Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١
لكُمُ (٣٠) - عَلَسَرَ: ٨٠ / ٣٣-٤٢
وقد ذكرها مجملة ليعم جميع أنواعها، والأب: وهو المرعى الذي يؤبّ أي
يؤم وينتجع، وهو ما تأكله البهائم من العشب.
٢ - الغاية من خلق هذه النباتات التي تشمل ما يتغذى به الإنسان
والحيوان: هي الانتفاع بها، سواء بالنسبة للناس أو للدواب؛ لأن إنبات
هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوانات.
٤ - القصد من إيراد هذه الأشياء: ضرب المثل من الله تعالى، لبعث الموتى
من قبورهم، والامتنان من الله على عباده بما أنعم به عليهم.
والخلاصة: أن المقصود من هذه الأشياء أمور ثلاثة:
أولها - إيراد الدلائل الدالة على التوحيد.
وثانيها - إيراد الدلائل الدالة على القدرة على المعاد.
وثالثها - الترغيب بالإيمان والطاعة؛ فإنه لا يليق بالعاقل أن يتمرد عن
طاعة الإله الذي أحسن إلى عباده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان.
أهوال القيامة
﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّلَغَّةُ
وَأُمِّهِ، وَأَِهِ
٣٤١
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرَّهُ مِنْ أَخِيهِ
٣
وَصَحِبَتِهِ،
٣٥
لِكُلِّ آمْرٍِ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ
وَبَنِیهِ
ضَاحِكَةٌ
وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ لََّ
وَوُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
مُشْتَبْشِرَةٌ
تَرْهَقُّهَا قَتَّرَةُ (جَ
٩٠٠٠
أُوْلَيْكَ هُمُ الْكَفَرَةُ اٌلْفَجَرَةُ
EF
القراءات:
﴿شَأْنٌ﴾ :
٢
٤٤٢
لُحُ (٣٠) - عَبَسَنٌ: ٨٠ /٣٣-٤٢
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شان).
الإعراب:
٣٣
جواب إذا: ﴿لِكُلِّ آمْرٍِ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ
﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّلَنَّةُ
﴾ أي استقر لكل امرئ منهم.
٣٧
البلاغة:
(٢) ﴿وَوُجُوهٌ يَؤْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
٣٨
﴿وُجُوهٌ يَؤَمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ
٤١
تَرْهَقُّهَا قَرَةُ
٤٠
بينهما مقابلة، قابل فيها بين وجوه السعداء ووجوه
الأشقياء.
المفردات اللغوية:
﴿الضََّفَّةُ﴾ هي القارعة أو الطامة الكبرى أو القيامة، وهي النفخة الثانية
التي يكون معها البعث، والمراد بها الصيحة التي تصم الآذان لشدتها،
وصفت بها مجازاً؛ لأن الناس يصخون لها، والصخ: الضرب بالحديد على
الحديد أو بالعصا على شيء، فيسمع صوت شدید.
﴿يَوْمَ يَفِرُ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ
لاشتغاله
١٣٦
وَصَحِبَتِهِ، وَنِيْهِ (
٣٥
وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
٣٤
نت® شغل
بشأنه، وعلمه بأنهم لا ينفعونه . ﴿لِكُلِّ أَمْرِيٍ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ
أو حال يكفيه في الاهتمام به، ويشغله عن شأن غيره، أي اشتغل كل واحد
بنفسه، مما يدل على الرهبة والخوف الشديد، و﴿يُغْنِيهِ﴾ يصرفه عن غيره.
﴿قُسْفِرَةٌ﴾ مضيئة متهللة مشرقة من البشر، يقال: أسفر الصبح: إذا
أضاء. ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ فرحة بما ترى من النعيم، وهم المؤمنون. ﴿غَرَةٌ﴾ غبار
وكدورة، وهم الكافرون. ﴿تَرْهَقُّهَا﴾ تغشاها. ﴿قَةُ﴾ سواد وظلمة كالدخان.
﴿ أُوْلَّكَ﴾ أصحاب هذه الحالة. ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ الجامعون بين أنواع
٤٤٣
الجُ (٣٠) - عَبَسَنَّ]: ٨٠ /٣٣-٤٢
الكفر: (إنكار وجود الله أو إنكار وحدانيته) والفجور: العصيان والخروج
عن حدود الله.
المناسبة:
بعد بيان نعم الله تعالى في نفس الإنسان وفي الآفاق، وإقامة الأدلة
والبراهين بها على كمال قدرة الله عز وجل على البعث وكل شيء، أبان الله
تعالى بعض أهوال القيامة وأحوالها التي تملأ النفس خوفاً ورهبة، ليكون ذلك
مدعاة إلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، وإلى ترك
التكبر على الناس، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد.
والناس في ذلك الموقف فريقان: سعداء وأشقياء، والفريق الأول ضاحك
مستبشر: وهو من آمن بالله ورسله وأطاع ما أمر الله به. والفريق الثاني عابس
متكدر، تعلو وجهه الغبرة وترهقه الفترة: وهو الذي أنكر وجود الله
وتوحيده، وأعرض عن قبول ما جاءت به رسل الله.
قال القرطبي: لما ذكر أمر المعاش، ذكر أمر المعاد، ليتزودوا له بالأعمال
الصالحة، وبالإنفاق مما امتنّ به عليهم.
التفسير والبيان:
﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّالنَّةُ (®َ﴾ أي إذا جاءت القيامة أو صيحة يوم القيامة
التي تصخ الأذن، أي تصمها فلا تسمع. والصاخّة: اسم من أسماء القيامة،
عظّمه الله وحذَّر عباده. قال البغوي: الصاخة: يعني صيحة يوم القيامة،
سميت بذلك؛ لأنها تصُخّ الأسماع وتُصِمُّ الآذان لشدتها، أي تبالغ في إسماعها
حتى تكاد تُصِمُّها. وقال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور.
لِكُلّ آمْرِئٍ
وَصَحِبَنِهِ، وَلِيهِ
٣٥
وَأُمِِّ، وَأَبِهِ
٣٤
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرَّهُ مِنْ أَخِهِ
مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ (9)﴾ أي إذا جاءت الصاخة حين يرى المرء أعز أقاربه
٤٤٤
الُعُ (٣٠) - عَبَسَنَّ: ٨٠ /٣٣-٤٢
وأخصهم لديه، وأولاهم بالحنو والرأفة والعطف، من أخ وأم وأب وزوجة
وولد، ويفر منهم ويبتعد عنهم؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل، ولكل امرئ
منهم يومئذ حال أو شغل يشغله عن الأقرباء ويصرفه منهم، ويفرّ عنهم، حذراً
من مطالبتهم إياه بشيء يهمهم، ولئلا يروا ما هو فيه من الشدة، وهو كقوله
تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا وَلَ هُمْ يُصَرُونَ (
٤١) ﴾ [الدخان: ٤١/٤٤]
وقوله سبحانه: ﴿ وَلَا يَشْثَلُ حَمِيهُ حَمِيمًا ﴾﴾ [المعارج: ١٠/٧٠].
والمراد: أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفرّ إليهم ويستجير بهم، فإنه يفرّ
منهم في دار الآخرة. وفائدة الترتيب واضحة، وهي الفرار من الأبعد وهو
الأخ، ثم من الأبوين، ثم من الزوجة والولد، من قبيل الترقي إلى الأحب
عادة والأقرب، قال الزمخشري: بدأ بالأخ، ثم بالأبوين؛ لأنهما أقرب منه،
ثم الصاحبة والبنين؛ لأنهم أقرب وأحب، كأنه قال: يفرّ من أخيه، بل من
أبويه، بل من صاحبته وبنيه. وأيده الرازي في هذا.
وعقب النظام النيسابوري في غرائب القرآن على ذلك فقال: هذا القول
يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين، ولعله خلاف العقل
والشرع. والأصوب أن يقال: أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في
الدنيا من أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود؛ لأن تقديم
الأصل أولى من تقديم الفرع، وذكر أولاً في كل من الطرفين من هو معه في
درجة واحدة وهو الأخ في الأول والصاحبة في الثاني. على أن وجود البنين
موقوف على وجود الصاحبة، فكانت بالتقديم أولى(١).
والأظهر أن الفرار المعني: هو قلة الاهتمام بشأن هؤلاء، بدليل قوله:
(*) أي يصرفه ويصدّه عن قرابته(٢).
﴿ لِكُلِّ آْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ
(١) تفسير الكشاف: ٣١٤/٣، تفسير الرازي: ٦٤/٣١، غرائب القرآن: ٣١/٣٠
(٢) غرائب القرآن، المكان السابق.
٤٤٥
الزُ (٣٠) - عَبَسَنٌ: ٨٠ / ٣٣-٤٢
روى ابن أبي حاتم والنسائي والترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول
اللـه وَل﴾: ((تحشرون حفاة عراة مشاة غُرْلاً)) أي غير مختونين، قال: فقالت
زوجته: يا رسول الله، ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: ((﴿لِكُلِّ آْرِيٍ
مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ
﴾)) أو قال: ((ما أشغله عن النظر !! )).
ثم ذكر الله تعالى أحوال الناس حينئذ وانقسامهم في ذلك اليوم إلى سعداء
وأشقياء، فقال واصفاً السعداء أولاً:
﴾ أي يكون الناس هنالك
(٣٩
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ (َ
فريقين: وجوه متهللة مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين أهل الجنة؛ لأنهم
قد علموا إذ ذاك ما لهم من النعيم والكرامة.
ثم وصف الأشقياء بقوله:
٤٣
تَرْهَقُّهَا قَتَرَةُ ﴿ أُوْلَكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
﴿وَوُجُوهُ يَوَمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
أي ووجوه أخرى في القيامة عليها غبار وكدورة، لما تراه مما أعدّه الله لها من
العذاب، يغشاها سواد وكسوف، وذلّة وشدة، وأصحاب تلك الوجوه
المغبَّرة هم الذين كفروا بالله فلم يؤمنوا به، ولا بما جاء به أنبيائه ورسله،
واقترفوا السيئات، فهم الفاسقون الكاذبون الذين جمعوا بين الكفر
والفجور، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧/٧١]. ولا
نسلم أن صاحب الكبيرة فاجر، بدليل هذه الآية: ﴿ اُلْكَفَةُ اُلْفَجَرَةُ﴾ فالكفار
هم الفجار لا غيرهم.
ووجود هذين الفريقين في هذه الآية ونحوها لا يقتضي نفي وجود فريق
ثالث وهم المؤمنون العصاة أو الفساق، كما قال الرازي(١).
(١) تفسير الرازي: ٦٥/٣١
٤٤٦
الُ (٣٠) - عَبَسَنَّ: ٨٠ /٣٣-٤٢
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إذا جاءت صيحة القيامة وهي النفخة الثانية أو الأخيرة، والتي يهرب
في يومها الأخ من أخيه، والولد من والديه، والزوج من زوجته وأولاده،
لاشتغاله بنفسه، يكون لكل إنسان يومئذ حال أو شغل يشغله عن غيره.
جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله
وَ له يقول: ((يُحشر الناس يوم القيامة حُفاة عُراة غُرْلاً)) قلت: يا رسول الله!
الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: ((يا عائشة، الأمر أشد
من أن ينظر بعضهم إلى بعض)) .
ولفظ رواية الترمذي عن ابن عباس: أن النبي ◌َّ قال: ((يُحشرون حفاة
عُراة غُرْلاً))، فقالت امرأة: أينظر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال:
(يا فلانة ﴿لِكُلِّ امْرٍِ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ
[عبس: ٨٠/ ٣٧])) قال:
حديث حسن صحيح.
◌َ - يكون الناس يوم القيامة فريقين: فريق وجوههم مشرقة مضيئة،
مسرورة فَرِحة مستبشرة بما آتاها الله من الكرامة، قد علمت ما لها من الفوز
والنعيم، وهي وجوه المؤمنين. وفريق وجوههم يعلوها غبار ودخان تغشاها
ظلمة وسواد، وهي وجوه الكافرين بالله وبرسله، العاصين الكاذبين المفترين
على الله تعالى.
١
٤٤٧
لِلُعُ (٣٠) السورة (٨١) التّكِيرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ التّكِّوَيْرِ
مكية، وهي تسع وعشرون آية
تسميتها:
سميت سورة التكوير، لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ
أي جمع بعضها إلى بعض، ثم لُفّت، فرمي بها، ومُحي ضوءُها.
١
مناسبتها لما قبلها:
توضح كل من السورتين أهوال القيامة وشدائدها، ففي سورة ﴿عَبَسَ
قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّلَفَّةُ
يَؤْمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِيهِ
وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
٣٥
٣٨
وُجُوهٌ يَوَمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ
لِكُلِّ أَمْرٍِ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغِهِ
٣٦
وَصَحِنِهِ، وَبِهِ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ
تَرْهَقُّهَا قَتَةُ ﴾ أُ
٤٠
وَوُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
١٠٠٠
[٣٣-٤٢] وفي هذه السورة قال سبحانه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ
اُلْفَجَرَةُ لِمَا﴾
إلخ، فلما ذكر سبحانه الطامة والصاخة في خاتمتي السورتين
المتقدمتين، أردفهما بذكر سورتين مشتملتين على أمارات القيامة وعلامات
يوم الجزاء.
ما اشتملت عليه السورة:
هذه السورة كغيرها من السور المكية تتعلق بالعقيدة، فهي تقرر ما يوجد في
يوم القيامة من أحوال، وتثبت أن القرآن الكريم منزل من عند الله تعالى.
٤٤٨
لجُرءُ (٣٠) - التّكِويرِ: ٨١ /١-١٤
وقد ابتدأت ببيان أهوال القيامة، وما يصحبها من تغيرات كونية غريبة،
تشمل كل ما يشاهده الإنسان في الدنيا من السماء وكواكبها، والأرض
وجبالها وبحارها ووحوشها، والنفوس البشرية ومظالمها، وتبرز بعدئذ الجحيم
[الآيات: ١ - ١٤].
ونيرانها، والجنة ونعيمها: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ
ثم تحدثت عن القرآن وتنزيله من الله بواسطة جبريل الأمين على قلب النبي
المصطفى 9َ، وإثبات نبوته ورسالته وأمانته في تبليغ الوحي وأهليته العالية
لتلقي الوحي، ورؤيته جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية: ﴿فَلاَ أُقِيمُ
بِالْخُنَسِ هِ﴾ [الآيات: ١٥-٢٥].
وختمت السورة ببيان ضلال المشركين، وأن القرآن عظة وذكرى لجميع
العالمين من الإنس والجن ممن أراد الهداية وأقبل على الخير، وأن مشيئة العبد
تابعة لمشيئة الله تعالى، فلا يستطيع الاستقلال بعمل ما دون إرادة الله.
فضلها:
أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله
وَالَى: ((من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة، كأنه رأي عين، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ
﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ (أَ))).
كُوْرَتْ ﴿َ﴾ و﴿ إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ
أحوال القيامة وأهوالها
وَإِذَا أُلْبِحَارُ سُچِرَتْ
٥
وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴿ وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ
وَإِذَا
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِرَتْ
وَإِذَا اُلُّجُومُ أَنَكَدَرَتْ
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ (
النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُبِلَتْ لَام
بِأَتِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ
وَإِذَا الضُّحُفُ
نُشِرَتْ
وَإِذَا السَّمَآءُ كُشِطَتْ
(١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ
١٣
١٤
عَلِمَتْ نَفْسُ مَّ أَحْضَرَتْ
.
٤٤٩
الُرح (٣٠) - التكوير: ٨١ /١-١٤
القراءات:
﴿سُجِرَتْ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (سُجِرَتْ).
﴿ نُشِرَتْ﴾:
قرأ عاصم، ونافع، وابن عامر (نُشِرَت) وقرأ الباقون (نُشِّرَت).
﴿سُعِرَتْ﴾:
قرأ نافع، وابن ذكوان، وحفص (سُعِّرت)، وقرأ الباقون (سُعِرَت).
الإعراب:
(٤) ﴿إِذَا﴾ ظرف، والعامل فيه وفي كل ﴿إِذَا﴾
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ
﴾﴾. و﴿الشَّمْسُ﴾ فاعل لفعل
١٤
بعدها قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّ أَحْضَرَتْ
مضمر يفسره ﴿كُوَّرَتْ﴾ كما ذكر الزمخشري؛ لأن ﴿إِذَا﴾ لا تدخل إلا على
فعل، لما فيها من معنى الشرط.
البلاغة:
{كُوْرَتْ﴾ ﴿أَنكَدَرَتْ﴾ ﴿عُطِّلَتْ﴾ ﴿حُشِرَتْ﴾ ﴿سُجِرَتْ﴾ ﴿زُوِّجَتْ﴾
﴿سُئِلَتْ﴾ ﴿قُئِلَتْ﴾ ﴿نُشِرَتْ﴾ ﴿كُشِطَتْ﴾ ﴿سُعِرَتْ﴾ ﴿أَزْلِفَتْ﴾ ﴿أَحْضَرَتْ﴾
سجع مرصع، وهو توافق الفواصل رعاية لرؤوس الآيات.
﴿اَلْجَحِيمُ﴾ و﴿الْجَنَّةُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
كُوْرَتْ﴾ لُقَّت وطويت وأزيل ضياؤها ونورها. ﴿أُنكَدَرَتْ﴾ تساقطت
٤٥٠
الُعُ (٣٠) - التكوير: ٨١ /١-١٤
وتهاوت على الأرض ومُحي ضوءُها. ﴿سُيِّرَتْ﴾ أزيلت عن مواضعها بزلزلة
الأرض، وبددت في الجو، فصارت هباء منبثاً. ﴿الْعِشَارُ﴾ النوق الحوامل
التي مضى على حملها عشرة أشهر، وهي كراثم أموال العرب جمع عُشَراء.
﴿عُطِّلَتْ﴾ تركت مهملة بلا راع وبلا حلب، لما دهاهم من الأمر.
﴿اَلْوُجُوشُ حُشِرَتْ﴾ جمعت بعد البعث للاقتصاص من بعضها لبعض، ثم
تصير تراباً. ﴿سُجِرَتْ﴾ أوقدت، فصارت ناراً تحترق، بالبركان والزلزال.
﴿زُوِّجَتْ﴾ قرنت الأرواح بالأجساد. ﴿الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ البنت التي تدفن حية
خوف العار والحاجة، وكان هذا عادة بعض العرب في الجاهلية. سئلت
تبكيتاً لقاتلها أو وائدها، كتبكيت النصارى بقوله تعالى لعيسى عليه السلام:
حکایة لما
﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦/٥]. ﴿بِأَِّ ذَنٍْ قُئِلَتْ
تخاطب به، وجوابها أن تقول: قتلت بلا ذنب.
﴿الضُّحُفُ﴾ صحف الأعمال. ﴿نُشِرَتْ﴾ فتحت وبسطت، فهي تُطوى عند
الموت، وتُنشر وقت الحساب. ﴿كُشِطَتْ﴾ قُلعت كما يقلع السقف، وأزيلت
عن أماكنها كما ينزع الجلد من الشاة. ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ﴾ النار. ﴿سُعِرَتْ﴾ أججت
وأوقدت إيقاداً شديداً . ﴿أَزْلِفَتْ﴾ قرِّبت وأدنيت لأهلها المتقين. ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ
مَّآ أَحْضَرَتْ
جواب أول السورة، وما عطف عليها وهو اثنتا عشرة
خصلة، ست منها في بدء قيام الساعة قبل فناء الدنيا، وست بعده أي يوم
القيامة. وكلمة ﴿نَفْسُ﴾ في معنى العموم أي كل نفس، و﴿مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ أي
ما قدمت من خير أو شر.
التفسير والبيان:
هذه أوصاف القيامة وأحداثها الجسام، لتعظيمها وتخويف الناس بها :
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ ﴿ وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ ﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ
أي إذا لُقَّت الشمس، وجمعت، بعضها على بعض كتكوير العمامة، وجمع
٤٥١
الُعُ (٣٠) - التكويرِ: ٨١ /١-١٤
الثياب مع بعضها، ثم رمي بها، وذهب بضوئها، إيذاناً بخراب العالم؛ وإذا
انقضَّت النجوم وتساقطت وتناثرت، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا الْكَوَكِبُ أَنَرَتْ
٢
[الانفطار: ٢/٨٢]؛ وإذا قلعت الجبال عن الأرض، وسيِّرت في الهواء
حين زلزلة الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَسُتِرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
[النبأ: ٢٠/٧٨] وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةٌ﴾ [الكهف:
٤٧/١٨] .
﴿ وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ
﴿وَإِذَا اُلْعِشَارُ عُطِّلَتْ
(٤) أي وإذا النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، وهي أنْفَس مال عند
العرب وأعزّه عندهم، تركت مهملة بلا راع، لشدة الخطب، وعظمة الهول؛
وإذا الوحوش الدواب البرية غير الإنسية بعثت حتى يقتص لبعضها من
بعض، وقيل: حشرها: موتها وهلاكها؛ وإذا البحار أوقدت بالبراكين
والزلازل فصارت ناراً تضطرم، بعد أن فاض بعضها إلى بعض، وصارت
شيئاً واحداً، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِرَتْ
﴾ [الانفطار: ٣/٨٢]
[الطور: ٦/٥٢] وحينئذ تصير البحار والأرض
وقال: ﴿وَاَلْبَحْرِ المسْجُورِ
شيئاً واحداً في غاية الحرارة والإحراق.
قال أبيّ بن كعب رضي الله عنه: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في
أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على
وجه الأرض، فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس،
والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في
بعض. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ (4) إلى قوله:
﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أَزْلِفَتْ (٣)﴾ اثنتا عشرة خصلة: ستّ في الدنيا، وست في
الآخرة. والستة الستُّ الأولى بيناها بقول أبي بن كعب، والستُّ الأخرى في
الآيات التالية.
٤٥٢
الزُعُ (٣٠) - التكويرِ: ٨١ /١-١٤
لذا ذكر الله تعالى ما يحدث بعدئذ من البعث، فقال:
(®) أي وإذا قرنت
وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ
V
﴿وَإِذَا ◌ٌلْنُّفُوسُ زُوِّجَتْ
الأرواح بأجسادها حين النشأة الآخرة، وإذا الفتاة المدفونة حية خوف العار
أو الحاجة، كما كان بعض قبائل العرب يفعل في الجاهلية، سئلت لتوبيخ
قاتلها أو وائدها؛ لأنها قتلت بغير ذنب فعلته. فقد كان بعض أهل الجاهلية
يدسونها في التراب، كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب
قتلت، ليكون ذلك تهديداً لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم، فما ظن الظالم
): سألت. والوأد جريمة
إذن؟! وقال ابن عباس: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ
عظمى.
وهذا السؤال للموءودة لتوبيخ الفاعلين للوأد؛ لأن سؤالها يؤول إلى
سؤال الفاعلين(١).
أخرج الإمام أحمد عن خنساء ابنة معاوية الصريمية عن عمها قال: قلت:
يا رسول الله من في الجنة؟ قال: ((النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود
في الجنة، والموءودة في الجنة)).
أي إذا عرضت
وَإِذَا اُلَّمَآءُ كُشْطَتْ
﴿وَإِذَا اُلُُّحُفُ نُشِرَتْ
ونشرت للحساب صحائف الأعمال، في موقف الحساب، فكل إنسان يُعطى
صحيفته بيمينه أو بشماله، وإذا تشققت السماء وأزيلت، فلم يبق لها وجود.
أي وإذا أوقدت النار
١٣
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ
﴿ وَإِذَا الْجَحِمُ سُعِرَتْ
لأعداء الله إيقاداً شديداً، قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢/
٢٤] وإذا قربت الجنة وأدنيت لأهلها المتقين، كما قال تعالى : . ﴿ وَأَزْلِفَتِ
[ق: ٣١/٥٠] .
الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ
(١) البحر المحيط: ٤٣٣/٨
٤٥٣
لُعُ (٣٠) - التكويرِ: ٨١ /١-١٤
جواب إذا وما عطف عليها، أي إذا
﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ
حصل كل ما تقدم من الأحداث، ووقعت هذه الأمور، علمت كل نفس ما
أحضرته عند نشر الصحف، وما عملت من خير أو شر، كما قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخْضَرًّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأْ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠/٣] وقال سبحانه: ﴿يُنَّأْ اُلْإِنسَنُ يَوْمَيَدٍ
بِمَا قَدَّمَ وَأَخَرَ (3)﴾ [القيامة: ١٣/٧٥]. والآيات من أول السورة إلى هنا شرط،
وجوابه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مََّ أَحْضَرَتْ (٣)﴾. وقال الحسن البصري: هذا قسم
وجواب له. قال القرطبي: والقول الأول أصح.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه ظواهر تحدث قبل أو بعد البعث يوم القيامة، فتملأ النفس رهبة،
وتثير الخوف والذعر بين الناس، لتبدّل ما كانوا يألفون ويشاهدون، والقصد
من تعدادها تخويف البشر والإعداد ليوم القيامة بما يحقق لهم النجاة والأمن
والسلامة.
فهو إنذار مسبق، ولقد أعذر من أنذر، ولقد تضمن الإنذار مواجهة اثنتي
عشرة علامة للقيامة: وهي تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وتسيير
الجبال، وتعطيل العشار، وحشر الوحوش، وتسجير البحار، وتزويج
النفوس، وسؤال الموءودة، ونشر صحف الأعمال، وكشط السماء كما
يكشط الإهاب (الجلد) عن الذبيحة، وتسعير الجحيم (إيقادها) وإزلاف الجنة
(إدناؤها). وأي رهبة تحدث حينما يذهب ضوء الشمس، فيظلم الكون،
وتتهافت النجوم وتتساقط وتتناثر، فتزول معالم الجمال، وتقلع الجبال من
الأرض وتسير في الهواء، فتكون كئيباً مهيلاً، أي رملاً سائلاً، وتصبح
كالعِهْن، وتكون هباء منثوراً، وسراباً لا حقيقة ولا وجود له، كالسراب
الذي ليس بشيء، وتعود الأرض قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمْتاً،
أي ارتفاعاً، فتزول المتعة بها في عين الرائي.
٤٥٤
الُ (٣٠) - التكويرِ: ٨١ /١-١٤
وتهمل النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، بعد العناية بها؛ لأنها أعز
ما تكون على العرب، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة
عُشَراء، ولكن أراد به المثل، أن هول يوم القيامة لو كان للرجل ناقة عُشَراء
لعطلها واشتغل بنفسه.
وتحشر الوحوش، أي تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتصّ للجمّاء
من القَرْناء، ثم يقال لها: كوني تراباً، وهذا هو المعنى الأصح، وقيل:
حشرها: موتها وهلاكها، وعلى كل حال، تتعاظم المخاوف من رؤية ما
یحدث.
وتسجّر البحار، أي توقد إيقاداً شديداً، وتصير البحار والأرض كلها
بساطاً واحداً، بأن يملأ مكان البحار بتراب الجبال، فتزول صورة جمال البحر
في مشهد الطبيعة.
ويحدث البعث، فتقرن الأرواح بالأجساد، وتسأل البنت المدفونة حية عن
سبب وأدها وقتلها، لتوبيخ الفاعل، ولومه على فعله مخافة الحاجة والإملاق
(الفقر) أو السبي والاسترقاق، ولإلحاق البنات بالملائكة؛ لأنهم كانوا
يقولون: الملائكة بنات الله، وكل ذلك غير مقبول، فإنها قتلت بغير ذنب،
وعقاب القاتل النار.
وتنشر صحائف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير
وشرّ، تطوی بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فیقف كل إنسان على صحيفته،
فيعلم ما فيها، فيقول: ﴿مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ
أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف: ٤٩/١٨].
وتكشط السماء كما يكشط الجلد عن الكبش وغيره، وفي هذا غاية الرهبة.
وتوقد النار للكفار ويُزاد في إحمائها، وتُدنى الجنة وتقرب من المتقين،
فيتحدد مصير الخلائق.
٤٥٥
الُعُ (٣٠) - التكوير: ٨١ /١٥-٢٩
حين حدوث هذه الوقائع الجسام، تعلم كل نفس علم اليقين ما عملت
من خير وشرّ، وتعرف مصيرها. جاء في الصحيحين عن عديّ بن حاتم قال:
قال رسول الله وَله: ((ما منكم من أحد إلا وسيكلِّمُه الله، ما بينه وبينه
تَرْجُمان، فينظرُ أنْمنَ منه، فلا يرى إلا ما قدّمه، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا
ما قدّم بين يديه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتّقي النار، ولو بشِقّ
تمرة، فليفعل)).
الحلف لإثبات صدق الوحي القرآني ونبوة الرسول
وستر
الْجَوَارِ الْكُنَسِ
١٥
﴿فَلَ أُقْسِمُ بِلْخُنَسِ
وَالصُّبْحِ إِذَا نَنَفَسَ
١٧
وَأَلَيْلِ إِذَا عَسْعَسَ
١٦
إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِمِ ﴿٣َ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَشِّ مَكِينٍ (
مُطَاعٍ ثَّ أَمِينٍ
وَمَا
صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ بِلْأُفُقِ الْمُبِينِ
﴿َ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴿ وَمَا هُوَ
﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
بِقَوْلِ شَيْطَنِ زَّجِيمٍ
لِمَن شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ
٢٧
٢٩٦
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
٣٨°
يَسْتَقِيمَ
القراءات:
بِصَنِينِ
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي (بظنين).
الإعراب:
جواب القسم؛ لأن معنى ﴿فَلَّ ◌ُقِْمُ بِالْخُنَسِّ
١٩
﴿إِنَُّ لَقَوْلُ رَسُولِ گِ
أقسم.
١٥
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ عطف على جواب القسم. ﴿عِنْدَ ذِى الْعَرَّشِ مَكِينٍ﴾
﴿عِنْدَ﴾: متعلق بـ ﴿مَكِينٍ﴾
٤٥٦
الجزء (٣٠) - التكوير: ٨١ /١٥-٢٩
عطف أيضاً على جواب القسم.
١٢٥
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنِ زَّجِيمٍ
تقديره: إلى أين تذهبون؟ إلا أنه حذف حرف الجر
٢٦
﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ لإ
كما حذف من قولهم: ذهبتُ الشامَ، أي إلى الشام.
جَ﴾ ﴿لِمَنْ﴾: بدل من قوله: ﴿لِلْعَلَمِينَ﴾
﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
بدل بعض من كل.
﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِيِنِ ﴿٣)﴾ أي ببخيل، وقرئ (بظنين) بالظاء، أي
بمتهم.
البلاغة:
﴿بِلَخَُ﴾ و﴿الْكُنْسِ﴾ بينهما جناس ناقص.
﴿ وَالضُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ (٨)﴾ استعارة تصريحية، شبه إقبال النهار وانتشار
الضياء بنسمات الهواء العليل، واستعار لفظ التنفس لإقبال النهار بعد الظلام
الدامس.
﴿ وَمَا صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونٍ (٣) كناية، كنى عن محمد رَّهِ بلفظ ﴿صَاحِبُكُ﴾.
﴿أَمِينٍ﴾ و﴿مَكِينٍ﴾ بينهما جناس ناقص غير تام.
﴿يَُِّ﴾، و﴿اَلْكُنَسِ﴾، و﴿عَسْعَسَ﴾، و﴿ نَنَفَّسَ﴾ إلخ سجع مرصع،
وهو توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَا أُقِيمُ﴾ أي أقسم، و(لا): لتأكيد الخبر. ﴿بِالْخُنَسِ﴾ بالكواكب
الرواجع، من خنس يخنُس: إذا تأخر، وواحدها: خانس: أي منقبض
مستخفٍ، فهي التي ترجع في مجراها وراء الشمس، وهي عند الجمهور:
٤٥٧
الجُرُ (٣٠) - التكوير: ٨١ /١٥-٢٩
الكواكب السيارة كالشمس والقمر وزُحَل وعطارد والمريخ والزهرة
والمشتري. ﴿اَلْجَوَارِ﴾ السيارة التي تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى
تخفى مع ضوء الشمس. ﴿الْكُّسِ﴾ التي تكنِس في أبراجها، أي تستتر، فهي
تختفي تحت ضوء الشمس، من كنس الظبي أو الوحش: إذا دخل كِناسه،
وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر، وقيل: المراد الكواكب الخمسة السيارة،
فخنوسها: رجوعها إلى أول البرج، وكنوسها: اختفاؤها نهاراً تحت ضوء
الشمس، وغيبتها في المواضع التي تغيب فيها عن البصر نهاراً ثم تظهر ليلاً.
والخلاصة: أن ﴿بِالْخُنَسِ﴾ على الأرجح: هي جميع الكواكب، كما جاء في
الصحاح؛ لأنها تخنس (تختفي) نهاراً، وتختفي عن البصر في المغيب، وتظهر
ليلاً، ثم تكنِس وتستتر في مغيبها تحت الأفق، كما تكنس الظباء في المغار،
فكل من ﴿بِأْخُّ﴾ و﴿الْكُنَسِ﴾ يختفي بعد ظهوره. والأصح أن معناها
النجوم، لذكر الليل والصبح بعد هذا.
﴿عَسْعَسَ﴾ أقبل بظلامه، أو أدبر، فهو من ألفاظ الأضداد . ﴿نَنَفَّسَ﴾
أضاء وظهر نوره . ﴿إِنَّهُ لَقَوّلُ رَسُولٍ﴾ أي إن هذا المقسم عليه وهو القرآن لقول
منقول نازل من رسول كريم عزيز على الله تعالى وهو جبريل عليه السلام،
أضيف القول إليه، لنزوله به، وقوله عن الله تعالی .﴿ ذِی قُوۆٍ﴾ شدید القوى،
حافظ. ﴿عِنْدَ ذِى اٌلْعَشِ﴾ الله تعالى .﴿مَكِينٍ﴾ ذي مكانة وجاه عند ربِّه، يعطيه
ما سأل.﴿قُطَاع﴾ تطيعه ملائكة السماء. ®
هنالك . ﴿أَمِينٍ﴾ على الوحي
والرسالة.
﴿وَمَا صَاحِبُّكُمْ﴾ محمد نَّهِ، ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كما زعمتم. ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ﴾ رأى
محمد وَّ جبريل على صورته التي خلق عليها. ﴿بِلْأَفُنِ الْمُبِينِ﴾ الأفق
الواضح، وهو مطلع الشمس الأعلى. ﴿ وَمَا هُوَ﴾ محمد ◌َِّ ﴿اَلْغَيْبِ﴾ الوحي
وخبر السماء . ﴿بِضَنِينٍ﴾ ببخيل مقصر بالتعليم والتبليغ، فينتقص منه شيئاً،
وقرئ: (بظنين)، أي متهم. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ﴾ أي القرآن. ﴿شَيْطَانٍ﴾ مُسْتَرِقٍ
٤٥٨
لُرعُ (٣٠) - التكوير: ٨١ / ١٥-٢٩
السمع. ﴿رَحِيمٍ﴾ مرجوم ملعون مطرود من رحمة الله. ﴿فَأَتْنَ تَذْهَبُونَ (49)﴾ أيَّ
طريق تسلكون بعد إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه، وقد قامت الحجة
عليكم؟ ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عظة وعبرة. ﴿لِلْعَلَمِينَ﴾ الإنس والجن.
﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ على الطريق الواضح باتباع الحق. ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ﴾ الاستقامة على
الحق. ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ إلا وقت أن يشاء الله استقامتكم. ﴿رَبُّ
اٌلْعَلَمِينَ﴾ مالك الخلق كلهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٩):
: أخرج ابن جرير
٢٩
﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
وابن أبي حاتم عن سليمان بن موسى قال: لما أنزلت ﴿لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَنَ
®) قال أبو جهل: ذاك إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم
يَسْتَقِيمَ
نستقم، فأنزل الله: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
.
٢٩
التفسير والبيان:
الْجَوَارِ الْكُنَسِ (4)﴾ أي أقسم بجميع الكواكب التي
١٥
﴿فَلاَ أُقِْمُ بِْخُنَسِ
تخنُس أي تختفي بالنهار تحت ضوء الشمس، والتي تجري في أفلاكها، وتكنِس
بالليل، أي تظهر بالليل في أماكنها، كما تظهر الظباء من كُنُسها، أي بيوتها،
وهي جمع كِناس: وهو الذي يختفي فيه الوحش. وقوله: ﴿فَلَّ أُقِمُ﴾ يراد بها
القسم في أسلوب العرب، ويراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا
يحتاج إلى قسم. وإنما أقسم سبحانه بهذه الكواكب، لما في تبدل أحوالها من
الظهور والخفاء من الدلالة على قدرة مبدعها ومصرّفها.
ويرى الجمهور: أن المراد بها الكواكب السيارة كلها، ويرى بعضهم أنها
ما عدا الشمس والقمر.
٤٥٩
الجُرُ (٣٠) - التكوير: ٨١ /١٥-٢٩
(٣) أي والليل إذا أقبل
وَأَلْصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
١٧
﴿ وَلَّتِلِ إِذَا عَسْعَسَ
بظلامه، لما فيه من الرهبة، وهذا هو الأولى، أو أدبر وولى، لما في إدباره من
كشف الغمة. والصبح إذا أقبل وأضاء بنوره الأفق؛ لأنه يقبل بروح نشطة
ونسيم عليل.
قال ابن كثير: ﴿عَسْعَسَ﴾: أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار
أيضاً، لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل،
وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى: ﴿ وَلَتْلِ إِذَا يَغْشَى
وَالنَّهَارِ إِذَا
تَجَلَّى
وَاُلَّيْلِ إِذَا سَجَى
وَالضّحى
﴾ [الليل: ١/٩٢-٢] وقال تعالى:
٢
[الضحى: ١/٩٣-٢] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اُلَّيْلَ سَكَنًا﴾
[الأنعام: ٩٦/٦]، وغير ذلك من الآيات.
وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة ﴿عَسْعَسَ﴾ تستعمل في الإقبال
والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله
أعلم(١).
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِرٍ (1) هذا هو المقسم عليه، أي إن القرآن تبليغ
رسول كريم، ومقول قاله جبريل عليه السلام الشريف الكريم العزيز عند الله،
ونزل به من جهة الله سبحانه إلى رسوله وَل﴾، فليس القرآن من كلام البشر،
وإنما وصل إلى النبيِ وَلَّه من جبريل الذي تلقاه عن ربِّه عزّ وجلّ.
﴿ قُطَائِ ثَمَّ أَمِينٍ (3) هذه أوصاف أربعة
﴿ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَشِ مَكِينٍ
أخرى لجبريل عليه السلام، فهو شديد القوى في الحفظ التام والتبليغ
الكامل، وذو رفعة عالية، ومكانة سامية عند الله سبحانه، ومطاع بين
الملائكة، يرجعون إليه ويطيعونه، فهو من السادة الأشراف، مؤتمن على
(١) تفسير ابن كثير: ٤ /٤٧٩
٤٦٠
الجُزءُ (٣٠) - التكويرِ: ٨١ /١٥-٢٩
أي عند الله،
الوحي والرسالة من ربِّه، وعلى غير ذلك. وإنما قال:
وقرئ (ثُم) تعظيماً للأمانة وبياناً لأنها أفضل صفاته المعدودة.
ووصف جبريل بالأمين تزكية عظيمة من الله لرسوله الملكي وعبده جبريل،
كما زكى عبده ورسوله البشري محمداً وَالل بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونٍ
وبعد بيان أوصاف الرسول الملَك، ذكر تعالى وصف المرسل إليه، فقال:
﴿ وَمَا صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونٍ (٣)﴾ أي وليس محمد رَّليه يا أهل مكة بمجنون، كما
تزعمون. وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وبأنه أعقل
الناس وأکملهم.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا
نَذِيُرُ مُِّينُ
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ
﴾ [الأعراف: ١٨٤/٧] ، وقوله:
[١٨٤
أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ نَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ
﴾ [سبأ: ٤٦/٣٤]، وقوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ الذِّكْرَى
لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
(١٤) ) [الدخان: ٤٤/
وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴿٤ ثُمَّ تَوَلَّوْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَجْنُونٌ
١٣-١٤] .
؟
﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٣)﴾ أي قد رأى محمد جبريل على صورته
الأصلية، له ست مئة جناح، في مطلع أو أفق الشمس الأعلى من قبل
المشرق، بحيث حصل له علم ضروري (بدهي) بأنه مَلَك مقرب يُظْمأن لنزوله
بالوحي عليه، لا شيطان رجيم. وهذا كما جاء في سورة النجم: ﴿مَا كَذَبَ
اَلْفُؤَادُ مَا رَأَىّ
◌َ أَقَتَُّرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
عِندَ سِدُّرَةِ
اُلْمُنَفَى (1). وهذه الرؤية بعد رؤيته في بدء الوحي عند غار حراء حين
رآه على كرسي بين السماء والأرض في صورته، له ست مئة جناح.