Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ الْجُرُ (٢٩) - المدثرِ: ٧٤ / ٣٨-٥٦ وَكُنَّا تَخُوضُ مَعَ ٤٤ وَلَوَّ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ٤٣ ﴿ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّيْنَ ﴾ أي لم نكن في ٤٧ حَقٌّ أَتَنَا اُلْيَفِينُ وَّكْنَا تَكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (@ ٤٥ اْخَابِضِينَ الدنيا نؤدي الصلاة المفروضة، فلم نعبد ربنا مع المؤمنين الذين يصلون، ولم نحسن إلى خلقه من جنسنا، فلم نطعم الفقير المحتاج ما يجب إعطاؤه، وكنا نخالط أهل الباطل في باطلهم، كلما غوى غاوٍ غوينا معه، أو نتكلم فيما لا نعلم، أو نخوض مع الخائضين في أمر محمد آلّ، وهو قولهم: كاذب، مجنون، ساحر، شاعر، وكنا بعد ذلك كله مكذبين بالقيامة، حتى أتانا الموت ومقدماته، فاليقين: الموت: كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ [الحجر: ٩٩/١٥] . ٩٩ اَلْيَقِينُ فهذه أسباب أربعة لازمتنا طوال حياتنا الدنيوية: ترك الصلاة، والزكاة، والخوض في باطل الكلام، وإنكار يوم البعث والحساب والجزاء. وفي ترك الأمرين الأولين دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. أي فمن كان متصفاً بمثل هذه ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ (جَا﴾ الصفات، فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه، والمعنى: لا شفاعة لهم من أحد من الملائكة والأنبياء والصالحين؛ لأن مصيرهم إلى النار حتماً. ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذِكِرَةِ مُعْرِضِينَ فَرَّتْ مِن قَسَوْرَةٍ. ٥٠ كَنَهُمْ خُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ. ٤٩ ٥١ أي ما الذي حصل لهم حال كونهم معرضين عن القرآن المشتمل على التذكرة الكبرى، والموعظة العظمى؟ أو فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك في مكة معرضين عما تدعوهم إليه، وتذكّرهم به؟ كأنهم في نفورهم عن الحق وإعراضهم عنه من مُمر الوحش إذا فرت من رماة يرمونها، أو من أسد يريد افتراسها. فالقسورة: إما جماعة الرماة الذين يتصيدونها، أو الأسد، وهو رأي جمهور اللغويين، سمي بذلك لأنه يقهر السباع، قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا ٢٦٢ الزُعُ (٢٩) - المثلثرِ: ٧٤ / ٣٨-٥٦ عاینت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون، إذا رأوا محمداً مَّژ هربوا منه، كما يهرب الحمار من الأسد. وهذا التشبيه في غاية التقبيح والتهجين لحالهم، وإعلامهم بأنهم قوم بُلْه. والآية دليل على أن إعراضهم عن الحق والإيمان بغير سبب ظاهر مقنع، ولا استعداد للتفاهم والاقتناع، ففي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة، ونداء عليهم بالبلادة والغباوة، وعدم التأثر من مواعظ القرآن، بل صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجباً لنفرتهم(١). ثم أتى بصورة من عنادهم، فقال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ ثُلُّ أَمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْنَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً آي بل يريد كل (٥٢ واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب، كما أنزل الله على النبي ◌َّ، فهم قد بلغوا من العناد حداً تجاوزوا به أقدارهم، كما جاء في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا جَءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْثَى مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦]. وقال تعالى أيضاً واصفاً مطلبهم: ﴿وَلَن نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبَا نَّفْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ﴾ [الإسراء: ١٧ /٩٣]. قال المفسرون: إن كفار قريش قالوا لمحمد قال: ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله: أنك رسول الله. وكل هذا ونحوه مماحكة وتعنت ومكابرة، فهم لن يؤمنوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى قِرْطَاسِ [الأنعام: ٦ /٧] . ٧ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُِّيْرٌ ثم أبان الله تعالى سبب تعنتهم، فقال: كَلَّ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ ﴾﴾ أي زجر لهم وردع على اقتراحهم (١) غرائب القرآن النيسابوري: ١٠٠/٢٨ ٢٦٣ الزُرعُ (٢٩) - المناظرِ: ٧٤ / ٣٨-٥٦ إنزال تلك الصحف المفتوحة المبسوطة، فلا يُؤْتَوْنها، وهم في الحقيقة منكرون البعث والحساب؛ لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات. وكفاهم القرآن، كما قال تعالى: فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ ﴾﴾ أي حقاً إن القرآن ٥٤ كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ تذكرة، ويكفيهم القرآن، فإنه خير تذكرة وموعظة، فمن أراد أن يذكره ويتعظ به ولا يهمله، اتعظ، فهو موعظة بليغة، وتذكر شاف. ثم بَيَّن السبب الأصلي في عدم التذكرة، وذكر ما ينبئ عن كمال الهيبة، وهو صفة القهر الذي بسببه يجب أن يتقى، وصفة اللطف الذي به يجب أن یرجی : ﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾﴾﴾ أي لا يقع شيء في هذا الكون قهراً عن الله، فما يذكرون القرآن ويتعظون به إلا بمشيئة الله، الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل بطاعاته، والحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة، فيغفر ذنوبهم. روى أحمد والترمذي وابن ماجه والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ◌َّو فسر هذه الآية، فقال: ((يقول لكم ربكم جلَّت قدرته وعظمته: أنا أهل أن أُتَّقى، فلا يُجُعل معي إلهٌ غيري، ومن اتَّقى أن يَجْعَلَ معي إلهاً غيري، فأنا أغفر له)) أو ((كان أهلاً أن أغفر له)). وفسر الزمخشري قوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ بقوله: يعني إلا أن يقسرهم على الذكر، ويلجئهم إليه؛ لأنه مطبوع على قلوبهم، معلوم أنهم لا يؤمنون اختياراً (١). وهذه طريقته على مبدأ المعتزلة في مثل هذه الآيات، وهو أن الله ترك الإيمان والكفر لاختيار العبد الذي هو مناط الثواب (١) الكشاف: ٢٩١/٣ ٢٦٤ الُرعُ (٢٩) - المصدر: ٧٤ / ٣٨-٥٦ والعقاب، ولكن مشيئة الله قادرة على جعل العبد مؤمناً بالقهر والإلجاء أو الإكراه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ا - كل نفس مرتهنة يوم القيامة بكسبها، مأخوذة بعملها، إما خلَّصها وإما أوبقها، إلا أهل اليمين الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، فإنهم لا يُرْتهنون بذنوبهم. قال الحسن البصري وابن كيْسان: هم المسلمون المخلصون، ليسوا بمرتهنين؛ لأنهم أدّوا ما كان عليهم. ٣ - يكون أهل اليمين يوم القيامة في جنات (بساتين) يسألون عن المشركين: ما الذي أدخلكم في سقر؟ والمقصود من السؤال زيادة التوبيخ والتخجيل(١) . فيذكر أهل النار أربعة أسباب هي: ترك الصلاة، وترك الصدقة، ومخالطة أهل الباطل في باطلهم، كإيذاء أهل الحق، وكل ما لا يعني المسلم، والتكذيب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم، إلى أن أتانا الموت. قال العلماء: يجب أن يحمل هذان الأمران الأولان على الصلاة والصدقة الواجبتين، وإلا لم يجز العذاب على تركهما. وقد يستدل بالآية على أن الكفار معذبون بفروع الشريعة، كما يعذبون بأصولها، كالتكذيب بيوم الدين، وإنما أخر؛ لأنه أعظم الذنوب، أي إنهم بعد ذلك كله يكذبون بهذا الأصل، كقوله: ﴿ثُقّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البلد: ١٧/٩٠](٢). (١) تفسير الرازي: ٢١١/٣٠ (٢) غرائب القرآن النيسابوري: ٩٩/٢٨ ٢٦٥ الجُزُ (٢٩) - المُدرِ: ٧٤ / ٣٨-٥٦ ◌َّ - وبخ الله تعالى أهل مكة وأمثالهم بسبب إعراضهم وتوليهم عما جاء به النبي وَيُّ من التذكرة والعظة بالقرآن الكريم. قال مقاتل: الإعراض عن القرآن من وجهين : أحدهما - الجحود والإنكار. والثاني - ترك العمل بما فيه. ٤ - شبه الله سبحانه المعرضين بتشبيه مهين مستقبح، وهو تشبيههم بالحمر الوحشية إذا نفرت وهربت من الأسد. قال ابن عباس: المراد الحمر الوحشية، شبههم تعالى بالحمر مذمّة وتهجيناً لهم (١). وقال أيضاً كما تقدم: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون إذا رأوا محمداً وَلَ هربوا منه، كما يهرب الحمار من الأسد. والقسورة: هو الأسد بلسان الحبشة(٢). ٥ - طلب المشركون (أبو جهل وجماعة من قريش) أن يعطوا كتباً مفتوحة لكل واحد منهم، مكتوباً فيها: إني قد أرسلت إليكم محمداً. وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً، فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار(٣). ٩ - لم يجب الله تعالى مطلبهم لتعنتهم ومماحكتهم، وإنما زجرهم عن اقتراح الآيات، وأبان صفة القرآن والسبب الأصلي في عدم التذكرة، بقوله: (كَلَّ﴾ أي ليس يكون ذلك، ولا أعطيهم ما يتمنون؛ لأنهم لا يخافون الآخرة؛ اغتراراً بالدنيا، وحقاً إن القرآن تذكرة، فمن شاء اتعظ به؛ ولكن ما (١) البحر المحيط: ٣٨٠/٨ (٢) تفسير الرازي: ٢١٢/٣٠ (٣) تفسير القرطبي: ٩٠/١٩ ٢٦٦ الجُرعُ (٢٩) - المصدرِ: ٧٤ / ٣٨-٥٦ يتعظون ولا يقدرون على الاتعاظ والتذكر إلا بمشيئة الله ذلك لهم، والله الجدير بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه، فيؤمنوا ويطيعوا، والحقيق بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا. ٠ : ٢٦٧ لُُ (٢٩) السورة (٧٥) القِيَامَيّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ سُؤْدَةُ القِيَامَةِ مڪية، وهي أربعون آية تسمیتھا: سميت سورة القيامة؛ لافتتاحها بالقسم الإلهي بها، لتعظيمها، وإثبات حدوثها والرد على منكريها. مناسبتها لما قبلها: تتعلق هذه السورة بما قبلها بسبب اشتمالها على حديث الآخرة، ففي السورة المتقدمة قال تعالى مبيناً السبب الأصلي في عدم التذكرة وهو إنكار ثم ذكر في هذه السورة دلیل إثبات ٥٣ البعث: ﴿كَلَّ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ البعث، ووصف يوم القيامة وأهواله وأحواله، ثم ذكر ما قبل ذلك من مقدمة وهي خروج الروح من البدن، ثم ما قبل ذلك من مبدأ الخلق، فذكرت الأحوال الثلاثة في هذه السورة على عكس ما هي في الواقع(١). ما اشتملت عليه السورة: عنيت هذه السورة كغيرها من السور المكية بأحد أصول الدين والإيمان، وهو إثبات البعث والجزاء، وما سبقه من مقدمات الموت وبدء الخلق. (١) تناسق الدرر في تناسب السور للسيوطي: ص ٩٠ ٢٦٨ الُهُ (٢٩) السورة (٧٥) القِيَامَةِّ افتتحت السورة بالقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوَّامة جميعاً معاً، لإثبات البعث والمعاد، والرد على من أنكر بعث الأجساد: ﴿لَا أُقِْمُ بَِوْمِ الْقِيَمَةِ [الآيات: ١- ٦]. ثم ذكر تعالى بعض علامات ذلك اليوم، وأخبر عن حتميته ووقوعه، فهو حق لا ريب فيه: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ﴿٣)﴾ [الآيات: ٧-١٥]. ثم نهى الله تعالى نبيه عن محاولة حفظ آيات القرآن أثناء الوحي، وطمأنه بأنه سبحانه متكفل بتثبيته في قلبه وحفظه ووعيه وبيانه بنحو شامل تام: ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ( [الآيات ١٦- ١٩]. وأردف ذلك بالتنديد بمحبة الدنيا وإيثارها على الآخرة، وبالإخبار عن انقسام الناس في الآخرة قسمين: أهل السعادة وأهل الشقاوة، فالأولون تتلألأ وجوههم بأنوار الإيمان، ويتمتعون بالنظر إلى ربهم دون حصر وتحديد وبلا كيفية، والآخرون تكون وجوههم سوداً مظلمة عابسة، تنتظر نزول [الآيات: ٢٠-٢٥]. داهية عظمى بها: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ثم ذكرت شدائد الاحتضار والموت وأهواله وكروبه ومضايقاته: ﴿كَلَّ إِذَا [الآيات ٢٦-٣٥]. بَلَغَتِ التََّافِىَ وختمت السورة بإيراد الدليل الحسي الواقعي على إثبات الحشر والمعاد وهو بدء الخلق، والإعادة أهون من البداءة: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنِسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدَّى ٣٦ [الآيات ٣٦ -٤٠]. ٢٦٩ الُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ /١-١٥ إثبات البعث والمعاد وعلائمه أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ أَلَّن وَلََّ أُقْسِمُ بِلنَّفْسِ اْلََّامَةِ ﴿لَّ أُقِْمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ بَلْ يُرِبُ الْإِنْسَنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ بَنَ قَدِرِينَ عَلَى أَن نَُّوِّىَ بَنَانَهُ, تَجْمَعَ عِظَامَهُ يَسْئَلُ أَيَنَ يَوْمُ الْقِيَمَةِ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ ٧ ،فَإِذَا بَقَ الْبَصَرُّ وَاُلْقَمَرُ كَلَّ لَا وَزَرَ ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمِذٍ ١٠ يَقُولُ الْإِنَسَنُ يَوْمَيِذٍ أَيْنَ اٌلْمَغَرُّ الْحَمَُّ ١٤ يُنَّأْ اْإِنَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴿ بَلِ الْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ ١٥ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ القراءات: أيحسبُ ٠ قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة (أيحسَب) وقرأ الباقون (أيحسِب). ﴿يَقَ﴾ : وقرأ نافع (بَرَق). الإعراب: ﴿لَ أُقْسِمُ﴾ ﴿لَآ﴾: إما زائدة، أو ليست زائدة، بل هي ردّ لكلام مقدم في سورة أخرى، وقرئ: (لأقسم) وقد جاء حذف النون مع وجود اللام، والأكثر في كلامهم ثبوت النون مع اللام. ﴿َى قَدِرِينَ﴾ حال، وعامله محذوف لدلالة الكلام عليه، وتقديره: بلى نجمعها قادرين. ﴿لِيَفْجُرَ﴾ اللام زائدة، والفعل منصوب بأن مضمرة مقدرة. ٢٧٠ لُ (٢٩) - القِيَامَيَّ: ٧٥ /١-١٥ ﴿يَسْتَلُ أَيََّنَ﴾ ﴿أَيََّنَ﴾: مبني على الفتح، لتضمنه معنى حرف الاستفهام؛ لأنه بمعنى (متى) الذي بني لتضمنه حرف الاستفهام، وبني بالفتحة؛ لأنها أخف الحركات. ﴿وَيُعَ﴾ بالتذكير إما لأن تأنيث ﴿ وَيُجِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (®﴾ إنما قال: الشمس غير حقيقي، فيجوز حينئذ تذكير الفعل الذي أسند إليها، وإما لأنه جمع بين المذكر والمؤنث، فغلِّب جانب المذكر على جانب المؤنث، كقولهم: قام أخواك هند وزید. كَلَّا لَا وَزَرَ ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْسُنَقَرُّ لا وزر هناك، أي لا ملجأ، و﴿الْمُنَفَرُ﴾: مبتدأ، و﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: خبره. ﴾: حذف خبرها، أي ١٣ ﴿بَلِ الْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ ﴾﴾ أنث ﴿بَصِيرَةٌ﴾ إما لأن الهاء فيه للمبالغة، كعلاّمة ونسّابة وراوية، أو لحمل الإنسان على النفس، فلذلك أنث ﴿بَصِيرَةٌ﴾ أو لحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، أي عين بصيرة. البلاغة: أَيَخْسَبُ آلْإِنسَنُ أَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ والتقريع. الاستفهام بغرض استبعاد الأمر وإنكاره. يَسْتَلُ أَيََّنَ يَوْمُ اٌلْقِيَمَةِ يَقُولُ الْإِنسَنُ ﴿فَإِذَا بَرِقَ الَْصَرُّ ﴿ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴿َ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَوْمَئِذٍ أَتْنَ اَلْفَرُّ ﴾﴾ توافق الفواصل المسمى بالسجع المرصّع. ﴿قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿لَآَ أُقْسِيمُ﴾ أي أقسم، ولا: زائدة في الموضعين، وتزيد العرب كلمة (لا) ١ ٢٧١ الُُ (٢٩) - القِيَامَيّ: ٧٥ / ١-١٥ للتأكيد، وذلك أن المقسم عليه إذا كان منتفياً، جاز الإتيان بـ (لا) قبل القسم، لتأكيد النفي، والمقسم عليه هنا: هو إثبات المعاد، والرد على الجهلة المعاندين القائلين بعدم بعث الأجساد. ويرى قوم أن ﴿لَآ﴾ ردّ لكلام سابق متقدم وجواب له، فالعرب لما أنكروا البعث، قيل لهم: ليس الأمر كما زعمتم، وأقسم أن البعث حق لا ريب فيه. وقرئ (لأقسم) بغير ألف بعد اللام، وجواب القسم محذوف، أي لتبعثن، دلَّ عليه ما بعده: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِسَنُ﴾. ﴿بِالنَّفْسِ الََّّمَةِ﴾ هي التي تلوم نفسها، وإن اجتهدت في الطاعة والإحسان، والمراد بهذا القسم تعظيم يوم القيامة، والتنويه بالنفس الطامحة إلى الدرجة الأرقى. ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِسَنُ﴾ المراد به الجنس، وإسناد الفعل إليهم؛ لأن بعضهم يحسب، أو المراد من كان سبب النزول، وهو عدي بن أبي ربيعة، سأل رسول الله وَليل عن أمر القيامة، فأخبره به، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدّقك، أو يجمع الله هذه العظام؟ ﴿أَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ للبعث والإحياء بعد تفرقها. ﴿بَ﴾ نجمعها. ﴿قَدِرِينَ﴾ مع جمعها. ﴿عَلَى أَن نَُّوِّىَ بَنَهُ﴾ أصابعه، أي نعيد عظامها كما كانت، ونضم بعضها إلى بعض كما هي، مع صغرها ،ولطافتها، فكيف بكبار العظام؟ ﴿ لِيَفْعُرَ أَمَامَهُ﴾ ليدوم على فجوره في مستقبل الزمان.﴿أَيََّنَ﴾ متى، وهو سؤال استهزاء وتكذيب. ﴿بَقَ الْصَرُ﴾ دُهش وتحير لما رأى ما كان يكذبه. ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴾﴾ أظلم وذهب ضوءه. ﴿وَخَسَفَ اٌلْقَمَرُ ®﴾ ذهب ضوءهما في يوم القيامة، ولا يتنافى ذلك مع الخسوف، فإنه مستعار للمحاق. ﴿اَلْفَرُّ﴾ الفرار. ﴿كَلَا﴾ ردع عن طلب الفرار. ﴿لَا وَزَ﴾ لا ملجأ يتحصن به . ﴿اَلمُسْنَفَرُّ﴾ أي استقرار أمر الخلائق، فيحاسبون ويجازون . ﴿ يُنَّوَا﴾ يخبر . ﴿قَدَّمَ وَأَخَرَ﴾ بما قدم من عمله وبما أخر منه، فلم يعمله، أي أول عمله وآخره. ﴿بَصِيرَةٌ﴾ حجة شاهدة ناطقة بعمله، فلا بدّ من جزائه. ﴿وَلَوْ أَلْقَى ٢٧٢ الجُزُ (٢٩) - القِيَامَيّ: ٧٥ /١-١٥ مَعَاذِيَرَؤُ ﴾ ولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به، وهو جمع معذرة على غير قياس، كالمناكير جمع منكر، فقياسه معاذر، وذلك أولى. سبب النزول: نزول الآية (٣-٤): ﴿ أَيَخَسَبُ الْإِنسَنُ﴾: روي أن عدي بن ربيعة قال لرسول الله وَظله: يا محمد! حدّثني عن يوم القيامة متى يكون أمره؟ فأخبره رسول الله وص له، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك، ولم أومن به، أو يجمع الله هذه العظام بعد بلاها؟! فنزلت. وقيل: نزلت في أبي جهل كان يقول: أيزعم محمد ◌َّ ر أن يجمع الله هذه العظام بعد بلاها وتفرّقها، فيعيدها خلقاً جديداً(١)؟! التفسير والبيان: ، وَلَّ أُقْسِمُ بِلنَّفْسِ الََّامَةِ ﴾﴾ أي أقسم بيوم ﴿لَّ أُقْسِمُ بِيَّوْمِ الْقِيَمَةِ القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة، وهي التي تلوم صاحبها على تقصيره، لتبعثن، وقد حذف جواب القسم، لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله تعالى: (٤). وهي نفس المؤمن، تلوم على ما فات ﴿أَحْسَبُ الْإِنْسَنُ أَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ وتندم، فتلوم على الشر لَمَ تعمله، وعلى الخير لماذا لم تستكثر منه. والقسم بشيء لتعظيمه وتفخيمه، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وفي الإقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه، فإن الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس اللوَّامة إليه تنبيه على أن (١) البحر المحيط: ٣٨٤/٨-٣٨٥، تفسير القرطبي: ٦٣/١٩ ٢٧٣ الُُ (٢٩) - القِيَامَيّ: ٧٥ /١-١٥ الغرض من القيامة: هو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدّها (١). والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً معاً، كما قال قتادة رحمه الله(٢)، أي إنه سبحانه سيجمع العظام، ثم يحيي كل إنسان، ليحاسبه ويجزيه. قال الحسن البصري: إن المؤمن، والله! ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردتُ بكلمتي، ما أردتُ بأكلتي، ما أردتُ بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قدماً وقدُماً ما يعاتب نفسه. وقال أيضاً: ليس أحد من أهل السماوات والأرضين إلا يلوم نفسه يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿لَآ أُقِْمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ قال: یقسم ربك بما شاء من خلقه. وقال الفرَّاء: ليس من نفس محسنة أو مسيئة إلا وهي تلوم نفسها؛ فالمحسن يلوم نفسه أن لو كان ازداد إحساناً، والمسيء يلوم نفسه ألا يكون ارعوى عن إساءته. والخلاصة: أن الأشبه بظاهر التنزيل كما قال ابن كثير: أن النفس اللوَّامة هي التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات. ﴿ أَيَخْسَبُ الْإِنسَنُ أَلَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴿ بَ قَدِرِينَ عَلَى أَن نَُّوِىَ بَهُ ﴾﴾ أي أيظن أي إنسان أننا لن نقدر على جمع عظامه، بعد أن صارت رفاتاً، فنعيدها خلقاً جديداً، وذلك حسبان باطل، فإنا نجمعها، وبلى سنجمعها قادرين عند البعث على إعادة تسوية أكثر العظام تفرقاً، وأدقها أجزاء، وهي العظام التي في الأنامل ومفاصلها. وقوله: ﴿قَدِرِينَ﴾ تأكيد القدرة؛ لأنه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبَّه عليها بقوله: ﴿أَنْ نَُّوِّىَ بَنَهُ﴾ لأن من (١) غرائب القرآن: ١٠٥/٢٨ (٢) تفسير ابن كثير: ٤٤٧/٤ ٢٧٤ الجزءُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ /١-١٥ قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر. وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر؛ لأنه آخر ما يتم به خلقه، فذكره يدل على تمام الأصبع، وتمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها. وكل بنان يختلف عن الآخر، فاعتمدت فكرة البصمات. وقيل: معنى التسوية: جعلها شيئاً واحداً كخف البعير وحافر الحمار، بحيث لا يقدر على البطش. والمراد أنه قادر على ردّ العظام والمفاصل إلى هيئتها الأولى، وعلى ضد ذلك. ﴿بَلْ يُرِدُ الْإِنَنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾﴾ هذا إضراب عما سبق لتقرير أمر آخر، وهو أن الإنسان يريد في الحقيقة أن يدوم على فجوره في مستقبل أيامه، فيقدِّم الذنب، ويؤخر التوبة. قال سعيد بن جبير: يقدِّم الذنب، ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شرّ أحواله. والخلاصة: أن إنكار البعث يتولد من شبهتين: الأولى - بأن يستبعد الإنسان اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها، والثانية - من التهوّر، بأن ينكر المعاد بالهوى واسترسال الطبع والميل إلى الفجور. فأجاب تعالى عن الشبهة الأولى بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ﴾ وأنكر على صاحب الشبهة الثانية بقوله: بل يريد أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب، لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَلُ أَيََّنَ يَوُ اُلْقِيَمَةِ ﴾﴾ أي يسأل سؤال استبعاد لوقوعه واستهزاءً وتعنتاً: متى يوم القيامة؟ ومن لم يؤمن بالبعث ارتكب أعظم الآثام، وبادر إلى انتهاب اللذات غير عابئ بما يفعل. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَ يَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ ٢٥ ٢٧٥ اِجُهُ (٢٩) - القِيَامَةِّ: ٧٥ /١-١٥ (٣٦) إِنْ هِىَ إِلَّا هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ [الملك: ٦٧ /٢٥] وقوله سبحانه : [المؤمنون: ٣٦/٢٣-٣٧]. حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ثم ذكر الله تعالى ثلاث علامات القيامة، فقال: ٠ يَقُولُ اُلْإِنسَنُ وَجُعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ٨ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ٧ ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُّ يَوْمٍَ أَيْنَ اَلْفَرُّ ﴾﴾ أي فإذا دهش البصر وتحير من شدة هول البعث ويوم القيامة، وذهب ضوء القمر كله دون أن يعود كما يعود بعد الخسوف في الدنيا، وذهب وتبدد ضوء الشمس والقمر جميعاً، فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار، أي إن معالم الكون كلها تتغير، وحينئذ يقول ابن آدم إذا عاين هذه الأهوال يوم القيامة: هل من ملجأ أو موئل؟ وأين المفر من الله سبحانه ومن حسابه وعذابه؟! والمراد بالإنسان: الجنس، وهو ابن آدم، فيشمل المؤمن والكافر؛ لهول ما يشاهد منها. وقيل: المراد الكافر خاصة دون المؤمن؛ لثقة المؤمن بشرى ربه. فيجيب الله تعالى سلفاً في الدنيا بقوله: أي ليس لكم مكان كَلَّ لَ وَزَّرَ ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيِذٍ الْمُسْنَفَرُّ ◌َ تعتصمون فيه، فلا جبل ولا حصن ولا ملجأ من الله يعصمكم يومئذ، وإنما إلى الله ربك المرجع والمصير، في الجنة أو في النار، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْنَهَى [النجم: ٤٢/٥٣] فهناك استقرار العباد على الدوام. ولا ٤ بدَّ من تقدير مضاف في قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ أي إلى حكم ربك، أو إلى جنته أو ناره. ثم ربط الله تعالى نوع المصير بالعمل في الدنيا، فقال: ﴿ُنَّأْ اْلْإِنَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (٣)﴾ أي يخبر الإنسان في يوم القيامة أثناء العرض والحساب بجميع أعماله التي قدمها من خير أو شر، قديمها وحديثها، ٢٧٦ الُعُ (٢٩) - القِيَامَيَّ: ٧٥ /١-١٥ أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩/١٨]. ثم بيَّن أن الإنسان عالم بأعماله، فقال: أي بل إن الإنسان ◌َ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) ﴿بَلِ الْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيَةٌ شهيد على نفسه، عالم بما فعله، فهو حجة بيِّنة على أعماله، ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ١٤ [الإسراء: ١٤/١٧] والآية إضراب عن الإخبار بأعمال الإنسان إلى مرتبة أوضح وأعرف. وقال ابن عباس وغيره: إن المراد سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه. والمعاذير في رأي الواحدي والزمخشري: اسم جمع للمعذرة، كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعاً لقيل: معاذر، بغير ياء. والمراد بقوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (3): ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه، وقيل: ولو جادل عنها، فهو بصير عليها، وقيل: معاذيره: حجته، وهذا قول مجاهد، قال ابن كثير: والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَُّهُمْ إِلَّ أَنْ [الأنعام: ٢٣/٦] وكقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحِفُونَ لَكُمْ وَبَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ [المجادلة: ١٨/٥٨]. فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: اً - أقسم الله سبحانه بيوم القيامة تعظيماً لشأنه، كما أنه أقسم أيضاً بنفس المؤمن الطامحة دائماً إلى زيادة الخير والطاعة، والإقلال من الشر والمعصية؛ تنويهاً بشأنها وإخلاصها. والمناسبة بين القيامة وبين النفس اللوامة: أن ٢٧٧ المُ (٢٩) - القِيَامَةِّ: ٧٥ /١-١٥ المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النفس اللوامة، من السعادة والشقاوة. والقسم بهذه الأشياء عند المحققين قسم بربها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع يوم القيامة. أَ - المقسم عليه هو وقوع البعث حتماً لا شك فيه، قال الزجاج: أقسم الله بيوم القيامة وبالنفس اللوامة، ليجمعن العظام للبعث. وأكد الله تعالى قسمه بأنه القادر على أن يعيد السُّلاميات على صغرها، ويؤلف بينها حتى تستوي(١). ◌َّ - إن شأن الكافر المكذب بما أمامه من البعث والحساب أن يرتكب أعظم الآثام، ويقتحم المعاصي دون حسبان للنتائج والمخاطر، ودون تقدير لعواقب الأمور والتبعة (المسؤولية) الناجمة عنها. ٤ - تتبدل معالم الكون يوم القيامة، وتظهر علامات دالة عليه، منها حيرة البصر ودهشته من الأهوال، وذهاب ضوء القمر دون عودة، وذهاب ضوء الشمس والقمر معاً، أي جمع الله بينهما في ذهاب ضوئهما، فلا ضوء للشمس، كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه. ٥ - إذا ظهرت علائم القيامة حار الإنسان، وقال: أين المهرب؟ أين المفر؟ ويحتمل ذلك وجهين: أحدهما - أين المفر من الله؟ استحياء منه، والثاني - أين المفر من جهنم؟ حذراً منها. ٩ - لا مفر من الله، ولا ملجأ من النار، ولا حصن من العذاب، وإنما المرجع والمصير والمنتهى إلى حكم الله، وصيرورة كل إنسان إما إلى الجنة وإما إلى النار. (١) قال تعالى في آخر السورة: ﴿فخلق فسؤَّى﴾ أي أوجد منه بشراً مركباً من أشياء مختلفة، فسواه شخصاً مستقلاً. ٢٧٨ . الُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ /١-١٥ ٧ - يُخْبَر ابن آدم يوم القيامة عند وزن الأعمال، بَرّاً كان أو فاجراً، بما أسلف من عمل سيئ أو صالح، أو أَخَّر من سنة سيئة أو صالحة يعمل بها بعده، أو بأول عمله وآخره، أو بما قدم من المعصية، وأخّر من الطاعة. إن هذا الإنباء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، لا عند الموت؛ لما أخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ مما يَلْحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته)) . وأخرجه أبو نعيم الحافظ عن أنس بن مالك بلفظ: ((سبع يجري أجرهنّ للعبد بعد موته وهو في قبره: من علّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته)» . وفي الصحيح عند مسلم: ((من سنّ في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)). ٨ - الإنسان خير شاهد على نفسه، فهو حجة بيِّنة على أعماله، حتى ولو أنكر واعتذر، فقال: لم أفعل شيئاً، فإن عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فلو اعتذر وجادل عن نفسه، فعليه شاهد يكذِّب عذره. ٩ - استنبط القاضي ابن العربي من قوله تعالى: ﴿بَلِ اَلْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ ست مسائل وهي بإيجاز(١): ١٤ (١) أحكام القرآن: ١٨٧٨/٤ - ١٨٨٢ ٢٧٩ الزُ (٢٩) - القِيَامَةّ: ٧٥ /١-١٥ الأولى - فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه؛ لأنها بشهادة منه عليه، قال الله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلَِّنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤ /٢٤] . الثانية - لا يصح الإقرار إلا من مكلف (بالغ عاقل) لكن بشرط ألا يكون محجوراً عليه؛ لأن الحجر يُسقط قوله إذا كان لحق نفسه، فإن كان لحق غيره كالمريض، كان منه ساقط، ومنه جائز، كما هو مقرر في الفقه. الثالثة - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ معناه: ولو اعتذر لم يقبل منه، وقد اختلف العلماء في جواز الرجوع عن الإقرار في الحدود الخالصة لله تعالى؛ فقال أئمة المذاهب الأربعة على المشهور عند المالكية: يقبل رجوعه بعد الإقرار، ويسقط الحد، وهو الصحيح عملاً بما رواه الأئمة، منهم البخاري ومسلم: أن النبي ◌َ﴿ ردّ المقرّ بالزنى مراراً أربعاً، كل مرة يعرض عنه، ولما شهد على نفسه أربع مرات، دعاه النبي وَ لّه وقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: أحصنتَ؟ قال: نعم. وقال لأصحابه - فيما رواه أبو داود وغيره - حينما هرب - أي ماعز - فاتبعوه: ((هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه)) . وروي عن مالك أنه قال: لا يعذر المقر إلا إذا رجع لشبهة، عملاً بحديث: ((لا عذر لمن أقرّ))(١). الرابعة - قال ثعلب: معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (9) أنه إذا أعتذر يوم القيامة وأنكر الشرك، لا ينفع الظالمين معذرتهم، ويختم على فمه، فتشهد عليه جوارحه، ويقال له: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤/١٧] . (١) بداية المجتهد: ٤٣٠/٢، الدردير والدسوقي: ٣١٨/٤ ٢٨٠ لُعُ (٢٩) - القِيَامَيّ: ٧٥ / ١٦-٢٥ الخامسة - الآية في الحر المالك الأمر نفسه. أما العبد: فإن أقر بموجب عقوبة من القتل فما دونه، نفذ عليه. وقال محمد بن الحسن: لا يقبل ذلك منه؛ لأن بدنه مستغرق لحق السيد، وفي إقراره إتلاف حقوق السيد في بدنه، ودليل الرأي الأول قوله وسلم فيما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت: ((من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بسَتْر الله، فإن من يُبْد لنا صفحته، نُقِم عليه الحدّ). السادسة - قيل: إن معنى قوله تعالى: ﴿بَلِ اُلْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ ١٤) أي عليه مَنْ يبصر أعماله، ويحصيها، وهم الكرام الكاتبون. والراجح ما ذكر من المعنى المتقدم . حرص النبي لل على حفظ القرآن وحال الناس في الآخرة فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَنَّعْ ١٧ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَ نَهُ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِنَعْجَلَ بِهِ} وَبَّذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴿ كَّ بَلْ تُحِبُونَ الْعَاجِلَةَ ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ قُرْءَانَهُ لا إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ وُجُوَّهُ يَوَمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (َ وَوُجُوهُ يَوَمَّيِذٍ بَاسِرَةٌ ﴿٤َ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا (٢٥) فَاقِرَةٌ القراءات: ﴿ وَقُرْءَانَهُ﴾: وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (وقرانه). ﴿قَرَأْنَهُ﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (قراناه).