Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
لُعُ (٢٩) - الحن: ٧٢ / ٢٥-٢٨
٣ - لقد أخبر الله تعالى نبيه محمداً بحفظه الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا
على مثل حالته من التبليغ بالحق والصدق، أو ليعلم أن قد أبلغ جبريل ومن
معه إليه رسالة ربه.
وقال الزجاج: أي ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته؛ كقوله تعالى:
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢/٣] أي
ليعلم الله ذلك علم مشاهدة، كما علمه غيباً.
٤ - أحاط علم الله سبحانه بما عند الرسل وما عند الملائكة، وأحاط بعدد
كل شيء، وعرفه وعلمه، فلم يخف عليه منه شيء، فهو سبحانه المحصي المحيط
العالم الحافظ لكل شيء.

٢٠٢
لُرُ (٢٩) السورة (٧٣) المُتَمِِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحَيَّةِ
سُؤْدَةُ المُتَمِّلِك
مڪية، وهي عشرون آية
تسميتها:
سميت سورة المزمِّل أي المتلفف بثيابه؛ لأنها تتحدث عن النبي ◌َّ في بدء
الوحي، ولأنها بدئت بأمر الله سبحانه رسوله ◌َ يه أن يترك التزمل: وهو
التغطي في الليل، وينهض إلى تبليغ رسالة ربه عز وجل.
مناسبتها لما قبلها:
يظهر تعلق السورة بما قبلها من وجهين:
اً - ختمت سورة الجن ببيان تبليغ الرسل رسالات ربهم، وافتتحت هذه
السورة بأمر خاتمهم بالتبليغ والإنذار، وهجر الراحة في الليالي.
أَ - أخبر الله تعالى في السورة المتقدمة عن ردود فعل دعوة النبي ◌َّ بين
قومه والجن في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ
لِلَّهِ﴾ ثم أمره الله تعالى في مطلع هذه السورة بالدعوة في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ
﴿ قُ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
ما اشتملت عليه السورة:
تتناول السورة الإرشادات الإلهية الموجهة للنبي وَّلة في مسيرته أثناء تبليغ
دعوته، وتهديد المشركين المعرضين عن قبول تلك الدعوة.

٢٠٣
الُ (٢٩) - المُتَمِّ: ٧٣ / ١-١٠
وقد ابتدأت بأمره وَيله بقيام الليل إلا قليلاً منه، وبترتيل القرآن لتقوية
أَوْ
روحه: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ ﴿ قُرِ الَّتِلَ إِلَّ قَلِيلًا ﴿٣ نِصْفَهُ، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا
[١-٤] فكان ذلك بياناً لمقدار ما يقوم به في
زِدْ عَلَيْهِ وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا
تهجده الذي أمره الله به بقوله: ﴿وَمِنَ الَّتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ
[الإسراء: ١٧/ ٧٩] .
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا
ثم أخبرت عن ثقل الوحي وتبعة رسالته العظمى التي كلِّف بها، وأمره
بذكر ربه ليلاً ونهاراً، وإعلان توحيده، واتخاذه وكيلاً في كل أموره: ﴿إِنّا
﴾ [الآيات ٥-٩].
سَتُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا نَقِيلًا
وأردفت ذلك بالأمر بالصبر على أذى المشركين، من القول فيه بأنه ساحر
أو شاعر، أو في ربه بأن له صاحبة وولداً، وبالهجر الجميل إلى أن ينتصر
عليهم، وبتهديدهم بسوء العاقبة: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [الآيات ١٠-١٩].
وختمت السورة بإعلان تخفيف القيام لصلاة الليل عن الرسول واله إلى
مقدار الثلث، وجعله الحد الأدنى رحمة به وبأمته ليتمكن هو وأصحابه من
الراحة والتفرغ في النهار لشؤون الدعوة والتبليغ، والاكتفاء بتلاوة ما تيسر
من القرآن، وأداء الصلاة المفروضة، وإيتاء الزكاة، ومداومة الاستغفار:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ [الآية ٢٠].
إرشاد النبي
في بدء الدعوة
صبا الله
علبة
وَسَم
﴿وَأَيُّهَا الْعُزَّمِّلُ ﴿ قُرِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
أَوْ زِدْ
نِصْفَهُ، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا
عَلَيْهِ وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَّرْتِيلًا
إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
إِنَّ نَاشِئَةَ الَّتْلِ هِىَ
وَأَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَثَّلْ
٧
أَشَدُّ وَْئًا وَأَقْوَُّ قِلًا ﴿ إِنَّ لَكَ فِِ النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً
إِلَيْهِ تَبِيلً ﴿ رَبُّ الْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَقَخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ وَأَصْبِرْ عَلَى
١٠
مَا يَقُولُونَ وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا

٢٠٤
لُعُ (٢٩) - المُنفِّل: ٧٣ /١-١٠
القراءات:
﴿أَوِ أَنْقُصْ﴾ :
قرأ عاصم، وحمزة (أوِ انقص) وقرأ الباقون (أوُ انقص).
﴿ اَلْقُرْءَانَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
﴿وَطَا﴾ :
وقرأ أبو عمرو، وابن عامر (وِطاءً).
﴿رَبُّ الْمُشْرِقِ﴾:
قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص (ربُّ المشرق)، وقرأ الباقون
(ربِّ المشرق).
الإعراب:
﴿وَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴾﴾ أصله (المتزمل) إلا أنه أبدلت التاء زاياً، وأدغمت
الزاي في الزاي، وذلك أولى من إبدالها تاء؛ لأن الزاي فيها زيادة صوت،
وهي من حروف الصفير، وهم أبداً يدغمون الأنقص في الأزيد.
نِّصْفَهُ﴾ الليل في رأي الكوفيين مفعول به، وفي
﴿قُرِ أَلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
رأي البصريين: ظرف لفعل القيام، ولو استغرقه الحدث، أي إرادة جميع.
أجزاء الليل حتى يصح الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فإن الاستثناء معيار
العموم، و﴿نَّصْفَهُ﴾: بدل من الليل، أو ظرف آخر، و﴿قَلِيلًا﴾: استثناء
منه، وقد قدِّم المستثنى على المستثنى منه، وهو قليل، وتقديره: قم الليل نصفه
إلا قليلاً.

٢٠٥
المُعُ (٢٩) - المُتَمِّلِكَ: ٧٣ / ١-١٠
﴿ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ تمييز منصوب.
﴿وَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ﴿بَلْبِيلًا﴾: منصوب على المصدر من غير فعله؛ لأن
تَبْتِيلًا﴾ تفعيل إنما تجيء في مصدر فعَّل، مثل رتّل ترتيلاً، وقتّل تقتيلاً،
وهنا جاء لـ (تفعَّل) وقياسه أن يجيء على وزن التفعُّل وهو التبتل، إلا أنهم قد
يجرون المصدر على غير فعله، لمناسبة بينهما.
﴿رَبُّ الْشْرِقِ وَالْغْرِبِ﴾ ﴿رَبُّ﴾: يقرأ بالجر على البدل من ﴿رَبِّكَ﴾ وبالرفع
على تقدير مبتدأ محذوف تقديره: هو رب المشرق.
البلاغة:
﴿أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوَ زِدْ عَلَيْهِ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿النَّارِ﴾ و﴿ الَّيْلِ﴾
وبين ﴿اَلْمُشْرِقِ﴾ و﴿ وَالْمَغْرِبِ﴾.
﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ ﴿وَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فيهما تأكيد الفعل بالمصدر.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْمُزَِّّلُ﴾ المتزمل: المتلفف بثيابه. ﴿فَمِ الَّتِلَ﴾ أي قم إلى الصلاة، أو داوم
(٣) أي انقص من النصف قليلاً إلى
عليها. ﴿نَصْفَهُ، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا
الثلث، والمراد به التخيير بين قيام النصف والناقص منه والزائد عليه . ﴿أَوٍ زِدْ
عَلَيْهِ﴾ إلى الثلثين، و﴿أَوْ﴾ للتخيير. ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَنَ نَرْتِيلًا﴾ اقرأه على تؤدة
وتثبّت في تلاوته، مع تبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدِّها.
﴿قَوْلَا نَقِيلًا﴾ قرآناً شاقاً شديداً أو مهيباً، لما فيه من التكاليف الشاقة،
لكن مشقة معتادة مألوفة، لا مشقة زائدة غير معتادة. ﴿نَاشِئَةَ الَيَّلِ﴾ ما ينشأ
فيه ويحدث ويتجدد، وهو القيام إلى الصلاة بعد النوم . ﴿أَشَدُّ وََْا﴾ أي
مواطأة وموافقة، يوافق السمع فيها القلب على تفهم القرآن. ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾

٢٠٦
لُ (٢٩) - المُتَمِنَّ: ٧٣ / ١-١٠
أبين وأسد مقالاً، أو أثبت قراءة لحضور القلب وهدوء الأصوات . (سَبْحًا
طَوِيلاً﴾ تقلباً في مهامك واشتغالاً بها، فعليك بالتهجد؛ لأن مناجاة الحق
تستدعي فراغاً، ولا تفرغ في أثناء النهار لتلاوة القرآن والعبادة . ﴿ وَأَذْكُرِ أَشْمَ
رَبِّكَ﴾ أي دم على ذكره ليلاً ونهاراً، وذكر الله يتناول كل ما يذكر به من تسبيح
وتهليل وتمجيد وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم. ﴿ وَتَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَّبْتِيلًا﴾
أي انقطع إلى الله بالعبادة، وجرِّد نفسك عما سواه. ﴿فَتَخِذْهُ وَكِيلًا﴾ فوض
كل أمورك إليه . ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ اصبر على أذى كفار مكة. ﴿وَأَهْجُرُهُمْ
هَجْرًا جَمِيلًا﴾ بأن تجانبهم وتداريهم ولا تعاتبهم، وفوض أمرهم إلى الله،
فالهجر الجميل: هو ما لا عتاب معه.
سبب النزول:
نزول الآيتين (١، ٢):
: أخرج الحاكم عن عائشة
﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّّلُ ﴿ قُرِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
قالت: لما أنزلت ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿ قُمِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ قاموا سنة حتى
ورِمَت أقدامهم، فأنزلت: ﴿فَاقْرَهُواْ مَا تَسَّرَ مِنْهُ﴾. وأخرج ابن جرير مثله عن
ابن عباس غيره.
وقال ابن عباس: كان هذا في ابتداء الوحي إليه، فإنه لما سمع قول الملَك
ونظر إليه، أخذته الرِّعْدة، فأتى أهله، فقال: ((زمّلوني زمّلوني)).
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن جابر بن عبد الله أن
رسول الله وسلم قال: ((جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت،
فنظرت عن يميني، فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت
خلفي، فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي، فإذا الذي جاءني بجراء جالس على كرسي
بين السماء والأرض، فجُثثت (اقتلعت) منه رعباً، فرجعت فقلت: دثِّروني

٢٠٧
الُُ (٢٩) - المُزَمِلَ: ٧٣ / ١-١٠
دثِّروني)). وفي رواية: ((فجئت أهلي، فقلت: زمِّلوني زمِّلوني))، فأنزل الله:
﴾ وقال جمهور العلماء: وعلى إثرها نزلت ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ
يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ
وعلى هذا يكون سبب النزول هو ما عراه ولو من الرعب والفزع عند رؤية
الملك، وتكون حادثة التزمل هي حادثة التدثر بعينها.
وقيل: إن تزمله ( 18 كان لأسفه وحزنه، لَمّا بلغه ما كان من المشركين وما
دبروه من القول السيئ يدفعون به دعوته، فقد أخرج البزار والطبراني في
الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن جابر رضي الله عنه قال: اجتمعت قريش في
دار الندوة، فقالوا: سُموا هذا الرجل اسماً تصدر الناس عنه، فقالوا: كاهن،
قالوا: ليس بكاهن، قالوا: مجنون، قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر،
قالوا: ليس بساحر، قالوا: يفرق بين الحبيب وحبيبه، فتفرق المشركون على
ذلك، فبلغ ذلك النبي وَّه، فتزمل في ثيابه وتدثر فيها، فأتاه جبريل عليه
﴾﴾، ﴿َأَيُّهَا الْمُدَِّرُ
السلام، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَمِلُ
التفسير والبيان:
خاطب الله تعالى النبي ◌ّله بالآيات التالية حينما كان يتزمل بثيابه أول ما
جاءه جبريل بالوحي خوفاً منه، فإنه لما سمع صوت الملَك، ونظر إليه أخذته
الرعدة، فأتى أهله، وقال: ((زمِّلوني، دّروني)) ثم بعد ذلك خوطب بالنبوة
والرسالة، وأنس بجبريل.
نَّصْفَهُ، أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا ﴿ أَوْ زِدْ
٣
﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿ قُِّ الَّيْلَ إِلَّ قَلِيلًا
عَلَيْهِ﴾ أي يا أيها النبي المتزمل المتلفف بثيابه، انهض لصلاة الليل وهي صلاة
التهجد بمقدار نصف الليل، بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في
ذلك. وهذا تخيير بين الثلث والنصف والثلثين. والليل: من غروب الشمس
إلى طلوع الفجر. وفيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين.

٢٠٨
لُ (٢٩) - المُنَمِّل: ٧٣ / ١-١٠
أخرج أحمد ومسلم عن سعد بن هشام قال: ((قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام
رسول الله وَ﴾، قالت: ألست تقرأ هذه السورة: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
؟
قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام
رسول الله وَلقر وأصحابه حولاً، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها
في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام
الليل تطوعاً من بعد فرضه)).
وبعد الأمر بقيام الليل أمره تعالى بترتيل القرآن قائلاً:
﴿ وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَرِيلًا﴾ أي اقرأ القرآن على تمهل، مع تبيين الحروف، فإنه
يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره. وقوله: ﴿نَّرْتِلًا﴾ تأكيد في الإيجاب، وأنه
لا بدّ للقارئ منه، ليستحضر المعاني. والترتيل: هو أن يبين جميع الحروف،
ويوفي حقها من الإشباع. وكذلك كان صلوات الله وسلامه عليه يقرأ، قالت
عائشة رضي الله عنها: كان يقرأ السورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول
منها. وفي صحيح البخاري عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله وَ ير، فقال:
يمد بسم الله،
كانت مداً، ثم قرأ ﴿يِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ
ويمد الرحمن، ويعد الرحیم.
ووردت أحاديث كثيرة صحيحة تدل على استحباب الترتيل وتحسين
الصوت بالقراءة، منها ما رواه الحاكم وغيره عن البراء: ((زيِّنوا القرآن
بأصواتكم)) وحديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة «ليس منا من لم يتغن
بالقرآن)» وحديث البخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى ((لقد أعطي هذا
مزماراً من مزامير آل داود)» يعني أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، فقال أبو
موسى: لو كنت أعلم أنك تسمع قراءتي لحبّته لك تحبيراً.
وروى البغوي عن ابن مسعود قال: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذّوه (لا
تسرعوا به) هذَّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همّ

٢٠٩
المُرُ (٢٩) - المُتَفِّل: ٧٣ /١-١٠
أحدكم آخر السورة. وروى العسكري في كتابه المواعظ عن علي كرم الله وجهه
مثل هذه العبارة. وسئلت عائشة عن قراءة النبي ◌ّ فقالت: لا كسردكم
هذا، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه لعدّها(١).
ثم نبّه الله تعالى إلى عظمة القرآن وما جاء فيه من تكاليف لتأكيد الأمر
بالترتيل، فقال :
﴿إِنَّا سَنُلْفِى عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا ﴾﴾ أي إننا سنوحي إليك القرآن وسننزله
عليك، وفيه التكاليف الشاقة على البشر، والأوامر والنواهي الصعبة على
النفس، من الفرائض والحدود، والحلال والحرام، وهو قول ثقيل يثقل العمل
بشرائعه. قال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان
يوم القيامة. وقال الحسين بن الفضل: ثقيلاً لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق،
ونفس مزيَّنة بالتوحيد. وقد يراد أنه ثقيل في الوحي، ففي الموطأ والبخاري
ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة أنه وَ ل# سئل: كيف يأتيك الوحي؟
فقال: ((أحياناً يأتيني مثل صَلْصَلة الجرس، وهو أشده علي، فيَقْصِم عني وقد
وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول)» ، قالت
عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفْصَم عنه، وإن
جبينه ليتفصَّد عرقاً.
ثم أبان الله تعالى علة الأمر بقيام الليل (التهجد) فقال:
أي إن قيام الليل، وهو
٦
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا
الذي يقال له: ناشئة إذا كان بعد نوم، أشد موافقة ومصادفة للخشوع
والإخلاص وتوافق القلب واللسان، فذلك يتجلى في هدوء الليل أكثر من أي
وقت آخر، وهو أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها، وأسدّ مقالاً وأثبت
(١) تفسير ابن كثير: ٤٣٤/٤

٢١٠
لُعُ (٢٩) - المُتَفِِّ: ٧٣ /١-١٠
قراءة، لحضور القلب فيها، وأكثر اعتدالاً واستقامة على نهج الحق
والصواب؛ لأن الأصوات فيها هادئة، والدنيا ساكنة، أما النهار فهو وقت
الانشغال بالأعمال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِ النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴾﴾ أي
إن لك في وقت النهار تقلباً وتصرفاً في حوائجك ومصالح الحياة، فلا تتفرغ فيه
للعبادة، فصلِ بالليل.
ولكن لا ينبغي الانشغال عن ذكر الله بأي حال نهاراً أو ليلاً، فقال تعالى:
(@) أي أكثر من ذكر الله، وداوم
﴿ وَأَذْكُرِ أَسْمَ رَبِّكَ وَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (
عليه إن استطعت ليلاً ونهاراً، وأخلص العبادة لربك، وانقطع إلى الله انقطاعاً
بالاشتغال بعبادته، والتماس ما عنده إذا فرغت من أشغالك وحوائجك
وَإِلَى رَيِّكَ فَأَرْغَب
V
الدنيوية، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبُ
[الشرح: ٧/٩٤-٨] أي إذا فرغت من أشغالك فأتعب نفسك في طاعة ربك
وعبادته، لتكون فارغ البال، واجعل رغبتك إلى الله وحده.
ثم أبان الله تعالى سبب الأمر بالعبادة، والباعث على التبتل، فقال:
، أي إن ربك الذي
﴿رَبُّ الْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَخِذْهُ وَكِيلًا
تذكره، وتتفرغ لعبادته هو الجدير بالعبادة، فهو المالك المتصرف في المشارق
والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة، فأفرده بالتوكل، واجعله
وكيلاً لك في جميع الأمور، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْبُدُهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:
١٢٣/١١] وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (جَ) [الفاتحة: ٥/١].
وقوله: ﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّ هُوَ﴾ إشارة إلى كماله تعالى في ذاته، والكمال محبوب
لذاته. وفيه دليل على أن من لم يفوض كل الأمور إلى ربه لم يكن راضياً
بألوهيته، ولا معترفاً بربوبيته. وفيه تسلية للنبي وسلو أنه سيكفيه شرّ الكفار
وأعداء الدين.
ثم أمره ربه بالصبر على الأذى فقال:

٢١١
الُ (٢٩) - المُتَمِّنَ: ٧٣ /١-١٠
﴾ أي اصبر أيها الرسول
﴿ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًّا جَمِيلًا
على أذى قومك وما ينالك من السب والاستهزاء، ولا تجزع من ذلك، ولا
تتعرض لهم ولا تعاتبهم ودارهم، كما جاء في آيات أخرى منها: ﴿فَأَعْرِضْ عَن
[النجم: ٢٩/٥٣] .
٢٩
مَنْ تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّ الْخَيَوَةَ الدُّنْيَاَ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - فرضية التهجد: يدل ظاهر توجيه الخطاب إلى النبي وَلّ خاصة، وأمره
بقيام الليل، ووصفه بالتزمل أن التهجد كان فريضة عليه، وأن فرضيته كانت
خاصة به. وهذا رأي أكثر العلماء؛ لأن الندب والحضّ لا يقع على بعض
الليل دون بعض؛ لأن قيامه ليس مخصوصاً بوقت دون وقت. وهو الذي يدل
عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩/١٧] فإن
قوله: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ بعد الأمر بالتهجد ظاهر في أن الوجوب من خصائصه
وَلجر. وليس معنى النافلة في هذه الآية: التطوع، فإنه لا يكون خاصاً به عليه
الصلاة والسلام، بل معناه أنه شيء زائد على ما هو مفروض على غيره من
الأمة.
وقيل: كان التهجد فرضاً على النبي وَل﴿ وعلى أمته، ثم نسخ بالصلوات
الخمس ليلة المعراج.
وقيل: إن التهجد كان نافلة، لا مفروضاً، لقوله تعالى: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ ولأن
حمل الأمر: ﴿قُِّ اَلَيْلَ﴾ على الندب أولى؛ لأنه متيقن؛ فإن أوامر الشريعة تارة
تفيد الوجوب، وتارة تفيد الندب، فلا بدَّ من دليل آخر على الوجوب كالتوعد
على الترك ونحوه، وليس هذا متوفراً هنا. ويرد عليه بأن المختار في علم
الأصول في الأوامر حملها على الوجوب أو الإلزام إلا بقرينة تصرفه عن ذلك
إلى الندب أو الإباحة. ولأنه تعالى ترك تقدير قيام الليل إلى النبي وَلّ وخيره

٢١٢
لُعُ (٢٩) - المُنَفِّلَ: ٧٣ /١-١٠
بين النصف أو أقل منه أو أكثر، ومثل هذا لا يكون في الواجبات. ويرد عليه
بأنه قد يكون الواجب مخيراً بين أمور ثلاثة كالكفارة.
والراجح هو أن التهجد نسخ عن الأمة وحدها، وبقي وجوبه على النبي
وَّ، بدليل آية الإسراء: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾. وربما كان
العمل بحديث سعد بن هشام بن عامر السابق صحيحاً: وهو نسخ الوجوب
مطلقاً، وصيرورة التهجد (أو قيام الليل) تطوعاً، تخفيفاً وتيسيراً، والناسخ
هو الصلوات الخمس، وأما آخر سورة المزمل الذي نزل بعد أولها بنحو عام
كما في بعض الآثار، فقد نسخ المقدار الذي بيِّن في أولها، دون نسخ أصل
وجوب التهجد. والمقدار المذكور في أول السورة: هو نصف الليل أو أنقص
منه قليلاً إلى الثلث، أو الزيادة عليه إلى الثلثين.
اً - وجوب ترتيل القرآن: لا خلاف في أنه يقرأ القرآن بترتيل على مَھَل،
وتبيين حروف، وتحسين مخارج، وإظهار مقاطع، مع تدبر المعاني. والترتيل:
التنضيد والتنسيق وحسن النظام.
والخلاف في التغني به وتلحينه، فقال بكراهته جماعة منهم الإمامان مالك
وأحمد، وأجازه جماعة آخرون منهم الإمامان أبو حنيفة والشافعي، ولكل
فريق أدلة(١).
استدل المجيزون بما يأتي:
أولاً - ما أخرجه أبو داود والنسائي عن البراء بن عازب أن رسول الله وله
قال: ((زيِّنوا القرآن بأصواتكم)).
ثانياً - ما أخرجه مسلم من قوله وَليّ: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)).
(١) تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد علي السايس: ١٩٣/٤ وما بعدها.

٢١٣
الزُعُ (٢٩) - المُتَمِّل: ٧٣ / ١-١٠
ثالثاً - ما رواه البخاري عن عبد الله بن مُغَفَّل قال: قرأ رسول الله وَ له عام
الفتح في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجع في قراءته.
رابعاً - ما روي أن رسول الله وَالر استمع لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما
أخبره بذلك قال: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبَّرته لك تحبيراً. وقال النبي ◌َّ
لما سمعه: ((إن هذا أعطي مزماراً من مزامير داود)).
خامساً - ما رواه مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله وَّي و يقول: ((ما
أذن الله لشيء كأَذَنه - استماعه(١) - لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن)).
سادساً - إن الترنم بالقرآن من شأنه أن يبعث على الاستماع والإصغاء،
وهو أوقع في النفس وأبلغ في التأثير.
واحتج المانعون بما يأتي:
أولاً - ما رواه الترمذي في نوادر الأصول عن حذيفة بن اليمان عن
رسول الله وسلم قال: ((اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون
أهل الكتاب والفسق، فإنه يجيء من بعدي أقوام يرجّعون بالقرآن ترجيع
الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم
شأنهم)) فهذا نعي على الترجيع بالقرآن ترجيع الغناء والنوح.
ثانياً - ما روي عنه ولو أنه ذكر أشراط الساعة، وذكر أشياء، منها: أن
يتخذ القرآن مزامير، وقال: ((يقدِّمون أحدهم، ليس بأقرئهم ولا أفضلهم
ليغنيهم غناء)).
ثالثاً - أخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: كان لرسول الله وَل مؤذن
يَظْرَبُ، فقال النبي ◌َّ: ((إن الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سهلاً سمحاً،
(١) أذِن له: استمع، وبابه طرب.

٢١٤
الُعُ (٢٩) - المُتَمِلَ: ٧٣ /١-١٠
وإلا فلا تؤذن)) فقد كره النبي ◌َالقر أن يطرب المؤذن في أذانه، مما يدل على
كراهة التطريب في القراءة بالأولى.
رابعاً - أنكر أنس بن مالك على زياد النميري حينما قرأ ورفع صوته
وطرب، وقال: يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون.
خامساً - إن التغني والتطريب يؤدي إلى أن يزاد على القرآن ما ليس منه؛
لأنه يقتضي مد ما ليس بممدود، وهمز ما ليس بمهموز، وجعل الحرف
الواحد حروفاً كثيرة، وهو لا يجوز. كما أن التلحين يلهي النفس بنغمات
الصوت، ويصرفها عن تدبر معاني القرآن.
والحق التوسط في الأمر، فإذا كان التلحين والتطريب يغير من ألفاظ
القرآن، ويخل بطرق الأداء، أو كان تكلّفاً وتصنعاً يشبه توقيعات الموسيقا،
فهو ممنوع وحرام. أما إذا كان تحبيراً وترقيقاً وتحزيناً يؤدي إلى اتعاظ القارئ،
وكمال تأثره بمعاني القرآن، فلا دليل على المنع، بل الأدلة تجيزه.
٣ - ثقل القرآن والوحي: القرآن ثقيل شديد بما اشتمل عليه من تكاليف
شاقة على النفس، وفرائض وحدود صعبة على الإنسان. والوحي أيضاً ذو
تأثير كبير على القلب والنفس، كما جاء في خبر عائشة رضي الله عنها المتقدم،
وأخرج أحمد وابن جرير وغيرهما عن عائشة أيضاً: ((أن النبي وَّ كان إذا
أُوحي إليه، وهو على ناقته، وضعت جِرانها - يعني صدرها - على الأرض،
فما تستطيع أن تتحرك حتى يُسرَّى عنه)) أي الوحي.
٤ - ناشئة الليل: إن أوقات الليل وساعاته أو العبادة الناشئة في الليل، أو
النفس الناشئة في الليل الناهضة من مضاجعها للعبادة أشد وطئاً، أي أشد
موافقة بين السر والعلانية أو القلب واللسان، وأكثر مصادفة للخشوع
والإخلاص، وأسدّ مقالاً وأثبت قراءة، بسبب سكون الليل، وراحة النفس
من الضوضاء والعناء، والبعد عن الرياء والمباهاة، أو حبِّ اطلاع الآخرين

٢١٥
الجُزُ (٢٩) - المُتَمِلِّ: ٧٣ /١-١٠
على الطاعة والعبادة، وشدة الاستقامة والاستمرار على الصواب؛ لأن
الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلّي ما يقرؤه.
٥ - مشاغل النهار: الإنسان مشغول عادة بحاجاته ومصالحه المعيشية في
النهار، فلا يتفرغ عادة للعبادة، وإنما الفراغ موجود في الليل.
٩ - ذكر الله والتبتل: المؤمن مأمور بالاستكثار من ذكر الله وأسمائه
الحسنى، وبالمداومة على التسبيح والتحميد والتهليل وقراءة القرآن، دون أن
يشغله شاغل في الليل والنهار، وهو مطالب أيضاً بأن يجعل همه كله في إرضاء
ربه، وتجريد نفسه عن التعلق بغيره، والاستغراق في مراقبته في جميع أعماله.
ويكون أشرف الأعمال عند قيام الليل: ذكر اسم الرب، والتبتل إليه، وهو
الانقطاع إلى الله بالكلية.
وليس المراد الانقطاع عن أعمال النهار، والعكوف على الذكر والعبادة،
فهذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِ النََّارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٣) بل المراد التنبيه
إلى أنه ينبغي ألا يشغله السَّبحُ في أعمال النهار عن ذكر الله تعالى.
والتبتل: الانقطاع إلى عبادة الله عز وجل، أي انقطاع الإنسان بعبادته إلى
ربه، دون أن يشرك به غيره، وليس المعنى الانقطاع عن مشاغل الحياة لكسب
المعيشة من طرق عزيزة كريمة، لا يكون فيها الإنسان عالة على غيره. فقد ورد
في الحديث النهي عن التبتل بمعنى الانقطاع عن الناس والجماعات. وقال
تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧/٥]
وهذا يدل على كراهة من تبثّل، وانقطع عن الناس، وسلك سبيل الرهبانية.
والخلاصة: التبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة؛ كما قال
تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِدِينَ﴾ [البينة: ٥/٩٨]. والتبتل
المنهي عنه: هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في الصوامع.

٢١٦
لُزُ (٢٩) - المُنَفَِّ: ٧٣ /١١-١٨
لاً - إفراد الله بالتوكل عليه: كما أن المؤمن مطالب بإفراد الله بالعبادة،
مطالب أيضاً بإفراده بالتوكل عليه، فمن علم أن الله رب المشارق والمغارب،
انقطع بعمله وأمله إليه، وفوَّض جميع أموره إليه، فهو القائم بأمور العباد،
الكفيل بما وعد.
٨ - الصبر على الأذى في سبيل الدعوة: أمر الله نبيه بأن يصبر من أجل
دعوته على الأذى والسب والاستهزاء من سفهاء قومه الذين كذبوه، وبألا
يتعرض لهم، ولا يعاتبهم ويداريهم. قال قتادة وغيره: وكان هذا قبل الأمر
بالقتال، ثم أمر بعدُ بقتالهم وقتلهم، فنسخت آية القتال ما كان قبلها من
الترك. وأرى أن هذا من منهج الدعوة الدائم وسياستها الثابتة التي يحتاج إليها
الدعاة في كل عصر. قال أبو الدرداء: إنا لَنَكْشِرُ في وجوه أقوام، ونضحك
إليهم، وإن قلوبنا لتَقْليهم أو لتلعنهم.
تهديد الكفار وتوعدهم
﴿وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ وَمَهِلْهُمْ قَلِلًا ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْحِبَالُ كَتِبًا مَّهِيلًا
وَطَعَامًا ذَا غُضَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا
) فَعَصَى
١٥
إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا
فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذَا وَبِيلًا ﴿ فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ
شِيبًا ﴿ السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌ بٍِ، كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
١٨
الإعراب:
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه ما في
﴿ لَدَيْنَآَ﴾ من معنى الاستقرار، كما تقول: إن خلفك زيداً غداً، والعامل في
(غداً) الاستقرار الذي دلَّ عليه (خلفك).

٢١٧
الُُ (٢٩) - المُتَمِلِّ: ٧٣ / ١١-١٨
كِتِيبًا مَّهِيلًا﴾ ﴿مَهِيلًا﴾: أصله (مهيولاً) على وزن مفعول، من (هلت)،
فاستثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى الهاء قبلها، فبقيت الياء ساكنة والواو
ساكنة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكسرت الهاء لتصحيح الياء.
﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ اُلْوِلْدَانَ شِيبًا ﴾﴾ ﴿يَوْمًا﴾: مفعول
﴿تَنَّقُونَ﴾ وليس منصوباً على الظرف، و﴿يَجْعَلُ﴾: جملة فعلية في موضع
نصب؛ لأنه صفة ﴿ يَوْمًا﴾.
﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهٍ،﴾ إنما قال ﴿مُنفَطِرٌ﴾ من غير تاء لثلاثة أوجه: إما
بمعنى النسب، أي ذات انفطار، أو بجعل السماء في معنى السقف، كما في
قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّحْفُوظَا﴾ [الأنبياء: ٣٢/٢١]، أو لأن
السماء يجوز فيها التذكير والتأنيث، فيقال: ﴿مُنْفَظِرٌ﴾ على التذكير، وهو قول
الفراء.
البلاغة:
وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (٣)﴾ إلخ: سجع
١٣
﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنْكَالًا وَحِيمًا
مرصع.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ جناس اشتقاق.
﴿إِنَّ أَرْسَلْنَآَ إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب للتقريع والتوبيخ
على عدم الإيمان، والأصل أن يقال: إنا أرسلنا إليهم.
﴿فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِلًا﴾ تأكيد الفعل بالمصدر.
المفردات اللغوية:
﴿وَذَرْنِ وَالُْكَذِّبِينَ﴾ اتركني وإياهم، فإني قدير على مجازاتهم. ﴿النَّعْمَةِ﴾
بفتح النون: التنعم والترفه، وبكسر النون: الإنعام أو اسم الشيء المنعم به.

٢١٨.
الجُعُ (٢٩) - المُنَفِِّ: ٧٣ /١١-١٨
﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ اتركهم زماناً قليلاً برفق وتأنٍّ، أو أمهلهم إمهالاً. ﴿أَنَكَالًا﴾
قيوداً ثقيلة، جمع نَكْل بكسر النون وفتحها: وهو القيد الثقيل. ﴿وَحِيمًا﴾ نار
محرقة شديدة الإيقاد. ﴿ذَا غُصَّةٍ﴾ يغص به فلا يستساغ في الحلق، كالضريع
والزقّوم والغِسْلين والشوك من نار، فلا يخرج ولا ينزل. ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ مؤلماً
لا يعرف كنهه إلا الله، زيادة على ما ذكر.
تَرْجُفُ﴾ تضطرب وتتزلزل. ﴿كَتِيبًا﴾ رملاً متجمعاً بتأثير الريح.
﴿فَهِيلًا﴾ رخواً ليِّناً تغوص الأقدام فيه. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَیْگُ﴾ أرسلنا إلیکم یا
أهل مكة.﴿رَسُولًا﴾ هو محمد رَ. ﴿شَهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ يشهد عليكم يوم القيامة
بالعصيان أو الإجابة للدعوة. ﴿وَبِيلًا﴾ ثقيلاً شديداً، ومنه طعام وبيل: لا
يستمرأ لثقله، ووابل: وهو المطر العظيم. ﴿تَنَّقُونَ﴾ تقون أنفسكم. ﴿ إِن
كَفَرْتُمْ﴾ بقيتم على الكفر في الدنيا . ﴿يَوْمًا﴾ عذاب يوم أي بأي حصن
تتحصنون من عذاب يوم القيامة. (شِيبًا﴾ جمع أشيب، وجعلهم شيباً لشدة
هوله، يقال لليوم الشديد: يوم يشيب الأطفال، وهو مجاز، أصله أن الهموم
تضعف القوى وتسرع بالشَّيْب. ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ منشق متصدع. ﴿كَانَ وَعْدُهُ
مَفْعُولًا﴾ أي إن وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم كائن لا محالة.
سبب النزول:
نزول الآية (١١):
﴿وَذَرْنِ﴾: روي أنها نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى إرشاداته لنبيه و 98 في دعوته، هدد المشركين وأوعدهم
على الإعراض عن قبول تلك الدعوة، وخوَّفهم عذاب يوم القيامة وكيفيته
وأهواله، وعذاب الدنيا ومخاطره، ثم عاد إلى وصف عذاب الآخرة وتخويفهم
به لشدته التي بلغت حداً تشيب الولدان، وتتشقق السماوات منه.

٢١٩
الُرُ (٢٩) - المُتَمِلِ: ٧٣ / ١١-١٨
التفسير والبيان:
هدد الله تعالى كفار مكة وأمثالهم وتوعدهم، وهو العظيم الذي لا يقوم
لغضبه شيء، فقال:
﴿ وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى النَّعْمَةِ وَمَهِلْهُمْ قَلِيلًا ﴾﴾ أي دعني وأولئك
المكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإني أكفيك أمرهم، وأنتقم لك منهم،
فلا تهتم بكونهم أرباب الغنى والسعة والترفّه في الدنيا، وتمهل عليهم رويداً
وزمناً قليلاً، أو تمهلاً قليلاً إلى انقضاء آجالهم، كما قال تعالى: ﴿نُمِنِّعُهُمْ
قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظِ ﴾ [لقمان: ٢٤/٣١] . وقد أهلك
زعماءهم في موقعة بدر، قالت عائشة: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً
حتى وقعت وقعة بدر.
ثم ذكر الله تعالى أنواعاً أربعة من عذابهم، فقال:
وَطَعَامًا ذَا غُضَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (
﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا
أي إن
١٣
عندنا القيود والأغلال لهؤلاء المكذبين بآياتنا وبرسولنا، وناراً مؤججة
مضطرمة، وطعاماً لا يستساغ، يَنْشَب في الحلق، فلا يدخل ولا يخرج
كالزقوم والضريع، ونوعاً آخر من العذاب المؤلم الشديد، لا يعلم كنهه إلا الله
تعالى. وتنكير قوله ﴿وَعَذَابًا﴾ يدل على أن هذا العذاب أشد مما تقدم وأكمل.
وبعد وصف العذاب، أخبر تعالى عن زمانه متى يكون فقال:
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ اُلْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَتِبًا فَهِيلًا (﴿3﴾ أي إن ذلك
العذاب الذي يعذب به الكفار هو في يوم تضطرب فيه الأرض والجبال
وتتزلزل بمن عليها، وتصير الجبال كالكثيب المهيل، أي الرمل المجتمع السائل
الذي يسيح فيه الإنسان والحيوان، بعدما كانت حجارة صماء، ثم تنسف
نسفاً، فلا يبقى منها شيء إلا ذهب. والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة،
والمهيل: هو الذي إذا وطئته القدم زلّ ما تحتها، وإذا وصلت إلى أسفله انهال.

٢٢٠
الجُزْعُ (٢٩) - المُتَمَِّ: ٧٣ / ١١-١٨
وبعد تخويف أهل مكة وأمثالهم بأهوال القيامة، هددهم وخوفهم تعالى
بأهوال الدنيا التي تعرضت لها الأمم المكذبة المتقدمة، فقال:
فَعَصَى
فَ
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (ێ)
· أي يخاطب الله تعالى كفار قريش،
فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِيلًا
والمراد سائر الناس، فيقول لهم: إنا أرسلنا إليكم رسولاً هو محمد بن عبد الله
وزير يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم وبما يصدر عنكم من إجابة وامتناع،
وطاعة وعصيان، كما أرسلنا موسى عليه السلام إلى الطاغية فرعون يدعوه إلى
الحق والإيمان، فعصى فرعون الرسول المرسل إليه، وكذّبه ولم يؤمن بما جاء
به، فأخذناه أخذاً شديداً ثقيلاً غليظاً، أي عاقبناه عقوبة شديدة وأهلكناه
ومن معه بالغرق في البحر، فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم
ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأنتم أولى بالهلاك
والدمار إن كذبتم رسولكم الذي هو أشرف وأعظم من موسى بن عمران عليه
السلام. وإنما عرَّف كلمة الرسول ثانياً؛ لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في
الذكر.
ثم عاد الله تعالى إلى تخويفهم بعذاب الآخرة ذاكراً هوله من وجهين، فقال:
السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهٍ،
١٧
﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمَا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا
كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (٣)﴾ أي كيف تقون أنفسكم وتنعمون بالأمان والاطمئنان
إن بقيتم على الكفر، من عذاب يوم يجعل الأطفال شيباً بيض الشعور، لشدة
هوله؟ وهذا كناية عن شدة الخوف، وتصير السماء متشققة به متصدعة؛
لشدته وعظيم هوله، وكان وعد الله بمجيء ذلك اليوم كائناً واقعاً لا محالة
ولا محید عنه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1