Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الُ (٢٧) - النَخَيْ: ٥٣ /٣٣-٥٤
◌َّ- ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ®﴾ أي إن عمله محفوظ يجده في ميزانه لا
يضيع منه شيء، وسيعرض عليه وعلى أهل المحشر يوم القيامة إشادةً به ولوماً
للمقصرين، كما قال تعالى: ﴿ وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [التوبة: ٩/
١٠٥] أي فيخبركم به ويجزيكم عليه أتم الجزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
٤ - ﴿ُمَّ يُجْزَنَهُ الْجَزَآءَ الْأَوْنَى ﴾﴾ أي يجزى الإنسان سعيه، ويجازى عليه
جزاء كاملاً غير منقوص، فيجازى بالسيئة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها إلى
سبع مئة ضعف.
)﴾(١) أي إن المرجع والمصير يوم القيامة إلى
٥- ﴿ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ اٌلْمُنَهَى
الله سبحانه، لا إلى غيره، فيجازي الخلائق بأعمالهم على الصغير والكبير،
وهذا ترهيب وتهديد للمسيء، وترغيب وحث للمحسن، يستدعي التأمل في
عودة العباد إلى الله يوم المعاد، وتعرضهم للجزاء على أعمالهم، كما جاء في
آيات أخرى مثل: ﴿فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
(٨) [يس: ٨٣/٣٦]. وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون الأودي قال:
قام فينا معاذ بن جبل فقال: يابني أود، إني رسول رسول الله ێے إلیکم،
تعلمون أن المعاد إلى الله، إلى الجنة أو إلى النار.
٤) أي أضحك من شاء في الدنيا بأن
٩ - ﴿وَأَنَُّ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَ
سرَّه، وأبكى من شاء بأن غمَّه، وخلق في عباده الضحك والبكاء والفرح
والحزن وسببهما، وهما مختلفان، والمراد أن الله خلق ما يسر من الأعمال
الصالحة، وما يسوء ويحزن من الأعمال السيئة. وهذا دليل القدرة الإلهية.
وإنما خص بالذكر هذان الوصفان؛ لأنهما أمران لا يعللان، فلا يقدر أحد
تعليل خاصية الضحك والبكاء في الإنسان دون الحيوان.
(١) (أنَّ) هذه: تحتمل الفتح والكسر.

١٤٢
الجُ (٢٧) - النَخَيْ: ٥٣ /٣٣-٥٤
٧ - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (®﴾ أي وأنه تعالى خلق الموت والحياة، كما
في قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَوَةَ لِيَبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٦٧/
٢] فهو سبحانه قادر على الإماتة وعلى الحياة والإعادة.
٨ - ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ﴿ مِن تُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (®﴾ أي والله
هو الذي خلق الصنفين: الذكر والأنثى من كل إنسان أو حيوان، من مني أو
ماء قليل يصب في الرحم، ويتدفق فيه، ثم ينفخ الله الروح في النطفة، فتصير
بنية إنسانية، أو حيوانية، وهذا من جملة المتضادات التي ترد على النطفة،
فبعضها يخلق ذكراً، وبعضها يخلق أنثى.
ـَّ- ﴿ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤)﴾ أي إعادة الأرواح إلى الأجساد عند .
البعث، فكما خلق الله الإنسان من البداءة، هو قادر على الإعادة، وهي
النشأة الآخرة يوم القيامة. فهذا إشارة إلى الحشر.
٠ ١َ - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (®)﴾ أي وأنه وحده الذي أغنى من يشاء من
عباده، وأفقر من يشاء منهم، حسبما يرى من الحكمة والمصلحة للخلائق،
فالإغناء والإفقار أو الإعطاء من المال والمنع منه، كلاهما بيد الله تعالى وفي
سلطانه وتصرفه.
١١ - ﴿وَنَّمُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىَ ﴾﴾ أي وأنه تعالى رب هذا النجم الوقاد
المضيء الذي يطلع خلف الجوزاء في شدة الحر، ويقال له: مرزم الجوزاء أو
العَبُور، كانت خُزاعة وخْيَر تعبده. وفي النجوم شِعْريان: إحداهما يمانية
والأخرى شامية، والظاهر - كما قال الرازي- أن المراد اليمانية؛ لأنهم
كانوا يعبدونها؛ لذا خصت بالذكر. وأول من سن عبادتها أبو كَبْشة من
أشراف العرب، وكانت قريش تطلق على الرسول و 18 (ابن أبي كبشة) تشبيهاً له
به، لمخالفته دينهم، كما خالفهم أبو كبشة، وكان من أجداد النبي ◌َّ من جهة
أمه. قال أبو سفيان يوم فتح مكة حين شاهد عساكر المسلمين تمرّ عليه: لقد
أَمِرِ أَمْر ابنِ أبي كَبْشة، وقال مشركو قريش: ما لقينا من ابن أبي كبشة !!

١٤٣
الجُرُ (٢٧) - النَّخَير: ٥٣ /٣٣-٥٤
١٢- ﴿ وَأَنَّهُرْ أَهْلَكَ عَادًا اُلْأُولَى (®)﴾ أي وأنه تعالى أفنى قوم هود عليه
السلام، وهم عاد القدماء، وهي أول أمة أهلكت بعد نوح، ويقال لهم: عاد
بن إرم بن سام بن نوح، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿ إِرَمَ
﴾ [الفجر: ٦/٨٩-٨] وكانوا من
٨
ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿ الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَدِ
أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على الله ورسوله، فأهلكهم الله ﴿بِرِيج صَرْصٍَ
عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦/٦٩-٧]. قال
المبرد: وعاد الأخرى: هي ثمود قوم صالح.
﴾ أي وأهلك ثموداً كما أهلك عاداً، ودمرهم
١٣ - ﴿ وَثَمُودَا فَمَآ أَبْقَى
وأخذهم بذنوبهم فما أبقى أحداً من الفريقين، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم
مِّنُ بَاقِيَةٍ (جَ﴾ [الحاقة: ٨/٦٩].
﴾ أي وأهلكنا قوم
٥٢
١٤ - ﴿ وَقَّوْمَ نُوعٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى الْ
نوح من قبل هؤلاء الفريقين: عاد وثمود، إنهم كانوا أظلم من عاد وثمود،
وأطغى منهم، وأشد تمرداً وتجاوزاً للحد من الذين أتوا من بعدهم؛ لأنهم
بدؤوا بالظلم، والبادئ أظلم: ((ومن سنُ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من
عمل بها))(١) وأما كونهم أطغى فلأنهم سمعوا المواعظ أمداً طويلاً، وعتوا على
الله بالمعاصي، مع طول مدة دعوة نوح لهم، أصروا على الكفر واستكبروا
استكباراً، مما ألجاه إلى الدعاء عليهم بقوله: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ
اُلْكَفِرِبِنَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦/٧١].
فَغَشَّنْهَا مَا غَشَى (®)﴾ أي وأسقط وقلب
١٥٣
١٥ - ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى
مدائن قوم لوط، بجعل عاليها سافلها، أهواها جبريل بعد أن رفعها، ثم أمطر
الله عليهم حجارة من سجيل منضود، فغطّاها ما غطاها من الحجارة
(١) حديث صحيح رواه مسلم عن ابن عمر وجرير بن عبد الله.

١٤٤
الُ (٢٧) - البَيْ: ٥٣ /٣٣-٥٤
والعذاب على اختلاف أنواعه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّطَرْنَا عَلَيْهِمِ مَّطَرًّا فَسَآءَ مَطَرُ
﴾ [الشعراء: ١٧٣/٢٦]. وسميت المؤتفكة؛ لأنها ائتفكت أي
اٌلْمُنذَرِينَ
انقلبت بهم، وصار عاليها سافلها.
وهذا الأسلوب من الإبهام فيه تهويل وتفخيم للأمر الذي غشاها، وتعميم
للذي أصابهم. قال قتادة: كان في مدائن لوط أربعة ألاف ألف إنسان (أي
١٦٠٠٠ ألفاً) فانضرم عليهم الوادي شيئاً من نار ونفط وقطران كفم الأتون.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - خصص الله سبحانه واحداً من المشركين عينه بسوء فعله للعبرة والعظة
واستهجان ما فعل من معاوضة غيره في الدنيا بمال قليل، أعطى اليسير منه،
ثم منع الباقي، على أن يتحمل عنه آثامه يوم القيامة.
٣- إن نقطة الضعف الأساسية عند هذا، عدا سذاجة عقله الجاهلي
البدائي، هو جهله بالغيب، لذا أنكر الله تعالى عليه مبيّناً: أعنده علم ما غاب
عنه من أمر العذاب؟!
٢ - ذكّره الله تعالى بما جاء في صحف إبراهيم وموسى من مبادئ عشرة
هي :
الأول- المسؤولية الفردية أو ألا يسأل أحد عن ذنب غيره، وهو مبدأ :
﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾.
الثاني- كل إنسان وعمله، وكل امرئ وعطاؤه، ولا ثواب إلا بالعمل
والنية الصالحة.
الثالث- العمل ذو أثر دائم، محفوظ في ميزان العامل، لا يضيع منه
شيء، خيراً كان أو شراً.

١٤٥
الُرُ (٢٧) - التنمر: ٥٣ /٣٣-٥٤
الرابع- يجازى كل إنسان على عمله وسعيه جزاء أوفر، السيئة بمثلها،
والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف.
الخامس- إن مصير أو مرةّ جميع الخلائق إلى الله عز وجل، فيعاقب
المسيء، ويثيب المحسن.
السادس- خلق الله تعالى الضحك والبكاء، والسرور والحزن، وإن الله
تعالى خصّ الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان، وليس
في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان.
السابع - إن الله تعالى خلق الموت والحياة وأسبابهما.
الثامن- خلق الله سبحانه الصنفين المتضادين: الذكر والأنثى من شيء
واحد هو النطفة: وهي الماء القليل.
التاسع - الله تعالى هو القادر على إعادة الأرواح إلى الأجساد للبعث،
وهذا هو الحشر.
العاشر - أوجد الله تعالى التفاوت في الأرزاق بين الناس، فأغنى من شاء
وأفقر من شاء.
والمبادئ الخمسة الأخيرة دالة على قدرة الله عز وجل، وقد أكَّدها تعالى
بإيراد أمثلة أو نماذج خمسة أخرى دالة على القدرة وهي:
الأول- الله سبحانه هو رب الشِّعرى: وهو الكوكب المضيء الذي يطلع
بعد الجوزاء في شدة الحر، وهما الشعريان: العَبُور التي في الجوزاء،
والشِّعرى الغُمَيصَاء التي في الذراع، وتزعم العرب أنهما أختا سُهَيل.
وإنما ذكر أنه رب الشعرى، وإن كان رباً لغيره من سائر النجوم؛ لأن
العرب كانت تعبده وهم ◌ِيَر وخُزاعة.

١٤٦
الجُرُ (٢٧) - الز مر: ٥٣ /٥٥-٦٢
الثاني- أهلك الله تعالى قوم عاد العتاة الأشداء الجبارين بريح صرصر
عاتية.
الثالث- أهلك الله عزّ وجل أيضاً ثمود قوم صالح بالصيحة لتمردهم
وبغیھم.
الرابع- أهلك الله سبحانه قوم نوح من قبل عاد وثمود، الذين كانوا أظلم
وأطغی؛ لطول مدة نوح فيهم، حتى كان الرجل فیھم یأخذ بيد ابنه،
فينطلق إلى نوح عليه السلام، فيقول: احذر هذا، فإنه كذّاب، وإن
أبي قد مشى بي إلى هذا، وقال لي مثل ما قلت لك، فيموت الكبير على
الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه.
الخامس- دمَّر الله مدائن قوم لوط عليه السلام، انتفكت بهم، أي
انقلبت وصار عاليها سافلها، وألبسها ما ألبسها من الحجارة، قال
الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ
[الحجر: ٧٤/١٥] .
٧٤)
الاتعاظ بالقرآن وبرسالة الرسول
والتحذير من أهوال القيامة
أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ
هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَّ
۵۵
﴿فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ نَتَمَارَّ
أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةُ (َ
٥٧
وَتَضْحَكُونَ وَلَا
٥٩
٦٣
فَاسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُ واْ﴾
٦١
وَأَنْتُمْ سَِدُونَ
نَبِّكُونَ
الإعراب:
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَشِفَةُ ﴿﴾ ﴿كَاشِفَةُ﴾: إما أن الهاء فيه للمبالغة،
كعلامة ونسَّابة. أو تكون كاشفة بمعنى كشف، كخائنة بمعنى خيانة.

١٤٧
الُرُ (٢٧) - النخَيْش: ٥٣ /٥٥-٦٢
قرئ بإدغام الثاء في التاء لقربهما في
﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
المخرج، وأنهما مهموسان من حروف طرف اللسان، وأدغمت الثاء في التاء؛
لأنها أزيد صوتاً، والأنقص صوتاً يدغم فيما هو أزيد صوتاً.
البلاغة:
﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا نَبَكُونَ (®))) بينهما طباق.
﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ (9﴾﴾ جناس الاشتقاق.
وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ
٦٠
وَنَضْحَكُونَ وَلَا نَبْكُنَ
﴿أَفَيَنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (9ِجَ)
مراعاة الفواصل أو ما يسمى بالسجع.
﴿فَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواٌْ (﴾﴾ عطف العام على الخاص.
المفردات اللغوية:
﴿ءَالَآءِ﴾ نِعَم، جمع إلَى (بالفتح والكسر) وإِيٌ. ﴿نَتَمَارَى﴾ تتشكك وتمتري
ومعنى الآية: بأي أنعم الله الدالة على وحدانيته وقدرته تتشكك أيها الإنسان؟
والخطاب للإنسان، فالخطاب عام، وهو ابتداء كلام، كأنه يقول: بأي النعم
أيها السامع تشكّ أو تجادل؟
﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىّ (®)﴾ أي هذا القرآن إنذار من جنس
الإنذارات المتقدمة، أو هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الأولين، أي إنه
رسول كالرسل قبله، أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم.
قربت القيامة أو دنت الساعة، كقوله تعالى:
٥٧
﴿ أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ
﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١/٥٤]. ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةُ (®َ﴾ أي
ليس لها نفس من غير الله قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله، أي لا يكشفها
ويظهرها إلا هو، كقوله تعالى: ﴿لَا يُحِّهَا لِوَقِّهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧/٧] إذ

١٤٨
الجُرُ (٢٧) - النخَيْ: ٥٥/٥٣-٦٢
لا يطلع عليها سواه، فقوله: ﴿كَاشِفَةٌ﴾ أي نفس تكشف وقت وقوعها
وتبيِّنه؛ لأنها من المغيبات. والتاء للتأنيث، لتأنيث الموصوف المحذوف، أي
نفس قادرة على كشفها إذا وقعت، ولكنه سبحانه لا يكشفها.
﴿أَفِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن. ﴿تَعْجَبُونَ﴾ إنكاراً وتكذيباً. ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾
استهزاء . ﴿ وَلَا نَبْكُونَ﴾ حزناً على ما فرطتم، وعند سماع وعد الله ووعيده.
﴿ فَاسْجُدُواْ
لاهون وغافلون ومعرضون عما يطلب منكم
﴿وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ
لِلَّهِ﴾ الذي خلقكم، أي إذا اعترفتم الله بالعبودية، فاخضعوا له. ﴿وَأَعْبُدُواْ﴾
اعبدوه دون الآلهة المزعومة كالأصنام، وأقيموا وظائف العبادة.
المناسبة:
لمّا عدَّ الله تعالى نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه، ثم ذكر أمثلة على
قدرته بإهلاك من كفر بتلك النعم، وأن الإحياء والإماتة بيد الله، وبَّخ
الإنسان على جحد شيء من نعم الله، فيصيبه ما أصاب الشاكّين المتمارين
المجادلين بالباطل. ثم ذكّره بإنذار القرآن، والرسول. وحين فرغ من بيان
التوحيد والرسالة، ختم السورة ببيان اقتراب الحشر: ﴿أَرِفَتِ الْأَزِفَةُ
٥٧
وحذَّر من إنكار القرآن وتكذيبه، ومن التفريط بما جاء فيه، والغفلة
والإعراض عن مواعظه وحِكَمه، ودعا إلى الانقياد التام الله عز وجل،
وعبادته وحده لا شريك له بإتقان وإخلاص.
التفسير والبيان:
أي فبأي نِعَم ربك أيها الإنسان المكذب
٥٥
{فَبِأَقِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ نَتَمَارَّ
(١٣) ﴾ [الرحمن:
تتشكك وتمتري؟ مثل قوله تعالى ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٣/٥٥]. وهذا ابتداء كلام والخطاب عام لكل إنسان. والمراد بالنعم ما عدده
سابقاً من الخلق والإغناء وخلق السماء والأرض وما فيهما من نعم مخلوقة
للإنسان.

١٤٩
الُعُ (٢٧) - الْنَمْ: ٥٣ /٥٥-٦٢
﴿ هَذَا نَذِيْرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَّ (@) أي هذا القرآن أو الرسول محمد وَل
نذير مخوف محذّر من جملة النذر المتقدمة، فالقرآن منذر كالكتب السماوية
السابقة، والنبي ◌َّل رسول إليكم كالرسل المتقدمين قبله، فإنه أنذركم كما
أنذروا أقوامهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:
٩/٤٦] وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:
٤٦/٣٤] وفي الحديث الثابت: ((أنا النذير العُرْيان))(١) أي الذي أعجله شدة ما
عاين من الشر عن أن يلبس شيئاً، وبادر إلى إنذار قومه، وجاءهم عرياناً
مسرعاً.
﴿ أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ (®﴾ أي قربت ودنت الساعة الموصوفة بالقرب في قوله
تعالى: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١/٥٤] وقوله: ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١٥٦
١] وقوله: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١/٢١] وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧/٤٢] وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل
يوم، وأنها تكاد تقوم، فالآية إشارة إلى القيامة لإثبات الأصول الثلاثة على
الترتيب: الأصل الأول وهو الله ووحدانيته بقوله: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ نَتَمَارَى
ثم الرسول والرسالة بقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ ثم الحشر والقيامة
۵۵
وجاء في الحديث الذى رواه أحمد عن سهل بن
بقوله: ﴿أَرِفَتِ الْأَزِفَةُ
سعد: ((مثلي ومثل الساعة كهاتين)) وفرّق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام.
وروى أحمد أيضاً والشيخان عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله وَلهم
يقول: (بُعِثتُ أنا والساعةُ هكذا)) وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى.
﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةُ (٥) أي ليس هناك على الإطلاق نفس
قادرة على كشفها وإظهارها والإعلام بها إلا الله تعالى؛ لأنها من أخفى
(١) شبه النبي ( نفسه بهذا الرجل، قال ابن السِّكيْت : هو رجل من خثعم حمل عليه يوم ذي
الخلصة عوف بن عامر، فقطع يده ويد امرأته (النهاية لابن الأثير: ٢٢٥/٣).

١٥٠
الجزرء (٢٧) - النجم: ٥٣ /٥٥-٦٢
المغيبات، فاستعدوا لها قبل مجيئها بغتة وأنتم لا تشعرون، فهو كقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١] وقوله سبحانه: ﴿لَا يُحِيَهَا لِوَقْنِهَاً
إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ٧ / ١٨٧] .
أو: ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا غشيت الخلق بشدائدها وأهوالها
غير الله، والأولى أن يقال: ليس لها من دون الله من يؤخرها أو يقدّمها، كما
ذكر القرطبي.
ثم أنكر الله على المشركين وأمثالهم ووبخهم لإنكار القرآن وتكذيبه، فقال:
وَتَضْحَكُنَ وَلَا نَبْكُنَ ﴿ وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ ﴾﴾ أي
٥٩
﴿أَفِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (إ
كيف تعجبون من أن يكون القرآن صحيحاً، تكذيباً منكم، وتضحكون منه
استهزاء، وتسخرون من آياته، مع كونه غير محل لذاك، ولا تبكون كما يفعل
الموقنون، وأنتم لاهون عنه، غافلون معرضون، أو مستكبرون عنه؟ فهذا
استفهام توبيخ.
﴿فَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾ (4)﴾ أي اسجدوا أيها المؤمنون شكراً على الهداية
واخضعوا له، واشتغلوا بالعبادة، وأخلصوا ووحدوا، فإنه تعالى المستحق
لذلك منكم.
وقد ورد أن النبي ◌َّلقر سجد عند تلاوة هذه الآية، وسجد معه المسلمون
والكفار، أخرج البخاري عن ابن عباس قال: سجد النبي ◌َّ بالنجم،
وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. وأخرج الإمام أحمد والنسائي
عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه قال: قرأ رسول الله وَله بمكة
سورة النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي، فأبيت أن أسجد- ولم
يكن أسلم يومئذ المطلب- فكان بعد ذلك لا يسمع أحداً يقرؤها إلا سجد
معه.

١٥١
الجُرْءُ (٢٧) - الزَش: ٥٣ /٥٥-٦٢
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - يستنكر الحق سبحانه على الإنسان المكذِّب في أي زمان كان تشككه
ومماراته وجداله في آلاء الله ونعمه العديدة، بعد أن أبان القرآن الكريم بعضاً
منها كالخلق والرزق والإغناء والصحة وتسخير الكون كله لمصالح الإنسان،
كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم ◌َا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى
[البقرة: ٢٩/٢] .
(٢٩
السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
أَ - إن القرآن العظيم نذير بما أنذرت به الكتب الأولى، وكذلك محمد دحل
نذير بالحق الذي أنذر به الأنبياء قبله، فإن أطاعه الناس أفلحوا ونجوا. وهذا
مطابق أيضاً لما في صحف إبراهيم وموسى وغيرهما.
◌َ- لقد قربت الساعة ودنت القيامة: ﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ (٥)﴾ يعني القيامة،
سماها آزفة لدنوّها من الناس، وقربها منهم، ليستعدوا لها؛ لأن كل ما هو آتٍ
قریب.
وليس للآزفة أو القيامة من دون الله من يؤخرها أو يقدّمها.
٤- وبَّخ الله المشركين تعجبهم تكذيباً بالقرآن، وضحكهم استهزاء بآياته،
وعدم بكائهم انزجاراً وخوفاً من الوعيد، ولهوهم وإعراضهم عن كتاب الله
تعالی.
روي أن النبي وُ لّ ما رئي بعد نزول هذه الآية ضاحكاً إلا تبسّماً، وقال أبو
هريرة فيما ذكره القرطبي: لما نزلت: ﴿أَفَنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (
قال أهل
الصُّفَّة: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم،
فلما سمع النبي ◌َ ر بكاءهم، بكى معهم، فبكينا لبكائه؛ فقال النبي وَلّ: ((لا
يَلِج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مُصِرٌّ على معصية الله، ولو

١٥٢
الُ (٢٧) - النَخَيْش: ٥٣ /٥٥-٦٢
لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم ويرحمهم، إنه هو
الغفور الرحيم)) .
وقال أبو حازم: نزل جبريل على النبي ◌َّ، وعنده رجل يبكي، فقال له:
من هذا؟ قال: هذا فلان؛ فقال جبريل: إنا نزِن أعمال بني آدم كلها إلا
البكاء، فإن الله تعالى ليطفئ بالدمعة الواحدة بحوراً من جهنم.
٥- أمر الله بالسجود له والخضوع لجلاله وعظمته شكراً على الهداية،
وبالاشتغال بالعبادة. قال ابن مسعود، وبه أخذ أبو حنيفة والشافعي: المراد
﴾ سجود تلاوة القرآن. وقد تقدم أول
بقوله: ﴿فَاسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾
السورة وفي تفسيرها من حديث ابن عباس أن النبي له سجد فيها وسجد معه
المشركون. وقال ابن عمر: المراد سجود الفرض في الصلاة، أي إنه كان لا
يراها من عزائم السجود، وبه قال مالك، قال القرطبي: والأول أصح.

١٥٣
لُ (٢٧) السورة (٥٤) القَطَرُ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الْقَّمُ
مكية، وهي خمس وخمسون آية
تسميتها:
سميت سورة القمر؛ لافتتاحها بالخبر عن انشقاق القمر، معجزة لنبينا وَّه.
مناسبتها لما قبلها:
تتضح مناسبة هذه السورة لما قبلها من نواح ثلاث هي:
أَ - اتفاق خاتمة السورة السابقة وفاتحة هذه السورة حول إعلان قرب
القيامة، فقال تعالى في سورة (النجم): ﴿أَرِفَتِ الْأَزِفَةُ ﴿6﴾ وقال في هذه
السورة: ﴿أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ إلا أنه ذكر ههنا دليلاً على الاقتراب، وهو قوله:
﴿ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ﴾. جاء في الصحيحين عن أنس: ((أن الكفار سألوا رسول الله
وَالر آية، فانشق القمر مرتين)).
أَ- تناسب التسمية وحسن التناسق، لما بين النجم والقمر من تقارب،
كما في توالي سورة الشمس، والليل، والضحى، ومن قبلها سورة الفجر.
٣- فصلت هذه السورة أحوال الأمم المشار إلى إهلاكهم بسب تكذيب
وَثَمُودَا
رسلهم في السورة المتقدمة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ، أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (فَ)

١٥٤
◌ِجُ (٢٧) السورة (٥٤) القَمَرْ
وَقَوّمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ﴿ وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى
فَمَّا أَبْقَى ◌ِّ
٥٣
وهذا يشابه الأعراف بعد الأنعام، والشعراء بعد الفرقان،
والصافات بعد يس.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر السور المكية لتقرير أصول العقيدة الإسلامية،
بدءاً من إنزال القرآن بالوحي وتهديد المكذبين بآياته، وانتهاءً بالجزاء الحتمي
يوم القيامة ومشاهد عذاب الكفار، وأنواع ثواب المتقين وتكريمهم.
أخبرت السورة أولاً بقرب وقت القيامة ودليل ذلك وهو انشقاق القمر
الذي هو أحد المعجزات الكبرى للنبي وَلّ، وموقف المشركين من تلك
المعجزة ووصفها بأنها سحر مفترى، وغفلتهم عما في القرآن من الزواجر.
وتلا ذلك أمر الرسول وَل# بالإعراض عنهم، وإنذارهم بحشرهم أذلة
مسرعين كالجراد المنتشر، بعبارات تهز المشاعر، وتثير المخاوف، وتملأ النفس
رعباً وفزعاً من أهوال القيامة.
ثم أنذرت كفار مكة بعذاب مشابه لعذاب الأمم السابقة كقوم نوح وعاد
وثمود وقوم لوط وقوم فرعون جزاء على تكذيبهم الرسل، وأفردت كل قصة
عن الأخرى، وعقبتها بعبارة مخيفة تدعو للعجب وهي: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى
وَنُذُرِ ﴿٣) وقرنها بقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسِّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذُكِرٍ
١٧
ثم وبخت مشركي قريش على غفلتهم عن هذه النذر، وحذرتهم مصرعاً
مماثلاً لمصارع أولئك الأقوام، وهو القتل والهزيمة في الدنيا، وعذاب الآخرة
الأدهى والأمَرّ، الذي يصاحبه الذل والمهانة بالسحب على وجههم في النار،
فهم في ضلال وسُعُر.
وختمت السورة ببيان ظاهرة التوازن في خلقّ الأشياء، وسرعة نفاذ أمر

١٥٥
الُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ١-٨
الله ومشيئته كلمح البصر، وضرورة العظة والتذكر بهلاك الطغاة، ورصد جميع
أعمال البشر في سجلات محفوظة، وتبشير المتقين بالجنات والكرامات عند
ربهم المليك المقتدر.
والخلاصة: إن السورة حافلة بالوعد والوعيد، والعظات والعبر بأخبار
الماضين، وتهديد الكفار بعقاب مماثل، وإكرام المتقين في جنات ونعيم.
فضل السورة:
تقدم في فضل سورة ﴿فَ﴾ إيراد حديث أبي واقد الليثي فيما يرويه الإمام
أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة: ((أن رسول الله وَل﴾ كان يقرأ بقاف
واقتربت الساعة في الأضحى والفطر)) وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار
كالجمع والعيد؛ لاشتمالها على ذكر الوعد والوعيد، وبدء الخلق وإعادته،
والتوحيد وإثبات النبوات وغير ذلك من المقاصد العظيمة.
انشقاق القمر وموقف المشركين منه
﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ
وَلَقَدْ
٣
مُسْتَمِرٌ ﴿ وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَاءَ هُمَّ وَكُلُ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
جَآءَهُم مِّنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزُدَجَرُ * حِكْمَةُ بَلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ
۵
فَتَوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُكُرٍ ﴾
خُشَّعًا أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ
٣ ◌ُهْطِعِينَ إِلَى النَّاعِ يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَسِيرٌ
اْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَدٌ مُنَشِرٌ
٨
القراءات:
﴿ذُكُرٍ﴾:

١٥٦
الُ (٢٧) - الْقَبْ: ٥٤ /١-٨
وقرأ ابن كثير (نُكْر).
﴿خُشَّعًا﴾: قرئ:
١- (خُشَّعاً) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم.
٢- (خاشعاً) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرُ﴾ أصله (مزتجر) بوزن مفتعل من الزجر، وإنما أبدلت
التاء دالاً، لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة، فأبدلوا من التاء دالاً، لتوافق
الزاي في الجهر، وهو اسم مصدر أو اسم مكان. و﴿مَا﴾ اسم موصول أو
نكرة موصوفة. والجار والمجرور: ﴿مِّنَ الْأَنْبَاءِ﴾ متعلق بمحذوف حال مقدم
ـة): ﴿حِكْمَةٌ﴾: إما بدل
من ﴿مَا﴾. ﴿حِكْمَةٌ بَلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ
مرفوع من ﴿مَا﴾ في قوله تعالى: ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ و﴿مَا﴾: مرفوعة فاعل:
(جاء) ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي حكمة بالغة. و(ما) في قوله: ﴿فَمَا
تُغْنِ النُّذُرُ﴾: إما استفهامية استفهام إنكاري، في موضع نصب بـ ﴿تُغْنِ﴾
أي، أيّ شيء تغني النذر، أو نافية على تقدير حذف مفعول ﴿تُغْنِ﴾ وتقديره:
فما تغني النذر شيئاً. وحذفت ياء (تغني) وواو (يدعو) اتباعاً لخط المصحف؛
لأنه كتب على لفظ الوصل، لا على لفظ الوقف . ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ناصب
يوم: يخرجون الآتي بعده.
﴿خُشَعَا أَبْصَرُهُمْ﴾ ﴿خُشَّعًا﴾: حال منصوب من ضمير ﴿عَنْهُمُ﴾ في قوله
تعالى: ﴿فَتَوَلَ عَنْهُمُ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿مُّهْطِعِينَ﴾ حال منصوب من
ضمير ﴿عَنْهُمُ﴾.
البلاغة:
﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.

١٥٧
اِلُ (٢٧) - القَر: ٥٤ / ١-٨
المفردات اللغوية:
﴿ أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ قربت القيامة ودنت. ﴿ وَأَشَقَ الْقَمَرُ﴾ روى الشيخان
أن الكفار سألوا رسول الله صل﴾ آية، فانشق القمر، أي انفلق فلقتين على أبي
قُبَيْس وفُعَيْفَعَان. ﴿وَإِن يَرَوْأ﴾ أي كفار قريش. ﴿ءَايَةً﴾ معجزة له وَلِّ دالة
على نبوته . ﴿وَيَقُولُواْ سِحْرٌ﴾ أي هذا سحر. ﴿مُسْتَمِرٌ﴾ محكم قوي، من الْمِرَّة
وهي القوة، أو دائم مطرد. ﴿وَكَذَّبُواْ﴾ النبي ◌َِّ. ﴿وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ما
زيَّن لهم الشيطان من الوساوس ورد الحق بعد ظهوره. ﴿ وَكُلُ أَمْرٍ
مُسْتَقِرٌّ﴾ أي وكل أمر من الخير والشر منته إلى غاية من خذلان أو نصر في
الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة، وبعبارة أخرى: كل أمر لا بدّ أن يصير
إلى غاية يستقر عليها، وقرئ بفتح القاف . ﴿مُسْتَقَرُّ ﴾ أي ذو استقرار، أو له
زمان استقرار أو موضع استقرار، فهو إما مصدر أو ظرف زمان أو مكان.
﴿الْأَنْبَاءِ﴾ أخبار الأمم الماضية وما أصابهم من عذاب أو إهلاك
التكذيبهم الرسل. ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ ما يزجرهم ويكفَّهم، يقالٍ: زجرته
وازدجرته: نهيته بغلظة، أوكففته فانكف. ﴿حِكْمَةُ بَلِغَةٌ﴾ تامة،
واصلة غاية الإحكام والإبداع، لا خلل فيها. ﴿تُغْنِ﴾ تفيد وتنفع. ﴿اُلتُّذُرُ﴾
المنذرون، جمع نذير بمعنى منذر، أو الأمور المنذرة لهم، جمع المنذر منه، أو
مصدر بمعنی الإنذار.
﴿فَتَوَلَ عَنْهُمُ﴾ أعرض عنهم ولا تجادلهم، لعلمك أن الإنذار لا ينفع ولا
يغني فيهم. ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ يوم ينادي إسرافيل. ﴿إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ إلى
شيء شديد الهول تنكره النفوس لا عهد لها مثله. ﴿خُشَّعًا﴾ أذلة، جمع
خاشع، أي ذليل، ويقرأ (خُشَعاً) بضم الخاء وفتح الشين، أي مشددة.
﴿اَلْأَجْدَاثِ﴾ القبور جمع جَدَث. ﴿ كَأَنَّهُمْ جَدٌ مُّنَشِرٌ﴾ في الكثرة والتموج
والانتشار في الأمكنة، والجراد: حيوان طائر معروف يأكل النبات،
والمنتشر: الكثير. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين، مادّين أعناقهم، منقادين. ﴿هَذَا يَوْمُ

١٥٨
الُ (٢٧) - القاهرة: ٥٤ / ١-٨
عَسِرٌ﴾ يوم صعب شديد على الكافرين، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُّ
عَسِيرُ ﴿َ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (
١١٠ ﴾ [المدثر: ٩/٧٤-١٠] .
سبب النزول:
نزول الآية (١-٢):
﴿ أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: أخرج الشيخان والحاكم- واللفظ له- عن ابن مسعود
قال: رأيت القمر منشقاً شقين بمكة، قبل مخرج النبي وَطله، فقالوا: سُحِرَ
القمر، فنزلت: ﴿أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ
وأخرج الترمذي عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي ◌َّ آية، فانشق القمر
بمكة، مرتين، فنزلت: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ اُلْقَمَرُ ﴾﴾ إلى قوله:
﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾.
وأخرج محمد بن جرير وأبو داود الطيالسي والبيهقي عن عبد الله بن
مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله وَّر، فقالت قريش: هذا سحر
ابن أبي كَبْشة، سحركم، فاسألوا السُّفَّار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأينا،
فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ
٢
وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمٌِ
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن اقتراب القيامة وانتهاء الدنيا، فيقول:
﴿ أَقْتَرَتِ السَّاعَةُ﴾ أي قربت القيامة ودنت، واقترب موعد انقضاء الدنيا،
أي قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا
قريبة، كما قال تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعْجِلُوَةٌ﴾ [النحل: ١/١٦] وقال
﴾ [الأنبياء:
سبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ

١٥٩
الْجُرُ (٢٧) - القَرُ: ٥٤ / ١-٨
١/٢١]. وروى أبو بكر البزار عن أنس أن رسول الله ◌َ ل خطب أصحابه،
وقد كادت الشمس أن تغرب، فلم يبق منها إلا سَفِّ يسير، فقال: ((والذي
نفسي بيده، ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا،
فيما مضى منه، وما نرى من الشمس إلا يسيراً)).
ويعضده ما أخرجه أحمد والشيخان عن سهل بن سعد قال: سمعت
رسول الله وَّله يقول: ((بُعثت أنا والساعة هكذا)) وأشار بأصبعيه: السبابة
والوسطى. وقيل: المراد تحقق وقوع الساعة.
ثم أخبر الله تعالى عن انشقاق القمر معجزة للنبي وَلّه، فقال: ﴿وَأَنشَقَّ
اٌلْقَمَرُ﴾ أي وقد انشق القمر معجزة لرسول الله وَله وآية ظاهرة على قرب
القيامة وإمكانها. قال ابن كثير: قد کان هذا في زمان رسول الله (چ# كما ورد
ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين
العلماء، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات(١). وقرب القيامة بالرغم من
مضي أكثر من أربعة عشر قرناً باعتبار أن كل ما هو آتٍ قريب.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس أن أهل مكة سألوا
رسول الله وَر أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراءً
(جبل مشهور بمكة) بينهما.
وأخرجا أيضاً عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله وعَّله
فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله وَله: ((اشهدوا)).
وقيل: المراد الإخبار عن أنه سينشق القمر.
ثم أخبر الله تعالى عن موقف الكفار وعنادهم أمام هذه المعجزة، فقال:
(١) تفسير ابن كثير: ٢٦١/٤.

١٦٠
الُ (٢٧) - القَرْ: ٥٤ / ١-٨
﴿وَإِن يَرَوْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ ﴾﴾ أي وإن ير المشركون
علامة على النبوة دليلاً على صدق النّبي ◌َّةَ، يعرضوا عن التصديق والإيمان
بها، ويولوا مكذبين بها قائلين: هذا سحر قوي شديد يعلو كل سحر، مأخوذ
من قولهم: استمرّ الشيء: إذا قوي واستحكم، وقيل: مستمر، أي دائم
مطرد.
وهذا ردّ على المشركين الذين طالبوا بآية، قال المفسرون: لما انشق القمر،
قال المشركون: سَحَرنا محمد، فقال الله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً﴾ يعني انشقاق
القمر. ثم أكد تعالى موقفهم هذا بقوله :
﴿ وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَاءَ هُمَّ وَكُلُ أَمْرٍ مُسْتَقِرُّ (﴾﴾ أي وكذبوا
بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أملته عليهم أهواؤهم وآراؤهم في أن محمداً وله
ساحر أو كاهن، بسبب جهلهم وسخافة عقولهم. ثم هددهم تعالى وأخبرهم
بأن كل أمر منته إلى غاية مماثلة له، فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر
بأهل الشرّ، فقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌ﴾ استئناف للرد على الكفار في
تكذيبهم، ببيان أنه لا فائدة لهم في ذلك؛ لأن كل أمر له غاية حتماً، وسينتهي
أمر النّبي ◌َّه إلى غاية يظهر فيها أنه على حق، وهم على باطل.
وفي هذا أيضاً إيناس لرسول الله وَ له وتبشير له بأن النصر سيكون حليفه في
الدنيا، وأن له ولأتباعه الدرجة العالية والجنة في الآخرة.
ثم وبخهم الله على إصرارهم على الكفر وعلى ضلالهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ
جَآءَهُم مِّنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُرْدَجَرُ ﴾﴾ أي ولقد جاء كفار مكة وأمثالهم
من أخبار الأمم المكذبة رسلها، وما حل بهم من العقاب والنكال في هذا
القرآن ما فيه كفاية لكفهم عن السوء، وزجر وردع ووعظ عما هم فيه من
الشرك والوثنية والعصيان والتمادي في التكذيب.
ووصف الله تعالى تلك الأنباء بقوله: