Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
الُُ (٢٧) - الَمنَّ: ٥٥ / ٤٦-٦١
من الجنتين عين جارية، فهما عينان تسرحان لسقي تلك الأشجار
والأغصان، فتثمر من جميع الألوان. قال الحسن البصري: إحداهما يقال لها:
تسنيم، والأخرى السلسبيل. فبأي نعم الله يحدث التكذيب؟ فتلك حقيقة
قطعية، ونعمة عظيمة.
فَبَتِيِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَنِ ﴿4﴾ أي في
﴿فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ (49)
الجنتين من كل نوع يتفكه به ومن جميع أنواع الثمار صنفان ونوعان، يستلذ
بكل نوع منهما، أحدهما رطب والآخر يابس، لا يتميز أحدهما عن الآخر في
الفضل والطيب خلافاً لثمار الدنيا، بل فيهما مما يعلم وخير مما يعلم، مما
لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فبأي شيء من هذه
النعم تكذبان يا إنس ويا جن؟ قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة
إلا الأسماء، يعني أن بين ذلك بوناً عظيماً، وفرقاً واضحاً.
وبعد ذكر الطعام ذكر الفراش، فقال:
فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَّكُمَا
٥٤
﴿ مُتَّكِينَ عَلَى فُرُئِبٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفٍّ وَجَنَى اُلْجَنََّيْنِ دَانٍ (
تُكذّبَانِ
· أي إن أهل الجنة يضطجعون ويجلسون ويتنعمون على فرش
۵۵
بطائنها (وهي التي تحت الظهائر) من إستبرق (وهو ما غلظ من الديباج، أو
الديباج الثخين) قال ابن مسعود وأبو هريرة: هذه البطائن، فكيف لو رأيتم
الظواهر؟ وقيل لسعيد بن جُبير: البطائن من إستبرق، فما الظواهر؟ قال:
هذا مما قال الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَآءٌ بِمَا كَانُواْ
[السجدة: ٣٢ / ١٧] .
١٧)
مَعْمَلُونَ
وقال ابن عباس: إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم، فأما
الظاهر فلا يعلمها إلا الله.
وثمر الجنتين قريب التناول منهم متى شاؤوا وعلى أي صفة كانوا، كما قال
[الحاقة: ٢٣/٦٩] وقال سبحانه: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا
٣٣)
تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَاِيَةٌ
٢٤٢
الجُزءُ (٢٧) - الَمنَّ: ٤٦/٥٥-٦١
نَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤/٧٦] أي لا تمتنع ممن تناولها، بل تميل إليه من أغصانها.
فبأي شيء من هذه النعم يحصل التكذيب والإنكار؟! ثم ذكر تعالى أوصاف
الحور والنساء، فقال:
فَبَتِّءَالَآءِ
﴿فِنَ قَصِرَاتُ الَّطَرْفِ لَمْ يَطْعِتْهُنَّ إِنُْ قَبْلَهُمْ وَلَا جٌَّ (39)
رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾﴾ أي هناك نساء في الجنتين المذكورتين وما فيهما من أنهار
وعيون وفرش وغيرها، أو في هذه الآلاء (النعم) المعدودة من الجنتين والعينين
والفاكهة والفرش والجنى (الثمر) أو في الجنان؛ لأن ذكر الجنتين يدل عليه،
ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهن نساء قصرن أبصارهن
على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم لم يمسسهن ولم يفتضهن ولم يجامعهن قبلهم
أحد من الإنس والجن؛ لأنهن خلقن في الجنة، فبأي النعم تكذبان أيها
الثقلان؟! والطمث: الافتضاض. ثم نعت (وصف) النساء بقوله:
أي كأن
٥٩
فَأَتِّ ءَلَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٥٨
كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْحَانُ
تلك النسوة الياقوت صفاء، وصغار اللؤلؤ بياضاً، فبأي نعمة تكذبان؟
والياقوت: هو الحجر الصافي الكريم المعروف، والمرجان: حجر يؤخذ من
البحر، وهو الأحمر المعروف. قال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: في صفاء
الياقوت وبياض المرجان. فجعلوا المرجان هنا اللؤلؤ.
أخرج الشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي وسلم قال: ((إن أول
زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على ضوء کو کب دُرِّي
في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ ساقهما من وراء
اللحم، وما في الجنة أعزب)).
ثم بيَّن الله تعالى سبب هذا الثواب فقال:
﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ اُلْإِحْسَنُ ﴿َ فَأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٦١
٢٤٣
الْجُ (٢٧) - الَمنَّ: ٤٦/٥٥-٦١
أي ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة، فهاتان
الجنتان لأهل الإيمان وصالح الأعمال، كما قال تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦/١٠].
أخرج البغوي والبيهقي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس بن مالك
قال: ((قرأ رسول الله وَلَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ ﴾﴾ وقال:
هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: هل جزاء
من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة)). وبما أن الذي ذكر هنا نعم عظيمة لا
يقابلها عمل، بل مجرد تفضل وامتنان قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا
؟
٦١
◌ُكذّبَانِ
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
اً - لكل من خاف المقام بين يدي ربه للحساب، فترك المعصية، أو خاف
إشراف ربه واطلاعه عليه جنتان، أي لكل خائف جنتان على حدة، ذكر
المهدوي والثعلبي عن ابن عباس عن النبي ◌َّ أنه قال: ((الجنتان: بستانان في
عرض الجنة، كل بستان مسيرة مئة عام، في وسط كل بستان دار من نور،
وليس منها شيء إلا يهتز نغمة وخضرة، قرارها ثابت، وشجرها ثابت)).
أَ - تلك الجنتان: ذواتا ألوان من الفاكهة والأغصان والأشجار والثمار،
وفي كل واحدة منهما عين جارية، تجريان بالماء الزلال، إحدى العينين:
التسنيم، والأخرى السلسبيل، كما تقدم من قول الحسن.
وفيهما أيضاً من كل ما يتفكه به صنفان أو نوعان، وكلاهما حلو يستلذ
به، قال ابن عباس: ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى
الحنظل إلا أنه حلو. وثمر الجنة (الجنى) قريب التناول لكل إنسان، خلافاً لجنة
دار الدنيا.
٢٤٤
الْغُرُ (٢٧) - الَّمنَّ: ٤٦/٥٥-٦١
٢- أهل الجنة يضطجعون ويجلسون على فرش بطائنها (جمع بطانة: وهي
التي تحت الظهارة) من إستبرق (ما غلظ من الديباج وخشن) وإذا كانت
البطانة التي تلي الأرض هكذا، فما ظنك بالظهارة؟ كما قال ابن مسعود وأبو
هريرة، وهذا يدل على نهاية شرفها، وتمتع أهلها بالثواب والنعيم العظيم.
والظاهر أن لكل واحد فرشاً كثيرة، لا أن لكل واحد فراشاً واحداً. والاتكاء
يدل على صحة الجسم وفراغ القلب والشعور بالمتعة والسرور البالغ.
٤- في الجنات وما فيها من ألوان النعمة نساء قاصرات الأبصار على
أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، بكارى، لم يُصِبْهن بالجماع قبل أزواجهن
هؤلاء أحد.
٥- في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْعِتْهُنَّ إِسْرٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ﴾ دليل على أن الجن
تغشى كالإنس، وتدخل الجنة، ويكون لهم فيها جِنِّيات، ودليل على أن نساء
الآدميات قد يطمثهن الجان، والطمث: الافتضاض أو الجماع، وأن الحور
العين قد بَرِئن من هذا العيب ونُزِّهن. قال ضمرة: للمؤمنين من الجن أزواج
من الحور العين، فالإنسيات للإنس، والجنيات للجن.
أَ- من أوصاف تلك النساء: أنهن في صفاء الياقوت وبياض المرجان.
روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي وَ لّ قال: ((إن المرأة من
نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقيها من وراء سبعين حُلَّة، حتى يرى تُخُها))
وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ
. والياقوت كما
تقدم: حجر أملس شديد الصفاء. والمرجان: صغار الدر أو اللؤلؤ.
لاً- ترتيب النعم في غاية الحسن، فإن الله تعالى ذكر أولاً المسكن وهو
الجنة، ثم بيّن ما يتنزه به من البساتين، فقال: ﴿ذَوَاتَآ أَقْنَانِ ﴿﴿ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا
ثُكَذِّبَانِ
فِيهِمَا عَيْنَانِ﴾ ثم ذكر ما يتناول من المأكول، فقال: ﴿فِهِمَا مِن كُلِّ
٤٩
فَكِهَةٍ﴾ ثم ذكر موضع الراحة بعد التناول وهو الفراش، ثم ذكر ما يكون في
الفراش معه من الحوريات.
٢٤٥
الجُرُ (٢٧) - الَمن: ٦٢/٥٥-٧٨
٨- أردف الله تعالى كل نعمة بتوبيخ من ينكرها أو يكذب بها، ومنها نعم
تقابل بعمل. ونعم هي مجرد فضل وامتنان دون مقابلة عمل.
4- هذه النعم في الغالب جزاء أو ثواب العمل الصالح في الدنيا، وهل
جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة؟ وآية ﴿هَلْ جَزَاءُ
اُلِإِحْسَنِ﴾ فيها ثلاث دلالات واضحة: هي ما يأتي:
الأولى - رفع التكليف عن العوام والخواص في الآخرة، وأما الحمد
والشكر فهو لذة زائدة على كل لذة سواها.
الثانية - أن العبد محكّم في أحوال نعيم الآخرة، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا
١٥٧﴾ [يس: ٥٧/٣٦].
فَكِهَةٌ وَلَهُم ◌َا يَدَّعُونَ
الثالثة - كل ما يتخيله الإنسان من أنواع الإحسان الإلهي، فهو دون
الإحسان الذي وعد الله تعالى به؛ لأن عطاء الكريم لا يجد ولا يوصف،
فالذي يعطي الله فوق ما يرجو العبد، وذلك على وفق كرمه وإفضاله.
-٢-
وصف آخر للجنات
فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٦٣
﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّنَانِ
٦٤
مُدْهَآمَتَانِ
٦٣
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ
٦٥
فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (
) فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا
فَبِأَِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
فِهِمَا فَكِهَةٌ وَفَخْلٌ وَرُقَادٌ لَّ
ثُكَذِّبَانِ
فِهِنَ
٦٩
﴿ حُرٌ مَّقْصُورَتٌ فِ الْخِيَامِ
فَبَتِّ ءَآءٍ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَنِ
خَيْرَتُ حِسَانٌ
فَأَتِّ ءَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿ لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْهُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَنٌ ﴿ فَأَبِّ ءَالَّءِ
فَبَتِّ ءَآءِ رَبِّكُمَا
٧٦
مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرِ وَعَبْقَرِيِّ حِسَانٍ
رَّكُمَا ثُكَذِّبَانِ
٧٨)
نَكَ أَسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ
VV
ثُكَذِّبَاتِ
٢٤٦
الجُرُ (٢٧) - الَّحمَّ: ٦٢/٥٥-٧٨
القراءات:
﴿ذِى الْجَلَلِ﴾ :
وقرأ ابن عامر (ذو الجلال).
الإعراب:
﴿ وَمِن دُونِمَا جَنََّانِ (﴾﴾ أي ولهم من دونهما جنتان، فحذف (لهم)
لدلالة الكلام عليه تخفيفاً.
٧٠
: أصله: خيِّرات بالتشديد، وقد قرئ به على
فِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانٌ
الأصل، إلا أنه خفف كتخفيف شَيْد وهیْن وميْت.
﴿مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾ حال، و﴿رَفْرَفٍ﴾ وهي الوسائد: إما اسم جمع،
كقوم ورهط، ولهذا وصف بـ ﴿خُضْرٍ﴾ وهو جمع أخضر، كقولك: قوم
كرام، ورهط كرام، ورهط لئام. أو جمع (رفرفة) مثل عبقري جمع عبقرية.
و﴿ وَعَبْقَرِيٍ﴾: منسوب إلى عبقر: وهو اسم موضع ينسج به الوشي الحسن،
وجمع عبقر: عباقر، ومن قرأ (عباقريّ) فلا يصح أن ينسب إليه وهو جمع؛
لأن النسب إلى الجمع يوجب ردّه إلى الواحد، إلا أن يُسمع بالجمع، فيجوز
أن ينسب إليه على لفظه كمعافريّ وأنماريّ، ولا يعلم أن عباقر: اسم لموضع
مخصوص بعينه.
يقرأ (ذو الجلال) وصف للاسم،
{نَبْرَكَ أَسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلَلِ وَالْإِكْرَامِ (مَا﴾
ويقرأ بالجر على أنه وصف لـ ﴿رَبِّكَ)
المفردات اللغوية:
أي ومن دون الجنتين المذكورتين الموعودتين
﴿وَمِن دُونِمَا جَنَّنَانِ
للخائفين المقرَّبين، أي ومن ورائهما جنتان أقل منهما . ﴿مُدْهَآَمَتَانِ
٦٤
٢٤٧
الجُرُ (٢٧) - الرَّحمنُّ: ٦٢/٥٥-٧٨
شديدتا الخضرة من كثرة الري والعناية، كأنهما سوداوان، والدهمة في اللغة:
السواد. ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ فوَّارتان بالماء. ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلُ وَرُمَانٌ (3َ﴾ عَطفَهما
على الفاكهة بياناً لفضلهما، فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء، وثمرة الرمان فاكهة
في الجنتين وما فيهما
ودواء، كما قال البيضاوي. ﴿فِهِنَّ خَيْرَكُّ حِسَانٌ
أو في الجنان نساء خيِّرات الأخلاق، حسان الوجوه، وخيرات مخففة كقوله
وَاله: «هيْنون ليْنون)). ﴿حُورٌ﴾ جمع حوراء: بيضاء، شديدة سواد العين
وبياضها . ﴿مَّقْصُورَاتٌ﴾ مخدَّرات مستورات. ﴿فِى الْخِيَامِ﴾ جمع خيمة: وهي
التي تنصب على أعواد أربعة وتسقف بنبات الأرض، وأما الخباء: فهو ما
يتخذ من شعر أو وبر. وخيام الجنة شبيهة بالخدور، مصنوعة من الدرّ . ﴿لَمْ
يَطْمِنْهُنَّ﴾ لم يفتضهن أو يجامعهن. ﴿رَفْرَفٍ﴾ وسائد، جمع رفرفة.
﴿وَعَبْقَرِيِّ﴾ طنافس منقوشة عجيبة الوشي نادرة. ﴿نَبَرَكَ أَسْمُ رَبِّكَ﴾ تقدس
وتنزه اسم الله الذي يطلق على ذاته . ﴿ذِى الْجَلَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ أي ذي العظمة
والكبرياء، أو ذي العظمة والتكريم عن كل ما لا يليق به، أو الإفضال
والإنعام على عباده.
المناسبة:
ذكر الله تعالى في الآيات السابقة بعض أوصاف الجنة التي هي ثواب المتقين
الخائفين ربهم، ثم أردفه بأوصاف أخرى للجنة، مبيناً أولاً أن ثواب الخائفين
جنتان، وثواب آخر مثله وهو جنتان أخريان.
التفسير والبيان:
مُدْهَآَمَتَانِ ﴿ فَأَمِّ
فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنََّانِ
ءَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَنِ (®﴾ أي وهناك جنتان أخريان للخائفين، أو هناك جنتان
أخريان، دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة، لمن دون أصحاب الجنتين
السابقتين من أهل الجنة، تقدم في الحديث: جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما،
٢٤٨
اِلُ (٢٧) - الَمنَّ: ٦٢/٥٥-٧٨
وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، فالأوليان للمقرَّبين، والأخريان
لأصحاب اليمين. وفي الجنتين السابقتين أشجار وفواكه وغير ذلك، وكذا
هاتان الجنتان خضراوان، فهما من شدة خضرتهما سوداوان في رأي العين،
من شدة الري المائي. وقد فسر ابن عباس وأبو أيوب الأنصاري وغيرهما من
﴾ بأنهما خضراوان، وذلك
٦٤
الصحابة والتابعين قوله تعالى: ﴿مُدْهَآَمَتَانِ
مروي في حديث عن أبي أيوب أخرجه الطبراني وابن مردويه.
فبأي نعم الله تكذبان أيه الإنس والجن؟ فالجنتان في غاية المتعة والنضرة
والخضرة، ولكنهما دون الجنتين المتقدمتين في الرتبة والفضيلة، فهناك جنتان
ذواتا أفنان، أي أغصان وأشجار وفواكه، وهنا جنتان خضراوان.
فَبِأَتِيِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (®) أي في
﴿فِيِهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ
الجنتين عينان فيَّاضتان فوَّارتان بالماء العذب، فهناك جنتان تجريان، وهنا
جنتان فوَّارتان، والجري أقوى من النضخ، قال البراء بن عازب: العينان
اللتان تجريان خير من النضاختين. فبأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجن؟
﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴿ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَاٍ ﴾﴾ أي في هاتین
الجنتين فاكهة كثيرة متنوعة، ومنها ثمر النخيل والرمان، وإفرادهما بالذكر من
بين سائر الفواكه ليس من عطف الخاص على العام كما ذكر البخاري وغيره،
وإنما لمزيد حسنهما، وكثرة نفعهما بالنسبة إلى سائر الفواكه، ولشرفهما على
غيرهما، لدوامهما وكونهما غذاء ودواء، ولوجودهما في الخريف والشتاء.
وقد قال هناك: ﴿فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴿6﴾ وقال هنا: ﴿فِيهِمَا
فَلِكِهَةٌ وَنَخْلُ وَرَُّانٌ ﴿َ﴾ ولا شك أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع،
من قوله ﴿فَكِهَةٌ﴾ فهي نكرة في سياق الإثبات لا تعم.
فبأي نعم الله تكذبان يا إنس ويا جن، فإن هذه النعم تستحق الحمد
والشكر.
٢٤٩
الجُ (٢٧) - الَّمن: ٦٢/٥٥-٧٨
(4) أي في هاتين
فَبَتِّ ءَلَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
[فِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانٌ
الجنتين نساء حسان الخَلْق والْخُلُق، أو هن ذوات فضل، خیِّرات فاضلات
الأخلاق، حسان الوجوه، فالخيّرات جمع خيِّة، وهي المرأة الصالحة الحسنة
الْخُلق، الحسنة الوجه، وهو قول الجمهور، بدليل ما روى الحسن عن أم
سلمة قالت: ((قلت لرسول الله وَله، أخبرني عن قوله تعالى: ﴿فِهِنَ خَيْرَتُّ
حِسَانٌ (9﴾﴾؟ قال: خيرات الأخلاق، حسان الوجوه ))، وفي حديث آخر
أن الحور العين يغنين: نحن الخيرات الحسان، خلقنا لأزواج كرام.
وقال قتادة: المراد خيرات كثيرة حسنة في الجنة.
فَأَتِّ ءَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ (®َ﴾ أي إن
﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ
هؤلاء النساء الخيرات حور شديدات البياض، وفي عيونهن حور، أي
واسعات الأعين، مع صفاء البياض، مخدرات محجبات مستورات في خيام
الجنة المكونة من الدّر المجوفة، فلسن مترددات في الشوارع والطرقات. وقد
وصفت نساء الجنتين هناك بأنهن ﴿قَصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ فهن أعلى منزلة من هؤلاء
المذكورات في هذه الآية: ﴿مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ﴾ لأنه لا شك أن التي قد
قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قُصرت، وإن كان الجميع مخدرات. والعرب
يمدحون ويؤثرون النساء الملازمات للبيوت، لتوافر الصون، فبأي نعم الله
هذه ونحوها تكذبان؟!
فَأَتِّ ءَالَاءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ (9)﴾ أي لم
﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسَرُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ (َ)
يمسّهن ولم يجامعهن قبل ذلك أحد من الإنس والجن، توفيراً للمتقين الخائفين
ربّهم، فبأي نعم الله تكذبان؟! وقد زاد في وصف نساء الجنتين السابقتين
فَأَتِيِّ ءَالَاءِ رَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٥٩
٥٨
بقوله: ﴿ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ
﴿ مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانِ ﴿ فَأَِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا ثُكَذِّبَانِ
﴾ أي وهم في الجنة متكئون مستندون على وسائد خضراء، وبسط منقوشة
٢٥٠
الجُرُ (٢٧) - الَّمنّ: ٦٢/٥٥-٧٨
بديعة فاخرة متقنة الصنع، فبأي نعم الله تكذبان أيها الإنس والجن؟! وقد
وصف الله مرافق الجنتين الأوليين بما هو أرفع وأولى من هذه الصفة، فإنه
تعالى قال هناك: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى فُرُتٍُّ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفٍّ﴾.
وختمت الصفات المتقدمة بقوله: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ
فوصف أهلها بالإحسان وهو أعلى مراتب العبادة.
آلجَكَلِ
أَسْمُ رَّكَ ذِی
نَبَرَكَ
م
وَآَلَا
أي تقدس وتنزه الله صاحب العزة
٧٨
والعظمة والتكريم على ما أنعم به على عباده المخلصين، فهو أهل أن يجل فلا
يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى.
ويلاحظ أنه قال سابقاً بعد ذكر نعم الدنيا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ للإشارة إلى
فناء كل شيء من الممكنات، وقال بعد ذكر نعم الآخرة: ﴿نَبَرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ﴾
للإشارة إلى بقاء أهل الجنة ذاكرين اسم الله متلذذين به.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اَ- هناك أربع جنان ذات منازل مختلفة لمن خاف مقام ربِّه، فجنتان
للمقربين، ودونهما في المكان والفضل جنتان لأصحاب اليمين، كما قال ابن
زيد، وقال ابن جريج: هي أربع: جنتان منها للسابقين المقرَّبين: ﴿فِهِمَا مِن
كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ
(٥) و﴿عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ وجنتان لأصحاب اليمين ﴿فِيهِمَا
فَكِهَةٌ وَفَخْلُ وَرُمَانٌ ﴿﴾ و﴿فِيِهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ
جَ). وقد ذكرت ما رواه
أبو موسى عن النبي وَله: ((وجنتان من فضة، أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من
ذهب، أبنيتها وما فيهما)).
◌َ- لما وصف الله الجنتين لكل فريق أشار إلى الفرق بينهما:
٢٥١
الُ (٢٧) - الَّمنّ: ٦٢/٥٥-٧٨
﴾ أي ذواتا ألوان من الفاكهة،
أولاً - فقال في الأوليين: ﴿ ذَوَاتَاً أَفْنَانٍ
مخضرتان في غاية الخضرة من الري.
٦٤
وقال في الأُخريين: ﴿مُدْهَامَتَانِ
وفي الأُخريين:
ثانياً - وقال في الأوليين: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (ج)
أي فوارتان ولكنهما ليستا كالجاريتين؛ لأن
﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّا خَتَانِ ()
النضخ دون الجري.
فعمّ ولم
ثالثاً - وقال في الأوليين: ﴿فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ (
يخص، وفي الأخريين: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَانٌ (َ﴾ ولم يقل: من كل
فاكهة.
قال بعض العلماء: ليس الرمان والنخل من الفاكهة؛ لأن الشيء لا
يعطف على نفسه، إنما يعطف على غيره، وهذا ظاهر الكلام. وقال الجمهور:
هما من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما وحسن موقعهما على
الفاكهة، كقوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَانتينَ
[البقرة: ٢٣٨/٢]، وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَنَبِّكَتِهِ،
وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨/٢].
وبناء على الرأي الأول قال أبو حنيفة: من حلف ألا يأكل فاكهة فأكل
رمّاناً أو رُطباً، لم يحنث، وخالفه صاحبه والجمهور.
رابعاً - وقال في الأوليين: ﴿فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ﴾ وفي الأُخريين: ﴿فِيهِنَّ
خَيْرَتُّ حِسَانٌ (﴿)﴾ يعني النساء، الواحدة خَيْرة، على معنى ذوات خير،
وقرئ (خيِّرات) والتي قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قُصرت، كما تقدم.
٥٨
ووصفت الأوليان بقوله: ﴿كَنَهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ
ويلاحظ أنه سبحانه قال في الموضعين عند ذكر الحور: ﴿فِهِنَّ﴾ وفي سائر
المواضع: ﴿فِهِمَا﴾ والسّر في ذلك الإشارة إلى أن لكل حورية مسكناً على
٢٥٢
الجُرُ (٢٧) - الرَّحمن: ٦٢/٥٥-٧٨
حدة، متباعداً عن مسكن الأخرى، متسعاً يليق بالحال، وهذا ألذ وأمتع
وأهنا للرجل الواحد عند تعدد النساء، فيحصل هناك متنزهات كثيرة، كل
منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة لذلك. أما العيون والفواكه فلا حاجة
فيها لهذا الاستقلال، فاكتفى فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.
وهل الحور أكثر حسناً وأبهر جمالاً من الآدميات؟ قيل: الحور؛ لما ذكر من
وصفهن في القرآن والسنة؛ ولقوله وَ لقر في دعائه على الميت في الجنازة: ((وأبدله
زوجاً خيراً من زوجه)» .
وقيل: الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف؛ لحديث
روي مرفوعاً (١).
والمشهور أن الحور العين لَسْنَ من نساء أهل الدنيا، وإنما هنّ مخلوقات في
الجنة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْهُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (®]﴾ وأكثر نساء
أهل الدنيا مطموثات.
خامساً- وقال في الأوليين: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى فُرُئِرٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفٍ﴾ وفي
(ب) ويلاحظ أن
الأخريين: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانِ
الوصف الأول أرفع وأفخم.
٣- كرر الله تعالى في هذه السورة قوله: ﴿فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منها ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه، وذكر المبدأ
والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد
هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة،
وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما، فمن اعتقد الثمانية
الأولى وعمل بموجبها، استحق كلتا الثمانيتين من الله، ووقاه السبعة
السابقة.
(١) تفسير القرطبي: ١٨٧/١٧ وما بعدها .
١
٢٥٣
الجُزُ (٢٧) - الَمنَّ: ٦٢/٥٥-٧٨
٤- نزّه الله تعالى نفسه عما لا يليق بجلاله، وختم السورة به، والاسم
(اسم الجلالة) مقحم على المشهور للتبرك والتعظيم كالوجه في قوله تعالى:
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَّكَ﴾، وهذا لتعليم العباد بأن كل ما ذكر من آلاء ونعم من
فضله ورحمته، وأن من عدله تعذيب العاصين، ولإثابة الطائعين، فإنه افتتح
فوصف خلق الإنسان والجن، وخلق
السورة باسم ﴿الرَّحْمَنُ
السماوات والأرض وصنعه، وأنه كل يوم هو في شأن، ووصف تدبيره
فيهم، ثم قال في آخر السورة: ﴿نَبَرَكَ اسْمُ رَيِّكَ ذِى الْحَلَلِ وَالْإِكْرَامِ (®))﴾ أي هذا
الاسم الذي افتتح به هذه السورة، كأنه يعلم عباده أن هذا كله خرج لكم من
رحمتي، فمن رحمتي خلقكم وخلقت لكم السماء والأرض والخلق والخليقة
والجنة والنار، فهذا كله من اسم الرحمن.
٢٥٤
الجُعُ (٢٧) السورة (٥٦) الواقِعَةِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْدَةُ الوَاقِعَةِ
مڪية، وهي ست وتسعون آية
تسميتها:
سميت سورة الواقعة؛ لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (﴾﴾ أي
إذا قامت القيامة التي لا بدّ من وقوعها وهي مكّية على الصحيح.
مناسبتها لما قبلها:
تتصل هذه السورة بسورة ﴿الرَّحْمَنُ ﴾﴾، وتتآخى معها من وجوه:
اً- في كل من السورتين وصف القيامة والجنة والنار.
◌َ - ذكر تعالى في سورة ﴿الرَّحْمَنُ ج) أحوال المجرمين وأحوال المتقين في
الآخرة وبيّن أوصاف عذاب الأولين في النار، وأوصاف نعيم الآخرين في
الجنان، وفي هذه السورة أيضاً ذكر أحوال يوم القيامة وأهوالها وانقسام
الناس إلى ثلاث طوائف: هم أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال،
والسابقون، فتلك السورة لإظهار الرحمة، وهذه السورة لإظهار الرحمة، على
عكس تلك السورة مع ما قبلها.
◌َّ- ذكر تعالى في سورة ﴿الرَّحْمَنُ ) انشقاق السماء (تصدعها) وذكر
٢٥٥
المُ (٢٧) السورة (٥٦) الوَاقِعَةِ﴾
هنا رجّ الأرض، فكأن السورتين لتلازمهما واتحادهما في الموضوع سورة
واحدة، ولكن مع عكس الترتيب، فذكر في أول هذه السورة ما ذكره في آخر
تلك، وفي آخر هذه ما في أول تلك.
فافتتح سورة ﴿الرَّحْمَنُ ﴾﴾ بذكر القرآن ثم الشمس والقمر، ثم النبات،
ثم خلق الإنسان والجان من نار، ثم صفة يوم القيامة، ثم صفة النار، ثم صفة
الجنة، وابتدئت هذه السورة بوصف القيامة وأهوالها، ثم صفة الجنة، ثم صفة
النار، ثم خلق الإنسان، ثم النبات، ثم الماء، ثم النار، ثم النجوم التي لم
يذكرها في ﴿الرَّحْمَنُ ج) كما لم يذكر هنا الشمس والقمر، ثم القرآن،
فكانت هذه السورة كالمقابلة لتلك.
ما اشتملت عليه السورة:
ابتدأت السورة بالحديث عن اضطراب الأرض وتفتت الجبال حين قيام
الساعة، ثم صنفت الناس عند الحساب أقساماً ثلاثة: أصحاب اليمين،
وأصحاب الشمال، والسابقين، وأخبرت عن مآل كل فريق وما أعده الله لهم
من الجزاء العادل يوم القيامة.
وأوضحت أن الأولين والآخرين من الخلائق مجتمعون في هذا اليوم.
ثم أقامت الأدلة على وجود الله الخالق ووحدانيته وكمال قدرته، وإثبات
البعث والنشور والحساب، من خلق الإنسان، وإخراج النبات، وإنزال الماء،
وخلق قوة الإحراق في النار.
ثم أقسم الله عزَّ وجلّ بمنازل النجوم على صدق تنزيل القرآن من ربّ
العالمين، وأنه كان في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، وندد بالتشكيك
في صحته وصدقه.
ولفت الله تعالى النظر إلى ما يلقاه الإنسان عند الاحتضار من شدائد
٢٥٦
الجُزُ (٢٧) السورة (٥٦) الوَاقِعَةِّ
وأهوال، وختمت السورة ببيان عاقبة الطوائف الثلاث وما يجدونه من جزاء،
وهم المقرَّبون الأبرار، السابقون إلى خيرات الجنان، وأهل اليمين السعداء،
والمكذِّبون الضالون أهل الشقاوة، وأن هذا الجزاء حق ثابت متيقن لا شك
فیه.
وكل ذلك يستدعي الإقرار بوجود الخالق وتنزيهه عما لا يليق به من الشرك
ونحوه، وتوبيخ المكذبين على إنكار وجود الله تعالى وتوحيده.
فضلها:
وردت أحاديث في فضل هذه السورة منها :
١ - أخرج الحافظ أبو يعلى وابن عساكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه أن رسول الله وَ الإله قال: ((من قرأ سورة الواقعة كل ليلة، لم تصبه فاقة
أبداً)) وفي رواية: ((في كل ليلة)).
أَ - أخرج ابن مردويه عن أنس عن رسول الله وَ الر قال: ((سورة الواقعة
سورة الغنى، فاقرؤوها، وعلِّموها أولادكم)) وأخرج الديلمي عنه مرفوعاً:
((علِّموا نساءكم سورة الواقعة، فإنها سورة الغنى)).
٣ - أخرج الإمام أحمد عن جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ◌َ﴾ يصلي
الصلوات الخمس كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف،
كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من
السور.
٤- أخرج الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، قد
شبت قال: ((شيَّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، و﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ
،
و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ
))) وقال: حسن غريب.
٢٥٧
الجُزُ (٢٧) - الوَاقِعَةِ: ٥٦ /١-١٢
٥-أخرج الثعلبي وابن عساكر في ترجمة عبد الله بن مسعود عن أبي ظبية
قال: مرض عبد الله مرضه الذي توفي فيه، فعاده عثمان بن عفان، فقال: ما
تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك
بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي
فيه، قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت
بناتي يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول الله ◌َ لا يقول: ((من قرأ
سورة الواقعة كل ليلة، لم تصبه فاقة أبداً)).
قيام القيامة وأصناف الناس
جَ إِذَا رُحَّتِ
خَافِضَةٌ رَافِعَةُ
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿َ لَيْسَ لِوَقْعِنِهَا كَاذِبَةٌ
وَكُمْ أَزْوَجًا
اُلْأَرْضُ رَجًّا ﴿ وَبُسَّتِ اُلْجِبَالُ بَسَّا ﴿ فَكَانَتْ هَبَآءُ مْبَثًاً
ثَلَاثَةٌ ﴿ فَأَصْحَبُ اُلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ
٨
وَأَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ مَا أَصْحَبُ
فِى جَنَتِ النَّعِيمِ
أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّنَ ®
وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ
اُلْنَشْئَمَةِ
CDF
الإعراب:
، ﴿إِذَا﴾: في موضع نصب إما بـ﴿ وَقَعَتِ
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
لأن ﴿إِذَا﴾ فيها معنى الشرط، فجاز أن يعمل فيها الفعل الذي بعدها، وإما
أن العامل فيه: ﴿إِذَا رُحَّتِ الْأَرْضُ رَبَّا ﴿3﴾ أي وقوع الواقعة وقت رج
الأرض، وإما العامل: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِبَةٌ ﴾﴾ أي ليس لوقعتها كذب،
و﴿ كَذِيَةُ﴾ بمعنى كذب، كالعاقبة والعافية، وإما العامل فعل مقدر، أي
اذكر.
خبر لمبتدأ محذوف، أي فهي خافضة رافعة، وهي
﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةُ (@)
جواب ﴿إِذَا﴾ وقرأ بالنصب على الحال من الواقعة، أي وقعت في حالة
الخفض والرفع.
٢٥٨
الُعُ (٢٧) - الوَاقِعَةِ: ٥٦ /١-١٢
﴿إِذَا رُبحَّتِ الْأَرْضُ رَجَّا (٣٦)﴾ بدل من قوله تعالى ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
﴿فَأَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ ﴿3﴾ قيل: هو جواب ﴿إِذَا﴾ وهو
مبتدأ. و﴿مَا أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة منهما خبر المبتدأ
الأول، والعائد فيها محذوف: أي: (ماهم) .
والاستفهام في
وكذلك قوله: ﴿ وَأَصْحَبُ الْمَشَتَمَةِ مَّا أَصْحَبُ المَشْئَمَةِ
هذين الموضعين معناه التعجب والتعظيم.
أُوْلَكَ اُلْمُقَرُّونَ ﴿)﴾ ﴿وَالسَِّقُونَ﴾ الأول:
﴿ وَالَِّقُونَ السَّبِقُونَ
مبتدأ، والثاني: صفة، و﴿أُوْلَكَ﴾ مبتدأ ثان، و﴿اَلْمُقَرَُّونَ﴾ خبره، والأحسن
أن يقال: ﴿وَالسَّبِقُونَ﴾ مبتدأ، والثاني: خبر، وجملة ﴿أُوْلَئِكَ الْمُقَرَبُونَ
استئناف بياني.
البلاغة:
جناس اشتقاق.
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
﴿ اَلْمَيْمَنَةِ﴾ و﴿الْمَشَْمَةِ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةُ
٣
وإسناد الخفض والرفع إلى القيامة مجاز عقلي؛ لأن الخافض الرافع على الحقيقة
هو الله وحده، ونسب إلى القيامة مجازاً، مثل (نهاره صائم) .
المفردات اللغوية:
إذا حدثت القيامة، سماها واقعة لتحقق
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (@)
وقوعها . (﴿لَيْسَ لِوَقْعَنِهَا﴾ لوقوعها. ﴿ كَاذِبَةُ﴾ كذب، أو نفس كاذبة، بأن تنفيها
حين تقع كما تكذب الآن في الدنيا. ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةُ (٣)) تخفض قوماً وترفع
آخرين، بدخولهم النار ودخولهم الجنة، وهو تقرير لعظمتها، فإن الوقائع
العظام تميز بين الناس.
٢٥٩
الُعُ (٢٧) - الوَاقِعَةِّ: ٥٦ /١-١٢
﴿رُقَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ زلزلت وحركت تحريكاً شديداً يؤدي إلى سقوط البناء
والجبال. ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا ﴿َ) فتتت وصارت كالسويق الملتوت،
يقال: بسّ فلان السويق، أي لته. ﴿هَبَآءُ﴾ غباراً. ﴿قُثْبَثّ﴾ متفرقاً منتشراً.
﴿ وَكُنُ﴾ في القيامة. ﴿أَزْوَجًا﴾ أصنافاً. وكل ما يذكر مع صنف آخر:
زوج، وكل قرينين ذكر وأنثى: زوج. ﴿فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أهل اليمين،
الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم. ﴿مَا أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾ تعظيم لشأنهم بدخولهم
الجنة، فهم أصحاب المنزلة السنية. ﴿وَأَصْحَبُ المَشْمَةِ﴾ أهل الشمال الذين
يؤتون كتبهم بشمائلهم. ﴿مَا أَصْحَبُ المَشَْمَةِ﴾ تحقير لشأنهم بدخول النار، فهم
أصحاب المنزلة الدنية.
﴿ وَالسَّبِقُونَ﴾ هم الذين سبقوا إلى الخير في الدنيا، وهم الأنبياء.
﴿السَّبِقُونَ﴾ تأكيد، لتعظيم شأنهم؛ لأنهم سبقوا إلى الإيمان والطاعة من غير
توانٍ. ﴿أُوْلَكَ اُلْمُقَرَبُونَ ﴾ فِ جَنَتِ الَّعِيِ (٣) الذين قرِّبت درجاتهم،
وأعليت مراتبهم في الجنة، فهم أهل الحظوة والكرامة عند ربهم.
التفسير والبيان:
أي إذا قامت القيامة،
لَيْسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِيَةٌ
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
ليس لوقوعها صارف ولا دافع، ولا بد أن تكون، ولا يكون عند وقوعها
تكذيب أصلاً، ولا توجد نفس كاذبة منكرة لها كما كان الحال في الدنيا.
والواقعة: اسم للقيامة كالآزفة والحاقة وغيرها، سميت بذلك لتحقق كونها
ووجودها، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَيَؤْمَيِدٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
﴾ [الحاقة: ٦٩/
١٥]. وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَنِهَا﴾ إشارة إلى أنها تقع دفعة واحدة.
(خَافِضَةٌ رَافِعَهُ ﴾﴾ تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرفوعين، فتجعلهم في
الجحيم، وهم الكفرة والفسقة، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا مغمورين،
فتجعلهم في الجنة، وهم أهل الإيمان؛ لأن شأن الوقائع العظيمة إحداث
تغيرات في موازين المجتمع، فترفع وتخفض.
٢٦٠
المُعُ (٢٧) - الوَاقِعَةِ: ٥٦ /١-١٢
﴿إِذَا رُبَّتِ الْأَرْضُ رَجَّا (٣)﴾ أي إذا زلزلت وحركت الأرض تحريكاً شديداً،
فتهتز وترتج وتضطرب، حتى ينهدم كل ما عليها من بناء وجبال. وهذا كقوله
تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا جَ﴾ [الزلزلة: ١/٩٩] وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ ﴾﴾ [الحج: ١/٢٢].
﴿ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴾﴾ أي فتتت الجبال فتاً، وصارت كما قال
تعالى: ﴿كَتِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤/٧٣].
﴿فَكَنَتْ هَبَآءَ مُتْبَثًّاً (3) أي صارت غباراً متفرقاً منتشراً، كالهباء الذي
يطير من النار، أو الذي ذَرَتْه الريح وبثته.
وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة،
وذهابها وتسييرها، وصيرورتها كالعهن المنفوش، بسبب نسفها من ربك.
﴿ وَكُمْ أَزْوَجَا ثَلَاثَةً (٣)﴾ أي وأصبحتم يوم القيامة منقسمين إلى ثلاثة
أصناف: أهل اليمين أصحاب الجنة، وأهل اليسار أهل النار، والسابقون
بين يدي الله عز وجل المقربون: وهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء.
ثم أوضح هذه الأصناف بقوله:
اَ - ﴿فَأَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ﴾﴾ أي وأصحاب اليمين
الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذون إلى الجنة، فما أحسن حالهم
وصفتهم وأكمل سعادتهم !! وقوله: ﴿مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾التفخيم شأنهم
وتعظيم أمرهم. والفاء: تدل على التفسير، وبيان مورد التقسيم. وابتدأ أهل
اليمين ثم بأهل الشمال للترغيب بالثواب والترهيب بالعقاب، بعد التخويف
من الواقعة.
٢َ - ﴿ وَأَصْحَبُ الْشْئَمَةِ مَا أَصْحَبُ المَشْتَمَةِ (ج)﴾ أي وأصحاب الشمال الذين
يتناولون كتبهم بشمائلهم، ويساقون إلى النار، فما أسوأ حالهم وأتعسهم !!
.