Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
لِلُ (٢٧) السورة (٥٣) النَجَيرُ﴾
وأبانت السورة إحاطة علم الله بما في السماوات والأرض ومظاهر قدرة
الله تعالى في الإحياء والإماتة، والإغناء والإفقار، وخلق الإنسان من النطفة،
والبعث والحشر والنشر.
وهددت المشركين الذين أنكروا الوحدانية والرسالة والبعث بالإهلاك
كإهلاك أقوام أخرى أشداء، كعاد وثمود وقوم نوح ولوط.
وختمت بالتعجب من استهزاء المشركين بالقرآن وإعراضهم عنه، وأمر
المؤمنين بالعبادة الخالصة لله تعالى.
فضلها:
أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن سورة النجم أول سورة أعلن
النبي ◌َّه بقراءتها، فقرأها في الحرم والمشركون يسمعون.
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود أيضاً قال:
((أول سورة أنزلت فيها سجدة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد رسول الله وَه، وسجد
الناس كلهم إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب، فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك
قتل كافراً )) وهو أمية بن خلف.
وفي رواية أنه عليه الصلاة والسلام سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون
والجن والإنس غير أبي لهب، فإنه رفع حفنة من تراب، وقال: يكفي هذا.
فيحتمل أنه وأمية فعلا كذلك.

١٠٢
لُ (٢٧) - النَّخَيْر: ٥٣ /١-١٨
إثبات النبوة وظاهرة الوحي
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ
{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىِ ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى
٣
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىِ ﴿ ذُو مِرَّةٍ فَأَسْتَوَى ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى
فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ®َ
x
اُلْأَعْلَىِ ®َ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى
(٤ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴿ أَفَتَمَرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى
أَوْحَى
وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً
١٣
◌ُغْرَی
عِندَهَا جَنَّةُ الْأْوَىَ ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى
١٤
عِندَ سِدْرَةِ الْمُنَفَى
١٣
١٨
لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُرَّ
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَفَى
القراءات:
﴿أَفَتُوْنَهُ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (أفتمرونه).
الإعراب:
﴿إِذَا هَوَى﴾ ظرف لفعل (أقسم) المقدر، والمراد بـ ﴿إِذَا﴾ هنا مطلق زمان.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ﴾﴾ جملة في جواب سؤال مقدر نشأ بعد قوله:
﴿ وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمُوَ
﴿ذُو مِرَّةٍ فَأَسْتَوَىْ ﴿﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾﴾ الواو في ﴿وَهُوَ﴾: واو
الحال، والجملة بعدها من المبتدأ والخبر: في موضع نصب على الحال من
ضمیر﴿ فَاسْتَوَى﴾ عالياً، يعني جبريل.
﴿مَا كَذَبَ اُلْفُؤَادُ مَا رَأَّ (4) كذب بالتخفيف، فتكون ﴿مَا﴾ في موضع
نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ما كذب الفؤاد فيما رآه.

١٠٣
الُرُ (٢٧) - الْنَفْ: ٥٣ /١-١٨
و﴿مَا﴾: إما بمعنى الذي، و﴿رَأَ﴾ الصلة، والهاء المحذوفة العائد، أي رأه،
فحذف الهاء تخفيفاً، وإما مصدرية. وقرئ (كذّب) بالتشديد، فتكون ﴿مَا﴾
مفعولاً به، من غير تقدير حذف حرف جر؛ لأنه متعد بنفسه.
﴿) ﴿نَزْلَةً﴾: منصوب على المصدر في موضع
﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
الحال، كأنه قال: رآه نازلاً نزلة أخرى، وذهب الفرّاء إلى أنه منصوب على
الظرف؛ إذ معناه: مرة أخرى.
البلاغة:
إبهام الموحى به للتعظيم والتهويل،
﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوَخَى (®])
﴾ وكذلك ﴿فَفَشَنْهَا مَا غَشَى
ومثله: ﴿إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى
٥٤
.
﴾ بين ﴿هَوَى﴾ ﴿الْمَوَ
﴿ وَاَلنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾﴾ ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ
جناس، فالأول بمعنی خرّ وسقط، والثاني بمعنی هوی النفس.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى (٤) جملة يوحى لدفع المجاز وتأكيد الإيحاء.
المفردات اللغوية:
﴿ وَالنَّحْمِ﴾ جنس النجوم، أو الثريا، فإنه غلب فيه إذا غرب أو انتثر يوم
القيامة، والواو للقسم. ﴿هَوَى﴾ غرب وسقط. ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ ما عدل
محمد زَّه عن طريق الهداية المستقيم. ﴿ وَمَا غَوَى﴾ ما وقع في الغي: وهو الجهل
مع الاعتقاد الفاسد، وهو الجهل المركب، والمراد: ما اعتقد باطلاً قط،
والخطاب في هذا لقريش. والمراد: نفي ما ينسبون إليه . ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَى
(٤) ما يتكلم بالقرآن عن الهوى أي الباطل. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي القرآن أو الذي
ينطق به. ﴿إِلَّا وَحَىٌ يُؤْثَى﴾ وحي يوحيه الله إليه.

١٠٤
الجُرعُ (٢٧) - التنمر: ٥٣ /١-١٨
﴿عَلََّهُ﴾ إِياه مَلَك. ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ صاحب القوى الشديد، وهو جبريل
عليه السلام . ﴿ذُو مِرَّةِ﴾ ذو قوة وحصافة في عقله ورأيه . ﴿فَأُسْتَوَى﴾ فاستقام
على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها، ورآه عليها محمد ريال مرتين:
مرة في السماء، ومرة في الأرض عند غار حراء في بدء النبوة.
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٣) أفق السماء وهو الجهة العليا بالنسبة للناظر،
والضمير لجبريل. ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ قرب من النبي ◌َّ. ﴿فَتَدَلَّ﴾ زاد في القرب ونزل
وتعلق به، وهو تمثيل لعروجه بالرسول ◌َالله. ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ
أي فكان جبريل على مقدار قوسين أو أقرب من ذلك، والمراد به هنا مقدار ما
بين مقبض القوس والسِّيّة: وهي ما عطف من طرفيها، ولكل قوس قابان:
طرفان. والخلاصة: فكان مقدار مسافة قربه منه مثل مقدار مسافة قاب
قوسين. والمقصود تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق استماعه لما أوحي إليه، بنفي
البعد الموقع في اللبس والغموض.
﴿فَأَوْحَىّ﴾ الله تعالى. ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ جبريل. ﴿مَآ أَوْحَى﴾ جبريل إلى
النبي ◌َّ، ولم يذكر الموحى به تفخيماً لشأنه، أو فأوحى جبريل إلى عبد الله
محمد مَخله. ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴾﴾ أي ما أنكر فؤاد النبي صَلّ ما رآه
ببصره من صورة جبريل عليه السلام.
﴿أَفَتُرُونَهُ, عَلَى مَا يَرَى ﴿1﴾ أفتجادلونه وتغلبونه وتكذبونه على ما يراه
معاينة، من المراء: وهو الجدال بالباطل. ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ رأى
محمد جبريل على صورته الحقيقية مرة أخرى. ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنَفَى ﴾ أعلى
مكان في السماء، ينتهي إليها علم الخلائق وأعمالهم، شبّهت بالسدرة: وهي
الجنة التي
شجرة النبق؛ لأنهم يجتمعون في ظلها . ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْأْوَىّ
تأوي إليها أرواح المؤمنين المتقين . ﴿إِذْ﴾ حين. ﴿يَغْشَى﴾ يغطي ويستر . ﴿مَا
يَغْشَى﴾ تعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يحيط بها وصف ولا عدد. ﴿مَا زَاغَ

١٠٥
الجُرُ (٢٧) - النَخَيْ: ٥٣ /١-١٨
اُلْبَصَرُ﴾ ما مال بصر رسول الله وَ له عما رآه. ﴿وَمَا طَفَى﴾ وما تجاوز ما أمر به
تلك الليلة. ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىِّ ﴾﴾ أي رأى في تلك الليلة -
ليلة المعراج- بعض آيات ربه العظمى، وعجائب الملكوت، كرؤية جبريل
حينما سدّ أفق السماء بما له من ست مئة جناح.
التفسير والبيان:
﴿ وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٣)﴾ أي أقسم بالنجم.
أي بالنجوم عندما تميل للغروب؛ إذ بالميل إلى الأفق تعرف الجهات، ما عدل
محمد وَلول عن طريق الهداية والحق، وما صار غاوياً متكلماً بالباطل، وقيل:
النجم: الثريا إذا سقطت مع الفجر. روى ابن أبي حاتم عن الشعبي وغيره
قال: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا
بالخالق.
وقد عرض الرازي مقارنة في المقسم به والمقسم عليه بين هذه السورة
والسور المتقدمة، فذكر أن السور التي تقدمت وهي الصافات والذاريات
والطور وهذه السورة كان القسم فيها بالأسماء دون الحروف، أقسم الله في
الأولى لإثبات الوحدانية: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٣)﴾. وفي الثانية لإثبات الحشر
وفى الثالثة لإثبات دوام العذاب بعد
والجزاء: ﴿إِنََّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ
وقوعه يوم القيامة: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ (٣ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ (). وفي هذه
السورة لإثبات نبوة محمد ، فاكتملت الأصول الثلاثة: الوحدانية،
والحشر، والنبوة (١).
ويلاحظ أن القسم على الوحدانية والنبوة قليل في القرآن، والقسم على
إثبات البعث كثير، كما في سورة الذاريات، والطور، ﴿ وَالَّتِلِ إِذَا يَغْشَى
(١) تفسير الرازي : ٢٧٧/٢٨.

١٠٦
الُ (٢٧) - النَخَير: ٥٣ /١-١٨
(٤)، وغير ذلك؛
(٤)، ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
(®)، ﴿وَالشَّمْسِ وَسُحَنَهَا
لأن دلائل الوحدانية كثيرة، وكلها عقلية كما قيل:
وفي كُلِّ شيءٍ له آيَةٌ تدلُّ على أَنَّه واحدُ
ودلائل النبوة والرسالة أيضاً كثيرة وهي المعجزات المشهورة والمتواترة،
أما البعث فإمكانه يثبت بالعقل، وأما وقوعه فلا يثبت إلا بالأدلة السمعية أو
النقلية وهي القرآن والحديث، لذا أكثر الله تعالى في القرآن بالقسم عليه ليؤمن
به الناس.
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ
٧٥
ونظير الآية: ﴿﴿ فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ
إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ ﴿ فِي كِتَبِ مَكْنُونٍ ﴿ لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا
٧٦
عَظِيمُ
[الواقعة: ٧٥/٥٦ -٨٠] .
١٨٠
تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
الْمُطَهَّرُونَ
والحكمة في القسم بالنجوم أنه عالم رهيب، سواء في السرعة أو في الحجم،
أو في النوع، فسرعة نور الكوكب ٣٠٠ ألف كيلو متر في الثانية، أي إن النور
يجري حول الأرض في سُبْع ثانية مرة واحدة، والشمس أكبر من الأرض
بمليون وثلاث مئة ألف مرة، وهي واحد من ثلاثين ألف مليون شمس،
والنظام الشمسي والكواكب السيارة الإحدى عشرة جزء من عالم الْجَرَّة،
والْجَرَّة ذات نجوم بنحو ٣٠ ألف مليون نجم، منها ما هو أكبر من الشمس،
والمجرة عادة تشبه قرصاً مفرطحاً، ويبلغ قطر المجرّة التي تنتمي إليها ١٠٠ ألف
سنة ضوئية (١) وإن التحام قوة الجاذبية بين المجرَّات بالكميات الهائلة من
(١) السنة الضوئية تساوي ٦ ملايين ميل، وقد أشار تقرير حول أعمال الاجتماع السنوي
للجمعية الأمريكية لعلم الفلك في مدينة (أوستن)- (ولاية تكساس) إلى أن علماء الفلك
الأمريكيين رصدوا مجرَّتين هما الأقدم والأبعد عن الأرض بين كل تلك التي رصدت إلى
اليوم. وأوضح التقرير أن هاتين المجرتين تقعان على بعد ١٧ مليار سنة ضوئية عن الأرض.
وأنهما تكونتا إبان الانفجار الكبير (بيج بانج) الذي يقال : إنه أسفر عن نشوء الكون،
والمجرتان على حد ما جاء في التقرير هما أبعد وأقدم من إشعاعات (كازار) التي تشبه النجوم،
وتبعث إشعاعاً كهربائياً ومغناطيسياً قوياً.
!
:

١٠٧
الجُ (٢٧) - النَّمر: ٥٣ /١-١٨
الغازات والمواد الموجودة فيها يحوِّل ما يعرف بالفجوات السوداء في وسط هذه
المجرَّات الفضائية إلى شهب مشتعلة، تحدث نادراً في ظروف مئات الملايين من
السنين. والشهب أشبه بالنجوم إلا أنها تصدر إشعاعات مغناطيسية تفوق في
طاقتها ما يصدر عن النجوم العادية المعروفة بالإشعاعات، وبُعْد الشهب عن
الأرض بمسافة عشرة آلاف مليون سنة ضوئية.
وقد أوضحت سابقاً أن الشمس على مدار السنة تنتقل في اثني عشر برجاً،
وتوجد في كل برج لمدة شهر حيث تتم دورتها السنوية في اثني عشر شهراً
(٣٦٥ يوماً وست ساعات وتسع دقائق وعشر ثوان). ويطلق على هذه السنة:
السنة النجمية التي تبدأ في ٢١ آذار (مارس). وللقمر بروج أيضاً تسمى منازل
القمر، يقيم فيها كل يوم في منزل جديد، ويستمر بالتنقل على مدار الشهر ما
بين ٢٩ أو ٣٠ منزلاً، يسمى المنزل الأخير محاقاً، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ
الشَمْسَ ضِيَةً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا
خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْرِ يَعْلَمُونَ
[يونس: ٥/١٠]
وتدل آية ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
[غافر: ٥٧/٤٠] على أن الإعجاز القرآني في الفلك
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
أكبر من الإعجاز القرآني في الطب والإنسان، وقد طلب الله منا أن نمعن النظر
في آياته الكونية، ونكتشف ظواهر الكون(١).
(١) في يوم الأربعاء الموافق ١٢ نيسان (أبريل) لعام ١٩٦١ قامت أول مركبة فضائية تحمل بشراً
وتدور حول كوكب الأرض، بقيادة رائد الفضاء جاجارين من الاتحاد السوفييتي، وكان أول
سؤال وجهه إليه الصحفيون الروس هو : هل وجدت الله؟ فأجاب بمنطق الإلحاد المطلق
المعروف بأنه لم يجد الله. ثم تلاه رائد فضاء سوفيبتي آخر اسمه (تيتوف) استمر في الفضاء لمدة
أطول من رفيقه (جاجارين) فلما عاد إلى الأرض، سئل : هل وجدت الله ؟ فأجاب :
(نعم، لقد وجدت عظمة الخالق، وفي عمله الجبار بالسيطرة على قوانين الجاذبية بين الأرض
والقمر والشمس)».
٤

١٠٨
الجزءُ (٢٧) - النَخَ ير: ١/٥٣-١٨
لهذه الأهمية للنجوم أقسم الله بها على أن محمداً وَل ليس بضال تائه عن
الحق، ولا غاو يعدل عن الحق، وسبب رشده وعدم ضلاله وغوايته ما قال
تعالی:
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى (٣)﴾ أي ما يقول قولاً
﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَّ
عن هوى وغرض، وما ينطق بالقرآن عن هواه الشخصي، إنما ينطق بوحي من
الله أوحاه إليه، ويبلِّغ ما أمر به كاملاً موفوراً من غير زيادة ولا نقصان.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال:
كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله # أريد حفظه، فنهتني قريش،
فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله مطلقة، ورسول الله بشر
يتكلم في الغضب، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله وَال،
فقال: ((اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق)).
وأخرج الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ، قال: ((ما
أخبرتكم أنه من عند الله، فهو الذي لا شك فيه)) .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة أيضاً عن رسول الله ◌َليل أنه قال: ((لا أقول إلا
حقاً، قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: إني لا أقول إلا
حقاً)) .
ثم أخبر الله تعالى عن معلّم رسول الله ◌َّله وهو جبريل عليه السلام فقال:
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾﴾ أي
﴿ عَلَّمَهٍُ شَدِيدُ الْقُوَىِ ﴿ ذُو مِّرَةٍ فَأَسْتَوَى ®
علَّم القرآنَ النبيَّ جبريلُ الذي هو شديد قواه العلمية والعملية، وهو ذو قوة
وشدة في الْخَلْق، وذو حصافة في العقل، ومتانة في الرأي، وقد استقام جبريل
على صورته التي خلقه الله عليها، حين أحب النبي وَّ رؤيته كذلك، فظهر له
في الأفق الأعلى أي في الجهة العليا من السماء، وهو أفق الشمس، فسدَّ
الأفق عندما جاء بالوحي إلى النبي ◌َّ أول ما جاءه بالوحي.

١٠٩
الُ (٢٧) - النَش: ٥٣ /١-١٨
ذِى قُوَّةٍ
ونظير الآيات عن جبريل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ ﴾
عِنْدَ ذِى الْعَشِّ مَكِينٍ
مُطَائِ ثَمَّ أَمِينٍ (3)
وَمَا صَاحِبُّكُ بِمَجْنُونٍ
٢٢
وَلَقَدْ رَءَاهُ
﴾ [التكوير: ١٩/٨١-٢٣].
(٢٣)
بِْأُمُقِ اَلْبِينِ
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴿ فَأَوْحَّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ
﴿ُمَّ دَنَا فَتَدَلََّ
أَوْحَى (٣) أي استوى واعتدل جبريل بالأفق الأعلى أولاً، ثم قرب من
الأرض، وازداد في القرب والنزول، حتى نزل على النبي ◌َّ، فكان مقدار
ما بين جبريل ومحمد بَّر من المسافة مقدار قوسين أو أقل من قوسين،
فأوحى جبريل إلى عبد الله ورسوله محمد وسير ما أوحاه من القرآن في تلك
النزلة، من شؤون الدين. وقيل: فأوحى الله إلى محمد وَالر عبده ما أوحى،
وفيه تفخيم لشأن الوحي.
وهذا كان ورسول الله وَله في الأرض، لا ليلة الإسراء. ولهذا قال تعالى
عِندَ سِدْرَةِ آمنُنفى (۴﴾﴾. روی ابن جرير
١٣
بعده: ﴿وَلَقَدْ رَءَهُ نَزْلَةً أُخْرَى
عبد الله بن مسعود، قال في هذه الآية ﴿فَكَانَ قَابَ قَّوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴿): قال
رسول الله صل: ((رأيت جبريل له ست مئة جناح)).
وقال عن رؤية جبريل حقيقة لا تخيلاً:
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَدُ مَا رَأَ ﴿ أَفَتُمَرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (13)﴾ أي ما أنكر فؤاد
النبي ◌َّر ما رآه من صورة جبريل، وإنما كان فؤاده صادقاً، فتكون عينه
أصدق، فكيف تجادلونه وتكذبونه فيما رآه بعينه رؤية مشاهدة محسوسة من
صورة جبريل عليه السلام؟! والأشهر أن لام ﴿اٌلْفُؤَادُ﴾ للعهد، وهو فؤاد
محمد رَّ، فلم يقل فؤاده لما رآه: لم أعرفْك، وصدّق فؤاده ما عاينه، ولم
يشك في ذلك، ولم يقل: إنه جن أو شيطان.
﴿ وَلَقَدْ رَءَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٣) عِندَ سِدْرَةِ الْمُتَغَىِ
أي لقد رأى محمد وي ليه جبريل نازلاً مرة أخرى على صورته التي خلقه الله
١٥
عِندَهَا جَنَّةُ الْأْوَى
١٤

-
١١٠
الزُ (٢٧) - النَخَيْ: ٥٣ /١-١٨
عليها، وذلك ليلة الإسراء، عند سدرة المنتهى التي هي في رأي الأكثرين وهو
المشهور: شجرة في السماء السابعة، وجاء في الصحيح أنها في السماء
السادسة، وإليها ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم أحد منهم ما وراءها،
وعندها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين، والصحيح كما تقدم في سورة
الإسراء: أن المعراج كان بالروح والجسد، وليس بالروح فقط كما يرى
بعضهم، وإلا لما كان المعراج معجزة.
فتكون رؤية النبي ◌َّه جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية مرتين: مرة
في الأرض ومرة في السماء، وأما في غير هاتين المرتين، فكان يراه في صورة
إنسان؛ لأن عليه أيسر وأهون وأكثر أنساً.
وعلى هذا يكون ضمير ﴿رَءَاهُ﴾ ليس راجعاً إلى الله تعالى، بل إلى جبريل
عليه السلام، فالآية تنفي أن يكون ول# رأى ربه سبحانه مطلقاً، ويؤكده قوله
تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرُِ الْأَبْصَرَ﴾ [الأنعام: ١٠٣/٦] وقوله
سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ
رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١/٤٢].
وقال بعضهم: الضمائر في ﴿دَنَا﴾، و﴿فَدَلَ﴾ و﴿فَكَانَ﴾ و﴿فَأَوْحَ﴾ وكذا
في ﴿رَءَهُ﴾: لله عز وجل، ويشهد لهذا ما أخرجه البخاري عن أنس: ((ثم علا
به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب
العزة، فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه فيما أوحى
خمسين صلاة)) . والراجح هو الرأي الأول بدليل ما أخرجه مسلم عن أبي ذر
أنه سأل رسول الله وَ ل فقال: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: ((رأيت
نوراً))(١).
(١) تفسير الألوسي : ٥٢/٢٧ وما بعدها.

١١١
الُ (٢٧) - النَخَرُ: ٥٣ /١-١٨
وأما سدرة المنتهى فنؤمن بها كما جاء في ظاهر القرآن، دون تعيين مكانها
وأوصافها إلا بما جاء في الحديث الصحيح، روى الإمام أحمد ومسلم
والترمذي عن ابن مسعود قال: ((لما أسري برسول الله وَلور انتهي به إلى سدرة
المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض،
فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها .. )) .
ورواية مسلم في صحيحه عن ابن مسعود: (( .. وهي في السماء السادسة)).
وفي رواية أخرى لمسلم عن أنس أن النبيح ﴿ه قال: ((لما رُفِعتُ إلى سِدْرة
المنتهى، في السماء السابعة، نَبِقها مثل قِلال هَجَر، وورقها مثل آذان الفِيَلة .. ))
والنَِّقِ: ثمر السِّدْر، الواحدة: نَبِقة(١)
وروى الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: سمعت
رسول الله له يقول- وقد ذُكِر له سِدْرة المنتهى - قال: ((يسير الراكب في ظل
الغصن منها مئة سنة، أو يستظل بظلها مئة راكب(٢)، فيها فَرَاش(٣) الذهب،
كأن ثمرها القِلال)».
أي تلك السدرة التي يحيط بها من
﴿إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى
الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله ما يحيط، مما لا يحصره وصف ولا
عدد. وهذا في رأي الأكثرين يشعر بالتعظيم والتكثير.
١٧
لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىِ ﴾﴾ أي ما
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى
مال بصر النبي وَل﴾ عما رآه، وما تجاوز ما رأى، فرؤية جبريل وغيره من
مظاهر ملكوت الله رؤية عين، وليست من خدع البصر، وهذا يؤكد أن
المعراج كان بالروح والجسد.
(١) ) ويقال : نَبْق بفتح النون وسكون الباء، وهي لغة المصريين، وكسر الباء أفصح .
(٢) شك من الراوي .
(٣) الفراش : دويَّة ذات جناحين، تتهافت في ضوء السراج، واحدتها فراشة.

١١٢
لُرُ (٢٧) - النَخَيْ: ٥٣ /١-١٨
لقد رأى في ليلة المعراج من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف، وهو
جبرائيل على صورته، وسائر عجائب الملكوت. وهذا كقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ
ءَايَِنَاً﴾ [الإسراء: ١/١٧] دون تحديد المرئي للإشارة إلى تعظيمه وتفخيمه وأهميته.
روى البخاري وغيره عن ابن مسعود أنه قال في الآية: رأى رَفْرَفاً أخضرَ من
الجنة قد سدَّ الأفق(١). وعن ابن زيد: أنه رأى جبريل بالصورة التي هو بها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - الله تعالى أن يقسم بما شاء، على ما شاء، في أي وقت يشاء، وقد
أقسم بالنجوم (على أن اللام للجنس) أو بالثريا (على أن اللام لتعريف العهد)
والعرب تسمي الثُريا نجماً، وإن كانت في العدد نجوماً. وأقسم به وقت هُويِّه
وغروبه لأنه الوقت الذي يستفاد منه لمعرفة الجهات، أما إذا كان في وسط
السماء، فيكون بعيداً عن الأرض، لا يهتدي به الساري، فإذا مال إلى
الغروب تبين جانب المغرب من المشرق، والجنوب من الشمال.
أَ- المقسم عليه الشهادة للنبي ◌ّ﴾ بأنه راشد تابع للحق ليس بضال،
والضال: الذي يسير على غير هدى بغير علم، والغاوي: وهو العالم بالحق
العادل عنه قصداً إلى غيره، والضلال في مقابلة الهدى، والغي في مقابلة
الرشد. وبه نزَّه الله تعالى رسوله ◌َ ل وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كاليهود
والنصارى.
٣- القرآن الكريم ليس كلاماً للرسول ◌َ لل وإنما هو وحي صادر من الله عز
وجل.
(١) قال ابن عباس أيضاً: رأى رفرفاً أخضر سدّ أفق السماء.

١١٣
الُ (٢٧) - النَمر: ٥٣ /١-١٨
٤ - قد يحتج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى (ج) من لا يجوِّز لرسول
الله ◌َّله الاجتهاد في الحوادث، وهذا خطأ؛ لأن المراد بالآية إثبات كون
القرآن وحياً من عند الله، والقرآن ذاته أمره بالاجتهاد، وقد اجتهد ◌َّ ر في
الحروب فيما لم يحرمه الله، وأذن لبعض المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك،
فعاتبه ربه بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣/٩].
٥- كان الوحي من الله تعالى على قلب نبيه وهو بوساطة جبريل، لقوله
وهو جبريل في قول سائر المفسرين، سوى
تعالى: ﴿عَلَّمَهٍُ شَدِيدُ اٌلْقُوَى
الحسن، فإنه قال: هو الله عز وجل.
وقد وصف الله جبريل بأنه ذو قوة فائقة علماً وعملاً وحصافة في العقل
ومتانة في الرأي.
٩- رأى النبي ◌َّله جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية مرتين: مرة
بدأت في أفق السماء، حينما استوى واستقام كما خلقه الله تعالى بالأفق
الشرقي العلوي، فسد المشرق لعظمته.
ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى، من الأرض، فنزل بالوحي على
النبي ◌َّ. وهذه هي المرة الأولى للرؤية، والنبي على الأرض. وكان جبريل
قريباً من النبي له بمقدار مسافة قوسين عربيتين أو أقل من ذلك.
١- لقد أوحى الله إلى محمد وَ ل عبده ورسوله ما أوحى، ولم يبين الموحى
به تفخيماً لشأن الوحي، أو أوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى إلى محمد
وَ له، أو أوحى جبريل إلى محمد مَ له ما أوحاه الله إليه وكلمه به. وعلى كل حال
مصدر الوحي الأصلي هو الله تعالى، وجبريل واسطة، ومحمد ◌َلله الموحى إليه.
والوحي: إلقاء الشيء بسرعة.
٨- لم يكذب قلب محمد وَّ ليلة المعراج ما رآه من جبريل على صورته

١١٤
الُ (٢٧) - التَيْ: ٥٣ /١-١٨
الحقيقية وآيات الله الإلهية العجيبة، وهي رؤية حقيقية بالبصر، وقيل: إنه رأى
ما رآه بقلبه.
1 - أنكر الله على كفار قريش ما أخبر به النبي ◌ّ ليلة المعراج، فقال: كيف
تجادلونه وتوردون شكوكم عليه، مع أنه رأى ما رأى عين اليقين؟!
٠ ١ - لقد رأى النبي ◌َّله جبريل عليه السلام مرة أخرى عند سدرة المنتهى
(وهي شجرة النَّبِقِ، وهي في السماء السادسة، أو في السماء السابعة، التي لا
يحيط بها وصف) عند جنة المأوى التي تأوي إليها أرواح الملائكة والشهداء
والمتقين، وينتهي إليها علم الأنبياء، ويعزب علمهم عما وراءها، كما قال
ابن عباس.
قال ابن مسعود فيما ذكره المهدوي، قال النبي ◌َّر: ((رأيت جبريل بالأفق
الأعلى، له ست مئة جناح، يتناثر من ريشه الدر والياقوت)) . والذي يغشى
السدرة مبهم للتفخيم والتعظيم، مثل أنوار الله تعالى، والملائكة، والخلائق
الدالة على عظمة الله تعالى.
١١ - لم يعدل بصر النبي وَ لّ يميناً ولا شمالاً عما رأى بعينه يقيناً، ولا تجاوز
الحد الذي رأى.
١٢ - لقد رأى النبي وَل من آيات ربه آيات هن أكبر الآيات، قال الرازي
معقباً على قول من قال: إنه رأى جبريل عليه السلام في صورته: الظاهر أن
هذه الآيات غير تلك.

١١٥
الُ (٢٧) - النَمر: ٥٣ /١٩-٢٦
منع الإشراك وبيان عدم فائدة الأصنام
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ
﴿ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ®
﴿ أَفَيْتُ الَّتَ وَالْعُزَّى
) إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤَّكُمْ مَّ
اُلْأُنثَى ®َ تِلْكَ إِذَا فِسْمَةٌ ضِيرَى
أَنزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن
وَكَم ◌ِّن
٢٥
﴿ أَمْ لِلِنسَنِ مَا تَعَنَّى ﴿ فَلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى
نَّتِهِمُ الْهُدَىّ
مَّلَكٍ فِى السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَبَرْضَ
٢٦٦
القراءات:
﴿وَمَنَوَةَ﴾:
وقرأ ابن كثير (منآءة).
ضِیری ﴾:
وقرأ ابن كثير (ضئزى).
﴿تَّتِهِمُ الْهُدَىَ﴾: قرئ:
١- (ربهِم) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (رَبَهُمُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٣- (ربِهِمُ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿أَفَرَّيُّ الَّتَ وَالْعُزَّىِ ﴿َ﴾ ﴿الَّتَ وَالْعُزَّى﴾: المفعول الأول، والمفعول
الثاني: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى

١١٦
الجُرَءُ (٢٧) - النخَيْر: ٥٣ /١٩-٢٦
﴿ضِيرَى﴾: أصلها ضوزی بوزن فُعْلی فقلب
﴿يِّكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى
إلى (فِعْلى) وإنما كان أصلها (فُعْلى) لأن (فِعْلى) ليست من أبنية الصفات،
وفُعْلى من أبنيتها، نحو حُبلى، ونظير ﴿قِسْمَةٌ ضِيرَى﴾: (مشیة حیکی) فقلبت
الضمة كسرة لتصح الياء.
﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ﴾ (كم): خبرية، في موضع
رفع بالابتداء، و﴿لَا تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ﴾: خبره، وجمع ضمير (كم) عملاً بالمعنى؛
لأن المراد بها الجمع. وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَآءُ﴾ أي يشاء شفاعته، فحذف المضاف
الذي هو المصدر، فصار: لمن يشاؤه، ثم حذف الهاء العائدة إلى (مَنْ) فصار
يشاء.
البلاغة:
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَ
استفهام توبيخي
٢٢
تِلَّكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَىٌ
٢١
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىِ ﴿٣ أَلَكُمُ
مع احتقار عقولهم. ﴿أَفَيْتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى ◌َ
الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ®﴾ مراعاة الفواصل وتوافق رؤوس الآيات الذي له وقع
على السمع، ويسمى بالسجع.
بينهما طباق.
١٢٥
{فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى
المفردات اللغوية:
﴿الَّتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَوَةَ﴾ أصنام العرب التي كانوا يعبدونها، فاللات كانت
لثقيف بالطائف أو لقريش بنخلة، سمي به؛ لأنه صورة رجل كان يلتّ السويق
بالسمن ويطعم الحاج. والعُزّى كانت لغطفان، وهي شجرة ببطن نخلة، بعث
النبي ◌َّ عام الفتح خالد بن الوليد ليقطعها، فجعل يضربها بفأسه ويقول:
يا عَزّ، كفرانكِ لا سبحانكِ إني رأيتُ الله قد أهانكِ
ومناة: صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وكانت دماء النسائك تُمتَى عندها،

١١٧
الُرءُ (٢٧) - التَجَيْش: ٥٣ /١٩-٢٦
أي تراق. ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ صفتان لتأكيد الذم، والأخرى: المتأخرة
الوضيعة القدر، من التأخر في الرتبة، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَهُمْ
لِأُولَئُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨/٧] أي قال أدنياؤهم أو وضعاؤهم لأشرافهم.
﴿فِسْمَةٌ ضِيرَىٌ﴾ قسمة جائرة، من ضاز يضيز ضيزاً، أي جار وظلم
جوراً. ﴿إِنْ هِىَ﴾ الأصنام المذكورة. ﴿سَمَيْتُمُوهَا﴾ سميتم بها، أي إن إطلاق
اسم الآلهة عليها مجرد تسميات لا مضمون لها، فليس فيها شيء من معنى
الألوهية. ﴿مَّ أَنزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ ما أنزل الله بعبادتها من حجة وبرهان.
﴿إِن يَقَبِعُونَ إِلَّ الَّنَّ﴾ أي ما يتبعون في عبادتها إلا مجرد الظن غير القائم على
الدليل، وإلا توهم أن ما هم عليه حق، فالمراد بالظن هنا التوهم. ﴿ وَمَا تَهْوَى
اُلْأَنفُسُ﴾ ما تشتهيه أنفسهم مما زين لهم الشيطان أنه تشفع لهم عند الله
تعالى. ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِنْ تَّهِمُ الْهُدَىَ﴾ البرهان القاطع وهو الرسول والكتاب،
فتركوه.
منقطعة، والهمزة فيها للإنكار، والمعنى
﴿أَمْ لِلِسَنِ مَا تَعَنَّى
بل ألكل إنسان منهم ما تمنى من أن الأصنام تشفع لهم؟ أي ليس له كل ما
يتمناه، والمراد نفي طمعهم في شفاعة الآلهة المزعومة . ﴿وَكَم مِّن مَّلَكِ﴾ أي
وكثير من الملائكة . ﴿لَا تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا﴾ لا تنفع شفاعتهم شيئاً. ﴿إِلَّا مِنْ
بَعْدٍ أَنْ يَأْذَنَ اُللَّهُ﴾ لهم في الشفاعة. ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾ من عباده. ﴿وَبَرْضَىّ﴾ عنه
ويراه أهلاً كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء:
٢٨/٢١] وقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِّ﴾ [البقرة: ٢٥٥/٢].
المناسبة:
بعد أن قرر الله تعالى الرسالة وصدق النبوة، ذكر ما ينبغي أن يبتدئ به
الرسول وهو التوحيد، ومنع الإشراك، وبيان عدم جدوى الأصنام في
الشفاعة عند الله تعالى بأسلوب فيه إنكار وتهكم وتوبيخ وإهدار لحرمة العقل

١١٨
الُ (٢٧) - الزمر: ٥٣ /١٩-٢٦
الذي يدين لغير الخالق الرزاق، ويعبد أحجاراً أو أشجاراً أو معادن صماء لا
تنفع ولا تضر.
التفسير والبيان:
يقرّع الله تعالى المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم
لها البيوت، مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام،
فيقول :
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٣)﴾ أنظرتم إلى اللات:
﴿ أَفَيُ اَلَّنْتَ وَالْعُزَّى
صنم ثقيف، والعزى: شجرة غَطَفان بين مكة والطائف، تعظمها قريش،
ومناة: صخرة لِهِذَيل وخُزاعة، وللأوس والخزرج بين مكة والمدينة، ثالثة
الصنمين والمتأخرة الوضيعة القدر، قال ذلك عنها للتحقير والذم؟ إنها أحجار
صماء أو أشجار تستنبت، فكيف تشركونها بالله، وهي مصنوعة لكم أو
مخلوقة غير خالقة؟! والله عز وجل الذي تعرفون عظمته في الكون، أليس هو
الأجدر والأحق بالعبادة؟!
وهذا تقريع شديد، وذم وتوبيخ، لوضع الشيء في غير محله، فكانت ثقيف
ومن تابعها يفتخرون باللات التي كانت صخرة بيضاء منقوش عليها بيت
بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهي في
الأصل صورة رجل كان يلت السويق للحجيج في الجاهلية، فلما مات عكفوا
على قبره، فعبدوه.
وكانت العُزّى شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف،
لغَطَفان، وكانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أُحُد: لنا العُزّى
ولا عُزّى لكم، فقال رسول الله وَله: ((قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم)).
وكانت مناة بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خُزاعة والأوس

١١٩
الْجُ (٢٧) - النَّشْ: ٥٣ /١٩-٢٦
والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويهلون منه للحج إلى الكعبة، وتذبح عندها
القرابين. وكانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر، تعظمها العرب
كتعظيم الكعبة غير هذه الثلاثة التي نصت عليها الآية، وإنما أفردت هذه
بالذكر؛ لأنها أشهر من غيرها.
وبعد بيان سخف عقولهم بعبادة الأصنام، وبخهم الله تعالى على شرك من
نوع آخر وهو جعل الملائكة بنات الله، فقال:
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْقَىِ ﴿َ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى (®َ﴾ أي أتجعلون الله
ولداً، ثم تجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكور؟ فلو اقتسمتم فيما
بينكم هذه القسمة، لكانت قسمة خارجة عن الصواب، جائرة عن الحق.
فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جوراً
[٣٩) ﴾ [الطور: ٣٩/٥٢].
وسَفَهاً؟! ونظير الآية: ﴿أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ
ثم أنكر الله تعالى عليهم ما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر
بعبادة الأصنام، وتسميتها آلهة، فقال:
﴿ إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءُ سَّيْثُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ﴾ أي ما
تسمية هذه الأصنام آلهة، مع أنها لا تبصر ولا تسمع، ولا تعقل ولا تفهم،
ولا تضر ولا تنفع إلا مجرد أسماء سميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم، وليس لها
مسميات حقيقية، اتخذتم ذلك أنتم وآباؤكم، قلّد الآخر فيها الأول، وتبع في
ذلك الأبناء الآباء، ولم ينزل الله بها من حجة ولا برهان تحتجون به على أنها
آلهة، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِةٍ إِلَّ أَسْمَاءَ سَفَيْتُمُوهَا
أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠/١٢].
ثم بَيَّن الله تعالى منشأ عبادتها، فقال:
﴿إِن يَتَبِعُونَ إِلَّ الَنَ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُّ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنْ تَّتِهِمُ الْهُدَىَ﴾ أي

١٢٠
الجزءُ (٢٧) - النَخَيْش: ٥٣ /١٩-٢٦
ما يتبعون في تسمية الأصنام آلهة إلا مجرد وهم أو ظن لا يغني من الحق شيئاً،
ولا يتبعون إلا ما تهواه نفوسهم وتميل إليه وتشتهيه، من غير التفات إلى ما هو
الحق الذي يجب اتباعه، مع أنه قد أتاهم من الله البيان الواضح الظاهر بأنها
ليست آلهة، وهو هذا القرآن الذي هو الحجة والبرهان من عند الله، على لسان
رسوله الذي بعثه الله إليهم، فأعرضوا عنه، ولم يتبعوا ما جاءهم به، ولا
انقادوا له.
ثم أوضح الله تعالى أن القضية ليست بالتمنيات والأماني، وأن هذه
الأصنام لا تفيدهم في شفاعة عند الله ولا في غيرها، فقال:
﴿أَمْ لِلْإِنسَنِ مَا تَعَّى ﴿ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُوْلَى ﴾﴾ أي بل أيمكن(١) أن
يكون للإنسان ما يتمنى؟ ليس كل من تمنى خيراً حصل له، وليس لهم ما
يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم، فسلطان الدنيا والآخرة
وملكهما والتصرف فيهما لله عز وجل، وليس للأصنام معه أمر في الدنيا ولا
في الآخرة(٢) ﴿لَيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ
بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
IPT [النساء: ١٢٣/٤] . وروى
أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إذا تمنى أحدكم فلينظر ما
يتمنى، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته)).
ثم بيِّن الله طريق قبول الشفاعة، فقال: ﴿﴿ وَكَمَ مِّن مَّلَكِ فِىِ السَّمَوَاتِ لَا
تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَّ (﴾﴾ أي وكثير
من الملائكة الكرام في السماوات، مع كثرة عبادتها وكرامتها على الله لا تشفع
لأحد إلا لمن أذن الله أن يشفع له، فكيف بهذه الجمادات الفاقدة العقل
والفهم؟!
(١) أم المنقطعة كما تقدم: بمعني بل الإضرابية وهمزة الاستفهام التي تفيد الإنكار.
٣٥ مسوقة لتقرير جهلهم واتباعهم الظن .
(٢) جملة ﴿فَلِلَّهِ اٌلْآَخِرَةُ وَالْأُولَى
.