Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
لُرعُ (٣٠) - التكوير: ٨١ /١٥-٢٩
وقيل: هي الرؤية التي رآه فيها عند سدرة المنتهى، وسمي ذلك الموضع أفقاً
مجازاً، وقد كانت له عليه السلام رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه (١).
﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينِ ﴿٣)﴾ أي ليس محمد ◌َّ على ما أنزله الله عليه
من الوحي وخبر السماء ببخيل مقصر في التعليم والتبليغ، بل يعلّم الخلق
كلام الله وأحكامه دون أي انتقاص، وهو ثقة مؤتمن لا يأتي بشيء من عند
نفسه، ولا يبدل ولا يغير أي حرف أو معنى فيه.
أي وما القرآن بقول شيطان يسترق
٢٥
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنِ تَّحِيمٍ
السمع، مرجوم بالشهب، فالقرآن ليس بشعر ولا كهانة، كما قالت قريش،
وَمَا يَنْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَزََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ
١٢﴾ [الشعراء: ٢١٠/٢٦-٢١٢].
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
)﴾ أيْ: أيُّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد
٢٦
﴿فَأَتَّنَ تَذْهَبُونَ
بيّنت لكم؟ وأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه
وبيان كونه حقاً من عند الله تعالى؟
لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (®﴾ أي ما
٣٧
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، وتذكير لهم بما ينفعهم، وتحذير لهم عما
يضرهم، لمن أراد من البشر أن يستقيم على الحق والإيمان والطاعة، فمن أراد
الهداية فعليه بهذا القرآن، فإنه مناجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه.
قال الزمخشري: ﴿لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ﴾ بدل من ﴿لِلْعَلَمِينَ﴾ وإنما أبدلوا منهم؛
لأن الذين شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه
لم يوعظ به غيرهم، وإن كانوا موعوظين جميعاً.
(١) البحر المحيط: ٨/ ٤٣٤-٤٣٥

٤٦٢
الجُرُ (٣٠) - التكويرِ: ٨١ /١٥-٢٩
أي وما تشاؤون
﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
الاستقامة ولا تقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه، فليست المشيئة
موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى، ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله
تعالى ربّ الإنس والجن والعالم كله. آمنت بالله وبما يشاء، فلا يقدر أحد على
شيء إلا بما يخلق فيه من قوة، وبما يودع الله فيه من قدرة يتمكن من توجيهها
نحو الإيمان والخير، أو نحو الكفر والشر، وهذا يعني أن الله أودع في الناس
قدرة الاختيار، بدليل الآيات الأخرى التي تنفي الإجبار والإكراه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته من حيوان وجماد، وإن لم يعلم وجه
الحكمة في ذلك، كما قال القرطبي(١).
◌ً - أقسم الله تعالى بجميع الكواكب التي تخنُس (تختفي) بالنهار وعند
غروبها، وخنوسها: غيبتها عن البصر بالنهار، والتي تجري في أفلاكها،
وتكنِس، وكنوسها: ظهورها للبصر في الليل، كما يظهر الظبي أو الوحش
من كِناسه، ثم تغيب وتستتر في مغيبها تحت الأفق، لما في تحركها وظهورها
مرة، واختفائها مرة أخرى من الدليل على قدرة خالقها ومصرّفها.
وأقسم الله أيضاً بالليل إذا أقبل بظلامه لما فيه من السكون والرهبة،
وبالصبح إذا أضاء وامتد حتى يصير نهاراً واضحاً، لما فيه من التفتح والبهجة.
والمقسم المحلوف عليه هو أن القرآن الكريم نزل به جبريل: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ
٨٠
اَلْعَلَمِينَ
﴾ [الواقعة: ٨٠/٥٦]. وإنما نسب الكلام إلى جبريل عليه السلام
باعتبار أنه الواسطة بين الله وبين أنبيائه ورسله.
(١) تفسير القرطبي: ٢٣٧/١٩

٤٦٣
الجُرعُ (٣٠) - التكوينِ: ٨١ /١٥-٢٩
◌َّ - وصف الله تعالى جبريل عليه السلام بخمسة أوصاف، هي: كريم
عزيز على الله، ذو قوة في الحفظ وأداء طاعة الله ومعرفته وترك الإخلال بها،
وذو مكانة وجاه عند ربّ العرش، ومطاع بين الملائكة فهو من السادة
الأشراف، وأمين على وحي الله ورسالاته، قد عصمه الله من الخيانة والزلل.
وقوله: ﴿عِنْدَ ذِى الْعَّشِ مَكِينٍ﴾ هذه العندية ليست عندية المكان، كقوله
تعالى: ﴿وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ،﴾ [الأنبياء: ١٩/٢١] وليست عندية
الجهة، بدليل قوله في الحديث: ((أنا عند المنكسرة قلوبهم)) بل عندية الإكرام
والتشريف والتعظيم(١).
٤ - ردّ الله تعالى على المشركين المتقولين بأن محمداً وَل ليس بمجنون كما
زعموا، بأنهم أعلم الناس بأمره، وبأنه أعقل الناس وأكملهم.
٥ - رأى النبي وَل جبريل عليه السلام في صورته الحقيقية، له ست مئة جناح
بالأفق المبين، أي بمطلع الشمس من قِبَل المشرق، فهو مبين؛ لأنه تُرى
الأشياء من جهته، وذلك ليتأكد ويطمئن بأنه ملك مقرب، لا شيطان رجيم.
أَ - أخبر الله تعالى عن نبيِّه بأنه لا يضنّ بشيء من الغيب أي الوحي وخبر
السماء على أحد، وإنما يقوم بتعليمه وتبليغه دون انتقاص شيء منه، قال
مجاهد: لا يضنّ عليكم بما يعلم، بل يعلِّم الْخَلْقَ كلام الله وأحكامه.
لاً - بعد وصف كل من الرسول الوسيط جبريل والمرسل إليه بالأمانة في
تبليغ الوحي، حسم الأمر في شأن القرآن، فأعلن بأن القرآن ليس بقول
شيطان مرجوم ملعون، كما قالت قريش، ولا بقول كاهن ولا مجنون، وإنما
هو موعظة وبيان وهداية للخلق أجمعين، لمن أراد أن يستقيم أي يتبع الحق
ويقيم عليه.
(١) تفسير الرازي: ٧٣/٣١

٤٦٤
لُعُ (٣٠) - التكوير: ٨١ /١٥-٢٩
٨ - حكم الله بعد هذا الوصف على قريش بالضلال والضياع بقوله:
(٤) أي فأيّ طريقة تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بيّنت
﴿فَأَتَّنَ تَذْهَبُونَ
لكم، أو بعد هذه البيانات التي أوضحتها لكم.
ـو - لا يعمل العبد خيراً إلا بتوفيق الله، ولا شراً إلا بخذلانه، وليس
للإنسان مشيئة إلا أن يشاء الله تعالى أن يعطيه تلك المشيئة، وفعل الاستقامة
موقوف على إرادة الاستقامة. والله هدى بالإسلام، وأضل بالكفر.
والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في
السماوات والأرض. قال الحسن البصري: والله ما شاءت العرب الإسلام
حتى شاءه الله لها.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَئِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ اْوْنَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ
شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١/٦]، وقال
سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠/١٠]،
وقال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾
[القصص: ٥٦/٢٨] .

٤٦٥
◌ِلُ (٣٠) السورة (٨٢) الأَنْفِطَلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرََّىِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ الْأَنْفِطْرِ
مكية، وهي تسع عشرة آية
تسميتها:
سميت سورة (الانفطار)، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ
(ج) أي انشقت، كما قال سبحانه: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨/٧٣].
مناسبتها لما قبلها:
هذه السورة وما قبلها وسورة ( الانشقاق ) في وصف يوم القيامة وأهواله
وأحواله، كما تقدم.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة المكية كغيرها من السور المكية تتحدث عن أمور في العقيدة،
وهي هنا بعض أمارات القيامة وما يصحبها من تبدل في الكون، ووقوع
أحداث جسام، ووصف أحوال الأبرار والفجار يوم البعث، كالسورة
المتقدمة.
ابتدأت بوصف الأحداث الكونية التي ترى في القيامة وهي انشقاق
السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وبعثرة القبور، ثم الإخبار عن

٤٦٦
الُ (٣٠) السورة (٨٢) الأَنْفِطَتْلِ
علم كل نفس بما قدّمت وأخّرت: ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ
١-٥].
. [الآيات:
٣
ثم ندّدت بجحود الإنسان نعم ربِّه، وبتقصيره في مقابلة الإحسان بالشكر
[الآيات: ٦-٨].
والعرفان: ﴿بَأَيُهَا الْإِنْسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
ثم ذكرت سبب هذا الجحود وهو إنكار البعث، وبيَّنت أن أعمال الإنسان .
كلها محفوظة مسجلة عليه، يقوم برصدها ملائكة كرام كاتبون: ﴿كَلَّا بَلْ
[الآيات: ٩- ١٢ ].
تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
وأردفت ذلك ببيان مصير الناس وانقسامهم إلى فريقين: أبرار وفجّار،
[الآيات: ١٣-
١٣
وأيلولتهم إلى نعيم أو جحيم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ
١٦ ].
وختمت السورة بالتحذير من يوم الدِّين، أي الجزاء والقيامة، واستقلال
كل إنسان بالمسؤولية عن نفسه، وتفرد الله بالحكم والأمر: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ
اُلِینِ
يَّمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئًّاً
ثُمَّ مَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
١٧
وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ (جَم
: [الآيات: ١٧ - ١٩].
والخلاصة: أن الله تعالى ذكر في السورة السعداء والأشقياء ويوم الجزاء
وعظم شأن يومه.
فضلها:
أخرج الإمام أحمد كما تقدم عن عبد الله بن عمر عن النبي وَّ، قال:
((من سرّه أن ينظر إلى القيامة رأي العين، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ
١
و ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنفَطَرَتْ
ج)، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ
٤)" .
وأخرج النسائي، وأصل الحديث في الصحيحين عن جابر قال: قام معاذ،

٤٦٧
الُ (٣٠) - الأَنْفِط ◌ْ: ٨٢ /١-٨
فصلى العشاء الآخرة فطوَّل، فقال النبي ◌َّ: ((أفتّان أنت يا معاذ؟ أين كنت
(ج) و﴿ وَالضُّحَىِ ﴾﴾ و﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ
عن ﴿سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى
أمارات القيامة والجزاء على العمل
وتوبيخ الإنسان على جحود النعم
٣
وَإِذَا أَلْبِحَارُ فُجِّرَتْ
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنَرَتْ
﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
٤
عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ
وَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ
◌َ الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ ﴿ فِىَ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ
بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
٨
القراءات:
﴿فَعَدَلَكَ﴾:
قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: (فَعَدَلك) وقرأ الباقون
(فعَذَّلك).
الإعراب:
(٤) ﴿السَّمَآءُ﴾ فاعل لفعل مقدر يفسره
﴿إِذَا السَّمَآءُ اُنْفَطَرَتْ
أَنْفَطَرَتْ﴾؛ لأن ﴿إِذَا﴾ لا تدخل إلا على الفعل.
﴿مَا غَّكَ بِرَبِّكَ﴾ ﴿مَا﴾: استفهامية في موضع رفع، مبتدأ، و﴿غَرَّكَ﴾:
خبره.
﴿فِىّ ◌َِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رََّّبَكَ ﴿﴾: ﴿مَا﴾: إما زائدة لتفخيم المعنى
وتعظيمه، و ﴿في﴾ تتعلق ب ﴿ رگبكَ﴾ أي رگبك في أي صورة شاء، فحذف:

٤٦٨
الجُزءُ (٣٠) - الْأَنْفِط ◌ْم: ٨٢ /١-٨
ما، أو شرطية، و﴿شَآءَ﴾: فعل الشرط المجزوم بـ ﴿مَا﴾، و﴿رَكََّكَ﴾.
جواب الشرط، و ﴿فِيَ﴾ حينئذٍ متعلقة بعامل مقدر؛ لأن ما بعد حرف
الشرط لا يعمل فيما قبله، وتقديره: كوَّنك في أي صورة. ولا يكون متعلقاً بـ
{فَعَذَلَكَ﴾؛ لأن الاستفهام لا يتعلق بما قبله.
البلاغة:
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أُنَتْ (٤) سجع مرضَّع.
﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أُتَتَرَتْ (٣) استعارة مكنية، شبَّه الكواكب بجواهر متناثرة
متفرقة، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الانتثار على طريق
الاستعارة المكنية.
﴿مَا غَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ استفهام يراد به التوبيخ والإنكار.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْفَطَرَتْ﴾ انشقت. ﴿أُنَتْ﴾ تساقطت متفرقة. ﴿فُجِرَتْ﴾ شقّقت
جوانبها، فصارت بحراً واحداً. ﴿بُعْثِرَتْ﴾ قلب ترابها الذي وضع على
(@) جواب ﴿إِذَا﴾
موتاها، وبعث موتاها . ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
وما عطف عليها، أي علمت نفس وقت حدوث هذه الأمور، وهو يوم
القيامة ما قدمت من الأعمال، وما أخرت منها فلم تعمله بسبب الكسل.
﴿يَأَيُّهَا الْإِنْسَنُ﴾ جنس الإنسان. ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ﴾ ما خدعك
وأي شيء جرّأك على عصيانه؟ و﴿اَلْكَرِيمِ﴾ العلي العظيم، وذكر للمبالغة في
المنع عن الاغترار . ﴿فَسَوَّنكَ﴾ جعل أعضاءك سوية سليمة معدّة لمنافعها.
﴿فَعَدَلَكَ﴾ جعلك معتدلاً متناسب الْخَلْق والأعضاء، فلا تجد تنافراً بينها ولا
عيباً فيها، فليست يد أو رجل أطول من الأخرى. ﴿فِىّ أَمِّ صُورَةٍ مَا شَآءَ
رَّكَّبَكَ (®﴾ أي ركَّبك وكوَّنك في أي صورة هي من أعجب الصور وأحكمها.

٤٦٩
الُرعُ (٣٠) - الْأَنْفِطَط: ٨٢ /١-٨
سبب النزول:
نزول الآية ﴿ يَأَيُهَا الإِنسَنُ مَا غَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
:
﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا
﴾﴾ قال: نزلت في أُبيّ بن خَلَف. وقيل: نزلت في أبي
٦
غَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيِ
الأشدّ بن كَلَدة الْجُمَحِيّ، وقال ابن عباس: الإنسان هنا الوليد بن المغيرة.
وروى غالب الحنفي قال: لما قرأ رسول الله وَله: ﴿وَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ
قال: ((غرّه الجهل)).
بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
التفسير والبيان:
أي إذا انشقت
وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنَتَرَتْ
﴿إِذَا السَّمَآءُ انْفَطَرَتْ
السماء، كما قال تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بٍِ﴾ [المزمل: ١٨/٧٣]، وقال
[الفرقان: ٢٥/٢٥]، وقال عزّ وجلّ:
سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ﴾
[الرحمن: ٣٧/٥٥]، وقال عزّ
﴿فَإِذَا أُنشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانٍ
[النبأ: ١٩/٧٨] .
١٩
من قائل: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَبًا
وإذا تساقطت الكواكب وتفرقت، وذلك بعد تشقق السماء.
أي فجّر الله بعضها في
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
٣
﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِرَتْ
بعض فصارت بحراً واحداً، ثم تسجّر أي توقد فتصير ناراً تضطرم، كما قال
[التكوير: ٦/٨١] .
تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ
وإذا قلب تراب القبور، وأخرج موتاها، وصار باطنها ظاهرها.
وإذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر
والنشر، وبما أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، فإنه
يلاحظ الترتيب، فيبدأ أولاً بتخريب السماء التي هي كالسقف، ويلزم من

٤٧٠
الُ (٣٠) - الأَنْفِط ◌ْم: ٨٢ /١-٨
تخريب السماء انتثار الكواكب، ثم يخرب ما على وجه الأرض التي هي
كالبناء، وهو تفجير البحار، ثم تقلب الأرض ظهراً لبطن، وبطناً لظهر،
وهو بعثرة القبور.
وجواب الشرط قوله تعالى:
أي إذا حدثت الأمور المتقدمة،
﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
علمت كل نفس عند نشر الصحف ما قدمت من عمل خير أو شر، وما
أخّرت من الأعمال بسبب التكاسل والإهمال، كما قال تعالى: ﴿يُبَُّ الْإِنسَنُ
[القيامة: ١٣/٧٥] .
١٣
يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ
وبما أن المراد بهذه الأمور يوم القيامة، فيكون المقصود بالآية الأخيرة في
الأصح الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة.
وبعد بيان تبدل نظام العالم، والإخبار عن وقوع الحشر والنشر، وبَّخ الله
تعالى الإنسان على تقصيره في عمل الخير، وجحوده النعم، بأن لم يطع أوامر
الله شكراً على النعمة، فقال:
الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ
﴿يَأَيُّهَا الْإِنِسَنُ مَا غَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ
أي يا أيها الإنسان المدرك نهاية العالم ما الذي خدعك وجرأك على
عصيان ربِّك الكريم الذي أنعم عليك في الدنيا، حيث خلقك من نطفة بعد
العدم، وجعلك سوياً مستقيماً، معتدل القامة في أحسن هيئة وشكل،
متناسب الأعضاء، لا تفاوت فيها، مزوّداً بالحواس من السمع والبصر،
وطاقة العقل والفهم؟
والأصح أن الآية تتناول جميع العصاة؛ لأن خصوص السبب لا يقدح في
عموم اللفظ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية من
أجله.

٤٧١
الُرعُ (٣٠) - الْأَنْفِطْ: ٨٢ /١-٨
وقد وصف الله تعالى نفسه في هذا المقام بالكرم، وهذا الوصف يقتضي
الاغترار به، حتى قالت العقلاء: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. فكان
الكرم سبب الاغترار، وإنما وقع الإنكار عليه؛ لأن الإنسان لم يدرك أن كرمه
صادر عن الحكمة، وهي تقتضي ألا يهمل وإن أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من
الظالم ولو بعد حين، وقيل: غرّه: جهله، وقيل: غرَّه عدوه المسلَّط عليه،
وهو الشيطان، وقيل: غرّه عفو الله إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة.
(ج) أي ركّبك في أي صورة شاءها من
﴿فِىّ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّكْبَكَ ﴿
أبهى الصور وأجملها، وأنت لم تختر صورة نفسك، كما قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا
[التين: ٤/٩٥] .
اُلْإِنَسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن من علامات يوم القيامة تبدل النظام الكوني، بتشقق السماء،
وتساقط الكواكب، وتفجير البحار بعضها في بعضها، حتى تصير بحراً
واحداً، ثم توقد حتى تصير ناراً تضطرم، وبعثرة القبور وإخراج موتاها منها.
أَ - إذا حدثت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، حصل الحشر
والنشر، وختمت صحائف الأعمال، فعلمت كل نفس ما كسبت، ووجدت
ما قدمت من خير أو شر، وحوسبت كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها
بيمينها أو بشمالها، فتذكرت عند قراءته جميع أعمالها، ولم يعد ينفعها عمل
بعد ذلك.
٣ - مسكين هذا الإنسان لا يشكر نعم ربِّه بإطاعة أوامره، ولا يدخر من
العمل الصالح ما يفيده في سفينة النجاة في آخرته، وغرّه كرم الله الذي تجاوز
عنه في الدنيا، أو حمقه وجهله، أو شيطانه المسلط عليه. أخرج ابن أبي حاتم

٤٧٢
المُرَءُ (٣٠) - الأَنْفِط ◌ْل: ٨٢ /٩-١٩
عن سفيان أن عمر سمع رجلاً يقرأ: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
فقال عمر: الجهل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾
[الأحزاب: ٧٢/٣٣]. وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة
بين يديه، فقال لك: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت
أقول: غَرَّني سُتورك المرخاة؛ لأن الكريم هو السَّار.
٤ - نعم الله على الإنسان لا تعدّ ولا تحصى، وأهمها ما يتعلق بنفسه، حيث
خلقه الله من نطفة ولم يك شيئاً، وجعله سليم الأعضاء، منتصب القامة،
متناسب الأعضاء، مستعداً لقبول الكمالات، بالسمع والبصر والعقل وغير
ذلك، وصوَّره في أحسن الصور وأعجبها وأبدعها، واختار له الهيئة الجميلة
والشكل البديع، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[التين: ٤/٩٥] .
علة الجحود وكتابة الملائكة وانقسام الناس فريقين
١٤
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِى ◌َحِيمٍ (
· يَصْلَوْنَهَا
كِرَامًا كَئِينَ
١٠
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِلِدِينِ
يَوْمَ الْدِينِ ﴿ وَمَا هُمُّ عَنْهَا بِغَيِينَ ﴿﴿ وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
ثُمَّ مَآ أَدْرَنِكَ مَا
١٩
﴿ يَوَمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسِ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
يَوْمُ الدِّينِ
القراءات:
﴿يَوَمَ لَا﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (يومُ لا).
الإعراب:
﴿يَوَمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: بالنصب على البدل من ﴿يَوْمَ الِدِينِ
٠

٤٧٣
الُ (٣٠) - الأَنْفِطَاء: ٨٢ /٩-١٩
[الآية: ١٥] الأول المنصوب. ويقرأ بالرفع على البدل من ﴿يَوْمُ اُلِدِينِ﴾
[الآية: ١٨] المرفوع، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو يوم لا
ملك.
البلاغة:
كِرَامًا كَئِينَ (®) سجع مرصع، ومثله: ﴿إِنَّ
٣٠
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َحِيمٍ (®). والسجع: هو توافق
١٣
اُلْأَبْرَارَ لَفِی نَعِیمٍ
الفاصلتين في الحرف الأخير، وهو ثلاثة أنواع: مطرف ومتوازٍ وترصيع.
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َحِيمٍ (١) بينهما مقابلة، قابل
بين الأبرار والفجار، وبين النعيم والجحيم. وفيها سجع الترصيع: وهو أن
يكون في إحدى الفقرتين مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن والتقفية، وهو
من المحسنات اللفظية. والمقابلة من المحسنات المعنوية: وهي أن يؤتى بمعنيين
متوافقين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، فقد تكون بين اثنين أو
ثلاثة أو أكثر.
﴿فَعِيمٍ﴾ و﴿بَِيمٍ﴾ التنكير للتعظيم والتهويل.
(٨٨) ) إطناب
﴿وَمَآ أَذْرَكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (٧) ثُمَّ مَآ أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
بإعادة الجملة، لتعظيم هول ذلك اليوم وبيان شدته.
المفردات اللغوية:
﴿كَلَّا﴾ ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، فهي كلمة تفيد نفي شيء تقدم،
وتحقق غيره. ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ﴿بَلْ﴾: إضراب إلى بيان ما هو السبب
الأصلي في اغترارهم. والمراد ﴿يِأَلْدِّينِ﴾: الجزاء على الأعمال يوم القيامة.
﴿لَفِظِينَ﴾ ملائكة حفظة لأعمالكم، يحصون كل ما كان منها من خير أو
شر. ﴿كِرَامًا﴾ عند الله، ووصفهم بذلك لتعظيم الجزاء. ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
(١) يعلمون جميع الأفعال.

٤٧٤
لِلُعْ (٣٠) - الأنفطل: ٨٢ /٩-١٩
﴿اَلْأَبْرَارَ﴾ هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم، الذين يفعلون البِرّ (الخير)
ويتقون الله في كل أفعالهم، جمع بَرّ ﴿نَعِيمٍ﴾ جنة ﴿الْفُجَّارَ﴾ هم الكفار
التاركون لما شرع الله لعباده، جمع فاجر. ﴿حَجِيمٍ﴾ نار محرقة. ﴿يَصْلَوْنَهاَ﴾.
يدخلونها ويقاسون حرَّها . ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يوم الجزاء. ﴿ وَمَا هُمُ عَنْهَا بِغَيِينَ
أي لا يخرجون منها، لخلودهم فيها.
﴿ وَمَّا أَذْرَئِكَ﴾ ما أعلمك وعرَّفك، وكرر الجملة لتفخيم شأن اليوم
وتعظيم هوله، بحيث لا يدركه إنسان .﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئًا﴾ من
المنفعة. ﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ أي لا أمر لغيره فيه، فلا يمكّن أحد من التوسط
فيه. والمقصود بالآية تقرير شدة هول ذلك اليوم، وتفخيم أمره إجمالاً.
المناسبة:
بعد بيان أمارات الساعة الدالة على صحة القول بالبعث والنشور، وبعد
تعداد نعم الله على الإنسان، وجحوده إياها، ذكر الله تعالى علة هذا الجحود
وهو التكذيب بالبعث، ثم رغب بالطاعة، وحذر من المعصية بسبب كتابة
الحفظة جميع الأعمال، ثم أوضح أن الناس يوم القيامة فريقان: أبرار
منعمون، وفجار معذبون مخلَّدون في النار، وأن يوم القيامة ذو شدائد
وأهوال، تتجرد فيه النفوس من قواها، ويتفرد الله عزّ وجلّ بالحكم
والسلطان.
التفسير والبيان:
(٤) أي ارتدعوا وانزجروا عن الاغترار بكرم
﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِأَلْدِيِنِ
الله وجعله ذريعة إلى الكفر به، والواقع أنكم تكذبون بيوم المعاد والحساب
والجزاء، حيث لا يحملكم الخوف من هذا اليوم على التزام طاعة الله
واجتناب معاصيه.

٤٧٥
الُ (٣٠) - الأَنْفِط ◌ْلِ: ٨٢ / ٩-١٩
ثم زاد في التحذير من العناد والتكذيب بالإخبار أن جميع الأعمال مرصودة
على الناس بالملائكة، فقال:
يَعْلَمُونَ مَا نَفْعَلُونَ ﴾﴾﴾ أي
كِرَامًا كَئِينَ
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
إن عليكم لملائكة حفظة كراماً، فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم
جميع أعمالكم، ويعلمون جميع ما تفعلون، كما قال تعالى: ﴿﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ
الشِّمَالِ فَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِدٌ (َ﴾ [ق: ١٧/٥٠-١٨].
وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد مرسلاً قال: قال رسول الله وَله: ((أكرموا
الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: الجنابة والغائط.
فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط، أو ببعيره، أو ليستره أخوه)).
ورواه الحافظ أبو بكر البزار، فوصله بلفظ آخر، وأسنده عن مجاهد عن
ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: (إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا
من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين، الذين لا يفارقونكم إلا عند
ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء،
فليستتر بثوبه أو بجرم حائط، أو ببعيره)).
لذا كره العلماء الكلام عند الغائط والجماع، لمفارقة الملك العبد عند ذلك.
ثم ذكر الله تعالى تصنيف الناس العاملين يوم القيامة فريقين نتيجة كتابة
الحفظة لأعمال العباد، فقال:
يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ اُلْدِينِ (٣)﴾ أي
١٤
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَارَ لَفِى ◌َحِيمِ (!
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾: وهم الذين أطاعوا الله عزّ وجلّ، ولم يقابلوه بالمعاصي
يصيرون إلى دار النعيم وهي الجنة، ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾: وهم الذين كفروا بالله
وبرسله، وقابلوا ربّهم بالمعاصي، يصيرون إلى دار الجحيم، وهي النار
المحرقة، يدخلونها ويقاسون حرّها يوم الجزاء الذي کانوا یکذبون به، كما قال
تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧/٤٢].

٤٧٦
لُرُ (٣٠) - الأَنْفِطْ: ٨٢ / ٩-١٩
أي لا يفارقون الجحيم ولا يغيبون عن العذاب
﴿ وَمَا هُ عَنْهَا بِغَيِينَ
ساعة واحدة، ولا يخفف من عذابها، بل هم فيها إلى الأبد، ملازمون لها،
كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧/٢].
ثم وصف يوم القيامة وصفاً إجمالياً في غاية التهويل وأكد ذلك مرتين،
فقال :
أی وما
١٨
ثُمَّ مَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
﴿وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ أُلِدِينِ
أعلمك وما أعرفك ما يوم الجزاء والحساب، وكرر الجملة تعظيماً لشأن يوم
القيامة، وتفخيماً لقدره، وتهويلاً لأمره، مما يستدعي التدبر والتأمل، فلو
عرف المرء تلك الأهوال، لما فارق طاعة الله ساعة، وابتعد عن المعصية بُعْد
السماء من الأرض، ولكن الإنسان في غفلة وسهو وتجاهل، يعيش في
الآمال، ويعتمد على الأحلام أحياناً، ويهرب من الواقع.
ثم حسم الله تعالى الأمر، وأبان حقيقة الموقف، ودور الإنسان فيه، فقال:
﴿يَوَمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوَمَيِذٍ لِلَّهِ ﴾﴾ أي إنه اليوم الذي لا
يقدر فيه أحد كائناً من كان على نفع أحد، ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن
يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ولا يملك أحد القضاء بشيء أو صنع شيء، إلا الله
ربّ العالمين، فهو المتفرد بالحكم والسلطان، فبيده الأمر كله، وإليه ترجع
الأمور كلها. قال قتادة: والأمر، واللهِ اليومَ، لله، ولكنه لا ينازعه فيه يومئذٍ
أحد.
ونظير الشطر الأول من الآية قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن
نَفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨/٢]، وقوله عزّ وجلّ: ﴿اَلْيَوْمَ تُحْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
آلمرَّءُ
[غافر: ٤٠ /١٧]، وقوله سبحانه:
كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ أَلْيَوْمْ﴾
مِنْ
يَفْرّ
وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
وَصَحِبَتِهِ، وَبَنِيْهِ ﴿٣َ لِكُلِّ آمْرٍِ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ
أَخِيهِ
٣٥
[عبس: ٣٤/٨٠-٣٧] . وجاء في الحديث الثابت الذي أخرجه الترمذي:
(يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، لا أملك لكم من الله شيئاً)).

٤٧٧
الُرعُ (٣٠) - الأَنْفِطْم: ٨٢ /٩-١٩
ونظير الشطر الآخر قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ اٌلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾
[غافر: ١٦/٤٠]، وقوله: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦/٢٥]،
وقوله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[الفاتحة: ٤/١] .
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - أمر تعالى بأن نرتدع عن الاغترار بحلم الله وكرمه، وأن نتفكر في آيات
الله.
◌َ - إن منشأ عدم الخوف من الله والتجرؤ على الكفر والعصيان في الحقيقة
والواقع هو التكذيب بالجزاء والحساب في يوم القيامة.
٣ - حال الناس مما يثير التعجب، فهم يكذبون بيوم الحساب والجزاء،
وملائكة الله موكلون بهم، يكتبون أعمالهم، حتى يحاسبوا بها يوم القيامة. ولا
يختلف الحال بين المؤمنين والكفار، فعليهم جميعاً الحفظة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا
مَنْ أُوْنِ كِتَبَهُ بِسَمِينِهِ،﴾ [الحاقة: ١٩/٦٩]، ثم قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوَِّ كِنَهُ
بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥/٦٩]، وفي آية أخرى: ﴿وَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ ..
(٣)﴾ [الانشقاق: ١٠/٨٤]، فهذا خبر يدل على أن الكفار يكون لهم كتاب،
ويكون عليهم حفظة.
سئل سفيان الثوري: كيف تعلم الملائكة أن العبد قد همّ بحسنة أو سيئة؟
قال: إذا همّ العبد بحسنة، وجدوا منه ريح المسك، وإذا همّ بسيئة وجدوا منه
ريح النَّثْن.
٤ - وصف الله تعالى الملائكة الحفظة بصفات أربع: هي كونهم حافظین،
وكونهم كراماً، وكونهم كاتبين، وكونهم يعلمون ما تفعلون. ووصف الله
إياهم بهذه الصفات يدل على أنه تعالى أثنى عليهم وعظم شأنهم، وفي

٤٧٨
الجُزْءُ (٣٠) - الأَنْفِطْم: ٨٢ / ٩-١٩
تعظيمهم تعظيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله تعالى من جلائل الأمور، ولولا
ذلك لما وكلوا بضبط ما يحاسب عليه كل إنسان. قال بعض العلماء: من لم
يزجره من المعاصي مراقبة الله إياه، كيف يرده عنها كتابة الكرام الكاتبين؟
٥ - أحوال العاملين ومصيرهم يوم القيامة: إن الأبرار يكونون في جنات
النعيم، وإن الفجار يكونون في نيران الجحيم، يدخلونها ويقاسون لهابها
وحرها يوم الجزاء والحساب، ويلازمونها إلى أبد الآبدين، فلا يغيبون عنها.
وليس صاحب المعصية الكبيرة فاجراً، وإنما الكفار هم الفجرة لا غيرهم كما
تقدم، وليس صاحب الكبيرة بفاجر على الإطلاق، لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ
٠٠٠
(3) ﴾ [عبس: ٨٠/ ٤٢].
اَلْكَفَرَةُ الْفَجَرَةَ
وفي هذا تهديد عظيم للعصاة، حكي أن سليمان بن عبد الملك مرَّ بالمدينة،
وهو يريد مكة، فقال لأبي حازم: كيف القدوم على الله غداً؟ قال: أما
المحسن فكالغائب يقدم من سفره على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على
مولاه، قال: فبكى، ثم قال: ليت شعري ما لنا عند الله! فقال أبو حازم:
اعرض عملك على كتاب الله، قال: في أي مكان من كتاب الله؟ قال: ﴿إِنَّ
اُلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َحِيمِ ﴾ قال سليمان: فأين إذن هي
رحمة الله؟ فأجابه بقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾(١
[الأعراف: ٥٦/٧].
أَ- في يوم القيامة والجزاء والحساب الرهيب لا يستطيع أحد مهما كان أن
يقدم منفعة لآخر، والأمر كله حينئذ لله الواحد القهار، لا ينازعه فيه أحد.
وفي هذا وعيد عظيم وتهويل جسيم ليوم القيامة، ودليل على أنه لا يغني
عن الناس إلا البر والطاعة يومئذ، دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا
(١) تفسير الرازي: ٨٥/٣١.

٤٧٩
الُعُ (٣٠) - الأَنْفِطَتْ: ٨٢ /٩-١٩
من مال وولد وأعوان وشفعاء. قال الواسطي في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ
نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئًا﴾ إشارة إلى فناء غير الله تعالى، وهناك تذهب الرسالات
والكلمات والغايات، فمن كانت صفته في الدنيا كذلك، كانت دنياه أخراه.
وقال الرازي في قوله تعالى: ﴿وَاَلْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ﴾: هو إشارة إلى أن
البقاء والوجود لله، والأمر كذلك في الأزل وفي اليوم، وفي الآخرة، ولم يتغير
من حال إلى حال، فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر، لا إلى أحوال المنظور
إليه(١).
(١) تفسير الرازي: ٨٦/٣١.

٤٨٠
الُرُ (٣٠) السورة (٨٣) المُطْفِّفِينَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْرَةُ الْمُطْفِقِين
مڪية، وهي ست وثلاثون آية
تسميتها:
سميت سورة (المطففين)، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
وهم الذين يبخسون المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضوا من الناس،
وإما بالنقصان إن قضوهم أو وزنوا أو كالوا لهم.
مناسبتها لما قبلها:
تتعلق هذه السورة بما قبلها من وجوه أربعة:
اً - قال الله تعالى في آخر السورة المتقدمة واصفاً يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لَا
تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (٣) وذلك يقتضي تهديداً عظيماً
والمراد: الزجر عن
للعصاة، فلهذا أتبعه هنا بقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
التطفيف: والبخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية. أما
الكثير فيظهر، فيمنع منه.
أَ - في كل من السورتين توضيح أحوال يوم القيامة.
کِرَامًا
◌َّ - ذكر الله تعالى في السورة السابقة: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ