة والأعوان. وقيل: المراد بالآية: حقاً إن أمر الإنسان عجيب، يستذل ويضعف حال الفقر، ويطغى ويتجاوز الحدّ في المعاصي ويتكبّر ويتمرد حتى أحسّ بنفسه القدرة والثروة. وأكثر المفسرين على أن المراد بالإنسان هنا أبو جهل وأمثاله. ثم أنذر بالعقاب في الآخرة، فقال: ٨ ، أي إن الرجوع والمصير إلى الله وحده، لا إلى ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ اُلُّجْعَ لْ غيره، فهو الذي يحاسب كل إنسان على ماله من أين جمعه، وأين صرفه. ويلاحظ أن هذا الكلام جاء على طريقة الالتفات إلى خطاب الإنسان، تهديداً له، وتحذيراً من عاقبة الطغيان. .روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود: منهومان لا يشبعان: صاحب العلم، وصاحب الدنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن، وأما صاحب الدنيا، فيتمادى في الطغيان، ثم قرأ عبد الله: ﴿إِنَّ وقال للآخر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اُلْإِنسَنَ لَيَطْفَىٌّ، أَن رََّاهُ أَسْتَغْنَى اُلْعُلَمَؤُأَ﴾. وقد روي هذا مرفوعاً إلى رسول الله وَله: ((منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا)) . فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - بيان قدرة الله تعالى بالخلق، فهو الخالق، والتنبيه على ابتداء خلق ٧٠٨ الجزءُ (٣٠) - الْخَلِقْ: ٩٦ / ١-٨ الإنسان من علقة: قطعة دم جامد رطب غير جاف. وهذه الآيات الكريمات أول شيء نزل من القرآن، وهن أول رحمة من الله لعباده، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم. اً - أمر الله سبحانه الرسول وَ﴾ بأن يقرأ القرآن باسم ربّه الذي خلق، واسم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم. ٣ - أمر الله تعالى أيضاً بتعلم القراءة والكتابة؛ لأنهما أداة معرفة علوم الدين والوحي، وإثبات العلوم السمعية ونقلها بين الناس، وأساس تقدم العلوم والمعارف والآداب والثقافات، ونمو الحضارة والمدنية. ٤ - من كرم الله تعالى وفضله: أن علم الإنسان ما لم يكن يعلمه، لينقله من ظلمة الجهل إلى نور العلم، فقد شرّفه وكرّمه بالعلم، وبه امتاز أبو البرية آدم على الملائكة، والعلم إما بالفكر والذهن، وإما باللسان، وإما بالكتابة بالبنان. قال قتادة: القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلُح عيش. وفضائل الكتابة والخط كثيرة، فحيث منّ الله على الإنسان بالخط والتعليم، مدح ذاته بالأكرمية، فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلِ أي علَّم الإنسان بواسطة القلم، أو علّمه الكتابة بالقلم. مع أنه سبحانه حين عدد على الإنسان نعمة الخلق والتسوية وتعديل الأعضاء الظاهرة والباطنة، وصف نفسه بالكرم قائلاً: ﴿يَأَيُهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ (َ﴾ [الانفطار: ٦/٨٢-٧]. بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ جاء في الحديث الصحيح: ((أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فهو عنده في الذِّكْر فوق عرشه))(١). (١) تفسير القرطبي: ١٢١/٢٠ ٧٠٩ اِلُرُ (٣٠) - الْخَلِقَ: ٩٦ / ١-٨ وكانت أميّة الرسول وَّله ثم تعليمه من الله أثبت لمعجزته بين العرب الأميين، وأقوى في حجته. ٥ - أخبر الله تعالى عن طبع ذميم في الإنسان وهو أنه ذو فرح وأشر، وبطر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى، وكثر ماله. لذا هدده الله وتوعده ووعظه ليضبط طغيانه ويوقف تهوره بإخباره بأنه إلى الله المصير والمرجع، وسيحاسب كل إنسان على ماله، من أين جمعه، وفيم صرفه وأنفقه. وأصل نزول الآية في أبي جهل عند أكثر المفسرين، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل فقال: يا محمد، تزعم أنه من استغنى طغى؛ فاجعل لنا جبال مكة ذهباً، لعلنا نأخذ منها، فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: ((يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاؤوا فعلنا بهم ما أرادوه، فإن لم يسلموا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة)). فعلم رسول الله وَير أن القوم لا يقبلون ذلك؛ فكفَّ عنهم إبقاء عليهم (١). أً - أول السورة يدل على مدح العلم، وآخرها يدل على مذمة المال، وكفى بذلك مرغباً في الدين، ومنفراً عن الدنيا والمال(٢). (١) تفسير القرطبي: ١٢٣/٢٠ (٢) تفسير الرازي: ٩/٣٢ ٧١٠ الُ (٣٠) - الْجَلِقَ: ٩٦ / ٩-١٩ صور أخرى من الطغيان وتهديد الطغاة ووعيدهم عَبْدًا إِذَا صَلَّىَ ﴿ أَرَعَيْتَ إِن كَانَ عَلَى اُلْهُدَىّ ﴿ أَوْ أَمَرَ ﴿أَرَّيْتَ الَّذِى يَنْهَىّ بِالنَّقْوَىّ ﴿ كَلَّا لَيِنِ لَّمْ بَنْتَهِ لَنَشْفَعًا أَرَيْتَ إِن كَذَّبَ وَوَلَّ: ﴿ أَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ١٣ پِالنَّاصِيَةِ فَلَدُْ نَادِیَهُ نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ١٥ سَنَدْعُ الزَّبَنِيَةَ ﴿َ كَلَّا لَا ١٩ نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَاقْتَّبِهُ القراءات: ﴿ أَرَءَيْتَ وقرأ الكسائي: (أريت). الإعراب: ﴿أَيْتَ﴾: يقرأ بالهمز على الأصل، ﴿أَرَيْتَ الَّذِى يَنْعَىّ وبالتخفيف بجعل الهمزة بين الهمزة والألف؛ لأن حركة الهمزة فتحة، وتخفيف الهمزة: أن تجعل بين الهمزة والحرف الذي حركتها منه. وتقرأ بالإبدال: بجعل الهمزة ألفاً تشبيهاً لها بما إذا كانت ساكنة، مفتوحاً ما قبلها، وليس لقياس. و﴿الَّذِى يَنْهَى﴾: مفعول أول لو﴿أَرَيْتَ﴾ الأول، و﴿أَرَوَّيْتَ﴾ الثاني مكرر للتأكيد ولطول الكلام. وقوله: ﴿إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىّ﴾ مع ما عطف عليه مفعول ثان له. وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب الشرط الثاني وهو قوله: ﴿أَّ بَعَلَى﴾. ويجوز أن يكون ﴿أَرَيْتَ﴾ الثالث أيضاً مكرراً. وجواب الشرط بالحقيقة هو ما تدل عليه هذه الجملة الاستفهامية وهي: ﴿أَلَمَّ ﴾ كأنه قيل: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أو كذب يَعْلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (®) وتولى، فإن الله مجازیه. نون (نسفعن) نون التوكيد ﴿لَنَسْفَعْا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةِ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ٠ ٧١١ الُ (٣٠) - الْخَلِقَ: ٩٦ / ٩-١٩ الخفيفة، وتكتب بالألف عند البصريين كالتنوين، وبالنون عند الكوفيين، وهي مكتوبة في المصحف بالألف، كمذهب البصريين، مثل: ﴿وَلَيَكُوْنَا مِّنَ اُلْضَّغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢/١٢] وليس في القرآن لهما نظير. ﴿نَاصِيَّةٍ كَذِبَةٍ﴾: بدل من الناصية، وهذا بدل النكرة من المعرفة. ﴾ أي أهل مجلسه، أهل ناديه، فحذف المضاف وأقيم ١٧ ﴿فَلَدْعُ نَادِيَمُ المضاف إليه مقامه. البلاغة: عَبْدًا﴾ ؟ كناية، کنی بالعبد عن رسول الله ێآ، ﴿أَرَيْتَ الَّذِى يَنْهَىّ ولم يقل: ينهاك؛ تفخيماً لشأنه وتعظيماً لقدره. و﴿أَرَيْتَ﴾ استفهام للإنكار والتعجب، وهي بمعنى أخبرني. [١٩)))؟ استفهام ﴿أَرَوَيْتَ الَّذِى يَنْهَىِّ جَ﴾ ﴿أَرَعَيْتَ إِن كَانَ عَلَى اُلْهُدَّ للتعجيب من حال الناهي الذي ینھی. ﴿نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (1) مجاز عقلي، أسند الكذب والخطأ إلى الناصية مجازاً، والمراد صاحبها؛ لأنه السبب. مجاز مرسل علاقته المحلية، أي أهل ناديه، بإطلاق ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ المحل وإرادة الحالّ. المفردات اللغوية: ﴿أَرَيْتَ﴾؟ أي أخبرني، وهي في المواضع الثلاثة للتعجب، والمراد من الاستخبار: إنكار الحال المستخبر عنها وتقبيحها، مثل: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى (٣)﴾ [الماعون: ١/١٠٧]. ﴿الَّذِى يَتْعَىّ، عَبْدًا إِذَا صَلََّ يُكَذِّبُ بِآلِيِنِ الناهي: هو أبو جهل، والعبد: هو النبي ◌َّ. والمعنى: أخبرني عمن ينهى ٧١٢ لالُعُ (٣٠) - الْخَلِقَ: ٩٦ / ٩-١٩ بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله، أو كان آمراً بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد، وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح كما نقول نحن؟! وقيل: أرأيت إن كان المنهي على الهدى أو أمر بالتقوى؟ و(أو): للتقسيم. ﴿أَرَعَيْتَ إِن كَذَّبَ﴾ الناهي النبيَّ؟ ﴿ وَوَّ﴾ عن الإيمان. ﴿أَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (٣)؟ أي ألم يدر بأن الله يرى ويشاهد ما يصدر منه، فيجازيه عليه؟ أي اعْجَبْ منه يا مخاطب من حيث نهيه عن الصلاة، ومن حيث إن المنهي عن الهدى آمر بالتقوى، ومن حيث إن الناهي مكذب متول عن الإيمان؟! • للرسول اَلر على وجه والخطاب في قوله: ﴿أَرَّيْتَ الَّذِى يَنْهَى (٦) التعجب. وفيه أنه وَ ل﴿ كان يقول: ((اللهم أعِزّ الإسلام بعُمر، أو بأبي جهل بن هشام)) وكأنه تعالى قال له: يا محمد، كنت تظن أنه يعِزّ به الإسلام، وهو ينهى عن الصلاة التي هي أول أركان الإسلام. وكان يلقب بأبي الحكم، فقيل له: كيف يليق به هذا اللقب، وهو ينهى العبد عن خدمة ربه، ويأمره بعبادة الجماد؟! وجواب شرط: ﴿إِن كَانَ عَلَى اُلَهُدَىّ﴾ محذوف تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى، ألم يعلم بأن الله يرى، أي فإن الله مجازيه. ٤ ردع للناهي. ﴿لَيِنْ لَّرْ بَهِ﴾ عما هو فيه أو عليه من الكفر، واللام: لام القسم. ﴿لَنَسْفَمَّا بِالنَّاصِيَّةِ﴾ لنأخذن بناصيته، ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: الجذب بشدة، والناصية: شعر الجبهة. والمراد بذلك: القهر والإذلال بأنواع العذاب. ﴿كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ وصفها بالكذب والخطأ، والمراد صاحبها، بالإسناد المجازي للمبالغة .﴿نَادِيَهُ﴾ أي أهل ناديه، والنادي: المجلس أو مكان اجتماع القوم للتحدث فيه، ولا يسمى نادياً حتى يكون فيه أهله. ٧١٣ لُزُ (٣٠) - الْخَلِقَ: ٩٦ / ٩-١٩ ﴿سَنَدْعُ الزَّبَنِيَةَ (٣)﴾ ليجروه إلى النار، و﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ الملائكة الغلاظ الشداد جمع زبنية وزنْني، قال ابن عباس فيما ذكره أحمد: ((لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عياناً)). ﴿كَلََّ﴾ ردع للناهي أيضاً. ﴿لَا نُطِعْهُ﴾ يا محمد في ترك الصلاة، واثبت أنت على طاعتك. ﴿وَأَسْجُدْ﴾ ودم على سجودك، وصلِّ لله . ﴿ وَأَقْتَبِ﴾ تقرب إلى ربك بطاعته. سبب النزول: نزول الآية (٩): ): أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان (أَرَوَيْتَ الَّذِى يَنْهَىِّ رسول الله وَلا يصلي، فجاءه أبو جهل، فنهاه، فأنزل الله: ﴿أَرَوَيْتَ الَّذِى يَنْعَىّ عَبْدًا إِذَا صَلَّمَ ﴿4﴾ إلى قوله: ﴿كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. نزول الآية (١٧): ﴾: أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن ١٧ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ عباس قال: كان النبي ◌َّ يصلي، فجاءه أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبي ◌َّر، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر مني، فأنزل الله: (1) وهو حسن صحيح كما قال الترمذي. ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ١٧ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ المناسبة: بعد أن أبان سبحانه في مطلع السورة مظاهر القدرة الإلهية، وعدد نعمه ومننه العظمى على الإنسان بتعليمه القراءة والكتابة وما لم يعلم، ذكر السبب الحقيقي لكفر الإنسان وطغيانه وبغيه، وهو حب الدنيا والثروة والاغترار بها؛ مما شغله عن النظر في آيات الله وشكر نعمه. ثم ذكر صوراً أخرى من طغيان الإنسان، وهي النهي عن الصلاة ٧١٤ لُعُ (٣٠) - الْخَلِقّ: ٩٦ / ٩-١٩ والعبادة، وهل يأمر بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان؟ وتكذيبه بالحق والتولي عن الدين والإيمان. وناسب بعد هذا تهديده ووعيده بالعقاب الشديد والنكال الأليم يوم العرض والحساب، من غير أن يجد نصيراً ينصره أو معيناً يمنعه من العذاب. وختمت السورة بأمر النبي وَل ير بعدم طاعة هذا الطاغية، والإقبال على عبادة ربه، والتقرب إليه بالطاعة. التفسير والبيان: أخبر الله تعالى عن حالات قبيحة جداً من أحوال الطغاة وهي: عَبْدًا إِذَا صَلََّ ﴾﴾ ؟ أي أخبرني عن حال اً - ﴿أَرَوَيْتَ الَّذِى يَنْعَىّ هذا الطاغية المغرور وهو أبو جهل وأمثاله، كيف يجرؤ على أن ينهى عبداً هو محمد رسول الله : ﴿ وأتباعه عن أداء الصلاة والعبادة لله رب العالمين، ويريد طاعته في عبادة الأوثان، وترك عبادة الخالق الرزاق؟ وتنكير كلمة ﴿عَبْدًا﴾ يدل على كونه كاملاً في العبودية. والمراد بالآية: ما أجهل من ينهى أشد الخلق عبودية عن الصلاة، وذلك مذموم عند العقلاء. روي أن علياً رضي الله عنه رأى في المصلى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله وهل* يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم؟ عَبْدًا إِذَا صَلَّمَ ٩ فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَرَيْتَ الَّذِى يَنْهَىّ ﴾ فلم يصرح بالنهي عن الصلاة. وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حين قال أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟ فقال: يقول: ربنا لك الحمد، ويسجد، ولم يصرح بالنهي عن الدعاء(١). (١) تفسير الرازي: ٢١/٣٢، غرائب القرآن: ١٣٦/٣٠ ٧١٥ اِلُحُ (٣٠) - الْخَلِقِ: ٩٦ / ٩-١٩ أي أخبرني أيضاً ◌َ - ﴿أَعَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَّ ﴿ أَوْ أَمَرَ بِلنَّقْوَ عن حال هذا الطاغية الناهي، إن كان على طريق سديد فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى، أو هل هو آمر بالتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان، كما يعتقد؟ . والأكثرون على أن الخطاب للنبي وَله أيضاً، ليكون الكلام على نسق واحد. وقيل: الخطاب للكافر، والمعنى: أرأيت يا كافر إن كانت صلاة هذا العبد المنهي هدى، ودعاؤه إلى الدين أمراً بالتقوى، أتنهاه مع ذلك؟ والتقوى: الإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تُتقى به النار. ويتصور هذا كأن الظالم والمظلوم حضرا عند الحاكم، أحدهما المدعي، والآخر المدعى عليه، ثم خاطب هذا مرة، أي في الكلام الأول: ﴿أَرَدَيْتَ الَّذِى يَنْعَىِّ وهذا مرة أي في الكلام الثاني: ﴿أَرَعَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىّ ◌َ - ﴿أَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَّ ﴾ أي أخبرني يا محمد عن حال هذا الكافر أبي جهل إن كذب بدلائل التوحيد الظاهرة، ومظاهر القدرة الباهرة، وبما جاء به رسول الله، وأعرض عن الإيمان بدعوتك؟ والجواب فيما دلّ عليه ما يأتي: ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة، وأنه سيجازيه ويحاسبه على جرائمه؟ وهذا على رأي الأكثرين في أن الخطاب في ﴿أَرَدَيْتَ﴾ في المواضع الثلاثة للنبي وَّر. فإن كان الخطاب للكافر فالمراد بالآية الثالثة: إن كان محمد كاذباً أو متولياً عن الحق، ألا يعلم أن خالقه يراه حتى ينتهي، فلا يحتاج إلى نهيك؟ قال العلماء: هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل، إلا أن كل من ينهى عن طاعة الله فهو شريك في وعيد أبي جهل. ثم جاء الزجر والتهديد والوعيد بصيغ مختلفة مبالغ فيها، وبعضها أشد من بعض : ٧١٦ الجُرُ (٣٠) - الْخَلِقَ: ٩٦ / ٩-١٩ أي أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن ١٤ ا - ﴿أَلَ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَ الله يراه ويسمع كلامه ويطلع على أحواله، وسيجازيه بها أتم الجزاء، فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟! نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴿4﴾﴾ أي ليرتدع أَ - ﴿كَا لَيِنِ لَّرْ بَتَهِ لَنَسْفَمَا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) وينزجر هذا الناهي عن البِرّ والعبادة لله تعالى، فوالله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر عن الشقاق والعناد، لنأخذن بناصيته، ولنجرّنه إلى النار. والناصية: شعر مقدم الرأس، وصاحبها كاذب خاطئ مستهتر بفعل الخطايا والذنوب. وفي هذا توعد شديد، وتهديد أكيد عن طغيان هذا الطاغية. سَنَّدْعُ الزََّانِيَّةَ ﴾﴾ أي فليدع هذا الناهي أهل ◌َ - ﴿فَلَدْعُ نَادِيَمُ ناديه أي قومه وعشيرته، ليستنصر بهم ويعينوه، والنادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم أو الأهل والعشيرة، فإنه إن دعاهم لنصرته، تعرض لسخط ربه وعقابه الأشد، وسندعو له حينئذ الزبانية، أي الملائكة الغلاظ الشداد، ليأخذوه ويلقوه في نار جهنم. وفي هذا تحدٍّ بالغ. روي أن أبا جهل قال لرسول الله وَ لير: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟ فنزلت، كما تقدم. وروى البخاري والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي وَّ فقال: ((لئن فعل لأخذته الملائكة)). ٤ - ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدُ وَاقْتَّبِ ﴾ (®﴾ أي إياك يا محمد أن تجامل هذا الطاغية في شيء، أو تطيعه فيما دعاك إليه من ترك الصلاة كما قال: ﴿فَلاَ تُطِع اٌلْمُكَذِّبِينَ ﴿َ﴾ [القلم: ٨/٦٨]، وصلِّ الله غير مكترث به، ولا مبال بتهديده ٧١٧ لُرُ (٣٠) - الْخَلِقِ: ٩٦ / ٩-١٩ أو نهيه، وتقرب إلى الله سبحانه بالطاعة والعبادة، فذلك يكسبك قوة وعزة، ومنعة وهيبة في قلوب الأعداء، والعبادة هي الحصن والوقاية، وطريق النجاة والنجاح والنصر. وقوله: ﴿كَلَا﴾ ردع لأبي جهل عن قبائح أحواله وأفعاله. والمراد بنهي النبي ◌َّو عن طاعة أبي جهل: قطع كل الصلات والعلاقات معه، والمراد بالأمر بالسجود: أن يزداد غيظ الكافر. وهذا تهكم بهذا الطاغية، واستخفاف به، وتعريض بأن الله سبحانه وتعالى عاصم نبيه وحافظه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - وصف الله تعالى أبا جهل وأمثاله من الطغاة المتمردين المتكبرين بأنه ينهى الرسول ولو وأتباعه عن عبادة الله تعالى، وأنه فيما يأمر به من عبادة الأوثان ليس على طريق سديدة، ولا على منهج الهدى، ولا من الآمرين بالتقوى، أي التوحيد والإيمان والعمل الصالح، وأنه في الحقيقة مكذب بكتاب الله عز وجل، ومعرض عن الإيمان. أَ - هدّد الله تعالى هذا الطاغية بالحشر والنشر، فإن الله تعالى عالم بجميع المعلومات، حكيم لا يهمل، عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فلا بدّ أن يجازي كل أحد بما عمل. وفي هذا تخويف شديد للعصاة، وترغيب قوي لأهل الطاعة. وهذه الآية، وإن نزلت في حق أبي جهل، فكل من نهى عن طاعة الله، فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد، كما تقدم. ٧١٨ لُرُءُ (٣٠) - الْخَلِقّ: ٩٦ / ٩-١٩ ولا يعترض عليه بالمنع من الصلاة في الدار المغصوبة، والأوقات المكروهة؛ لأن المنهي عنه غير الصلاة، وهو المعصية. كذلك لا يعترض عليه بمنع الزوجة عن صوم التطوع وعن الاعتكاف؛ لأن ذلك لاستيفاء مصلحة الزوج بإذن الله، لا بغضاً بعبادة ربه. ◌َّ - زاد الله تعالى في الزجر والوعيد لذلك الطاغية أبي جهل وأمثاله: بأنه إن لم ينته عن أذى محمد ليأخذن الله بناصيته (مقدم شعر رأسه) وليذلّنه ويجرّنه إلى نار السعير؛ لأن ناصية أبي جهل كاذبة في قولها، خاطئة في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ(١) غير مؤاخذ. والمراد أن صاحب تلك الناصية كاذب خاطئ، كما يقال: نهاره صائم، وليله قائم، أي هو صائم في نهاره، قائم في ليله. ٤ - تحدى الله تعالى هذا الطاغية مع التهكم والتوبيخ بأن يطلب أهل مجلسه وعشيرته، ليستنصر بهم، فإنه إذا فعل أحضر الله الزبانية الملائكة الغلاظ الشداد لإلقائه في نار السعير. ٥ - بالغ الله تعالى في زجر هذا الكافر عن كبريائه، ونَفَى قدرته على تحقيق تهديده، وحقّره وأبان صغر شأنه وعجز نفسه، فليس الأمر كما يظنه أبو جهل، ولا تطعه يا محمد فيما دعاك إليه من ترك الصلاة، وصلِّ لله، وتقرب إلى جنابه بالطاعة والتعبد. وإنما عبَّر عن الصلاة الله بقوله ﴿وَأَسْجُدْ﴾ لما روى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويلقى: ((أقرب ما يكون العبد من ربه، وأحبه إليه، جبهته في الأرض، ساجداً لله)). وعند مسلم عن أبي هريرة: «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)). (١) الخاطئ: الآثم القاصد للذنب. والمخطئ: من أراد الصواب، فصار إلى غيره. ٧١٩ الُُ (٣٠) - الْجَلِقَ: ٩٦ / ٩-١٩ وإنما كان ذلك؛ لأن السجود على الأرض نهاية العبودية والذلة، ولله غاية العزة، وله العزة التي لا مقدار لها، فكلما بعدت من صفته، قربت من جنته، ودنوت من جواره في داره. جاء في الحديث الصحيح: أن النبي وَل قال: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب. وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فإنه فَمِن(١) أن يستجاب لكم))(٢). (١) قَيِن: خليق وجدير. (٢) تفسير القرطبي: ١٢٨/٢٠ ٧٢٠ الجُحُ (٣٠) السورة (٩٧) القَلِ ٠ ٤٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِى الرَ سُؤَدَّةُ الْقَدْرِ مڪية، وهي خمس آيات تسميتها: سميت سورة القدر، أي العظمة والشرف تسمية لها بصفة ليلة القدر الذي أنزل الله فيها القرآن، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ اٌلْقَدْرِ ﴾﴾ أي في ليلة عظيمة القدر والشرف. مناسبتها لما قبلها: أمر الله تعالى في سورة العلق نبيه وَ * بقراءة القرآن باسم ربه الذي خلق، واسم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، ثم أبان في هذه السورة زمن البدء في نزول القرآن، وهو ليلة القدر ذات الشرف الرفيع والقدر العالي بسبب نزول القرآن فيها. ما اشتملت عليه السورة: تحدثت هذه السورة المكية عن تاريخ بدء نزول القرآن الكريم، وعن فضل ليلة القدر على سائر الأيام والليالي والشهور، لنزول الملائكة وجبريل فيها بالأنوار والأفضال والبركات والخيرات على عباد الله المؤمنين الصالحين، من لدن أرحم الراحمين الذي يفيض بها على من يشاء.