Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ الُرُ (٢٨) - التَخَابُ: ٦٤ / ١٤-١٨ ونظير الآية: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُوَ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥/٢]. وأخرج الحاكم وصححه وابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َلّهِ: ((يقول الله: استقرضتُ عبدي، فأبى أن يقرضني، ويشتمني عبدي، وهو لا يدري، يقول: وادهراه، وأنا الدهر))، ثم تلا أبو هريرة هذه الآية: ﴿إِن تُقْرِضُوا﴾ ثم رغب الله تعالى في النفقة ترغيباً زائداً، فقال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) أي إن الله سبحانه بالغ العلم بما غاب عنكم وما حضر، الغالب القاهر، ذو الحكمة الباهرة، يضع الأمور في مواضعها الصحيحة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - حذر الله تعالى كل إنسان من ضرر الأزواج والأولاد وأنذر من عداوتهم، إما ضرراً دينياً أخروياً، وإما ضرراً بدنياً متعلقاً بالدنيا، وضرر الدين: عدم الطاعة لأوامر الله تعالى والرسول وَله، وترك الهجرة التي كانت مفروضة في العهد الإسلامي الأول، وترك الإنفاق في سبيل الله أي الجهاد. وضرر الدنيا كارتكاب معصية إرضاءً لهم، مثل السرقة للإنفاق، أو هجر الضَّرْة مثلاً أو قطيعة جار أو صديق أو قريب. وهذه العداوة لاتكون عادة إلا بسبب الكفر والنهي عن الإيمان، ولا .. . تكون بين المؤمنين، فأزواجهم وأولادهم المؤمنون لا يكونون عدواً لهم. وفي هؤلاء الأزواج والأولاد الذين منعوا أزواجهم وآباءهم عن الهجرة في الماضي نزل قوله تعالى كما تقدم: ﴿إِنَّمَا أَمَوَالُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. قال ابن عباس ٦٤٢ الُُ (٢٨) - التَخَابُ: ٦٤ /١٤-١٨ رضي الله عنهما: لا تطيعوهم في معصية الله تعالى. و﴿فِتْنَةٌ﴾ أي بلاء وشغل ج عن الآخرة. والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد. لكن خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم. أَ- ليس الأزواج والأولاد أعداء بالذات، وإنما أعداء بأفعالهم، فإذا فعل الزوج والولد فِعْل العدو كان عدواً. جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان، فقال له: أتؤمن وتذَر دينك ودين آبائك؟ فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر وتترك مالك وأهلك، فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له: أتجاهد فتقتل نفسك، فتُنكح نساؤك ويقسم مالك؟ فخالفه فجاهد فقتِل، فحق على الله أن يدخله الجنة)). وقعود الشيطان إما بالوسوسة وإما بحمله على ما يريد الزوج والولد والصاحب، قال تعالى: ﴿وَقَّيَّضْنَا لَهُمْ قُرْنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥/٤١]. ٣- إن العفو والصفح ومغفرة الزلات والخطايا أفضل من الانتقام والعقاب، وإن الله غفور للسيئات رحيم بالعباد، فلا يعجل بالعقوبة، ويجازيكم خيراً حال العفو والصفح. ٤- إن الأموال والأولاد فتنة، أي بلاء واختبار يحمل على كسب الحرام ومنع حق الله تعالى، فلا طاعة لهم في معصية الله، ورد في الحديث: ((يُؤْتى برجل يوم القيامة، فيقال: أكَلَ عيالهُ حسناتِهِ))(١). ٥- عند الله الأجر العظيم وهو الجنة، فهي الغاية، ولا أجر أعظم منها في قول المفسرين، وهذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. جاء في الصحيحين (١) تفسير الألوسي: ١٢٧/٢٨ ٦٤٣ لِلُ (٢٨) - النَّخَابُ: ٦٤ / ١٤-١٨ - واللفظ للبخاري- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لَبَّيْك رَبَّنا وسَعْديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لَنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تُعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك، قالوا: يا ربّ، وأي شيء أفضل من ذلك، فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضْواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) أَ- تكون تقوى الله أي التزام أوامره واجتناب نواهيه بقدر الطاقة، للآية هنا: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦/٢]. ورأى جماعة مثل قتادة أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢/٣]. ورأى آخرون: ألا تعارض بين الآيتين؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون؛ لأنه فوق الطاقة والاستطاعة. ورأى كثير من المفسرين مثل مجاهد أن المراد بآية: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾: أن يطاع سبحانه فلا يعصى. ولا خلاف بين المفسرين أن هذه الآية نزلت بسبب قوم مؤمنين تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك، كما تقدم. لاً- أمر الله بالسمع والطاعة، أي سماع ما يوعظ به المؤمنون، وإطاعة ما أمر الله به، والانتهاء عما نهى عنه. ٨- أمر الله بالإنفاق من الأموال في حق الله كالزكاة والصدقة النفل والنفقة في الجهاد، ونفقة الرجل لنفسه وعياله، فالآية عامة. ثبت في الصحيح عن النبي وَّر «أنه قال له رجل: عندي دينار؟ قال: أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر، قال أنفقه على عيالك، قال: عندي آخر؟ قال أنفقه على ولدك، ٦٤٤ لُ (٢٨) - النَّخَابُ: ٦٤ / ١٤-١٨ قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به)) فبدأ بالنفس والأهل والولد، وجعل الصدقة بعد ذلك، وهو الأصل في الشرع. والإنفاق في الحقيقة خير للنفس، لما فيه من ثواب جزيل عند الله، لذا قال سبحانه: ﴿وَمَن يُوقَ شُخَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ٩- أكد الله تعالى الحث على الإنفاق في سبيل الله، فقال: ﴿إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَعِفُهُ لَكُمْ﴾ وقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُرُ حَلِيمٌ﴾ فَالله تعالى رتب على القرض الحسن المنْفَق بإخلاص وطيب نفس تضعيف ثواب القرض وغفران الذنوب، وأبان أنه شكور يحب المتقرِّبين إلى حضرته، يجزي بالكثير على القليل، وأنه حليم لا يعجل بالعقوبة. والقرض الحسن: التصدق من الحلال بإخلاص وطيب نفس، كما تقدم. ٠ ١- زاد الله تعالى الحث على الإنفاق تأكيداً، فقال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أي إن الله مطلع على كل ما غاب وحضر، وهو الغالب القاهر، المحكم الصنع والتدبير، خالق الأشياء، واهب الأرزاق، وهذا دليل على كمال علم الله سبحانه وكمال قدرته. ٦٤٥ اِلُعُ (٢٨) السورة (٦٥) الطلاق بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ سُورَةُ الطَّلَاِقْ مدنية، وهي اثنتا عشرة آية تسميتها: سميت سورة الطلاق؛ لبيان أحكام الطلاق والعدة فيها، وافتتاحها بقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾. مناسبتها لما قبلها تتعلق هذه السورة بما قبلها من وجهين: اَ- أنه قال في أواخر التغابن: ﴿إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوَلَدِكُمْ عَدُوًا لَكُمْ﴾ ولما كانت عداوة الأزواج قد تفضي إلى الطلاق، وعداوة الأولاد قد تؤدي إلى القسوة وترك الإنفاق عليهم، عقب ذلك بسورة فيها أحكام الطلاق والإنفاق على الأولاد وعلى المطلقات. ٢ - أشار الله تعالى في آخر التغابن إلى كمال علمه بقوله: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ وأشار في آخر هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء وبالأحكام الخاصة بطلاقهن، فكأنه بيَّن ذلك العلم الكلي بهذه الجزئيات. ما اشتملت عليه السورة: موضوع هذه السورة المدنية بيان الأحكام التشريعية التي تنظم حال الأسرة أثناء قيامها وبعد انفصال الزوجين. ٦٤٦ لِلُ (٢٨) السورة (٦٥) الطلاق شرعت السورة في الكلام على أحكام الطلاق السُِّّي الذي يستقبل به العدة، وأحكام العدة وإحصاء وقتها مع تقوى الله ورقابته في إعلان انقضائها. وأمرت الأزواج بعدئذ بالإمساك بالمعروف أو المفارقة بالإحسان. وأشادت في مجال العلاقات الزوجية وغيرها بتقوى الله والتوكل عليه. ثم أبانت حكم عدة المرأة اليائس من المحيض التي انقطع دمها لكبر أو مرض، وعدة الصغيرة التي لم تحض، ومدتهما واحدة وهي ثلاثة أشهر. وأردفت ذلك ببيان عدة المرأة الحامل وهي وضع الحمل. واقتضى البيان توضيح حكم النفقة والسكنى أثناء العدة، وحكم إعطاء الأجر على الرضاع، وتقدير النفقة يساراً وإعساراً، وتخلل ذلك الأمر بالتقوى منعاً من الظلم وتجاوز الحدود. وختمت السورة بالتحذير من مخالفة الأحكام وتعدي حدود الله، وهددت بالعقوبة المماثلة لعقوبات الأمم الباغية التي تخطت أوامر الله، وكررت الأمر بالتقوى، وذكّرت بمهمة الرسول و له وهي تلاوة آيات الله لإخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور، وأوضحت جزاء الإيمان والعمل الصالح، ثم أوردت البرهان القاطع على قدرة الله الشاملة وعلمه الواسع بخلق السماوات السبع والأرضين السبع، وتنزل وحي الله وأمره وقضائه بين السماوات والأرض. ٦٤٧ لُ (٢٨) - الطلاق: ١/٦٥-٣ أحكام الطلاق والعدة وثمرة التقوى والتوكل ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَّكُمْ لَا تُخْرِجُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُِّيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًّا ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍّ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهٍ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ ٣ شَىْءٍ قَدْرًا القراءات: ﴿ النَِّىُّ﴾ : وقرأ ورش (النبيء). ﴿ يُوتِهِنَّ﴾: بضم الياء قرأ: ورش، وأبو عمرو، وحفص، وقرأ الباقون بكسرها. مُتِنَّ﴾: وقرأ ابن كثير (مُبَيَّنة). ﴿بَلِغُ أَمْرِوَّ﴾: قرئ: ١- (بالغُ أمرِه) وهي قراءة حفص. ٢- (بالغٌ أمرَه) وهي قراءة الباقين. ٦٤٨ الجُزُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /١-٣ الإعراب: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهٍ﴾ ﴿بَلِغُ﴾ بغير تنوين: حذف التنوين للتخفيف، وجر ما بعده بالإضافة، وقرئ بالتنوين على الأصل؛ لأن اسم الفاعل هنا بمعنى الاستقبال، ونصب ﴿أَمْرِهِ﴾ به. البلاغة: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اُللَّهِ﴾ إظهار في موضع الإضمار للتهويل ﴿لَا تَدْرِى﴾ الأصل (لا يدري) ففيه التفات لمزيد الاهتمام، من الغائب إلى الخطاب. ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾ خص النبي ◌َِّ بالنداء، وعمَّ الخطاب بالحكم، فالمراد به أمته؛ لأنه إمام أمته، فنداؤه كندائهم. ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي إذا أردتم الطلاق، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِدْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ٩٨ [النحل: ٩٨/١٦] أي فإذا أردت قراءته. ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾ أي مستقبلات عدتهن أي وقتها، وهو الطلاق في طهر لا جماع فيه. ﴿ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ﴾ اضبطوها واحفظوها وأكملوها ثلاثة قروء. ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ أطيعوه في أمره ونهيه، واحذروا تطويل العدة والإضرار بهن. ﴿لَا تُخْرِجُوُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَ﴾ أي من مساكنهن وقت الفراق حتى تنقضي عدتهن . ﴿ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ لا يباح لهن الخروج من المساكن أثناء العدة حتى تنقضي . ﴿ِفَاحِشَةٍ مُّبِيِنَةٍ﴾أي بسبب ارتكاب فاحشة (وهي الزنى) واضحة توجب الحد، أو بالتطاول على الزوج أو أسرته، أو بالخروج قبل انقضاء العدة، فتخرج لإقامة الحد عليها، أو للتخلص من بذاءتها، أو لبيان کون خروجها فاحشة. ٦٤٩ الجُرُ (٢٨) - الطلاق: ١/٦٥-٣ ﴿وَتِلْكَ﴾ المذكورات. ﴿حُدُودُ اللّهِ﴾ أي أحكامه وشرائعه. ﴿ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ج أضَّ بها إذ عرَّضها للعقاب. ﴿لَا تَدْرِى﴾ النفس أو أيها النبي أو المطلِّق. ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ يُحْدِث بعد الطلاق أمراً جديداً، وهو الندم على الطلاق والرغبة في المطلّقة برجعة أو استئناف عقد. ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قاربن انقضاء عدتهن . ﴿فَأَمْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي راجعوهن بحسن عشرة. ﴿أُوْ فَارِقُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾اتركوهن مع إبقاء الحق واتقاء الضرار بالمراجعة، كأن يراجعها ثم يطلقها تطويلاً لعدّتها. ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يندب الإشهاد على المراجعة أو الفرقة بعداً عن الرّيبة وقطعاً للنزاع، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢/٢]. ﴿ وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ أدّوا أيها الشهود عند الحاجة الشهادة خالصة لوجه الله بلا تحريف، لا للمشهود له أو عليه . ﴿ذَلِكُمْ﴾ جميع ما في الآية، أو المراد الحث على الشهادة والإقامة (الأداء). ﴿يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ خصص المؤمن؛ لأنه المنتفع بالوعظ، والمراد تذكيره. ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ طريقاً للخروج من كرب الدنيا والآخرة، جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق، بوعد المحافظين على حدود الله وأحكامه . ﴿ وَمَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي يفوض أموره لله. ﴿فَهُوَ حَسْبُهٌُ﴾ كافيه. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِفِّ﴾ منفذٌ حكمه ومراده وقضاءه في خلقه، يفعل ما يشاء، ويبلُغ ما يريد. ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ من رخاء وشدة. ﴿قَدْرًا﴾ تقديراً أو مقداراً أو أجلاً وميقاتاً. سبب النزول: نزول الآية (١): ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن ٦٥٠ لُعُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /١-٣ أنس قال: طلّق رسول الله وَله حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فقيل له: راجعْها فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والدار قطني عن ابن عمر: ((أنه طلّق امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله عَ ليه، فتغيظ منه، ثم قال: ليراجعْها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، فتطهر، فإن بدا له أن يطلّقها فليطلّقها طاهراً قبل أن يمسَّها، فتلك العدة التي أمر بها الله عز وجل)). وفي لفظ مسلم: ((فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)). وفي لفظ الدار قطني: ((ليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً من حيضتها قبل أن يمسَّها فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله)). سبب نزول الآية (٢): ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾: أخرج الحاكم عن جابر قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ في رجل من أشجع كان فقيراً، خفيف ذات اليد، كثير العيال، فأتى رسول اللهو ◌َ ل﴾، فسأله، فقال له: اتق الله، واصبر، فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن له بغنم، وكان العدو أصابوه، فأتى رسول الله وَلّ فأخبره خبرها، فقال: كُلُها، فنزلت. قال الذهبي: حديث منكر، له شاهد. وأخرج ابن مردويه والخطيب عن ابن عباس قال: ((جاء عَوْف بن مالك الأشجعي، فقال: يا رسول الله، إن ابني أسره العدو، وجزعت أمه، فما تأمرني؟ قال: آمرك وإياها أن تستكثروا من: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) فقالت المرأة: نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها، فتغفل عنه العدو، فاستاق غنمهم، فجاء بها إلى أبيه، فنزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا﴾)). ٦٥١ لُعُ (٢٨) - الطلاق: ١/٦٥-٣ التفسير والبيان: ﴿ وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾: أي يا أيها الرسول والمؤمنون به إذا أردتم تطليق النساء وعزمتم عليه، فطلقوهن مستقبلات لعدتهن أو قبل وقت عدتهن. والمراد الأمر بالطلاق في طهر لم يقع فيه جماع، والنهي عن إيقاعه في الحيض، كما وردت السنة الصريحة بذلك في حديث ابن عمر المتقدم. وإنما كان النداء خاصاً بالنبي ◌َّله، والخطاب بالحكم عاماً له ولأمته، تكريماً له ◌َّله، وإظهاراً لجلالة منصبه، كما يقال لرئيس القوم، أو قائد الجند: يا فلان، افعلوا كذا وكذا، إظهاراً لمقامه فيهم، وكونه القائد المسؤول عن التوجيه. والآية دليل على حرمة الطلاق في الحيض، وذكر الفقهاء أن الطلاق أنواع ثلاثة (١): طلاق سني، وطلاق بدعي(٢)، وطلاق ليس بسني ولا بدعي، أما الطلاق السني: فهو الطلاق في طهر لا جماع فيه، أو أثناء حمل قد استبان. وأما الطلاق البدعي: فهو الطلاق أثناء الحيض، أو في طهر قد تم فيه الوقاع، خشية الحمل؛ وهو حرام لإلحاقه الضرر بالزوجة، بتطويل المدة التي تنتظرها لانتهاء العدة؛ لأن بقية الحيض لا تحسب من العدة عند القائلين بأن الأقراء الأطهار، وكذلك الطهر الذي بعد الحيضة التي طلقت فيها عند القائلين بأن الأقراء الحيضات، ولا بد من حيضات ثلاث كاملة. وألحق الفقهاء بذلك في الحرمة الطلاق في النفاس. (١) تفسير ابن كثير: ٣٧٨/٤ (٢) سمي طلاق السنة لاتفاقه مع تقدير القرآن والسنة، وسمي طلاق البدعة للزيادة على الأقراء الثلاثة؛ لأنها إذا طلقت وهي حائض لم تحسب حيضتها، بل تزيد على ثلاثة أقراء فتطول العدة علیھا. ٦٥٢ الُ (٢٨) - الطَّلَاِقْ: ٦٥ /١-٣ ونصت السنة على صورة الطلاق البدعي المحرم في طهر جامعها فيه؛ إذ ربما تحمل، ويندم الرجل على الطلاق. لكن الخلع في الحيض بعوض من المرأة ليس محرماً عند كثير من الفقهاء؛ لأن بذلها المال يشعر بحاجتها إلى الخلاص، وبرضاها بتطويل المدة، والله تعالى قال: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩/٢] وأذن النبي ◌ُّ لثابت ابن قيس في الخلع على مال، دون سؤال عن حال زوجته. وأما الطلاق الذي ليس بسني ولا بدعي: فهو طلاق الصغيرة والآيسة من الحيض وغير المدخول بها. والأفضل بالاتفاق كون الطلقة مرة واحدة، ويكره عند مالك الثلاث متفرقة أو مجموعة، وعند الحنفية: يكره الزيادة على الواحدة في طهر واحد، ويباح عند الشافعي الثلاث. واستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ على أن الأقراء: الأطهار؛ لأن اللام لام الوقت، أي فطلقوهن وقت عدتهن، ويؤيده حديث ابن عمر المتقدم الذي بين فيه النبي وَّر أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة، ولو كان القرء هو الحيض، كان قد طلقها قبل العدة، لا في العدة، وكان ذلك تطويلاً عليها. وتأول الحنفية والحنابلة قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَ﴾ أن المعنى لاستقبال عدتهن، لا في عدتهن؛ إذ من المحال أن يكون الطلاق وهو سبب العدة واقعاً في العدة، والذي يستقبل إنما هو الحيض لا الطهر. لكن المعروف أن اللام إذا دخلت الوقت أفادت معنى التأقيت والاختصاص بذلك الوقت، فيكون المعنى: فطلقوهن للوقت الذي يشرعن فيه في العدة على الاتصال بالطلاق. ٦٥٣ لُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /١-٣ ثم أمر الله تعالى بضبط العدة وإحصاء وقتها، فقال: ﴿ وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةَ﴾ أي احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها، لتكون عدة كاملة، وهي ثلاثة قروء تامة، والخطاب للأزواج. وضبط العدة واجب لإجراء أحكامها فيها من تحديد حق الرجعة للزوج والإشهاد عليها، ونفقة الزوجة وسكناها، وعدم خروجها من بيتها قبل انقضائها. ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ فلا تعصوه فيما أمركم، ولا تضارّوهن بتطويل العدة على المرأة، فتمتنع من الأزواج. ﴿لَا تُخْرِجُوُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أي لا تخرجوا المطلقات من بيوتهن في مدة العدة، فلكل امرأة معتدة حق السكنى على الزوج، ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضاً الخروج، فليس للمعتدات الزوجات الخروج من تلك البيوت ما دمن في العدة إلا لأمر ضروري، رعاية لحق الزوج، فإذا خرجت المعتدة لغير ضرورة ليلاً أو نهاراً، كان الخروج حراماً. وفيه دليل على وجوب السكنى للزوجات المطلقات أو المعتدات ما دمن في العدة، وأضاف البيوت إليهن، وهي لأزواجهن لتأكيد النهي عن الإخراج والخروج، ببيان كمال استحقاقهن للسكنى، كأنها ملك لهن. والصحيح عند الحنفية أن للشرع في ملازمة المعتدة بيت الزوجية حقاً في ذلك، لا يملك الزوج إسقاطه، فيكون قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوُهُنَّ﴾ دالاً على حرمة إخراجهن بمنطوقه، وعلى حرمة الإذن لهن في الخروج بإشارته؛ لأن الإذن في المحرم محرم. ١ ورأى الشافعية أن ملازمة المعتدة بيت الزوجية خالص حق الزوجين، فلوا اتفقا على الانتقال جاز؛ لأن الحق لهما وحدهما. وهذا هو المطبق فعلاً اليوم حال الطلاق، فلا نرى مطلقة تبقى في بيت الفراق. ٦٥٤ الُرُ (٢٨) - الطَّلَقَ: ٦٥ /١-٣ ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُبِنَةٍ﴾ أي لا تخرجوهن من بيوتهن إلا إذا ارتكبن فاحشة الزنى، أو إذا نشزن أو صدر منهن بذاءة في اللسان واستطالة على الساكن معهن في ذلك البيت من أهل الرجل، وآذتهم المرأة في الكلام والفعال، فحينئذ يحل إخراجهن في المساكن لبذاءتهن وسوء خُلُقهن. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الَّهِ وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ الَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمْ﴾ أي وهذه الأحكام السابقة التي بينها الله لعباده هي حدود الله التي حدها لهم، لا يحل لهم أن يتجاوزوها إلى غيرها، ومن يتجاوز هذه الحدود المذكورة فقد أوقع نفسه في الظلم وأضرّ بها وأوردها مورد الهلاك. ثم ذكر الله تعالى علة تحريم تعدي حدود الله، فقال: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أي لا تدري أيها المطلّق، فإنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة، لعل الزوج يندم على طلاقها، ولعلها إذا بقيت في بيتها أن يؤلف الله بين قلوبهما، فيتراجعا، بأن يراجعها الزوج، فيكون ذلك أيسر وأسهل، فالمقصود بالآية الرجعة. وهذا واقع غالب، فإن غالب الطلاق يحدث نتيجة ثورة غضب جامحة، أو مكايدة ظاهرية، ثم تزول عوامل القلق، وتهدأ الأعصاب، ويعود الرجل إلى عقله ووعيه، ويحس بقسوة خلو البيت من المرأة أو التفكير بالزواج بامرأة أخرى، ويتذكر محاسن امرأته، ويغض النظر عن مساوئها، كما قال ◌َليّ فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: ((لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة إن سَخِط منها خلقاً رضي خلقاً)) وقد تكون المرأة حاملاً. والحديث مؤيد للآية: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩/٤]. ثم بَيَّن الله تعالى الحكم عند الاقتراب من نهاية العدة، فقال: ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِفُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍّ﴾ أي إذا شارفن ٦٥٥ لُ (٢٨) - الطَّلَِّق: ١/٦٥-٣ على انقضاء العدة، وقاربن ذلك، أي قاربت العدة على الانتهاء، ولكنها لم تنته تماماً، فلكم أيها الأزواج اختيار أحد أمرين: إما الإمساك بالمعروف، وهو الرجعة إلى عصمة الزوج والاستمرار في الزوجية، مع الإحسان إليها في الصحبة، وإما المفارقة بالمعروف، أي تركهن إلى انقضاء عدتهن مع إيفاء حقهن واتقاء الضرار بهن، من غير توبيخ ولا تعنيف ولا مشاتمة، بل تطلق المرأة على وجه جميل وسبيل حسن. أما الإمساك للمضارة أو التسريح مع الأذى ومنع الحق، فإن ذلك لا يحل لأحد. ثم أمر الله تعالى بالإشهاد على الرجعة أو الفراق، فقال: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ أي وأشهدوا على الرجعة إن راجعتم، أو المفارقة إن فارقتم، قطعاً للنزاع، وحسماً لمادة الخصومة أو الإنكار، وأدوا الشهادة أيها الشهود وأتوا بها خالصة لوجه الله، وتقرباً إليه لإظهار الحق، دون تحيز أو مجاملة لأحد الخصمين، المشهود له أو عليه. وهذه الشهادة على الرجعة والفرقة مندوبة، والأمر للندب والاستحباب عند أئمة المذاهب الأربعة في الجديد عن الشافعي، كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢/٢] ودليل صرف الأمر عن الوجوب الإجماع على عدم الوجوب عند الطلاق، فكذلك عند الإمساك. وقوله: ﴿وَأَقِيمُوْ اُلشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ دليل على وجوب أداء الشهادة عند القضاة على الحقوق كلها؛ لأن الشهادة هنا اسم للجنس. وإنما حث تعالى على أداء الشهادة لإظهار الحق، وترك التكاسل والتهرب من بعض المتاعب أو المشاق في الذهاب إلى المحاكم وانتظار القضاة، خشية تعطيل العمل أو الوقت بالنسبة للشاهد. ﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ أي ذلكم المذكور الذي أمرناكم به من الإشهاد على الرجعة والفرقة وإقامة الشهادة خالصة لله، ٦٥٦ الجُرُ (٢٨) - الطَّلَقَ: ٦٥ /١-٣ وإيقاع الطلاق على وجه السنة، وإحصاء العدة، والكف عن الإخراج والخروج، إنما يأتمر به من يؤمن بالله واليوم الآخر ويخاف عقاب الله في الدار الآخرة. وخص المؤمن؛ لأنه المنتفع بذلك دون غيره. ثم أكد الله تعالى بجملة معترضة وجوب احترام هذه الأحكام والتزام حدود الله بقوله: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا، وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ أي ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه، ووقف عند حدوده التي حدها لعباده، يجعل له من أمره مخرجاً أو مخلصاً مما وقع فيه، ويرزقه من وجه لا يخطر بباله، ولا یکون في حسابه. وهذا دليل على أن التقوى سبيل النجاة من المآزق والهموم والغموم الدنيوية والأخروية وعند الموت، وهي أيضاً سبب للرزق الطيب الحلال الواسع غير المتوقع. روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: جعل رسول الله وَ ل﴿ يتلو عليَّ هذه الآية: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا، وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ﴾ حتى فرغ من الآية، ثم قال: ((يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم)) . وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن أجمع آية في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ وإن أكبر آية في القرآن فرجاً: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا﴾. ﴿وَمَن يَنَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ: إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهٍ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ أي ومن يثق بالله فيما نابه وفوض إليه أمره بعد اتخاذ الأسباب ومنها السعي لكسب الرزق، كفاه ما أهمه، في جميع أموره؛ لأن الله هو القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، إن الله يبلغ ما يريده، ولا يفوته مراد، ولا يعجزه مطلوب، قد جعل للأشياء قدراً قبل وجودها، وقدَّر لها أوقاتها، فجعل سبحانه للشدة أجلاً تنتهي إليه، وللرخاء أجلاً ينتهي إليه. وإذا كان ٦٥٧ لُعُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ / ١-٣ الرزق وغيره من الأشياء لا يكون إلا بتقدير الله تعالى، ولا يقع إلا على وفق علمه، فليس للعاقل إلا التسليم للقدر كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ [الرعد: ٨/١٣]. وهذا دليل على وجوب التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، مع بيان السبب والحكمة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: اً- الطلاق جائز مشروع في الإسلام، على أن تلتزم فيه ضوابط الشرع وآدابه، فهو وإن كان جائزاً مباحاً وبيد الرجل، فيجب الامتناع عنه إلا عند الضرورة أو الحاجة وأن يكون متفرقاً وألا يزيد عن طلقة واحدة، وفي حال الرضا؛ لما روى أبو داود عن محارب بن دثار أن رسول الله وَالقر قال: ((ما أحل الله شيئاً أبغض عليه من الطلاق)) . وروى الثعلبي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ويلي: ((إن من أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق)) وروى أبو داود والترمذي عن ثوبان أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((أُما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس، حرَّم الله عليها رائحة الجنة)). ◌َ- أن يستقبل بالطلاق العدة، لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ ولما روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَن الأنصارية أنها طلِّقت على عهد النبي ◌َّة، ولم يكن للمطلقة عِدَّة، فأنزل الله سبحانه حين طُلِّقت أسماء بالعدة للطلاق؛ فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق. ٣ - من طلّق في طهر لم يجامعها فيه، نفذ طلاقه وأصاب السُّنة، وإن طلقها حائضاً نفذ طلاقه وأخطأ السنة، عملاً بحديث ابن عمر المتقدم، وبقول ابن مسعود فيما رواه الدارقطني: طلاق السنة: أن يطلقها في كل طهر تطليقة؛ فإذا كان آخر ذلك، فتلك العدة التي أمر الله تعالى بها. ٦٥٨ الجُزءُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /١-٣ قال علماء المالكية: طلاق السنة ما جمع شروطاً سبعة: وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهراً، لم يمسَّها في ذلك الطهر، ولا تقدّمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في ◌ُهْر يتلوه، وخلا عن العوض. وهذه الشروط السبعة من حديث ابن عمر المتقدم. وقال أبو حنيفة: طلاق السنة: أن يطلّقها في كل طهر طلقة. وقال الشافعي: طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر خاصة، ولو طلقها ثلاثاً في طهر، لم يكن بَدْعة؛ لظاهر الآية: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ وهذا عام في كل طلاق كان، واحدة أو اثنتين أو أكثر. وإنما راعى الله سبحانه الزمان في هذه الآية، ولم يعتبر العدد. وكذلك حديث ابن عمر؛ لأن النبي ◌َّ علّمه الوقت، لا العدد. قال ابن العربي: هذه غفلة عن الحديث الصحيح، فإنه قال: ((مُرْه فليراجعها)) وهذا يدفع الثلاث. وفي الحديث أنه قال: أرأيت لو طلقها ثلاثاً؟ قال: حَرُمت عليك، وبانت منك بمعصية. وقال تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩/٢] أي مرة بعد مرة. والطلاق المخالف للسنة يقع، وهو إثم؛ لما روي عن النبي وَلّه: أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً بين يديه، فقال له: (( أو تلعبون بكتاب الله، وأنا بين أظهركم)). والظاهر عند الشافعية كراهة تطليق المدخول بها واحدة بائنة. ٤- قال الجرجاني: اللام في قوله تعالى: ﴿لِعِذَّتِنَّ﴾ بمعنى (في)؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ﴾ [الحشر: ٢/٥٩] أي في أول الحشر، فقوله: ﴿لِعِذَّتِنَّ﴾ أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن، والإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذون فيه. وهذا دليل على أن القرء هو الطهر. ٥- قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةً﴾ هذا في المدخول بها المعتدة بالأقراء؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾، لأن غير المدخول بها لا عدة عليها، ٦٥٩ لِلْجُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /١-٣ الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُهُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنَ تَمَشُّوهُريَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَذُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩/٣٣] وله أن يراجعها فيما دون الثلاث قبل انقضاء العدة، ويكون بعدها كأحد الخطّاب، ولا تحلّ له في الثلاث إلا بعد زواج. أَ- قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَّ﴾ معناه احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق، حتى إذا انتهت ثلاثة القروء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨/٢] حَلَّت للأزواج. وهذا يدل على أن العدة هي الأطهار، وليست بالخِيَض، وهو مذهب المالكية والشافعية، ويؤكده ويفسره قراءة النبي ◌َّ، وقراءة ابن مسعود: (فطلقوهن لقُبُل ◌ِدّتهن) وقُبُل الشيء: بعضه لغة وحقيقة، بخلاف استقباله، فإنه يكون غيره. ٧- الصحيح أن المخاطب بقوله: ﴿وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ﴾ الأزواج؛ لأن الضمائر كلها من ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ و﴿ وَأَحْصُواْ﴾ و﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ على نظام واحد يرجع إلى الأزواج. ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق بالزوج، وكذلك الحاكم يحتاج إلى الإحصاء للعدة للفتوى بها والحكم بموجبها. ٨- ليس للزوج إخراج المعتدة من مسكن الزواج ما دامت في العدة، ولا يجوز لها الخروج أيضاً لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدّة. والرجعية والمبتوتة (المطلقة ثلاثاً) في هذا سواء. وهذا لصيانة ماء الرجل، منعاً لاختلاط الأنساب. وآراء العلماء في خروج المعتدة هي: قال مالك وأحمد: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل، سواء كانت رجعية أو بائنة، لما أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: ((طُلِّقت خالتي، فأرادت أن تَجُدَّ (١) نخلها، فزجرها رجل أن تخرج؛ فأتت النبي ◌َِّ فقال: بلى فُجُدِّي نخلك، عسى أن تَصَنَّقي أو تفعلي معروفاً)). (١) جَدَاد النخل: صرامه وهو قطع ثمره. . ٦٦٠ لُعُ (٢٨) - الطلاق: ٦٥ /١-٣ وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز للمعتدة مطلقاً، رجعية أو مبتوتة أو متوفى عنها زوجها، الخروج من موضع العدة ليلاً ولا نهاراً إلا لعذر، عملاً بالآية: ﴿لَا تُخْرِجُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِنَ بِفَاحِشَةٍ مُِّنَةٍ﴾. ورأى أبو حنيفة أنه لا يجوز للمطلقة الخروج ليلاً ونهاراً، سواء كانت رجعية أو مبتوتة، الآية السابقة، ويجوز للمتوفى عنها زوجها الخروج نهاراً في حوائجها، لاحتياجها إلى اكتساب النفقة، ولا تخرج ليلاً، لعدم الحاجة. ـة- لا تخرج المعتدة من بيتها في العدة إلا لفاحشة مبينة، كإقامة الحد عليها بسبب الزنى، أو بذاءة لسانها واستطالتها على أهل الزوج، ونشوزها. قال ابن عباس وغيره: الفاحشة: كل معصية كالزنى والسرقة والبَذَاء على الأهل. وأجاز الشافعي كما تقدم التراضي على إسقاط الزوجة حقها في السكنى أثناء العدة. . ١ - هذه الأحكام المبينة هي أحكام الله على العباد، فيمنع التجاوز عنها، ومن تجاوزها فقد ظلم نفسه، وأوردها مورد الهلاك، إذ قد يستجد أمر في شأن المطلقة، فيندم الرجل، ويرغب في الرجعة، قال جميع المفسرين في قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة. ومعنى القول: التحريض على طلاق الطلقة الواحدة، والنهي عن الثلاثة؛ فإنه إذا طلّق ثلاثاً، أضرّ بنفسه عند الندم على الفراق، والرغبة في الارتجاع، فلا يجد عند الرجعة سبيلاً. ١١ - إذا قاربت المعتدة انقضاء العدة فعلى الرجل إما الإمساك بمعروف، أي المراجعة بالمعروف من غير قصد المضارّة في الرجعة، تطويلاً لعدتها، أو المفارقة بالمعروف، أي الترك حتى تنقضي عدتها، فتملك نفسها. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ دليل على أن القول قول المرأة في انقضاء العدة إذا ادّعت ذلك.