Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١
الُءُ (٢٩) - المملك: ٦٧ / ٢٨ -٣٠
التفسير والبيان:
أجاب الحق سبحانه وتعالى عن دعاء الكافرين بهلاك النبي ◌َّ والمؤمنين
من وجهين :
الوجه الأول - ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكِىَ اَللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ
اُلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله،
الجاحدين لنعمه: أخبروني عن أي فائدة أو منفعة لكم أو راحة، فيما إذا
أهلكني الله بالإماتة أو رحمني بتأخير الأجل، أنا ومن معي من المؤمنين، فلو
فرض أنه وقع بنا ذلك، فلا ينجي الكافرين أحد من عذاب الله، سواء أهلك
الله تعالى رسوله {آل﴾ والمؤمنين معه، كما كان الكفار يتمنونه أو ينتظرونه، أو
أمهلهم.
والمراد بالآية تنبيه الكفار وحثهم على طلب النجاة والإنقاذ بالتوبة والإنابة
والرجوع إلى الله بالإيمان والإقرار بالتوحيد والنبوة والبعث، وإعلامهم بأنه لا
ينفعهم وقوع ما يتمنون للنبي وَّر والمؤمنين من العذاب والنكال، فسواء
عذبهم الله أو رحمهم، فلا مناص لهم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بهم.
الوجه الثاني - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَا بِهِ، وَعَلَيَّهِ تَوَكَّنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي
ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣)﴾ أي قل لهم: إن الذي تجانا نحن هو الإيمان بالله الرحمن الذي
آمنا به وحده، لا نشرك به شيئاً، وعليه توكلنا في جميع أمورنا، لا على غيره.
والتوكل: تفويض الأمور إليه عز وجل، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ
عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣/١١]. ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي
ستدركون من هو في خطأ واضح منا ومنكم، ولمن تكون العاقبة في الدنيا
والآخرة. وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال. وإذا كان
هذا حالهم فكيف يقبل الله دعاءهم على المؤمنين؟
ثم ذكر الله تعالى الدليل على وجوب التوكل عليه لا على غيره، فقال مظهراً
الرحمة في خلقه :
٤٢
الجُعْ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٨ -٣٠
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَورًا فَمَن يَأْتِكُم بِمَآءٍ مَعِينٍ ﴾﴾ أي قل لهم يا
محمد: أخبروني إن صار ماؤكم الذي جعله الله لكم في العيون والآبار.
والأنهار لمنافعكم المتعددة غائراً ذاهباً في الأرض إلى أسفل بحيث لا ينال
بالدلاء وغيرها، فمن الذي يأتيكم بماء كثير جار لا ينقطع؟ أي لا يأتيكم به
أحد إلا الله تعالى، وذلك بالأمطار والثلوج والأنهار، فمن فضله وكرمه أن
أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض لتحقيق حاجة الناس قلةً
وكثرة.
والمقصود أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه، ليريهم قبح ما هم فيه من الكفر.
فإذا كان لا بدّ من أن يقولوا: هو الله، فيقال لهم حينئذ: فلِمَ تجعلون من لا
يقدر على شيء أصلاً شريكاً له في المعبودية؟ والآية دليل على وجوب الاعتماد
على الله تعالى في كل حاجة، مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته،
وإشارة إلى أن الفتوح العقلي لا يتيسر إلا بإعانة الله تعالى.
ءَنْتُمْ أَنَزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْعُزْنِ أَمَ نَحْنُ
٦٨
ونظير الآية: ﴿أَفََّيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
﴾ [الواقعة: ٦٨/٥٦-٦٩].
٦٩٦
اُلْمُنْزِلُونَ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - لا فائدة ولا جدوى من دعاء الكفار على النبي ◌َّ والمؤمنين؛ لأنه لا
يستجاب دعاؤهم، ولأنه إن مات المؤمنون أو رُحموا فأخر الله تعالى آجالهم،
فمن يجير الكافرين من عذاب أليم؟ فلا حاجة بهم إلى توقع السوء وانتظاره
بمن آمنوا، ولا إلى استعجال قيام الساعة، وما عليهم لتخليص نفوسهم من
العذاب إلا إعلان الإيمان والإقرار بالتوحيد والنبوة والبعث.
اً - يجب الاعتماد والتوكل على الله تعالى في كل حاجة، بعد اتخاذ
٤٣
لُزُ (٢٩) - الملك: ٦٧ / ٢٨ -٣٠
الأسباب والوسائل المقدورة للبشر، وشأن المؤمنين أن يتكلوا على الله
سبحانه، أما الكفار فيتكلون على رجالهم وأموالهم.
٣ - إن الله تعالى هو القادر على إمداد خلقه بالأرزاق والأمطار والمياه
النابعة، ولا أحد غير الله عز وجل يقدر على ذلك، والله برحمته وفضله ومَنّه
وكرمه يمدّ عباده بما يحتاجون، وإن كفروا وجحدوا به.
يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت الآية: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ
﴿) عنده، فقال: تأتينا به الفؤوس والمعاول،
غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ
فذهب ماء عينه وهذا من الإعجاز.
٤٤
اِلُزُ (٢٩) السورة (٦٨) القَلَت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمِ
سُوْدَّةُ القَلَةِ،
مڪية، وهي اثنتان وخمسون آية
تسميتها:
سميت سورة القلم لافتتاحها بما أقسم الله تعالى به وهو ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا
يَسْطَّرُونَ (ج) وأقسم بالقلم تعظيماً له؛ لما له في خلقه وتسويته من الدلالة
على الحكمة العظيمة، ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف،
كما قال صاحب الكشاف. والمراد بالقلم عند الأكثرين: الجنس، أقسم الله
سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض.
وقيل: سورة (ت).
مناسبتها لما قبلها:
هناك وجهان لتعلق السورة بما قبلها :
اً - ذكر الله تعالى في آخر سورة ﴿تَبَرَكَ﴾ ﴿الْمُلْكُ﴾، تهديد المشركين
بتغوير الماء، وذكر في هذه السورة دليلاً على ذلك وهو إذهاب ثمر البستان في
ليلة بطائف طاف عليه، وهو نار من السماء أحرقته، وهم نائمون، فلم يجدوا
له أثراً.
٤٥
الُ (٢٩) السورة (٦٨) القَلَتْ،
أَ - ذكر الله تعالى في سورة الملك أدلة قدرته الباهرة وعلمه الواسع، وأثبت
البعث، وهدد المشركين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وحثهم على
الإيمان بالله وحده لا شريك له وبالبعث وبالرسول محمد وَله، ثم برَّأ الله نبيّه
وزير في مطلع هذه السورة من أباطيل المشركين ونسبتهم رسول الله وَل إلى
السحر أو الشعر أو الجنون، وأثنى عليه بالخلق العظيم.
ما اشتملت عليه السورة:
عنيت هذه السورة المكية كسابقتها بأصول العقيدة الإسلامية الصحيحة
وهي هنا إثبات النبوة والرسالة، والبعث والآخرة، وبيان مصير المسلمين
والمجرمين في القيامة.
بدئت السورة بالقسم بالقلم تعظيماً له لنفي تهم المشركين ومزاعمهم
الباطلة، ووصف النبي ◌َّهِ بالخُلُق العظيم: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
إلى قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
وأردفت ذلك ببيان سوء أخلاق بعض الكفار وافترائهم على الرسول وال
وتهديدهم بما أعدّ الله لهم من العذاب الأليم: ﴿فَسَنُبْصِرُ وَيُصِرُونَ (@) إلى
١٦
قوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
ثم ضربت المثل لكفار مكة بأصحاب الجنة (البستان) بإحراقه وإتلافه،
بسبب كفرهم وجحودهم نعمة الله، وعزمهم على منع حقوق الفقراء
والمساكين: ﴿إِنَّا بَوْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾.
وقارنت بين المؤمنين والمجرمين، ووبخت المشركين على أحكامهم الفاسدة،
وفتّدت دعاويهم، وأقامت الحجج عليهم، وأبانت أحوالهم في الآخرة
، إلى قوله: ﴿وَهُمْ سَلِمُونَ﴾.
وموقفهم المخزي: ﴿أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَأْتُجْرِمِينَ
ثم هددت المشركين المكذبين بالقرآن: ﴿فَذَرْنِ وَمَن يَكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ
سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
٤٤
٤٦
الجُمْ (٢٩) - القفلتر: ٦٨ /١-٧
وختمت السورة بأمر النبي ◌َّ ه بالصبر على أذى المشركين، وحذرته من
التبرم والتضجر في تبليغ دعوته، حتى لا يكون مثل يونس عليه السلام:
وأعلنت
(٤٨
﴿ فَأَصْبِرْ ◌ِكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ
حمايته من أذاهم، ودحضت افتراءهم بأنه مجنون، وردت عليهم بأن القرآن
عظة وعبرة للعالمين، فكيف يكون المنزل عليه مجنوناً: ﴿وَإِن يَكَادُ﴾ إلى آخر
السورة.
فضلها:
هذه السورة من أوائل ما نزل من القرآن بمكة، فقد نزلت على ما روي عن
ابن عباس: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ثم هذه، ثم المزمل، ثم المدثر.
كمال الدين والخُلُق عند النبي
ـة
صَلى الله
وَسِم
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا
﴿تَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿ مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمِ ج فَسَتُبْصِرُ وَيُصِرُونَ
٥
بِأَيِّكُمُ
اُلْمَفْتُونُ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
٧
الإعراب:
﴿تَ﴾ في موضع نصب إما بتقدير: اقرأ نون، أو بتقدير: أقسم بنون،
فحذف حرف القسم، فاتصل الفعل به، فنصبه، وعلى هذا يكون: ﴿مَا أَنْتَ
بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾﴾ جواب القسم. وقال أبو حيان: ﴿ت﴾ من حروف
المعجم، نحو ﴿صََّ﴾ و﴿فَّ﴾، وهو غير معرب كبعض الحروف التي جاءت
مع غيرها مهملة من العوامل، والحكم على موضعها بالإعراب تخرص.
﴿بِأَبِّكُمُ الْمَفْتُونُ ﴾﴾ أي بأيكم الفتنة، كما يقال: ما له معقول، أي
عقل، وقيل: الباء في ﴿بِأَيِّكُمُ﴾ زائدة، وتقديره: أيكم المفتون، أي المجنون.
٤٧
اِلُ (٢٩) - القَلَتِ: ٦٨ / ١-٧
البلاغة:
﴿بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿مَمْنُونٍ﴾ جناس ناقص بينهما لاختلاف الحرف الثاني.
وعيد وتهديد، وحذف
بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُصِرُونَ
المفعول للتهويل.
﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿مَمْنُونٍ﴾ ﴿الْمَفْتُونُ﴾ الخ سجع مرصع.
﴿ضَلَّ﴾ و﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَ﴾ إما اسم للسورة، أو الغرض منه التحدي، مثل: ق، وص بأن
يأتوا بمثل القرآن أو بعضه، ما دام مكوناً من حروف اللغة العربية التي بها
ينطقون ويكتبون وينظمون الشعر، ويدتجون الخطب البليغة ﴿وَالْقَلِ﴾ أكثر
المفسرين على أن المراد به جنس القلم الذي يكتب به، أقسم الله سبحانه بكل
قلم يكتب به في السماء وفي الأرض . ﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يكتبون، فإن التفاهم
يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة.
﴿مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾﴾ أي ما أنت يا محمد في حالة جنون
بسبب إنعام ربك عليك بالنبوة وغيرها، وهذا ردّ لقول مشركي قريش: إنه
مجنون ﴿عَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (ج) إذ تحتمل من
قومك ما لا يحتمله أمثالك ﴿اٌلْمَفْتُونُ﴾ المجنون، أو الفتون أي الجنون، أي
أبك أم بهم؟ من فُتن: إذا أصيب بفتنة، أي محنة أو بلاء من ذهاب عقل أو
مال أو موت ولد، فابتلي بالجنون . ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ،﴾
أعلم بمعنى عالم، فالله عالم بهم، وهم المجانين على الحقيقة. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ﴾ الفائزين بكمال العقل.
٤٨
لُرُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ١-٧
سبب النزول:
نزول الآية (٢) ﴿مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
٢
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنّبي ◌َّ: إنه مجنون،
ثم شيطان، فنزلت: ﴿مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجُنُونٍ
نزول الآية (٤) ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه، فقالت: كان خلقه القرآن، ألست
تقرأ القرآن: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ إلى عشر آيات [المؤمنون: ١/٢٣-
١٠].
التفسير والبيان:
﴿نَّ وَاُلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
ـ) مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾﴾ ﴿ت):
T
من الحروف المقطعة مثل: ﴿صَّ﴾، ﴿فَ﴾ التي يبدأ بها في بعض السور
للتنبيه والتحدي. ومعنى الآية: أقسم بالقلم الذي یکتب به، وبما يكتبه الناس
بالقلم من العلوم والمعارف، إنك يا محمد، لست بسبب النعمة أو بوساطة
النعمة التي أنعم الله بها عليك وهي النبوة والإيمان والحصافة والخلق بالمجنون،
كما يزعمون. وهذا ردّ على افتراء وزعم أهل مكة أنه مجنون، فهو استبعاد ما
كان ينسبه إليه كفار مكة عداوةً وحسداً، وإنه ذو منزلة عالية ومكانة رفيعة من
إنعام الله عليه بحصافة العقل وسائر الأخلاق الفاضلة المؤهلة للنبوة. فقوله:
﴿مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
، هو المقسم عليه.
والقسم بالقلم وما يكتب به إشارة إلى عظم النعمة بهما، وأنهما من أجلّ
النعم على الإنسان بعد النطق والبيان، فهما طريق التثقيف وانتشار العلوم
والمعارف بين الجماعات والأمم والأفراد، ودليل على تقدم الأمم والشعوب
و نبوغها.
٤٩
لِلُعُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ١-٧
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ((أول ما خلق الله
القلم، قال: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجری بما يكون
من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون)) أي الدواة.
وروى ابن عساكر عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صل﴾ يقول: ((إن
أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون وهو الدواة، ثم قال: اكتب ما هو
كائن من عمل أو أثر أو رِزق أو أجل، فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم
القيامة، ثم خَتَم على القلم، فلم يتكلم إلى يوم القيامة)).
وروى الطبراني مرفوعاً عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ له: ((إن أول
ما خلق الله القلم والحوت، قال للقلم: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: كل
شيء كائن إلى يوم القيامة)) ثم قرأ: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
ثم ذكر تتمة المقسم عليه، فقال تعالى:
أي وإن لك لثواباً عظيماً على ما
﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًاً غَيْرَ مَمْنُونِ (ج)
تحملت من مهام النبوة، وقاسيت في إبلاغ الدعوة من أنواع الشدائد، وذلك
الثواب غير مقطوع وإنما هو مستمر، أو لا يُمنّ به عليك من جهة الناس.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٣) أي وإنك لصاحب الخلق العظيم الذي
أمرك الله به في القرآن، لما تحملت من قومك ما لم يتحمله أمثالك، ففيك
الأدب الجمّ والحياء والجود والشجاعة والحلم والصفح وغير ذلك من محاسن
الأخلاق. وقد امتثلتَ تأديب الله تعالى إياك في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرُ
[الأعراف: ٧ /١٩٩] .
(٩٩)
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ
روى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة: أنها سئلت عن خلق
النبي وَلول، فقالت: كان خلق رسول الله و الله القرآن. أو كان خلقه القرآن، أما
تقرأ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
٥٠
الجزءُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ١-٧
يدل عليه قوله وَ﴾: ((إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق)) (١) ومكارم
الأخلاق: هي صلاح الدنيا والدين والمعاد. وروي عنه ◌َّر أنه قال فيما رواه
ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود: ((أدَّبني ربِّ فأحسن تأديبي؛ إذ
قال: ﴿خُذِ الْعَفَوَ وَأَمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِنَ
﴾ [الأعراف: ١٩٩/٧]
١٩٩)
فلما قَبِلتُ ذلك منه، قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
وثبت في الصحيحين عن أنس قال: ((خدمت رسول الله وَلل عشر سنين،
ما قال لي: أُفّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لَم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا
فعلته؟ )).
وأخرج أحمد عن عائشة قالت: ((ما ضرب رسول الله وَل بيده خادماً له
قط، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله،
ولا خُيِّ بين شيئين قط، إلا كان أحبُّهما إليه أيسرَهما، حتى يكون إثماً، فإذا
كان إثماً، كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن
تنتهك حُرُمات الله، فيكون هو ينتقم لله عزّ وجلّ)).
وبعد وصفه بأنه على خلق عظيم أوعد الله تعالى المشركين وهددهم بقوله :
﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُصِرُونَ ﴿َ بِأَبِّكُمُ الْمَفْتُونُ جَ﴾ أي ستعلم يا محمد،
وسيعلم الكفار المشركون مخالفوك ومكذبوك في الدنيا، يوم القيامة، من
المفتون المجنون الضالّ منكم ومنهم؟ وهذا ردّ على زعمهم أن محمداً وَليل كان
مفتوناً ضالاً. فالمراد بالمفتون: الذي فتن بالجنون. وهو أسلوب رفيع من
الخطاب، فيه البعد عن الإثارة، ولفت النظر والعقل.
وهذا التهديد كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اُلْكَذَّابُ الْأَشِرُ
(٢٦)) [القمر:
(١) هذه رواية، وفي رواية أحمد والبخاري في الأدب والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة: ((إنما
بعثت لأتمم صالح الأخلاق)).
٥١
الُ (٢٩) - القَلَتِ: ٦٨ / ١-٧
٢٦/٥٤]. وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَّى أَوْ فِ ضَلَالٍ
تُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤/٣٤].
ثم أكّد الله تعالى الوعيد والوعد بقوله:
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ (®﴾ أي إن
الله ربّك يعلم من هو في الحقيقة الضالّ، أنت أم من اتّهمك بالضلال، ومن
هو المهتدي من الفريقين منكم ومنا، هداية موصلة إلى السعادة العاجلة
والآجلة؟ والمعنى: بل هم الضالون، لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل
والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم، وسيجازي الله كل فريق بما يستحق من
العقاب والثواب.
والمراد بالضلال: ضلال الدين والعقيدة، وبالاهتداء: الهداية إلى الدين.
وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأمثالهما.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - القسم بالقلم وبالمكتوب إشارة إلى خطرهما، وعظيم أثرهما ونفعهما في
ميادين العلم والمعرفة والتقدم والحضارة.
أَ - المقسم عليه ثلاثة أمور: نفي الجنون عن النبي ◌َّ كما زعم الكفار،
واستمرار الثواب الجزيل والعطاء العظيم له، وكونه صاحب الخلق العظيم،
وهو خلق القرآن، وهو أصح الأقوال كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن
عائشة.
ووجود هذه النعم الكثيرة على النبي وَّهَ من الله عزّ وجلّ، وظهورها في
حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل مكرمة، ينافي حصول
الجنون، وكلام الأعداء نوع من الهذيان.
٥٢
لُجُرُ (٢٩) - القَلَتِ: ٦٨ / ٨-١٦
والْخُلُق: ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بسهولة، فإذا
وصف بالعظم وهو كونه على النهج الأفضل، لم يكن خلق أحسن منه.
روى الترمذي عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله وَ له: « اتّقِ الله حيثما كنتَ،
وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ الناسَ بُلُقْ حَسَنٍ)) ، وروى أيضاً عن أبي
الدرداء أن النبي ◌َّر قال: ((ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلُق
حسن، وإن الله تعالى ليُبغض الفاحش البذيء)).
وروى أيضاً عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله بَ له عن أكثر ما يُدخل
الناس الجنة؟ فقال: ((تقوى الله وحسن الخلق))، وسئل عن أكثر ما يدخل
الناس النار؟ فقال: ((الفم والفرج)).
٢ - هدد الله تعالى وأوعد الكفار بأنهم سيعلمون حين يتبين الحق والباطل
في الدنيا والآخرة من هو الذي فتن بالجنون، ومن الذي یتبین رجحان عقله،
وسلامة منهجه، وصحة دينه واعتقاده؟
ويؤكد ذلك أن الله تعالى هو العالم بمن حاد عن دينه، والذين هم على
الهدى والصواب والحق، فيجازي كلّاً يوم القيامة بعمله.
الأخلاق الذميمة عند الكفار
﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَافٍ
وَدُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْ هِنُونَ
٨
هَمَّازٍ مَّشَكٍ بِنَمِيمٍ
١٠
نَّهِينٍ
مَّنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْنَدٍ أَشِمٍ ﴿١ عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ
زَّنِيمِ ﴿٣ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
١٦
سَنَسِمُهُمٍ عَلَى الْخُطُومِ
١٥
القراءات:
﴿أَنْ كَانَ﴾ :
٥٣
المُرُ (٢٩) - القفلتع: ٦٨ / ٨-١٦
وقرأ ابن عامر، وحمزة (أأن كان).
الإعراب:
(٤) ﴿أَنْ كَانَ﴾: مفعول لأجله، تقديره: لأن
﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ
كان ذا مال وبنين، واللام تتعلق بفعل محذوف، تقديره: أيكفر أن كان ذا
مال. ولا يجوز أن تتعلق بـ (تُتْلَى﴾ لأن ﴿إِذَا﴾ مضافة إليه، والمضاف إليه لا
يعمل في المضاف ولا فيما قبل المضاف، كما لا يجوز أن تتعلق بـ ﴿قَالَ﴾ لأنه
جواب الشرط، وجواب الشرط لا يعمل فيما قبله.
﴿قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿أَسَطِيرُ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه
أساطير الأولين.
البلاغة:
﴿حَلَّافٍ﴾، ﴿هَمَّازٍ﴾، ﴿مَشَآءٍ﴾، ﴿مَنَّاعِ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعّال،
وكذلك ﴿أَنِيمٍ﴾، ﴿زَنِيمٍ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعيل.
﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُطُومِ (19) استعارة، استعار خرطوم الفيل لأنف
الإنسان، للاستهانة والاستخفاف.
المفردات اللغوية:
﴾ تهييج للتصميم على مخالفتهم . ﴿وَدُوا﴾ تمنوا،
٨
﴿ فَلَ نُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
لَوْ﴾: مصدرية، ﴿تُدْهِنُ﴾ تلين لهم بأن تدع نهيهم عن الشرك، أو توافقهم
فيه أحياناً، من الإدْهان: وهو المداهنة واللين والمصانعة. ﴿فَيُّدْهِنُونَ﴾ فيلينون
لك بترك الطعن والموافقة، والفاء للعطف على ﴿تُدْمِنُ﴾ أي تمنوا الملاينة،
ولكنهم أخروا ذلك حتى تلين، أو للسببية، أي ودّوا لو تُدْهن، فهم يدهنون
حينئذٍ. وفي بعض المصاحف: (فيدهنوا) على أنه جواب التمني المفهوم من
﴿ وَدُوا﴾. وعلى قراءة (يدهنون) يقدر قبله بعد الفاء: هم.
٥٤
الُُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٨-١٦
﴿حَلَّافٍ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل. ﴿مَّهِينٍ﴾ حقير الرأي. ﴿هَمَّارٍ﴾
عيَّب طعّان مغتاب. ﴿مَّشَكِ بِنَمِيمٍ﴾ يمشي بين الناس بالنميمة والسعاية
للإفساد بينهم. ﴿مَّنَّاعِ لِلْخَيْرِ﴾ بخيل بالمال، ويمنع الناس من الإيمان والإنفاق
والعمل الصالح. ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالم، يتجاوز الحق إلى الباطل. ﴿أَثِيمٍ﴾ آثم، أو
كثير الإثم والذنب. ﴿عُثُلِ﴾ غليظ جاف. ﴿ زَنِيمٍ﴾ دعيّ في قريش، أي يلحق
بهم في النسب وليس منهم، وهو الوليد بن المغيرة، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة
سنة، قال ابن عباس: لا نعلم أن الله وصف أحداً بما وصفه به من العيوب،
فألحق به عاراً لا يفارقه أبداً. وقيل: هو الذي يعرف بالشر واللؤم.
﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ أي لأن كان، والمعنى: أيكفر لأن كان ذا
مال. ﴿َايَنُنَا﴾ القرآن. ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي هي خرافات وأباطيل
﴾ سنجعل على أنفه سمة وعلامة يتميز بها ما
الأقدمين. ﴿سَنَسِمُ عَلَى الْمُطُومِ
عاش، فخطم أنفه بالسيف يوم بدر، أي أصيب أنف الوليد بجراحة يوم بدر،
فبقي أثرها. والوسم: وضع علامة على الشيء لتمييزه بها من غيره.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّي في قوله: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ خَلَافٍ مَّهِينٍ
١٠
قال: نزلت في الأخنس بن شَريق، وأخرج ابن المنذر عن الكلبي مثله وهو
قول الشعبي وابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزلت في
الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود.
والمشهور أن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة، أخرج ابن جرير عن ابن
عباس قال: نزلت على النّبي ◌َّ: ﴿ وَلَا تُطِعَ كُلَّ حَلَافٍ تَهِينٍ (
هَمَّازٍ مَّشَِّ
١٠
بِنَمِيمٍ (٣) فلم نعرفه، حتى نزل عليه بعد ذلك: ﴿عُثُلِ بَعْدَ ذَلِكَ زَئٍِ
فعرفناه، له زَثَة كَزَنَة الشاة (١).
(١) أي الجزء المسترخي من أذنها حين تشق، ويبقى كالجزء المعلَّق.
٥٥
لكعُ (٢٩) - القفلج: ٦٨ / ٨-١٦
المناسبة:
بعد بيان ما عليه الرسول وَله من كمال الدين والخلق، بَيَّن ما عليه الكفار
من الأخلاق الذميمة، والدعوة إلى التشدد معهم ومخالفتهم، مع قلة عدد
المؤمنين، وكثرة الكفار.
التفسير والبيان:
﴿ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ أي داوم على مخالفة الكفار المكذبين لرسالتك،
وتشدد في ذلك. وهذا نهي صريح من الله سبحانه عن ملاينة المشركين رؤساء
مكة؛ لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فنهاه الله عن طاعتهم أو مجاملتهم في
شيء من العقيدة بقصد ترغيبهم في الإسلام. والمراد من النهي: التحميس
والتهييج والتشدد في مخالفتهم. قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي
وَ لّ أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة، وهم يعبدون الله مدة، وآلهتهم مدة، فأنزل
٨
الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ
﴿وَذُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾﴾ أي تمنوا لو تلين لهم، فيلينون لك، بأن
تركن إلى آلهتهم، وتقربها، وتترك ما أنت عليه من الحق، فيعترفون بعبادة
إلهك.
(٧٤)
ونظير الآية: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّنَْكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا
إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا
٧٥
[الإسراء: ١٧ /٧٤-٧٥] .
ثم خصص تعالى من جميع المكذبين الكفار من اتصف بالأوصاف المذمومة
العشرة التالية غير الكفر، فقال :
١ - ٢: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (٣)﴾ أي ولا تطع كل شخص كثير
الحلف بالباطل حقير الرأي والفكر. ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ
٥٦
اِلُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٨-١٦
عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤/٢]. وفيه إشارة إلى أن عزّة النفس منوطة
بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سرّ الربوبية،
وأيضاً الحلاف يكذب كثيراً، والكذاب حقير عند الناس.
٣ - ٤: ﴿هَمَّارٍ مَّشَّاِ بِنَمِيمِ (١) أي عيَّاب طعَّان يذكر الناس بالشرّ
في وجوههم، يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. أما اللمَّاز: فهو الذي
يذكر الناس في مغيبهم. روى الجماعة إلا ابن ماجه عن حذيفة قال: سمعت
رسول الله وَل﴿ يقول: ((لا يدخل الجنة قتَّات)) أي نمام.
٥ - ٦: ﴿مَّنَّاعِ لِّلْخَيْرِ مُعْنَدٍ أَثِمٍ ﴾﴾ أي بخيل، يمنع الخير عن الناس من
الإيمان والإنفاق والعمل الصالح، ظالم متجاوز الحق وحدود الله من أمر
ونهي، كثير الآثام والذنوب. كان للوليد بن المغيرة عشرة بنين، وكان يقول
لهم ولمن قاربهم: لئن تبع دين محمد منكم أحد، لا أنفعه بشيء أبداً. فمنعهم
الإسلام، وهو الخير الذي منعهم.
بعدَ
أي هو بعد ما ذكر من معايبه غليظ
١٣
زنيم
ذَلِكَ
٧ - ٨: ٥
عَتْلَ
جاف فظّ، شديد الْخَلْق، فاحش الخلق، دعيٌّ في قريش ملصق بالقوم وليس
هو منهم، مشهور بالشر والسوء.
أخرج الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا أبا داود عن حارثة بن
وهب قال: قال رسول الله وَ له: ((ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف
متضعِّف(١)، لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عُثُلّ
جوَّاظ(٢) مستكبر)).
(١) روي بكسر العين وفتحها، والمشهور الفتح، ومعناه: يستضعفه الناس ويحتقرونه، وبالكسر:
المتواضع المتذلل.
(٢) الجوّاظ: الجمَّاع المنَّاعِ، الذي يجمع المال ويمنعه.
٥٧
لُ (٢٩) - القَلَتِ: ٦٨ / ٨-١٦
ثم ذكر الله تعالى بعض دوافع ومظاهر كبره وكفره، فقال:
٩ - ١٠: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ أي أيكفر بالله تعالى ورسوله وَل
لأن الله أنعم عليه بالأموال والبنين، حيث جعل جزاء النعم الكفر والجحود؟
فذلك لا ينفعه عند ربِّه. وهذا تقريع وتوبيخ على مقابلة ما أنعم الله عليه من
المال والبنين بالكفر بآيات الله تعالى والإعراض عنها. وقال الزمخشري: متعلق
بقوله: ﴿ وَلَا تُطِعْ﴾ يعني: ولا تطعه مع هذه المثالب لأن كان ذا مال، أي
ليساره وحظه من الدنيا.
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ مَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ (
أي وإنه إذا تليت عليه
١٥
آيات القرآن، زعم أنها كذب مأخوذ من قصص وأباطيل القدماء، وليس هو
من عند الله تعالى.
وهذا كقوله تعالى حكاية عن هذا الطاغية الجبار: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
١٤٠
وَمَهَّدتُ لَهُ تَمْهِيدًا
وَيَنِينَ شُهُودًا
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَّا مَّمْدُودًا
سَأُرْهِقُمُ صَعُودًا
١٦
كَلَّ إِنَّهُ كَانَ لَِيَئِنَا عَنِيدًا
١٥
يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
إِنَّهُ فَكَّرَ
١٧
﴿فَ ثُمَّ قُئِلَ كَفَ قَدَّرَ ◌ََـ
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
وَقَدَّرَ لِّ
ثُمَّ نَظَرَ ﴿٨َ ثُمَّ عَسَ وَبَرَ
٢٢
ثُمَّ أَذْبَرَ وَأُسْتَكْبَ ﴿َ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
[المدثر: ٧٤ /١١- ٢٥] .
(٢٥)
ثم ذكر الله تعالى عقابه في الدنيا أو الآخرة، فقال:
﴿سَنَسِمُ عَلَى الْخُطُورِ (٣٦)﴾ أي سنجعل له وسماً بالسواد على أنفه، فإنه
قاتل يوم بدر، فخُطِمَ بالسيف في القتال، قال المبرد: الخرطوم ههنا الأنف.
وعبر به إذلالاً له واستخفافاً به وإهانةً له؛ لأن السمة على الوجه أو الأنف
شين. وقال جماعة: ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سمة أهل النار، يعني نسود وجهه يوم القيامة،
وعبر عن الوجه بالخرطوم، فيسود وجهه بالنار قبل دخولها، فيكون له عليه أو
على أنفه علامة.
٥٨
لُعُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٨-١٦
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - نهى الله تعالى نبيّه - والنهي يقتضي التحريم - ومثله المؤمنون، عن
ممايلة المشركين المكذبين لرسالته، وكانوا يدعونه إلى أن يكفّ عنهم ليكفُّوا
عنه، فبيَّن الله تعالى أن ممايلتهم كفر.
أَ - تمنى الكفار ملاينة النبي ◌َّ ومصانعتهم ومجاملتهم في أديانهم، فيلينون
له في دينه، فإنهم طلبوا أن يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا إلهه مدة، ولكن الله نهاه
عن ذلك.
٢ - خصص الله من بين المكذبين النهي عمن اتصف بصفات عشر: هي
الحلاف: الكثير الحلف، المهين: الحقير الرأي والتمييز والتفكير، الهمّاز:
الذي يذكر عيوب الناس في وجوههم، وهو غير اللماز: الذي يذمهم في
مغيبهم، النمام: الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، المناع للخير:
للمال أن ينفق في وجوهه، ويمنع الناس عن الإسلام، المعتدي: أي الظالم،
المتجاوز الحد، صاحب الباطل، الأثيم: الكثير الإثم والذنوب، العتلّ:
الغليظ الجافي الشديد في كفره، الشديد الخصومة بالباطل، الزنيم: الملصق
بالقوم الدَّعيُّ، وكان الوليد بن المغيرة المخزومي دَعيّاً في قريش، ليس من
أصلهم، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده، كما تقدم، [الطاغية
المفتري].
٤ - وبَّخ الله الوليد على مقابلته الإحسان والنعمة بالإساءة، فقد أنعم الله
عليه بالمال والبنين، فكفر واستكبر. ويكون تقدير الآية: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ
: ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر؟ ويجوز أن يكون
وَبَنِينَ
التقدير: ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه؟ ويجوز أن يكون التقدير: ألأن كان ذا
١۵
مال وبنين يقول: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
٥٩
الُ (٢٩) - القَلَت: ٦٨ / ٨-١٦
٥ - هدّد الله الوليد بالوسم على أنفه في الدنيا، وبالعلامة الظاهرة على أنفه
في الآخرة. قال ابن عباس: ﴿سَنَسِمُهُ﴾: سنخطمه بالسيف، وقد خُطِم الذي
نزلت فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل مخطوماً إلى أن مات. وقال قتادة: سنسمه
يوم القيامة على أنفه سِمَة يُعرَفُ بها، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَةٌ
وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦/٣] فهذه علامة ظاهرة. وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ
يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢/٢٠]، وهذه علامة أخرى ظاهرة. فأفادت هذه الآية:
﴿سَنَسِمُ عَلَى الْخُطُومِ ﴾﴾ علامة ثالثة وهي الوسم على الأنف بالنار.
والراجح لدي أن هذا الوسم كان في الدارين.
وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة. ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر
عيوب أحد ما بلغه منه؛ فألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة؛ كالوسم
على الخرطوم(١).
قال ابن العربي بمناسبة قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ﴾: كان الوسم في الوجه لذي
المعصية قديماً عند الناس، حتى إنه رُوي أن اليهود لما أهملوا رجم الزاني،
اعتاضوا عنه بالضرب وتحميم الوجه(٢)، وهذا وضع باطل.
ومن الوسم الصحيح في الوجه: ما رأى العلماء من تسويد وَجْه شاهد
الزور علامةً على قبح المعصية، وتشديداً لمن يتعاطاها لغيره، مِمّن يرجى تجنبه
بما يرجى من عقوبة شاهد الزور وشهرته. وقد كان عزيزاً بقول الحق، وصار
مهيناً بالمعصية، وأعظمُ الإهانة: إهانة الوجه، وكذلك كانت الاستهانة به في
طاعة الله سبباً لحياة الأبد، والتحريم له على النار؛ فإن الله قد حرَّم على النّار
أن تأكل من ابن آدم أثر السجود حسبما ثبت في الصحيح(٣).
(١) تفسير القرطبي: ٢٣٧/١٨
(٢) تحميم الوجه: تسخيمه بالفحم.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي: ١٨٤٥/٤
٦٠
الُرُ (٢٩) - القفلَنِ: ٦٨ / ١٧-٣٣
قصة أصحاب الجنة
١٨
وَلَا يَسْتَثْنُونَ
١٧
﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْتَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
فَأَصْبَحَتْ كَالضَّرِمِ
فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِقٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَابِمُونَ
فَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ
٢٠
أَنْ لَّا
فَأَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ (َ)
٣٣
أَنِ اُغْدُواْ عَلَى حَرْيَكُتْ إِنْ كُمْ صَارِمِينَ
فَلَمَا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَلُونَ
٢٥
وَغَدَوْ عَلَى حَرْدٍ قَدِرِينَ
يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ
٢٦
قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ
٢٧
بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ
قَالُواْ سُبْحَنَ رَيِّناً
٢٨
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَلَوَمُونَ
٢٩
إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ (
قَالُواْ يَوََّنَآ إِنَّا كُنَّا طَغِينَ
كَذَلِكَ الْعَذَابِّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ
٣٢
عَسَى رَبَِّا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيًْ مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَغِبُونَ
٣١٦
أَكْبٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
القراءات:
﴿أَنِ أَغْدُواْ﴾:
قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة (أنِ اغدُوا)، وقرأ الباقون (أنُ اغُدوا).
﴿أَنْ يُبْدِلَنَا﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (أن يُبَدِّلَنا).
الإعراب:
کالشيء المصروم، وهو فعيل بمعنى مفعول،
﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِم
مثل عين كحيل، وكفّ خضيب، ولحية دهين، أي عين مكحولة، وكفّ
مخضوبة، ولحية مدهونة.
﴿أَنِ أَغْدُواْ عَلَى حَرْيْكُمْ﴾ تفسير لـ ﴿فَنَدَوْأَ﴾ أو ﴿أَنِ﴾ مصدرية، أي بأن.
وكذا قوله: ﴿أَنْ لَّا يَدْخُلَهَا﴾.