Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
الُرُ (٢٨) - الحُشْرِّ: ٥٩ / ٦-١٠
قرأ: ﴿مَآ أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ﴾ حتى بلغ
﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة، وليس
أحد إلا وله فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي، وهو بسرو ◌ِمْيَر،
نصيبُه فيها لم يعرق فيها جبينه(١).
قال الرازي: واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين؛ لأنهم إما
المهاجرون أو الأنصار، أو الذين جاؤوا من بعدهم. وبيَّن أن من شأن من
جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين، وهم المهاجرون
والأنصار بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن كذلك، بل ذكرهم بسوء، كان
خارجاً من جملة أقسام المؤمنين بحسب نص هذه الآية(٢).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
اً - كانت أموال بني النضير ونحوها التي ردها الله تعالى على رسوله وَالله من
غير قتال ولا حرب ولا مشقة للنبي وَّر خاصَّة يضعها حيث شاء، فقسمها
النبي ◌َّه بين المهاجرين لشدة حاجتهم. ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة
نفر محتاجين؛ هم أبو دُجانة سِماك بن خَرَشة، وسهل بن حُنَيف، والحارث بن
الصِّمَّة.
أَ- أموال الفيء: هي - كما قال ابن عباس - قُرَيْظة والنضير، وهما
بالمدينة، وفَدَك وهي على ثلاثة أيام من المدينة، وخَيْبر، وقرى عُرَيْنة، ويَنْبُع،
جعلها الله تعالى لرسوله وَالچ.
(١) تفسير ابن كثير: ٣٣٩/٤ - ٣٤٠
(٢) تفسير الرازي: ٢٨٨/٢٩

٤٦٢
الجُعُ (٢٨) - الخُشْرِ: ٥٩ / ٦-١٠
٣ - الأموال التي للدولة فيها حق التدخل ثلاثة أنواع: الأول - الصدقات
والزكوات: وهي ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم. والثاني -
الغنائم: وهي ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر
والغلبة. والثالث - الفيء: وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفواً
صفواً من غير قتال ولا إيجاف (إسراع) خيل ولا ركاب، كالصلح والجزية
والخراج والعشور المأخوذة من تجار الكفار. ومثله أن يهرب المشركون ويتركوا
أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام، ولا وارث له ..
أما الزكاة (أو الصدقة) فتصرف إلى الفقراء والمساكين والعاملين عليها
وهم الأصناف الثمانية المذكورون في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾
[التوبة: ٦٠/٩].
وأما الغنائم الحربية: فكانت في صدر الإسلام للنبي ◌َّ يصنع فيها ما شاء
كما قال في سورة الأنفال: ﴿قُلِ اُلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ثم نسخ بقوله تعالى:
﴿ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمُتُم مِّن شَىْءٍ﴾ فيكون الخمس لمن ذكر الله تعالى، والأربعة
أخماس الباقية للغانمين.
وأما الفيء وهو العقار، فالأمر فيه عند المالكية للإمام، يفعل ما يراه
مصلحة، من قسمته كالغنائم أو ترك قسمته وجعله لمصالح المسلمين العامة،
كما فعل عمر بن الخطاب في سواد العراق ومصر وغيرهما، واحتج على الزبير
وبلال وسلمان الفارسي وغيرهم الذين طالبوا بالقسمة بهذه الآية آية الفيء:
﴿َّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وشاور
علياً وجماعة من الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها
(أهل أراضي العراق) ويضع عليها الخراج، ففعل ذلك، ووافقته الجماعة عند
احتجاجه بالآية (١). وتكون آية الحشر في رأي المالكية ناسخة في شأن
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٤٣٠/٣

٤٦٣
الُعُ (٢٨) - الخُشْرِ: ٥٩ / ٦-١٠
العقارات لآية الأنفال: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُمِ﴾. وذكر أنه يقسم كل مال في
البلد الذي جبي فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جبي فيه حتى يغنوا، ثم
ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلا أن ينزل بغير البلد الذي جبي فيه فاقة
شديدة، فينقل إلى أهل الفاقة حيث كانوا، كما فعل عمر رضي الله عنه عام
الرمادة.
وقال الحنفية: تقسم الغنائم- أي المنقولات- على النحو الذي ذكره الله في
قوله: ﴿ وَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ﴾ الخمس لمن ذكرت الآية، والباقي
للغانمين، وأما حكم الفيء أي الأرض فهو أن يكون لكافة المسلمين، ولا
يخمس، بل يصرف جميعه في مصالح المسلمين. لكن الغنيمة تقسم على ثلاثة
أسهم فقط: سهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم أبناء السبيل. وأما ذكر
الله تعالى في الخمس فهو لافتتاح الكلام، تبركاً باسمه تعالى، وسهم النبي ◌َلعقل
سقط بموته، فالحنفية والمالكية يتركون الخيار للإمام في قسمة العقار، فهو خير
في قسمته أو جعلة وقفاً على مصالح المسلمين.
وتكون آية الحشر الثانية: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ بياناً لما أفاء الله على
المسلمين من أموال سائر الكفار. روى مالك أن عمر قال: لولا من يأتي من
آخر الناس ما فُتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله وَل خيبر.
وذهب الشافعية إلى أن حكم الفيء والغنيمة واحد، فيخمس الفيء قياساً
على الغنيمة التي ثبت التخميس فيها بالنص القرآني: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن
شَىْءٍ﴾ بجامع أن كلّاً منهما مال الكفار استولى عليه المسلمون، وأما اختلاف
سبب الاستيلاء بالقتال وغيره، فلا تأثير له، فعلى الإمام قسمة العقار، ومن
طاب نفساً عن حقه، فللإمام أن يجعله وقفاً على المسلمين.
وتقسم الغنيمة في رأي الشافعية والحنابلة على خمسة أسهم، أولها - سهم
المصالح (سهم الله تعالى ورسوله وّله) أي يصرف لمصالح المسلمين العامة
كالثغور وقضاة البلاد وعلماء الشرع والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء ونحوهم.

٤٦٤
لُ (٢٨) - المُشْرِّ: ٥٩ / ٦-١٠
وثانيها - سهم ذوي القربى وهم بنو هاشم من أولاد فاطمة وغيرها، وثلاثة
أسهم أخرى إلى ما نص الله عليهم.
٠٠٠ ٤َ - علة قسمة الفيء: إن تقسيم الفيء على النحو السابق كيلا يختص به
الأغنياء، كما كانوا يستأثرون بالغنيمة، وكانوا يغترون به، وبذلك قضى
الإسلام على الطبقية وتجمع الثروة في يد فئة قليلة، وحرمان الأكثرية من سيولة
المال.
٥- قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ﴾ دليل واضح على وجوب امتثال
جميع أوامر الرسول عليه، واجتناب جميع نواهيه، فإنه لا يأمر إلا بصلاح، ولا
ینھی إلا عن فساد.
وقد استدل الصحابة كابن مسعود وغيره بتحريم أشياء عملاً بنهي النبي وتلقت
عنها، كتحريم الوشم والتنمص (نتف شعر الوجه) وتفليج الأسنان، وجواز
قتل الزُّثبور في الإحرام، اقتداء فيه بعمر الذي أمر النبي ◌َّ بالاقتداء به في
قوله: ((اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)) وأمر الله سبحانه بقبول قول
النبي ◌َّ. ويؤكده قوله وَل - فيما يرويه ابن ماجه عن أبي هريرة -: ((ما
أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا)) ..
وأمر الرسول وَله أمر الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اُللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠/٤] وعن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله و له قال: ((لا
أُلْفِيَنَّ أحدَكم متكئاً على أريكته، يأتيه أمري مما أمرتُ به أو نهيتُ عنه،
فيقول: لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتبعانا))(١).
٩- دلَّ قوله سبحانه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ أَلْعِقَابِ﴾ على وجوب
اتقاء عذاب الله، فإنه شديد على من عصاه، وعلى وجوب تقوى الله في أوامره
ونواهيه، فلا تضيّع، فإن الله شديد العقاب لمن خالف ما أمره به
١٠٠٠٠٠
(١) أخرجه الإمامان الشافعي وأحمد، وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم.

٤٦٥
الجُرُ (٢٨) - الخُشْرِّ: ٥٩ /٦-١٠
/٧- المقصود بأولئك الأصناف الأربعة الذين يصرف لهم الفيء: ﴿ وَلِذِى
اُلْقُرْبَ وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ هم هؤلاء الأصناف من الفقراء،
وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان.
٨- وصف الله تعالى المهاجرين بأوصاف ستة: أولها- أنهم فقراء،
وثانيها- أنهم مهاجرون، وثالثها- أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم،
ورابعها- أنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، والفضل: ثواب الجنة،
والرضوان قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اَللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢/٩]،
وخامسها - ﴿وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بأنفسهم وأموالهم، وسادسها -
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِفُونَ﴾ في دينهم، لهجرهم لذات الدنيا، وتحملهم شدائدها.
وتمسك بعض العلماء بهذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه، فقال:
هؤلاء الفقراء من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لأبي بكر: يا خليفة
رسول الله، ومتى كان الأمر كذلك وجب الجزم بصحة إمامته.
٩- أثنى الله على الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء، إذ أعطي
للمهاجرين دونهم، ووصفهم أيضاً بأوصاف ستة: أولها - أنهم استوطنوا
المدينة قبل وصول المهاجرين إليها، واعتقدوا الإيمان وأخلصوه، وثانيها-
محبتهم الخالصة للمهاجرين، وثالثها - لا يحملون في نفوسهم حقداً ولا حسداً
ولا حزازة بسبب ما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره، ورابعها - إيثارهم
غيرهم ولوكان بهم حاجة، وخامسها - وقاهم الله من مرض الشح،
وسادسها - هم المفلحون الفائزون الظافرون بما أرادوا.
. ١ - استدل الإمام مالك على تفضيل المدينة على غيرها من الآفاق بقوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُوَ الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية.
وقال: إن المدينة تُبُوئت بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى افتتحت
بالسيف.

٤٦٦
لُجُرُ (٢٨) - المُشْر: ٥٩ /٦-١٠
١١ - الأولى أن يقال: إن الآيات متعلقة بعضها ببعض، معطوف بعضها
على بعض، فتكون آية: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو﴾ معطوفة على قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
اَلْمُهَجِرِينَ﴾، وآية: ﴿وَالَّذِينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي التابعون ومن دخل في
الإسلام إلى يوم القيامة. قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل:
المهاجرون، والذين تبؤوا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم، فاجهد
ألا تخرج من هذه المنازل.
١٢° - آية: ﴿ وَلَّذِينَ جَآءُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ دليل على وجوب محبة الصحابة؛
لأنه تعالى جعل لمن بعدهم حظاً في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم
والاستغفار لهم، وأن من سبَّهم أو سب واحداً منهم، أو اعتقد فيه شراً، فإنه
لا حق له في الفيء.
١٣ - آيات الحشر هذه في الفيء تدل على أن الصحيح من أقوال العلماء
قسمة المنقول، وإبقاء العقار والأرض حقاً عاماً للمسلمين جميعاً أو وقفاً دائماً
على مصالحهم، كما فعل عمر رضي الله عنه في سواد العراق ومصر والشام
وغيرها من البلاد المفتوحة عَنْوة؛ لأن الله تعالى أخبر عن الفيء، وجعله
لثلاث طوائف: المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، فقوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم إلى يوم
الدين. جاء في الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: ((أن النبي وَيُ خرج إلى
المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم
لاحقون، ودِدت أن رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟
فقال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ، وأنا فَرَطهم على
الحوض)) أي متقدمهم حتى يردوا، فبين وّر أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم.
١٤ - دل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِلَإِيمَنِ﴾ على أن المؤمنين المتأخرين مع مرور الأجيال مأمورون أن يستغفروا

٤٦٧
لُرُ (٢٨) - الخُشْرِّ: ٥٩ /١١-١٧
السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. قال العوَّام بن حَوْشَب: أدركت
صدر هذه الأمة يقولون، اذكروا محاسن أصحاب رسول الله وَ له حتى تألف
عليهم القلوب، ولا تذكروا ما شَجَر بينهم، فتجسّروا الناس عليهم.
أما من يلعن أو يسب بعض الصحابة فهو فاسق، بعيد عن أدب الإسلام
وأخلاقه، وروح الدين وصفائه، متنكر لأهل الفضل والسبق، مبتدع ضال،
فإن القرآن الكريم أمر بالاستغفار للصحابة، ونهى عن الحقد والحسد لجميع
المؤمنين والمؤمنات. وإذا بلغ القدح ببعض الأصحاب أو أزواج النبي ◌َّ ما
يصادم نصاً قرآنياً أو حديثاً ثابتاً مقطوعاً به، أدى ذلك إلى الكفر، والعياذ
بالله تعالى.
تواطؤ المنافقين واليهود وجزاؤهم
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ لَبِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرَ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًّا وَإِن قُوْتِلْتُمْ
◌َتَنَصُرَتَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ لَبِنْ أُخْرِجُوْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَيِن قُوْتِلُواْ
لَا يَنَصُرُونَهُمْ وَلَيِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلْنَ اْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ ﴿﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ
رَهْبَةُ فِ صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ﴿ لَا يُقَدِلُونَكُمْ جَمِيعًا
إِلَّا فِى قُرَى تُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُّرٍ بَأَسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴿ كَعَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً
كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ اُكْفُرْ
١٥
ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
فَلَمَا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنِّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
(١) فَكَانَ
عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَا وَذَلِكَ جَزَّؤُاْ الظَّالِمِينَ
١٧
القراءات:
د
٠

٤٦٨
الجُرَءُ (٢٨) - الخُشْرِر: ٥٩ /١١-١٧
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (جدار).
بأسھُم﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (باسهم).
﴿ تَحْسَبُهُمْ﴾ :
قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وخلف: بكسر السين.
وقرأ الباقون بفتحها.
﴿إِنّ أَخَافُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أخاف).
الإعراب:
﴿لَيِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُونَ مَعَهُمْ﴾ لم يجزم ﴿ يَخْرُجُونَ﴾ و﴿يُصَرُونَ﴾ لأنهما
جوابا قسمين قبلهما، وتقديره: والله لا يخرجون معهم ولا ينصرونهم،
فلذلك لم ينجزما بحرف الشرط.
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ﴿ كَمَثَلِ﴾: جار ومجرور في موضع رفع خبر
مبتدأ محذوف، وتقديره: مثلهم كمثل الذين من قبلهم. و﴿قَرِيبًا﴾ لا يبعد أن
يتعلق بصلة ﴿الَّذِينَ﴾. وكذلك ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ﴾ تقديره: مثلهم كمثل
الشيطان إذ قال للإنسان: اكفر، فحذف المبتدأ.
﴿ فَكَانَ عَقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَا﴾ ﴿عَقِبَتَهُمَآَ﴾: منصوب لأنه
خبر كان، و(أن) واسمها وخبرها في موضع رفع؛ لأن الجملة اسم (كان).
و﴿خَلِدَيْنِ﴾ حال من المضمر في الظرف في قوله: ﴿فِ النَّارِ﴾ وتقديره:
كائنان في النار خالدين فيها، وكرر﴿ في﴾ تأكيداً كقولهم: زيد في الدار قائم
فيها. ويجوز رفع ﴿خَلِدَيْنِ﴾ على خبر (أن).

٤٦٩
لُءُ (٢٨) - الخُشْرِّ: ٥٩ /١١-١٧
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ استفهام يراد به الإنكار والتعجيب.
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ﴾ بين ﴿جَمِيعًا﴾ و﴿شَتَّىْ﴾ طباق.
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ﴾ تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه
منتزع من متعدد.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنظر. ﴿نَافَقُواْ﴾ أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر. ﴿لِإِخْوَنِهِمُ﴾
المراد بذلك أخوّة الكفر، أو الصداقة والموالاة أي أصدقائهم . ﴿مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ﴾ هم بنو النضير وإخوانهم في الكفر .﴿لَبِنْ﴾ اللام لام القسم في
الحالات الأربع .﴿أُخْرِجْنُمْ﴾ من المدينة. ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ أي لا
نطيع أحداً من الرسول والمؤمنين في قتالكم، ولا نسمع أمر أحد في خذلانكم.
﴿ وَإِن قُوْتِلْتُمْ﴾ حذف من (إِنْ) اللام الموطئة للقسم. ﴿لَنَنَصُرَّتَّكُمْ﴾ لنعاوننكم.
﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك.
﴿لَبِنْ أُخْرِجُوْ لَا يَخُْونَ مَعَهُمْ وَلَبِن قُوْتِلُواْ لَا يَنَصُرُونَهُمْ﴾ ثبت في التاريخ أنهم
كانوا على هذا النحو، فإن ابن أبي وأصحابه المنافقين راسلوا بني النضير
بذلك، ثم أخلفوهم. وفيه دليل على صحة النبوة وإعجاز القرآن. ﴿وَلَيْن
نَصَرُوهُمْ﴾ جاؤوا لنصرهم على الفرض والتقدير. ﴿لَيُوَلُنَّ الْأَدْبَرَ﴾ ليفرُّن
هاربين منهزمين. واستغني بجواب القسم المقدر عن جواب الشرط في المواضع
الخمسة. ﴿ثُمَّ لَا يُصَرُونَ﴾ بعد أي اليهود، بل نخذلهم، ولا ينفعهم نصرة
المنافقين.
﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِ صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ﴾ أي إن المنافقين يخافونكم
خوفاً أشد من خوفهم الله، وقوله: ﴿رَهْبَةٌ﴾ خوفاً، أي أشد مرهوبية،

٤٧٠
الجُزءُ (٢٨) - الخُشْرِ: ٥٩ /١١-١٧
وقوله: ﴿فِي صُدُورِهِم﴾ لتأكيد استقرار الخوف في نفوسهم، فإنهم كانوا
يضمرون مخافتهم من المؤمنين. وقوله: ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ لأنهم يظهرون النفاق مع
أنه لا يخفى على الله تعالى، ولتأخير عذاب الله . ﴿لَّا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون
عظمة الله تعالی حتی یخشوه حق خشيته.
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أي اليهود. (جَمِيعًا﴾ مجتمعين. ﴿مُحَصَّنَةٍ﴾ بالدروب
والخنادق ﴿جُدُرٍ﴾ حيطان وأسوار، جمع جدار، وذلك لفرط رهبتهم.
﴿بَأَسُهُم﴾ حربهم، فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضاً، وليس ذلك
لضعفهم وجبنهم، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم .﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ تظنهم
مجتمعين متفقين .﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ﴾ متفرقة لافتراق عقائدهم، واختلاف
مقاصدهم، جمع شتيت . ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ ما فيه صلاحهم.
﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مثل اليهود، ولا سيما يهود بني النضير،
كالمشركين الذين قتلوا وعذبوا في معركة بدر، أو المهلكين من الأمم الماضية.
﴿قَرِيبّا﴾ في زمان قريب . ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ سوء عاقبة كفرهم في الدنيا من
القتل وغيره . ﴿وَمُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب مؤلم في الآخرة. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ﴾ أي
مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان .﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ
اُكْفُرْ﴾ أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ﴾ تبرأ
منه مخافة أن يشاركه في العذاب، ولم ينفعه ذلك. والمراد بالإنسان الجنس،
فيشمل أبا جهل الذي قال له إبليس يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
النَّاسِ وَإِنِّ جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨/٨] .﴿إِنّ أَخَافُ اَللَّهَ﴾ كذباً منه
ورياء .﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا﴾ أي الغاوي والمغوي ﴿الظّالِمِينَ﴾ الكافرين.
سبب النزول:
نزول الآية (١١):
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّي قال: أسلم ناس من أهل
قريظة، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: ﴿لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ

٤٧١
الجُرُ (٢٨) - الخُشْرِ: ٥٩ /١١-١٧
لَنَخْرُجَرَ مَعَكُمْ﴾، فنزلت هذه الآية فيهم: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ
لِإِخْوَنِهِمُ﴾.
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم عن ابن عباس: أن الآية نزلت
في عبد الله بن أبيّ ورفاعة بن زيد، وعبد الله بن نَّيْتَل وهم من منافقي أهل
المدينة كانوا بعثوا إلى بني النضير بما تضمنته الآيات.
المناسبة:
بعد بيان مصير يهود بني النضير، وحكم مصارف الفيء الذي يشمل أموال
هؤلاء اليهود، ذكر الله تعالى أحوال العلاقات المشبوهة بين المنافقين واليهود،
فقد كان المنافقون في الظاهر من الأنصار، ولكنهم كانوا يوالون اليهود في
السر، فصاروا إخوانهم في الكفر، وأصدقاءهم في معاداة المؤمنين. ومثل هذا
الارتباط يتكرر في كل زمان، حيث نجد ضعاف الإيمان والنفوس وخونة الأمة
الإسلامية يوالون أعداءهم، كما يَعِدُ بعض الناس غيرهم على المؤازرة في
شيء، ثم يتخلون عنهم وقت الأزمة.
التفسير والبيان:
﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ أي ألم تنظر إلى هؤلاء
القوم من المنافقين كعبد الله بن أبيّ بن سلول وعبد الله بن نَبْتَل ورفاعة بن زيد
ووديعة بن مالك وسُوَيد وداعس وأمثالهم حين بعثوا إلى يهود بني النضير: أن
اثبتوا وتحصنوا، أو تمنّعوا، فإننا لا نُسْلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن
أخرجتم خرجنا معكم، ولا نطيع في شأنكم، ومن أجلكم أحداً ممن يريد أن
يمنعنا من الخروج معكم كمحمد وأتباعه، وإن طال الزمان، وإن قوتلتم
لننصرنكم على عدوكم. فكذبهم الله بقوله:

٤٧٢
الْجُرُ (٢٨) - المُشْرِ: ٥٩ /١١-١٧
﴿ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي لكاذبون فيما وعدوهم به من الخروج
معهم، والنصرة لهم، إما لنيتهم ألا يفوا بما وعدوا به، وإما لأنهم لا يقع
منهم ما قالوا.
وقوله في مطلع الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أسلوب يراد به التعجيب من حال المخبر
عنه، وأن أمره في غاية الغرابة. وقد تبين لليهود كذب المنافقين، فلم ينصروهم
وقت الحصار، وقذف الله الرعب في قلوب أولئك اليهود، فطلبوا من
رسول الله وَّر أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم، ففعل، فكان الرجل منهم
يهدم بيته، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام.
ثم أكد الله تعالى تكذيبهم مفنداً على سبيل التفصيل مواقفهم الخادعة،
فقال :
﴿لَيِنْ أُخْرِجُوْ لَا يَخْرُونَ مَعَهُمْ وَلَيِن قُوْتِلُواْ لَا يَنَصُرُونَهُمْ وَلَيِن نَّصَرُوهُمْ
لَيُّوَلُونَ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ (13)﴾ أي وتالله لئن أخرج يهود بني النضير
من ديارهم، لا يخرج معهم المنافقون، ولئن قاتلهم المؤمنون لا يقاتلون
معهم، ولئن آزروهم وقاتلوا معهم لفرُّوا هاربين منهزمين، ثم لا يصير
المنافقون واليهود منصورين بعد ذلك، بل يذلهم الله ويخذلهم، ولا ينفعهم
تفاقهم. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمِّ وَلَوْ
﴾ [الأنفال: ٢٣/٨].
١٣٣
أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
وكان الواقع مطابقاً لما أخبر به القرآن، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من
أخرج من اليهود، وهم بنو النضير ومن معهم، ولم ينصروا اليهود الذين
قوتلوا، وهم بنو قريظة وأهل خيبر، ثم بشر الله تعالى بنصر المؤمنين على كلا
الفريقين: المنافقين واليهود، وتحقق وعد الله، وتطهرت جزيرة العرب من
اليهود بفضل من الله وتوفيقه.
وسبب عدم نصرتهم لليهود ما قال تعالى:

٤٧٣
الُرُ (٢٨) - الخُشْرِ: ٥٩ / ١١-١٧
﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِ صُدُورِهِم مِّنَ اَللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
أي إنكم أيها المسلمون أشد خوفاً وخشية في صدور المنافقين أو في
صدور اليهود من رهبة الله، فهم يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله، وذلك
الخوف بسبب أنهم قوم لا يعلمون قدر عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته، ولو
كان لهم فقه لعلموا أن الله سبحانه أحق بالرهبة منه دونكم.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِذَا فَيِّقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ أَوْ أَشَدَّ
خَشْيَةٌ﴾ [النساء: ٧٧/٤].
ثم ذكر تعالى أسلوب اليهود والمنافقين في مقاتلة المؤمنين، فقال:
﴿لَا يُقَائِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَّى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ﴾ أي إن اليهود
والمنافقين من جبنهم وهلعهم لا يواجهون جيش الإسلام بالمبارزة والمقابلة،
ولا يقاتلونهم مجتمعين، بل يقاتلونهم إما وراء الحصون والدروب والخنادق،
أو من خلف السوار والحيطان التي يستترون بها، لجبنهم ورهبتهم، فيقاتلون
للدفاع عنهم ضرورة، وقد لمس العرب هذا الأسلوب في حروب اليهود في
فلسطين في عصرنا.
﴿بَأَسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَعْقِلُونَ﴾ أي إن عداوتهم وحربهم فيما بينهم شديدة، وقاسية، تظنهم
متوحدين وهم متفرقون، فاجتماعهم إنما هو في الظاهر، مع اختلاف نواياهم
وأهوائهم وآرائهم وشهاداتهم في الواقع، لما بينهم من أحقاد وعداوات،
ولأنهم قوم لا يعقلون الحق وأمر الله، ولا يدركون سر النجاح في الحياة وهو
الوحدة، ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه، فتوحدوا ولم يختلفوا.
وهذا دليل على أن ضعفهم ناشئ من التفرقة والخلاف، فجدير بالمسلمين
الذين يقاتلونهم في هذا العصر أن يكونوا متوحدين صفاً واحداً كالبنيان
المرصوص، وأن يعتمدوا على أنفسهم دون التماس حلول واهنة ضعيفة من
شرق أو غرب.

٤٧٤
الُرُ (٢٨) - الخَشْرِّ: ٥٩ /١١-١٧
ثم ذكر الله تعالى أحوالاً مشابهة لهم، فقال:
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبّا ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ أي
إن هؤلاء اليهود بني النضير أصابهم مثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر، في
السنة الثانية من الهجرة، ومثل من قبلهم من يهود بني قينقاع الذين أجلاهم
النبي ◌َّه من المدينة إلى أذرعات بالشام بعد سنة ونصف من الهجرة، وكانت
وقعة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، وذاقوا في زمان قريب سوء عاقبة
كفرهم في الدنيا، ولهم عذاب مؤلم في الآخرة.
ثم ذكر الله تعالى مثلاً آخر للمنافقين ورابطتهم باليهود، فقال:
(كُمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ
إِنِّيَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ (1) أي إن مثل هؤلاء المنافقين في وعودهم
اليهود بالمناصرة والمؤازرة في القتال والخروج، كمثل الشيطان الذي سوَّل
للإنسان الشر، وأغراه بالكفر، وزيَّنه له، وحمله عليه، فلما كفر الإنسان
مطاوعة للشيطان، تبرأ الشيطان منه، وتنصل يوم القيامة، وقال على وجه
التبري من الإنسان: إني أخاف عذاب الله رب العالمين إذا ناصرتك.
وهذا مثل في غاية السوء وشدة الوقع على النفوس، لذا أبان الله تعالى بعده
ما يوجبه من العقاب، فقال:
﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَاْ وَذَلِكَ جَزَُّؤُاْ الظَّالِمِينَ
١٧
أي فكان عاقبة الشيطان الآمر بالكفر، والإنسان الذي كفر واستجاب أنهما
صائران إلى نار جهنم خالدَيْنِ فيها على الدوام، وذلك الجزاء وهو الخلود في
النار هو جزاء الكافرين جميعاً، ومنهم اليهود والمنافقون.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:

٤٧٥
الُرُ (٢٨) - المُشْر: ٥٩ /١١-١٧
اً - إن هناك مصادقة وموالاة ومعاونة في الظاهر بين المنافقين واليهود،
بسبب أخوة الكفر، ورابطة الاشتراك في العداوة والكفر بمحمد ◌ّ، فيقول
المنافقون ليهود قريظة والنضير: نحن معكم في الإقامة والقتال والخروج، ولا
نطيع محمداً في قتالكم، والله شاهد على أنهم كاذبون في قولهم وفعلهم.
وفي هذا دليل على صحة نبوة محمد وَلّ بإخبار الغيب؛ لأنهم أخرجوا فلم
يخرجوا، وقوتلوا فلم ينصروهم.
أَ - كذّب الله المنافقين أولاً على سبيل الإجمال، ثم أتبعه بالتفصيل، فأخبر
بأن اليهود لو أخرجوا من ديارهم، لن يخرج المنافقون معهم، وأنهم لو قاتلهم
المؤمنون ما نصروهم ولا عاونوهم، ولئن نصر المنافقون اليهود لفروا هاربين
منهزمين.
٣- إن بني النضير في خوفهم من المسلمين أشد خوفاً وخشية من رهبة الله،
فهم يخافون منهم أكثر مما يخافون من ربهم، ذلك الخوف بسبب أنهم قوم لا
يفقهون قدر عظمة الله وقدرته.
٤- لا يقدر اليهود والمنافقون على مقاتلة المسلمين مجتمعين إلا في حصون
محصنة بالخنادق والدروب، أو من خلف الأسوار والحيطان التي يستترون بها
لُجُبنهم ورهبتهم، وإلقاء الله الرعب في قلوبهم، وتفرقهم، وتأييد الله ونصرته
لعباده المؤمنين.
وسبب ذلك التفرق والتشتت والكفر أنهم لا عقل لهم يعقلون به أمر الله،
ويدركون به نظم الحياة، ويعرفون أن الوحدة أساس النجاح.
٥- إن ما أصاب يهود بني النضير من الطرد والجلاء عن المدينة والعذاب
مشابه لما أصاب بني قينقاع وكفار قريش يوم بدر، من العقاب، فقد كان بين
النضير وقريظة سنتان، وكانت وقعة بدر قبل غزوة بني النضير بستة أشهر،
ولهؤلاء الكفار في الآخرة عذاب مؤلم.

٤٧٦
الزرعُ (٢٨) - المُشْرِ: ٥٩ /١٨-٢٠
أَ- إن مثل المنافقين واليهود في تخاذلهم وعدم الوفاء في نُصْرتهم مثل
الشيطان الذي سوَّل للإنسان الكفر، فلما كفر تبرأ منه، مدعياً أنه يخاف
عذاب الله.
فكانت عاقبة المنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان، حيث صارا إلى النار
خالدين فيها على الدوام.
الأمر بالتقوى والعمل للآخرة
﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنِسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَكَ
هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ لَا يَسْتَوِىّ أَضْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ
اُلْفَآپِزُونَ
البلاغة:
﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَمَتْ لِغَدٍّ﴾ كناية في كلمة ﴿لِغَدٍ﴾ كنى بها عن
القيامة لقربها.
ج
﴿اَلْجَنَّةِ﴾ و﴿ النَّارِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿نَفْسٌ﴾ تنكيرها للتقليل أي تقليل الأنفس النواظر، كأنه قال: فلتنظر
نفس واحدة في ذلك.﴿مَّا قَدَّمَتْ﴾ أي الذي قدمته من الأعمال الصالحة.
﴿لِغَدِّ﴾ هو يوم القيامة، سمي به لقربه وتحقق وقوعه وتنكيره للتعظيم وإبهام
أمره، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لعظمه. ﴿فَسُواْ اللَّهَ﴾ نسوا حق الله،
فتركوا طاعته. ﴿فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أنساهم أن يقدموا لها خيراً. ﴿اُلْفَسِقُونَ﴾
الكاملون في الفسق.

٤٧٧
الجُرُ (٢٨) - المُثِّر: ٥٩ /١٨-٢٠
ج
يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ أي لا يتساوى أصحاب النار
الذين لم يعملوا ما ينقذهم منها، فاستحقوا النار، والذين استكملوا نفوسهم،
فاستأهلوا الجنة، واحتج به الشافعية على أن المسلم لا يقتل بالكافر . ﴿هُمُ
اَلْفَآئِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم.
المناسبة:
بعد بيان أحوال المنافقين واليهود، أمر الله تعالى بالتقوى التي هي التزام
المأمورات واجتناب المنهيات، وأمر بالعمل في الدنيا للآخرة، ورغب في
الإعداد للجنة، وحذر من عمل أهل النار، ووصف أهل الجنة المستحقين لها
بالفائزين، وأهل النار بالفاسقين.
التفسير والبيان:
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَمَتْ لِغَدٍّ وَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٣)﴾ أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى ورسوله وَالآ ،
افعلوا ما أمر الله به، واتركوا ما زجر عنه، واتقوا عقابه، ولتتأمل نفس أي
شيء قدَّمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن
تحاسبوا، واتقوا الله- وكرر الأمر بالتقوى للتأكيد والحث على ما أُينفع في
الآخرة- فإن الله لا تخفى عليه من أعمالكم وأحوالكم خافية، فهو مجازيكم
بأعمالكم صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها.
ثم نهى الله تعالى عن التشبه بالذين أهملوا حقوق الله، فقال: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ
· أي واحذروا أن
١٩
كَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
تكونوا كالذين تركوا أمر الله، وأهملوا حقوق الله الواجبة على العباد، ولم
يخافوا ربهم، فجعلهم ناسين أنفسهم بسبب نسيانهم لربهم، فلم يعملوا
الأعمال الصالحة التي تنفعهم في المعاد، وتنجيهم من العذاب، فإن الجزاء من

٤٧٨
الجزءُ (٢٨) - الحُشْر: ٥٩ / ١٨ -٢٠
جنس العمل، وأولئك التاركون حقوق الله هم الخارجون الكاملون في
الخروج عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم.
وذلك كما قال تعالى: ﴿يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ
[المنافقون :
عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
٩/٦٣] .
ثم قارن الله تعالى بين المحسنين والمسيئين لبيان أنه لا استواء بين الفريقين،
فقال :
﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ
٢٠
أي لا يستوي مستحقو النار ومستحقو الجنة في حكم الله تعالى في
الفضل والرتبة يوم القيامة، أصحاب الجنة هم الظافرون بكل مطلوب،
الناجون من كل مكروه.
ونظيرِ الآية كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ
السَّيِّئَاتِ أَن ◌َّجْعَلَهُمْ كَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَاءٌ تَخْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ
مَا يَحْكُمُونَ
يستوى
﴿ وَمَا
[الجاثية: ٢١/٤٥] وقوله سبحانه:
٢١
عْمَى
الـ
وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَلَا الْمُسِىُِّ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ
٥٨
[غافر: ٥٨/٤٠] وقوله عز وجل: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
[ص: ٢٨/٣٨] .
(٢٨)
كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُنَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (
وهذا ترغيب في العمل للجنة، وترهيب من العمل للنار. ويلاحظ أن
الآيات بدأت بالأمر بالتقوى، ثم نهت عن نسيان حقوق الله، ثم وازنت بين
الطائعين والعصاة، وكل ذلك لتأكيد الأمر بالتقوى وطاعة الله، فبعد إرشاد
المؤمنين إلى ما فيه مصلحتهم يوم القيامة: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ﴾
وتهديد الكافرين بقوله: ﴿كَأَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أبان تعالى الفرق
بين الفريقين.

٤٧٩
الُعُ (٢٨) - الخُثْر: ٥٩ /١٨-٢٠
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - لزوم تقوى الله في أوامره ونواهيه، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
٣ - أعاد الله تعالى الأمر بالتقوى مرة ثانية للتأكيد، أو يحمل الأمر الأول
على أداء الواجبات والتوبة فيما مضى من الذنوب، والثاني على ترك المعاصي
في المستقبل.
وكان النبي ◌ّيم يستشهد بهذه الآية في الحث في خطبه على عمل الخير
والمعروف، أخرج أحمد ومسلم عن المنذر بن جرير عن أبيه، قال: كنا عند
رسول الله وَل في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار(١) أو
العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغير وجه
رسول الله ◌َي﴾ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام
الصلاة، فصلى ثم خطب، فقال: ﴿يَأَتُهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَجِدَةٍ﴾ [النساء: ١/٤] وقرأ الآية في الحشر: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ﴾.
((تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرّه، من صاع
تمره))، حتى قال: ((ولوبشق تمرة)). فجاء رجل من الأنصار بصُرّة كادت كفه
تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام
وثياب، حتى رأيت رسول الله ◌َله يتهلل وجهه كأنه مُذَهَّبة(٢)، فقال رسول
الله ◌َ له :
((من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من
غير أن ينقص من أجورهم شيء؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه
وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)).
(١) أي مخططي الثياب.
(٢) أي صفحة مموهة بالذهب.

٤٨٠
لُزُعُ (٢٨) - الخُشْرِ: ٥٩ /١٨-٢٠
٣ - نهى الله تعالى عن التشبه بقوم تركوا أمر الله - والنهي يقتضي التحريم-
حتى نسوا أنفسهم أن يعملوا لها خيراً، فكانوا هم الفاسقين، أي الذين
خرجوا عن طاعة الله تعالى.
روى أبو القاسم الطبراني عن نُعَيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر
الصديق رضي الله عنه: أما تعلمون أنكم تَغْدُون وتروحُون لأجَل معلوم،
فمن استطاع أن يقضي الأجل، وهو في عمل الله عز وجل، فليفعل، ولن
تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل، إن قوماً جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله عز
وجل أن تكونوا أمثالهم: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ.
أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدِمُوا على ما قَدَّموا في أيام سلفهم، وخَلَوْا
بالشِّقْوة والسعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن، وحصَّنوها
بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله لا تَفْنى عجائبه،
فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه.
إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَأْ وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ لا
خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفَق في سبيل الله، ولا
خير فيمن يغلب جهلُه حلمَه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم(١).
٤ - هناك فرق واضح في حكم الله تعالى في الفضل والرتبة بين المؤمنين أهل
الجنة، وبين الكافرين أهل النار، فالأولون ناجون فائزون بالمطلوب،
والآخرون فاسقون هالكون معذبون.
٥ - احتج الشافعية بآية: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ على أن المسلم لا
(١) قال ابن كثير: هذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات (تفسير القرآن العظيم: ٣٤٢/٤).