Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
لُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ٤٣-٥٥
) فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْنَدِرٍ
۵۵
٥٤
﴿ إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ (
أي إن المتقين، بعكس ما يكون الأشقياء فيه من النار والسحب على الوجوه
فيها، مع التوبيخ والتقريع والتهديد، هم في بساتين غنّاء مختلفة، وجنان
متنوعة، وأنهار متدفقة بمختلف أنواع الأشربة من ماء وعسل ولبن وخمر غير
مسكرة، وفي الجنة دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه، وفي مجلس حق لا
لغو فيه ولا تأثيم، وفي منزلة وكرامة عند ربهم القادر على ما يشاء، والذي لا
يعجزه شيء، فهو الملك العظيم، الخالق للأشياء كلها ومقدّرها، والمقتدر على
ما يشاء، مما يطلبون ويريدون.
أخرج أحمد ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو، يبلغ به النبي ◌َّر قال:
((المقسطون عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين،
الذين يَعْدِلون في حُكْمهم وأهليهم وما وُلّوا)) .
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - كل من ارتكب جرماً وعوقب بعقاب معين، فإن ذلك العقاب مستحق
لأمثال أولئك المجرمين، فليس كفار العرب أو قريش خيراً من كفار من تقدم
من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم، وليس لهم صك براءة أو وثيقة بالسلامة من
العقوبة في الكتب المنزلة على الأنبياء.
٢ - زعم كفار قريش أنهم منتصرون على المؤمنين بسبب كثرة عددهم
وقوتهم، وضعف المسلمين وقلتهم، غير أن موازين القوى البشرية تختلّ في
ميزان القدرة والحكمة والتوفيق الإلهي: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ فَلِيلَةٍ غَلَتْ
فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩/٢].
لذا قال تعالى هنا: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾﴾ أي سيهزم جمع كفار

٢٠٢
الجُزُ (٢٧) - القَرْج: ٥٤ / ٤٣-٥٥
مكة، وقد كان ذلك يوم بدر وغيره. وهذا من دلائل صدق النبوة، قال ابن
عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. فالآية على هذا مكية،
بل والسورة كلها مكية كما تقدم. أخرج البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي
الله عنها قالت: لقد أنزل على محمد وَل# بمكة، وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدَهَى وَأَمُّ ﴾﴾﴾. وقد تقدم حديث ابن عباس وقصة
أبي بكر يوم بدر.
٣ - إن تعذيب الكفار لا يقتصر على الدنيا بالقتل والأسر والهزيمة والذل
والهوان، وإنما لهم عذاب آخر في الآخرة أشد وأعظم، وأدهى وأمرّ، وأدوم
وأخلد ..
٤- إن الكفار والمشركين في حَيْدَة عن الحق واحتراق في نار جهنم،
ويُجَرُّون على وجوههم في النار بقصد الإذلال والإهانة.
٥- الله تعالى خالق كل شيء وخالق أفعال العباد كلها دون جبر ولا إكراه
[الصافات: ٩٦/٣٧] وقوله تعالى هنا:
عليها: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
﴾ فالله قادر، غير أنه لم يجبر أحداً على ما يفعله
٤٩٠
﴿ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ
بل تركه لاختياره وحريته.
ويعد المشركون قدرية لإثباتهم القدرة على الحوادث لغير الله من الكواكب،
وطائفة القدرية من المسلمين يوصفون بهذا الوصف لقولهم: لا قدرة لله على
تحريك العبد بحركة، كالصلاة والزنا، وإنما العبد يخلق أفعال نفسه.
قال القرطبي: والذي عليه أهل السنة: أن الله سبحانه قدّر الأشياء؛ أي
علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه
أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلوي
والسفلي إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق
ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما

٢٠٣
الُ (٢٧) - الْقَبْ: ٥٤ / ٤٣-٥٥
حصل لهم بتيسير الله تعالى بقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا
خالق غيره، كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القدرية وغيرهم من
أن الأعمال إلينا، والآجال بيد غيرنا. قال أبو ذرّ رضي الله عنه: قدم وفد
نجران على رسول الله وَل فقالوا: الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا؛ فنزلت
هذه الآيات إلى قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ (®]) فقالوا: يا محمد يكتب
علينا الذنب ويعذبنا؟ فقال: ((أنتم خصماء الله يوم القيامة))(١).
٦ - إن نفاذ أمر الله في خلقه سريع أسرع من لمح البصر، وما هي إلا كلمة
واحدة، وهو قوله للأمر: (كن) .
لاً- كرر الله تعالى تحذيره وتوبيخه للمشركين، ونبّههم إلى أنه أهلك
أشباههم في الكفر من الأمم الخالية، فهل من يتذكر؟!
٨- جميع ما فعلته الأمم قبل المشركين وجميع ما تفعله بعدهم من خير أو
شر كان مكتوباً عليهم في اللوح المحفوظ أو في كتب الحفظة، وكل ذنب صغير
أو كبير مكتوب على عامله قبل أن يفعله ليجازى به، ومكتوب إذا فعله،
ومكتوب على الكفار إهلاكهم العاجل في الدنيا، وعذابهم الآجل المعد لهم في
الآخرة على ما فعلوه، ومكتوب ما يفعله غيرهم.
٩- وصف الله المؤمنين بعد وصف الكفار للمقارنة والموازنة والترغيب
والترهيب، فالمؤمنون الأتقياء في جنان الخلد التي تجري أنهار الماء والخمر
والعسل واللبن من تحت قصورهم، وهم في كرامة ومنزلة عند ربهم المالك
القادر على ما يشاء، في مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم، وهو الجنة.
والعندية هنا كما تقدم: عندية القُرْب والزلفى والمكانة والرتبة والكرامة
والمنزلة.
(١) تفسير القرطبي : ١٤٨/١٧.

٢٠٤
الْخُ (٢٧) السورة (٥٥) الآمن
بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْرَةُ الرَّحْمنَّ
مدنية، وهي ثمان وسبعون آية
مكيتها:
سورة الرحمن: في رأي ابن مسعود ومقاتل: مدنية كلها، وقد كتب في
بعض المصاحف أنها مدنية، والأصح كما ذكر القرطبي وابن كثير والجمهور
أنها مكية كلها، وهو قول الحسن وعُروة بن الزبير وعِكْرمة وعطاء وجابر.
وقال ابن عباس: إلا آية منها هي قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾
الآية. وهي ثمان وسبعون (٧٨) آية. وعدها بعضهم (٧٦) آية.
ودليل الجمهور والرأي الأصح: ما روى عُروة بن الزبير قال: أول من
جهر بالقرآن بمكة بعد النبي ◌َّ- ابن مسعود؛ وذلك أن الصحابة قالوا: ما
سمعتْ قريشٌ هذا القرآن يُجْهَرُ به قطّ، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال ابن
مسعود: أنا؛ فقالوا: إنا نخشى عليك، وإنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه،
فأبى، ثم قام عند المقام، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الرَّحْمَنُ جَ عَلَّمَ
اُلْقُرْءَانَ ﴾﴾ ثم تمادى رافعاً بها صوته، وقريش في أنديتها، فتأملوا وقالوا:
ما يقول ابن امِّ عَبْد؟ قالوا: هو يقول الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه، ثم
ضربوه، حتى أثَّروا في وجهه. وصح أن النبي ◌َّر قام يصلّي الصبح بنخلة،
فقرأ سورة (الرحمن) ومرّ النفر من الجن، فآمنوا به.

٢٠٥
الُ (٢٧) السورة (٥٥) الَّمُّ
وفي الترمذي عن جابر قال: خرج رسول الله وَلّر على أصحابه، فقرأ
عليهم سورة (الرحمن) من أولها إلى آخرها، فسكتوا؛ فقال: ((لقد قرأتها على
الجنّ ليلة الجنّ، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله:
﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣) قالوا: لا بشيء من نعمك ربَّنا نكذب،
فلك الحمد))(١). وفي هذا دليل على أنها مكية.
تسميتها:
سميت سورة الرحمن؛ لافتتاحها باسم من أسماء الله الحسنى وهو (الرحمن)
وهو اسم مبالغة من الرحمة، وهو أشد مبالغة من (الرحيم) وهو المنعم بجلائل
النِّعم ولجميع الخلق، أما الرحيم: فهو المنعم بدقائق النعم، والخاص
بالمؤمنين.
قال الإمام الطبري: الرحمن: لجميع الخلق، والرحيم: بالمؤمنين.
وتسمى أيضاً في حديث أخرجه البيهقي عن علي كرم الله وجهه مرفوعاً
(عروس القرآن). فقال رسول الله وَ لير: ((لكل شيء عَروس، وعَروس القرآن:
سورة الرحمن)) .
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجوه:
اً- هذه السورة بأسرها شرح وتفصيل لآخر السورة التي قبلها، ففي
سورة القمر بيان إجمالي الأوصاف مرارة الساعة وأهوال النار وعذاب
المجرمين، وثواب المتقين ووصف الجنة وأهلها، وفي هذه السورة تفصيل على
الترتيب الوارد في الإجمال وعلى النحو المذكور من وصف القيامة والنار
والجنة.
(١) قال الترمذي : هذا حديث غريب.

٢٠٦
الجُ (٢٧) السورة (٥٥) الرَّحْمنَِّ
أَ - ذكر الله تعالى في السورة السابقة أنواع النقم التي حلت بالأمم السابقة
قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، وهنا ذكر أنواع الآلاء والنعم
الدينية والدنيوية في الأنفس والآفاق على الناس جميعاً. وافتتح السورة السابقة
بما يدل على العزة والجبروت والهيبة وهو انشقاق القمر، وافتتح هذه السورة
بما يدل على الرحمة والرحموت وهو إنزال القرآن.
٢- ختمت السورة السابقة ببيان صفتين لله عز وجل تدلان على الهيبة
والرهبة والعظمة وهما (المليك المقتدر) أي ملك عظيم الملك، قادر عظيم
القدرة، وابتدئت هذه السورة بصفة أخرى بجوار ذلك وهي صفة (الرحمن)
وبيان مظاهر رحمته وفضله ونعمه على الإنسان وفي الكون كله سمائه وأرضه،
فهو سبحانه عزيز شديد مقتدر بالنسبة إلى الكفار والفجار، رحمن منعم غافر
للأبرار.
ما اشتملت عليه السورة:
سورة الرحمن كسائر السور المكية المتميزة بقصر آياتها، وشدة تأثيرها
ووقعها، ومزيد رهبتها، والمتعلقة بأصول الاعتقاد وهي التوحيد وأدلة القدرة
الإلهية، والنبوة والوحي، والقيامة وما فيها من جنة ونار، وآلاء ونعم،
وشدائد وأهوال.
عدد الله تعالى في مطلع السورة آلاءه ونعمه العظمى، وأولها نعمة الدين
والوحي، وإنزال القرآن وتعليمه عباده به، فهو النعمة الكبرى، وسنام الكتب
السماوية ومصداقها. ثم أتبعه ببيان خلق الإنسان ليعلم أنه إنما خلقه للدين،
والإفادة من الوحي وكتاب الله، ثم ذكر ما تميز به عن سائر الحيوان من
البيان: وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير.
ثم أحصى الله تعالى أصول النعم الظاهرة الكبرى في الكون من الشمس
والقمر، والنجم (النبات) والشجر، والسماء القائمة على التوازن الدقيق،

٢٠٧
الُ (٢٧) السورة (٥٥) الَّمرِّ
والأرض ذات الفواكه والثمار والأشجار، والزروع والرياحين، مع الإشارة
إلى خلق عالم آخر غير مادي ولا ملموس وهو الجنّ.
وأضاف إلى ذلك آية على قدرته الباهرة بالفصل بين البحر المالح والعذب،
وإخراج اللؤلؤ والمرجان من الماء المالح، كإخراج الحب والعصف والريحان من
التراب، وتسيير السفن في أعالي البحار.
ثم يطوى عالم الكون البديع بالفناء الحتمي، ولا يبقى سوى الحي القيوم
ذي الجلال والإكرام، ويبدأ بعدئذٍ عالم القيامة وما فيه من أهوال جسام،
ومصير عصيب للمجرمين، وزجّ في نيران الجحيم.
ويقابل ذلك المشهد المؤلم مشهد النعيم في جنان الخلد لأهل الإيمان
واليمين، والخوف من مقام الله، وفي تلك الجنان أنواع الأغصان، والعيون
والأنهار، والفواكه، والفرش الحريرية الوثيرة والأرائك الخضر، والحور
والولدان، والخيرات الحسان.
وناسب كل ذلك ختم السورة بتمجيد الله عزّ وجلّ، والثناء عليه، على ما
VA
تفضل به وأنعم على عباده: ﴿نَبَرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْجَلَلِ وَالْإِكْرَامِ

٢٠,٨
الجُرُ (٢٧) - الَمنَّ: ١/٥٥-١٣
أعظم النعم الإلهية الدنيوية والأخروية
-١-
نعمة القرآن والأشياء الكونية والأرضية
عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
﴿الرَّحْمَنُ
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ
خَلَقَ الْإِنسَنَ
٤
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
٥
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ
وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا
وَأَقِيمُواْ أُلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا
٨
﴿ أَّا تَطْغَوْا فِىِ الْمِيزَانِ
وَوَضَعَ الْمِيزَانَ
فِيَهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتٌ
وَاُلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ
تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ
اُلْأَكْمَامِ
وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْجَانُ ﴿﴿ فَأَقِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٣
القراءات:
﴿اَلْقُرْءَانَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
﴿ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّتْحَانُ
0: قرئ:
١- (والحبَّ ذا العصفِ والريحانَ) وهي قراءة ابن عامر.
٢- (والحبُّ ذو العصفِ والريحانِ) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (والحبُّ ذو العصفِ والريحانُ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿الرَّحْمَنُ جَ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴾﴾ ﴿الرَّحْمَنُ ﴾﴾: مبتدأ، وجملة ﴿عَلَّمَ
اُلْقُرْءَانَ (٣)وما بعدها: أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف؛ لأنها

٢٠٩
الُ (٢٧) - الرَّمنّ: ١/٥٥-١٣
بقصد التعداد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزّك بعد ذلّ، كثّرك بعد
قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟
﴾ ﴿الشَمْسُ﴾: مبتدأ، ﴿ وَالْقَمَرُ﴾:
﴿الشَمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ
۵
عطف عليه، وخبره: إما قوله ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ وإما محذوف تقديره: يجريا
بحسبان.
﴿ وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا﴾ ﴿وَالسَّمَآءَ﴾ منصوبة بتقدير فعل، أي ورفع السماء،
وتقرأ بالرفع على الابتداء، كقولهم: زيد لقيته، وعمرو كلَّمته . ﴿أَلَّا تَطْغَّوْا فِى
اَلْمِيزَانِ ﴾﴾ أن: إما ناصبة مع تقدير حذف حرف الجر، أي لئلا تطغوا،
وإما مفسرة بمعنى (أي) فتكون (لا) الناهية، و﴿تَطْغَوْا﴾ على الأول منصوب
بأن، وعلى الثاني مجزوم بـ (لا) .
﴿وَالْحَبُّ﴾: بالرفع معطوف على
﴿ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ
المرفوع قبله، ويقرأ بالنصب بفعل مقدر، أي وخلق، ﴿ وَالرَّيْحَانُ﴾: بالرفع
معطوف، وبالنصب معطوف على ﴿وَاَلْحَبُّ﴾ إذا نصب، وبالجر بالعطف على
﴿ الْعَصْفِ﴾
البلاغة:
﴿الرَّحْمَنُ ﴿ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ أَ خَلَقَ الْإِنسَنَ
) سجع مرصع غير متكلف.
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ
٣
بينهما ما يسمى
﴿ وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا﴾ و﴿وَاَلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ
بالمقابلة.
المفردات اللغوية:
ج) هو الله تعالى المنعم بجلائل النعم الدنيوية والأخروية،
﴿الرَّحْمَنُ

٢١٠
الُ (٢٧) - الَّحْرَّ: ١/٥٥-١٣
قدم ذلك لأن أصل
وهو اسم من أسماء الله الحسنى . ﴿عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ
النعم الدينية وأجلها هو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين،
ومنشأ الشرع، وأعظم الوحي، وأجلُّ الكتب والمهيمن عليها والمصدِّق لها.
﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ (٣) الجنس الإنساني. ﴿الْبَيَانَ﴾ التعبير عما في النفس،
وإفهام الغير لما يدركه من تلقي الوحي، وتعرف الحق، وتعلم الشرع.
﴿بِحُسْبَانٍ﴾ يجريان بحساب دقيق منظم، مقدر في بروجهما ومنازلهما.
﴿ وَالنَّجْمُ﴾ النبات الذي ينجم أي يظهر من الأرض، ولا ساق له كالحنطة
والمقائي. ﴿ وَالشَّجَرُ﴾ الذي له ساق كالنخل وأشجار الفاكهة. ﴿يَسْجُدَانِ﴾
ينقادان أو يخضعان لله فيما يريد بهما طبعاً، كما ينقاد الساجد من المكلفين
اختياراً أو طوعاً. ﴿رَفَعَهَا﴾ خلقها مرفوعة المحل والرتبة. ﴿ وَوَضَعَ اُلْمِيْزَانَ﴾
أثبت العدل والنظام والتوازن في الأشياء الكونية كلها، قال وَله: ((بالعدل
﴾ أي لئلا تجوروا
قامت السماوات والأرض)). ﴿أَلَّا تَطْغَوْاْ فِى الْمِيزَانِ
فيما يوزن به، ولا تعتدوا ولا تجاوزوا الإنصاف.
﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ أي قوِّموا الوزن بالعدل. ﴿ وَلَا تُخْسِرُواْ
اُلْمِيزَانَ﴾ تنقصوا الموزون، والتكرار مبالغة في التوصية به، وزيادة الحث على
استعماله، وقرئ: (ولا تَخْشُروا ) بفتح التاء، وضم السين وكسرها وفتحها.
﴿ وَاُلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (®﴾ أي أثبتها وبسطها للخلق من الإنس والجن
وغيرهم.
﴿فِيَهَا فَكِهَةٌ﴾ أنواع ما يتفكه به . ﴿اُلْأَكْمَامِ﴾ أوعية الطلع والثمر، جمع
كِمّ: بالكسر .﴿وَالْحَبُّ﴾ كالحنطة والشعير والذرة وسائر ما يتغذى به .﴿ذُو
الْعَصْفِ﴾ ورق الزرع الجاف، وهو التبن. ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ الورق المشموم
الطيب الرائحة من النبات ﴿فَبِأَتِيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾﴾ أي فبأي نعم
ربِّكما أيها الإنس والجن تكذبان؟ والاستفهام للتقرير، ذكرت في السورة

٢١١
الجُرُ (٢٧) - الَمنَّ: ١/٥٥-١٣
إحدى وثلاثين مرة، فكلما ذكر تعالى نعمة وبخ على التكذيب بها، كما يقول
الرجل لغيره معاتباً ومذكراً ومؤنباً: ألم أحسن إليك بكذا بالمال، ألم أحسن
إليك بأن أنقذتك من كذا وكذا؟ ويكون التكرار لاختلاف ما يقرر به، وهذا
شيء كثير مألوف في كلام العرب، كقول مهلهل يرئي كليباً:
على أنْ ليس عِدْلاً(١) من كُلَيْب إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عِدْلاً من كليب إذا رجف العِضاه من الدَّبور(٢)
على أن ليس عِدْلاً من كليب إذا خرجت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما أعلنت نجوى الأمور
إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلاً من کلیب
على أن ليس عدلاً من كليب غداة تأثل الأمر الكبير
على أن ليس عدلاً من كليب إذا ما خار جاش المستجير (٣)
وأنشد قصائد أخرى على هذا النمط.
التفسير والبيان:
أي إن الله الواسع الرحمة لخلقه في
) عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
الرَّحْمَنُ
الدنيا والآخرة أنزل على عبده محمد وَله القرآن لتعليم أمته وجعله حجة على
الناس قاطبة، ويسَر حفظه وفهمه على من رحمه. وهذا جواب لأهل مكة
القائلين: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣/١٦].
ولما كانت هذه السورة لتعداد نعم الله التي أنعم بها على عباده، قدَّم بیان
أجل النعم قدراً، وأكثرها نفعاً، وهي نعمة تعليم القرآن عباده، فإنها مدار
سعادة الدارين. ثم امتن بنعمة خلق الإنسان أداة إعمار الكون، فقال:
(١) عدلاً : أي مثلاً ونظيراً .
(٢) العِضاه : كل شجر يعظم وله شوك، والدَّبور : الريح التي تُقَابِل الصَّبَا.
(٣) مخفف جأش وهو العزيمة، وقد تطلق على النفس مجازاً.

٢١٢
لُرُ (٢٧) - الَمنَّ: ١/٥٥-١٣
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿1﴾ أي أوجد جنس الإنسان،
خَلَقَ الْإِنسَنَ
وعلّمه النطق والتعبير عما في نفسه، ليتخاطب مع غيره، ويتفاهم مع أبناء
مجتمعه، فيتحقق التعاون والتآلف والأنس، وبذلك اكتملت عناصر التعليم:
الكتاب والمعلم وهما القرآن والنّبي، والمتعلم وهو الإنسان، وطريق التعلم
و کیفیته وهو البيان.
ثم ذكر الله تعالى أموراً عُلْوية هي مجال التعلم، فقال:
أي إن الشمس المشرقة المضيئة للنهار،
بحسبانِ
ـّمْسُ وَالقَمَرَ
والقمر نور الليل يجريان بحساب دقيق منظم مقدر معلوم في بروج ومنازل
معلومة، لا يعدوانها، ويدلان بذلك على اختلاف الفصول وعدد الشهور
والسنين، ومواسم الزراعة، وآجال المعاملات وأعمار الناس، ويحققان
الفوائد الكثيرة للإنسان والنبات والحيوان، ويتعاقبان بحساب مقنن لا يختلف
ولا يضطرب، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اُلَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ
(4)﴾ [الأنعام: ٩٦/٦].
وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيِمِ
ثم أورد الله تعالى بعض عوالم الأرض السفلى، فقال:
﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٤) أي إن النبات الذي لا ساق له،
والشّجر الذي له ساق ينقادان طبعاً لله تعالى فيما أراد، كما ينقاد الساجدون
من المكلفين اختياراً، فإن ظهورهما من الأرض في وقت معين ولأجل محدد،
وجعلهما غذاء للإنسان، ومتعة له شكلاً ولوناً ومقداراً وطعماً ورائحةً،
انقياد لقدرة الله تعالى.
ثم نبّه الله تعالى إلى ظاهرة التوازن بين الأشياء، وضرورة التعادل في
المبادلات، فقال:
﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿﴿ أَلَا تَطْغَوْ فِىِ اَلْمِيزَانِ (جَ﴾ أي

٢١٣
لُعُ (٢٧) - الرَّحْمنَّ: ١/٥٥-١٣
جعل السماء مرفوعة المحل والرتبة فوق الأرض، وأقام التوازن في العالمين
العلوي والسفلي الأرضي، وأثبت في الأرض العدل الذي أمر به، لئلا
تتجاوزوا العدل والإنصاف في آلة الوزن أثناء مبادلة الأشياء، كما قال تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَّيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِاَلْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥/٥٧] فهذا نهي عن الطغيان في الوزن.
وأكد على التزام العدل أو التعادل، فقال:
﴾ أي قوِّموا وزنكم
﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ
بالعدل، ولا تنقصوه ولا تبخسوه شيئاً، بل زنوا بالحق والقسط، كما قال
[الشعراء: ١٨٢/٢٦].
١٨٢
تعالى: ﴿وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيِمِ
وهذا التكرير لتأكيد الأمر بالعدل، ويلاحظ أنه سبحانه أمر أولاً
بالتسوية، ثم نهى عن الطغيان الذي هو مجاوزة الحدّ بالزيادة، ثم نهى عن
الخسران الذي هو النقص والبخس.
ثم ذكر نعمته في الأرض مقابل السماء، فقال:
﴿ وَاُلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾﴾ أي إنه تعالى كما رفع السماء، وضع
الأرض ومهدها وبسطها لينتفع بها، وأرساها بالجبال الراسخات الراسيات
ليستقر الأنام على وجهها، وهم الخلائق المختلفة الأنواع والألوان والأجناس
والألسنة في سائر الأقطار، ثم أبان تعالى طرق معايش الناس فيها، فقال:
﴿فِيهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْعَامِ ﴿ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ
(1) أي إن في الأرض كل ما يتفكه به من أنواع الثمار المختلفة الألوان
والطعوم والروائح وأشجار النخيل ذات أوعية الطلع الذي يتحول بعدئذ إلى
تمر، وجميع ما يقتات من الحبوب كالحنطة والشعير والذرة ونحوها، ذات
العصف وهو بقل الزرع: وهو أول ما ينبت منه، أو هو التبن، وكل مشموم

٢١٤
الُعُ (٢٧) - الَحمرّ: ١/٥٥-١٣
من النبات ذي الورق الذي تطيب رائحته. وتنكير كلمة الفاكهة وتعريف
النخل؛ لأن الفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص، أما ثمر
النخيل فهو قوت محتاج إليه في كل زمان متداول في كل حين وأوان وعند جميع
الأشخاص.
﴿فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
· أي فبأي النعم المتقدمة تكذبان یا
١٣
معشر الجن والإنس. فالخطاب مع الثقلين: الإنس والجن. وقد عرفنا أن هذه
الآية كررت في السورة إحدى وثلاثين مرة بعد كل خصلة من النعم، وجعلها
فاصلة بين كل نعمتين، لتأكيد التذكير بالنعم، ولتقريرهم بها، وللتنبيه على
أهميتها، والنعم محصورة في دفع المكروه وتحصيل المقصود. وقوله: ﴿رَبَّكُمَا﴾
لبيان أن مصدر هذه النعم من الله المربي الذي يتعهد عباده بالتربية والتنمية،
فيكون هو الجدير بالحمد والشكر على ما أنعم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على ما يأتي:
اً- عدد الله تعالى في سورة الرحمن نعمه العظمى الدينية والدنيوية
(٣) للتذكير
والأخروية، وذكر بعد كل نعمة: ﴿فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
بالنعمة والتنبيه عليها، مع إشاعة جو الرهبة والتخويف، والتوبيخ لمن
أنکرها.
روي أن قيس بن عاصم المِنِقري قال للنّبي ◌َِّ: اتْلُ علي مما أنزل عليك،
فقرأ عليه سورة﴿ الرَّحْمَنُ ﴿) فقال: أعِدْها، فأعادها ثلاثاً؛ فقال: والله
إن له لَطلاوة، وإن عليه لَلاوة، وأسفله لْمُغْدِق، وأعلاه مثمر، وما يقول
هذا بشر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
أَ - النعمة الأولى وهي أعظم النعم وأجلها: نعمة إنزال القرآن الذي بدَّل
حياة البشرية، وسيظل صوت الحق الأبلج إلى يوم القيامة.

٢١٥
الجُرُ (٢٧) - الَمنَّ: ١/٥٥-١٣
٢- النعمة الثانية والثالثة: خلق جنس الإنسان لإعمار الكون، وتعليمه
البيان أي الكلام والنطق والفهم، وهو مما فُضِّل به الإنسان على سائر
الحيوان.
٤ - النعمة الرابعة والخامسة: خلق الشمس والقمر اللذين يجريان بحساب
معلوم دقيق في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها، وبهما تحسب الأوقات
والآجال والأعمار.
٥- النعمة السادسة: خلق النبات الشامل للنجم، وهو ما لا ساق له،
والشجر الذي له ساق، وجعل ذلك منقاداً لإرادة الله تعالى، وتوجيهه لنفع .
الإنسان.
أَ- النعمة السابعة والثامنة: جعل السماء مرفوعة المحل والرتبة عن
الأرض، ووضع العدل الذي أمر الله به في الأرض، وأقام التوازن في عالم
السماء والأرض.
اً- النعمة التاسعة: خلق آلة الميزان لإقامة العدل في المعاملات، ومنع
المنازعات وكفالة استقرار الناس وإبقاء ظاهرة الودّ والصفاء والوئام بينهم.
لذا نهى الله تعالى عن الطغيان في الوزن وهو تجاوز الحد أو الزيادة بعد
الأمر بالتسوية والتعادل، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس في
اُلَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ
الوزن والكيل، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
وَإِذَا كَالُوُهُمْ أَو ◌َّزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ (جَا﴾
يَسْتَوْفُونَ ﴿
[المطففين: ١/٨٣-٣]، وقال
ـى
سبحانه: ﴿وَلَا تَنْقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤/١١].
قال قتادة في هذه الآية: اعدل يا ابن آدم، كما تحبُّ أن يُعْدَلَ لك، وأوفٍ
كما تحبُّ أن يُوفّى لك، فإن العدل صلاح الناس.
٨- النعمة العاشرة: خلق الأرض ممهدة مبسوطة للناس.

٢١٦
الُ (٢٧) - الَحمن: ١٤/٥٥-٢٥
٩- النعمة الحادية عشرة: اشتمال الأرض على متعة الحياة وأقوات
الإنسان والحيوان، وهو كل ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار، وإنبات
النخيل مصدر التمور، وإخراج الحبّ كالحنطة والشعير ونحوهما، والعصف:
وهو التبن، أو ورق الشجر والزروع، والرياحين.
٠ ١ - بعد إيراد هذه النعم، خاطب الله تعالى- كما تقدم- الجنّ والإنسان
لتقرير النعمة وتأكيد التذكير بها.
بقوله: ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
وقد تقدم حديث الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله عليه
سورة ﴿الرَّحْمَنُ ﴾﴾ حتى ختمها ثم قال: ((مالي أراكم سكوتاً؟! لَلْجِنُّ كانوا
أحسن منكم رَدّاً، ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من
نِعِمك ربَّنا نكذِّب، فلك الحمد)).
-٢-
توضيح أحوال بعض النعم
وَخَلَقَ الْجَانَ مِن مَّارِجِ
١٤
خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارِ
رَبُّ الْشَرِقَينِ وَرَبُّ الْغَرِبَيْنِ
١٦
مِّن نَّارٍ ﴿ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
فَأَمِّ
١٧
بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَتَغِيَانِ
١٩
مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ يَلْنَقِيَانِ
١٨
ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
فَبِأَقِّ
٢٠
ءَلَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْحَانُ ﴿ فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَنِ
٢٣
وَلَهُ الْجَوَارِ الْنُشَآتُ فِىِ الْبَحْرِ كَلْأَعْلَمِ ﴿ فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٢٥
القراءات:
﴿يخرُجُ﴾ :
وقرأ نافع، وأبو عمرو (يُخْرَج).
[المُشَآتُ﴾:

٢١٧
اِلُعُ (٢٧) - الرَّحمن: ١٤/٥٥-٢٥
وقرأ حمزة (المنشآت).
الإعراب:
﴿رَبُّ الْشَرِقَينِ﴾ مرفوع إما بدل من ضمير ﴿خَلَقَ﴾ أو على أنه خبر مبتدأ
محذوف تقديره: هو ربّ المشرقين.
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٣)﴾ أي يخرج من أحدهما؛ لأن اللؤلؤ
والمرجان لا يخرج من العذب، وإنما يخرج من الملح، فحذف المضاف وهو
(أحد ) وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ
عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١/٤٣] أي من إحدى القريتين، فحذف المضاف.
٢٤
﴾ الكاف في موضع نصب على
﴿ وَلَهُ الْجَارِ الْمُشَآَتُ فِ الْبَعْرِ كَلْأَعْلَمِ
الحال من ضمير في ﴿الْمُشَآتُ﴾
البلاغة:
(١)، ﴿وَخَلَقَ الْجَانَ مِن
﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلِ كَلْفَخَّارِ
مَّارِجِ مِّن نَّارٍ (﴿) بينهما مقابلة. ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ اٌلْنُشَاتُ فِ اٌلْبَحْرِ كَالْأَيِمِ
(٢٤)
تشبيه مرسل مجمل، أي كالجبال في العظم والضخامة والثبات فوق
الشيء.
المفردات اللغوية:
خَلَقَ الْإِنسَنَ﴾ أصل الإنسان وهو آدم ﴿صَلْصَلٍ﴾ طين يابس له
صلصلة أي صوت، إذا نُقِرِ﴿ كَالْفَخَارِ﴾ وهو الخزف: وهو ما طبخ من طين
أو الطين المطبوخ حتى يتحجر . ﴿وَخَلَقَ الْجَانَ﴾ أصل الجن وهو إبليس
﴿مَارِجَ﴾ لهب خالص لا دخان فيه ﴿مِّن ثَّارٍ﴾ بيان لمارج: فإنه في الأصل
الشيء المضطرب.

٢١٨
الُ (٢٧) - الَّحْنُّ: ١٤/٥٥-٢٥
أي مشرقي الشتاء والصيف، ومغربهما.
﴿رَبُّ الْشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِبَينِ (َ)
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسلهما وأجراهما، يقال: مرجتُ الدابة في المرعى، أي
أرسلتها فيه، والبحران: العذب والملح. ﴿يَلَفِيَانِ﴾ يتجاوران في المصب دون
فصل مرئي بينهما. (﴿بَرْزَعُ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى. ﴿لَا يَغِيَانِ﴾ لا يبغي
أحدهما على الآخر، فيختلط به أو يمتزج.
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ أي يخرج من أحدهما وهو الملح ﴿اٌلَوْلُؤُ﴾ صغار الدّر
المخلوق في الأصداف.﴿وَالْمَرْجَاثُ﴾ كبار الدّر أو الخرز الأحمر. ﴿الْجَوَارِ﴾
السفن، جمع جارية. ﴿اَلْنَشَآتُ﴾ المصنوعات المحدثات، أو الرافعات
أشرعتها .﴿كَالْأَعْلَمِ﴾ كالجبال عظماً وارتفاعاً، جمع عَلَم: وهو الجبل العالي
الطويل.
المناسبة:
بعد تعداد أصول النعم على بني الإنسان وخلق العالم الكبير من السماء
والأرض، أراد الله تعالى إيضاح أحوال بعضها، وهي أصل خلق الإنسان
والجانّ وهو العالم الصغير، وبيان مشرق الشمس ومغربها وسلطانه عليهما،
وعلى البحار وما فيها من لآلئ ومرجان، وما يسير على سطحها من مراكب
عظيمة كالجبال، مما يدلّ على وحدانية الله وقدرته.
التفسير والبيان:
أى خلق الله تعالى أصل
﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَلْفَخَّارِ
الإنسان من طين يابس يسمع له صلصلة، أي صوت إذا نُقِر، يشبه الفخار،
أي الخزف: وهو الطين المطبوخ بالنار، للدلالة على صلابة الإنسان وتماسك
أجزائه.
وقد تنوعت عبارات القرآن في بيان هذا، باعتبار مراتب الخلق: ﴿مِن

٢١٩
الجُرُ (٢٧) - الَمنَّ: ١٤/٥٥-٢٥
تُرَابٍ﴾، ﴿مِنْ حَمٍَ تَسْئُونٍ﴾ أي طين متغير، أو ﴿مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ أي لاصق
باليد، ﴿مِن صَلّصَلٍ﴾، فهذا إشارة إلى أن آدم عليه السلام خلق أولاً من
التراب، ثم صار طيناً، ثم حمٍ مسنوناً، ثم لازباً، ثم كالفخار، فكأنه خلق من
هذا ومن ذاك، ومن ذلك.
﴿وَخَلَقَ الْجَانَ مِن مَارِجٍ مِّن نَّارِ ﴾﴾ أي وأوجد الجنّ من طرف
النار، وهو المارج، أي الشعلة الصاعدة ذات اللهب الشديد، التي لا لهب
فيها، المختلط الألوان المضطرب، كالأصفر، والأحمر، والأخضر وغيرها.
أخرج الإمام أحمد ومسلم عن عائشة قالت، قال رسول الله وَله: ((خلقت
الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف
لكم)).
أي فبأي نعم الله يا معشر الثقلين:
﴿فَأَتِّ ءَالَاءٍ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
الإنس والجن تكذبان أو تنكران مما هو واقع ملموس؟!
﴿رَبُّ الْشَرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِبَيْنِ (٣)﴾ أي ربّ مشرقي الشمس في الصيف
والشتاء، وربّ مغربي الشمس في الصيف والشتاء، وبهما تتكون الفصول
الأربعة، وتختلف أحوال المناخ من برد وحرّ واعتدال، وغير ذلك من المنافع
العظيمة للإنسان.
أي فبأي نعم الله هذه تكذبان أو
﴿فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
تنكران؟ وأما قوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَرِقِ وَالْغَرِبِ﴾ [المعارج: ٤٠/٧٠]
فذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس.
وقوله سبحانه في آية أخرى: ﴿رَبُّ الْنَشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا
[المزمل: ٩/٧٣]، فالمراد منه جنس المشارق والمغارب.
ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن
﴾ ؟ فالشمس تشرق صيفاً من
١٦٠)
والإنس قال: ﴿فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

٢٢٠
الجُرعُ (٢٧) - الَحمن: ١٤/٥٥-٢٥
مدار السرطان في نصف الكرة الشمالي، ومن مدار الجدي في الجنوب صيفاً،
حيث يكون الشتاء في الشمال، فلو ثبتت الشمس في شروق وغروب واحد
لتعطلت المواسم والزراعة في الصيف والشتاء.
وبعد بيان نعم الله في البر، ذكر نعمه في البحر، فقال:
أي أرسل البحرين
بَيْنَهُمَا بَرْزَجٌ لَّا يَغِيَانِ
١٩
﴿مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ يَلْنَفِيَانِ
ملحاً وعذباً متلاقيين، لا فصل بينهما في مرأى العين، ومع ذلك فبينهما
حاجز يحجز بينهما، لا يبغي أحدهما على الآخر، بالامتزاج والاختلاط،
وإنما يظلان منفصلين، كما قال تعالى: ﴿﴿ وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا
[الفرقان:
عَذّبُ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَغَا وَحِجْرًا فَحْجُورًا (َ﴾﴾
٥٣/٢٥] .
(1) أي فبأي هذه النعمة أو المنفعة تكذبان
﴿فَبِأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
أيها الإنسان والجن؟ فالعذب للشرب وسقي النبات والحيوان، والملح لتطهير
تجمع الماء من الجراثيم، وإصلاح طبقة الهواء، وإخراج اللؤلؤ والمرجان، كما
قال تعالى:
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَاثُ ﴾ أي يخرج من أحدهما - على حذف
مضاف - وهو الملح ﴿اللَّؤْلُؤُ﴾: وهو الدّر الذي يتكون في الصدف،
﴿ وَالْمَرْجَانُ﴾: الخرز الأحمر المعروف.
﴿فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣) فبأي نعم الله الظاهرة لكم تكذبان يا
معشر الجن والإنس؟ فإن في ذلك من الآيات ما لا يستطيع أحد تكذيبه، ولا
يقدر على إنكاره.
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُشَآتُ فِ اَلْبَحْرِ كَلْأَعْلَمِ ﴿٢﴾ أي والله الذي خلق وألهم
صنع السفن الجارية في البحر التي رفع بعض خشبها على بعض ورُكِّب،