Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ الُ (٢٧) - الدَّارَات: ٥١ /١٥-٢٣ فكما أنكم لا تشكون في نطقكم فكذلك هذا، كما تقول: إنه لحق، كما أنك تتكلم وترى وتسمع. وكان معاذ رضي الله عنه إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه: إن هذا لحق كما أنك ها هنا. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي عدي عن الحسن البصري أنه قال: بلغني أن رسول الله و ﴿ قال: ((قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم، ثم لم يصدقوا)). قال الأصمعي: أقبلت خارجاً من البصرة، فطلع أعرابي على قَعُود، فقال: من الرجل ؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، فقال، اتل عليّ، فتلوت ﴿وَاَلَّرِيَتِ﴾ فلما . بلغت قوله: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ فقال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها، ووزعها على الناس، وعمد إلى سيفه وقوسه، فكسرهما وولّ. فلما حججت مع الرشيد، طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفتُّ، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلَّم علي، واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، ثم قال: فهل غير هذا ؟ فقرأت: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ فصاح، فقال: ياسبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! لم يصدقوه بقوله، حتى ألجؤوه إلى اليمين؟! قالها ثلاثاً، وخرجت معها نفسه (١). وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبي ◌َّر، فسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦/١١] فرجع ولم يكلم النبي ◌ّ﴿ وقال: ((ليس الأشعريون بأهون على الله من الدواب)). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: (١) أسنده الثعلبي، راجع غرائب القرآن: ١٠/٢٧ - ١١، تفسير القرطبي: ٤٢/١٧. ٢٢ الُ (٢٧) - الدَّارَات: ٥١ /١٥-٢٣ اً - إن مآل المتقين في بساتين فيها عيون جارية، على نهاية ما يتنزه به، قابلين قبول رضا، قريرة أعينهم بما أعطاهم ربهم من الثواب وأنواع الكرامات. وهذا في مقابل مآل الكفار في نار جهنم في الآيات السابقة. أَ- أوصاف المتقين المذكورة في هذه الآيات تنحصر في إحسانهم العمل وأداء الفرائض قبل دخولهم الجنة في الدنيا، ومظاهر إحسانهم ثلاثة أشياء: تهجدهم بالليل بعد نومهم زمنا قليلاً، واستغفارهم من ذنوبهم بالأسحار (أواخر الليل قبيل الفجر) وأداء حقوق أموالهم من الزكاة المفروضة وصدقات التطوع على سبيل البر والصلة. وإنما أضاف المال إليهم، وفي مواضع أخرى قال: ﴿أَنِفِقُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧/٣٦] لأن هذه الآية للحث على الإنفاق، وأما الآية التي في هذه السورة فهي مدح على ما فعلوا، مما يدل على أنهم في غير حاجة إلى التذكير بالحرص المانع من النفقة. ٣- من أدلة قدرة الله على البعث والنشور: خلق الأرض والسماء والأنفس، ففي الأرض علامات على باهر قدرته، منها عود النبات بعد أن صار هشيماً، ومنها أنه قدّر الأقوات فيها قِواماً للحيوانات، ومنها سيرهم في البلدان التي يشاهدون فيها آثار الهلاك النازل بالأمم المكذبة، ولا ينتفع بتلك العلامات ولا يتدبر بها إلا الموقنون، وهم العارفون ربهم الموحّدون إلههم، المصدَّقون بنبوة نبيهم. وفي الأنفس البشرية آيات أيضاً للمتأملين المؤمنين الموقنين، من تركيب الجسم العجيب، وتلازم الروح والجسد، والعقل والفؤاد، والقوى ءِە والإرادات، لذا عقبه تعالى بقوله: ـرُونَ﴾ يعنى بصر القلب ليعرفوا ﴿ آفلا كمال قدرة الله تعالى. وهذا إشارة إلى دليل الأنفس، وهو كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣/٤١]. وفي السماء أسباب الرزق من مطر وثلج ينبت به الزرع، ويحيا به الخلق، ٢٣ الُرُ (٢٧) - الذَّارَات: ٥١ /٢٤-٣٧ وفيها تقدير ما يوعد به البشر من خير وشر، وجنة ونار، وثواب وعقاب. وفي الآيات الثلاث ترتيب حسن، فذكر الأرض وهي المكان، ثم عمرها وآنسها بالإنسان، ثم ذكر ما به بقاؤه وهو الرزق. ٤- أكد رب العزة ما أخبر به من البعث، وما خلق في السماء من الرزق، وما قدَّر من أقوات الحيوانات والنفوس البشرية، فأقسم عليه بأنه لحق، ثم أكده بقول: ﴿مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَطِقُونَ﴾ أي مثل نطقكم، أي إن ذلك ثابت حِسَّاً، كما يدرك الإنسان يسر نطقه وكلامه. وخص النطق من بين سائر الحواس؛ لأن ما سواه من الحواس يحدث فيه اللبس والتشبيه. وهذا قَسَم ثالث: فبعد أن أقسم تعالى بالأمور الأرضية وهي الرياح، ثم أقسم بالسماء في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُّكِ (4) أقسم هنا بالذات العلية، وهذا ترتيب منطقي سليم، يقسم المتكلم أولاً بالأدنى، فإن لم يصدق به، يرتقي إلى الأعلى. قصة ضيف إبراهيم ومهمتهم في إهلاك قوم لوط ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ ﴿ فَقَرَّهُ: إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ سَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (® فَأَقْبَلَتِ ٢٨ تَأْكُلُونَ ﴿ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّلِيٍّ إِنَّهُ ٢٩ أَمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَمُ عَقِيمٌ قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآَ ٣١ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ٣٠ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ إِلَى قَوْرٍ مُّجْرِمِينَ ( ٣٢ لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ٣٣ ◌ُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَا وَجَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ٣٥ فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٣٤٦ (٣٧) وَتَرَّكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ٣٦ ٢٤ الجُزءُ (٢٧) - الدَّاريات: ٥١ /٢٤-٣٧ القراءات: ﴿قَالَ سَلَمٌ﴾ وقرأ حمزة والكسائي (قال سِلْم). الإعراب: ﴿ فَقَالُواْ سَلَمًّا قَالَ سَلَمٌ﴾ ﴿سَلَمًّا﴾: منصوب على المصدر أو بوقوع الفعل عليه و﴿سَلَمٌ﴾: إما مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: سلام عليكم، وجاز الابتداء؛ لأنه في معنى الدعاء أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أمري سلام عليكم. و﴿قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ خبر مبتدأ، أي أنتم. ﴿فِى صَرَّةِ﴾ متعلق بمحذوف حال، أي كائنة. ﴿ وَقَالَتْ عَجُزُ عَقِيمُ﴾ لم يقل: عقيمة؛ لأن ﴿عَقِيمُ﴾ فعيل بمعنى مفعول، وهذه الصيغة لا تثبت فيها الهاء، تقول: عين كحيل، وكف خضيب، ولحية دهين، أي عين مكحولة، وكف مخضوبة، ولحية مدهونة، وذلك للتفرقة بين فعيلة بمعنى مفعولة، وفعيلة بمعنى فاعلة، نحو: شريفة وظريفة ولطيفة، وعقيم بمعنى معقومة، لا بمعنى فاعلة، فلم تثبت فيها الهاء. ﴿قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ﴾ الكاف في ﴿كَذَلِكِ﴾ صفة مصدر محذوف، تقديره: قال ربك قولاً كذلك، أي مثل ذلك. البلاغة: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ ● أسلوب التشويق والتفخيم، لتفخيم شأن الحديث. ﴿قَوٌّْ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿عَجُ عَقِيمُ﴾ إيجاز بالحذف، أي أنتم قوم منكرون، وأنا عجوز عقیم. ٢٥ الُرءُ (٢٧) - الذَّارَاتِ: ٥١ /٢٤-٣٧ المفردات اللغوية: ﴿هَلْ أَنَكَ﴾ خطاب للنبيِنَُّ ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ﴾ ضيوف، وضيف في الأصل، مصدر، ولذلك يطلق على الواحد والجماعة، كالزّور والصوم، وكانوا اثني عشر مَلَكاً، أو تسعة عاشرهم جبريل، أو ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وسماهم ضيفاً؛ لأنهم كانوا في صورة الضيف . ﴿اُلْمُكْرَمِينَ﴾ لأنهم في أنفسهم مكرمون، كما قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ شُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٢٦] أو لأن إبراهيم خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم القِرى. ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ ظرف لحديث ضيف، أو للضيف أو المكرمين. ﴿فَقَالُواْ سَلَمَّا﴾ قالوا هذا اللفظ أو نسلم عليك سلاماً . ﴿قَالَ سَلَمٌ﴾ أي عليكم سلام، عدل به إلى الرفع بالابتداء، لقصد الثبات حتى تكون تحيته أحسن من تحيتهم . ﴿قَوْمٌ مُكَرُونَ﴾ أي أنتم قوم غير معروفين، قال ذلك في نفسه، أو صرح به للتعرف عنهم أو بهم. ﴿فَغَ إِلَ أَهْلِهِ﴾ ذهب إليهم في خِفْية من ضيفه، أو مال إليهم سراً، قال الزمخشري: ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يباده بالقِرى من غير أن يشعر به الضيف، حذراً من أن يكفه ويعذره. ﴿فَجَآءَ بِعِجْلِ سَمِينٍ﴾ ممتلئ شحماً ولحماً لأنه كان عامة ماله البقر، وفي سورة هود: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (٦٩) أي مشوي. ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ وضعه بين أيديهم. ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ منه؟ أي عرض عليهم الأكل فلم يجيبوا . ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِفَةٌ﴾ أضمر في نفسه منهم خوفاً، لما رأى إعراضهم عن طعامه؛ لظنه أنهم جاؤوه لشرّ. ﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ﴾ إنا رسل الله. ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ﴾ أي ذي علم كثير، هو إسحاق عليه السلام، كما ذکر في هود. ﴿ أَمْرَأَتُهُ﴾ هي سارّة رضي الله عنها لما سمعت بشارتهم له، وكانت في زاوية ٢٦ الُرُ (٢٧) - الدّاريات: ٥١ /٢٤-٣٧ تنظر إليهم . ﴿ فِى صَرَّةِ﴾ في صيحة، أي جاءت صائحة. ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ لطمته بأطراف أصابعها عجباً وحياء، بأن ضربت بيدها على جبهتها. ﴿ وَقَالَتْ ◌َجُ عَقِيمٌ﴾ أي أنا عجوز كبيرة السن، عاقر لم ألد قط، فكيف ألد؟ وكان عمرها تسعاً وتسعين سنة (٩٩) وعمر إبراهيم مئة أو مئة وعشرين. ﴿قَالُواْ كَذَلِكِ﴾ أي مثل ذلك الذي بشرنا به . ﴿قَالَ رَبُّكٍ﴾ هو قول الله، إنما نخبرك به عنه ﴿اَلْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ ذو الحكمة في صنعه، والعلم الواسع بخلقه. ﴿فَا خَطِبُكُمْ﴾ ما شأنكم الخطير، قال ذلك لما علم أنهم ملائكة، وأنهم لا ينزلون مجتمعين إلا لأمر عظيم سأل عنه. ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ﴾ كافرين، هم قوم لوط . ﴿حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ مطبوخة بالنار وهو السجيل: الطين المتحجر . ﴿ُسَوَّمَةً﴾ مُعْلَمة من السُّومة: وهي العلامة. ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ المجاوزين الحدَّ في الفجور، بإتيانهم الذكور، مع كفرهم. ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾ في قرى قوم لوط، وأضمرت ولم تذكر سابقاً؛ لكونها معلومة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممن آمن بلوط، بقصد إهلاك الكافرين. ﴿غَيِّرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي غير أهل بيت من المسلمين، وهم لوط وابنتاه وأتباعه إلا امرأته، أي مصدقون بقلوبهم عاملون بجوارحهم الطاعات. واستدل به على اتحاد الإسلام والإيمان، لكنه - كما قال البيضاوي - استدلال ضعيف؛ لأن المراد اجتماع الصفتين فيهم، وذلك لا يقتضي اتحاد مفهومهما. ﴿ وَرَّكَا فِيهَا﴾ بعد إهلاك الكافرين. ﴿ءَايَةً﴾ علامة دالة على ما أصابهم من الهلاك. ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ لمن خافوا عذاب الله المؤلم، فلا يفعلون مثل فعلهم. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى إنكار مشركي مكة للبعث والنشور، آنس قلب ٢٧ اِلُ (٢٧) - الذَّارَاتِ: ٥١ /٢٤-٣٧ رسوله ◌َله ببيان أن غيره من الأنبياء عليهم السلام كان مثله، فقد أُوذوا من أقوامهم، وأعرض هؤلاء عن دعوة رسلهم. وبدأ تعالى بقصة إبراهيم بعد إيرادها في سورة هود والحجر؛ لكونه شيخ المرسلين، وكون النبي عليه الصلاة والسلام على سنته، وإنذاراً لقومه بما جرى من الضيف، وبياناً لإنزال الحجارة على المذنبين المضلين، حتى يتعظ أو يعتبر كفار قريش وأمثالهم إلى يوم القيامة. ثم سألهم إبراهيم عن شأنهم وسبب مجيئهم، فأخبروه بأنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط بحجارة من سجيل بها علامة تدل على أنها أعدت لهم. التفسير والبيان: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَهِّا قَالَ أي هل بلغك خبر قصة إبراهيم عليه السلام مع سَلَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ (®] ضيوفه الملائكة المكرّمين عند الله سبحانه الذين جاؤوا إليه في صورة بني آدم، وهم في طريقهم إلى قوم لوط، فدخلوا عليه وسلموا بقولهم: سلاماً، أي نسلم عليك سلاماً، فأجابهم بأحسن من تحيتهم بما يدل على الثبات، فقال سلام عليكم، إنكم قوم لا أعرفكم من قبل، فمن أنتم؟ وقيل: إنه قال ذلك في نفسه، ولم يخاطبهم به؛ لأن هؤلاء الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قدموا عليه في صورة شبان حسان عليهم مهابة عظيمة. ابتدأ الله تعالى بالاستفهام التقريري تفخيماً لشأن الحديث، ولفتاً للنظر والانتباه، مع تهديد العرب ووعيدهم ووعظهم، وتسلية الرسول بي ليه على ما يجري عليه من قومه، وأطلق عليهم صفة الضيف حيث أضافهم إبراهيم عليه السلام، والضيافة سنة، وذهب أحمد وجماعة إلى وجوب الضيافة للنزيل، وحيّوه بصيغة (سَلَمًا﴾ التي هي دعاء، فردّ عليهم الخليل مختاراً الأفضل من التسليم، فقال ﴿سَلَمٌ﴾ لأن الرفع أقوى وأثبت من النصب؛ لدلالته على الثبات والدوام. والظاهر الذي يناسب حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه ٢٨ لُ (٢٧) - الذَّارَاتِ: ٥١ /٢٤-٣٧ لم يقل لهم: ﴿قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ﴾ ولم يخاطبهم بذلك، بل أسرَّها في نفسه، فقال: هؤلاء قوم منكرون، أو قال ذلك لمن معه من أتباعه وخدمه وجلسائه؛ لأن التصريح بمثل هذا فيه إيحاش للضيف وعدم إيناس. ٣٧ فَقَرَّبَهُ: إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُونَ ٢٦ ﴿فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ أي عدل أو ذهب إلى أهله خفية من ضيوفه في سرعة، فقدم إليهم عجلاً سميناً مشوياً، كما في سورة هود: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ﴾ (٦٩) أي مشوي على الرُّضف (الحجارة المحماة)،. وبعد أن أدناه منهم ووضعه بين أيديهم دعاهم بتلطف وأدب، وعَرْض حسن قائلاً مستحثاً: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؟ وقد انتظمت الآية آداب الضيافة، فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، دون سابق عرض؛ لأن إبراهيم عليه السلام كان جواداً كريماً، وأتى بأفضل ماله، وهو عجل فتّ سمين مشوي، لأن جلّ ماله كان البقر، ووضعه بين أيديهم، ودعاهم على سبيل التلطف في العرض قائلاً: ألا تأكلون؟ فأعرضوا؛ لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون. ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ أي فلما أعرضوا عن الطعام ولم يأكلوا، أحسّ في نفسه خوفاً منهم، على عادة الناس أن الامتناع عن الطعام لشّ مبيت، وأن من أكل من طعام إنسان، صار آمناً منه، فظن إبراهيم عليه السلام أنهم جاؤوا للشر، ولم يأتوا للخير، كما في سورة هود: ﴿فَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ﴾ [هود: ٧٠/١١]. ﴿قَالُوْ لَا تَخَفْ وَبَشَرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ﴾ أي قالت الملائكة لإبراهيم: إننا ملائكة رسل من الله تعالى، كما في آية أخرى: ﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠/١١]. وبشروه(١) بغلام يولد له، كثير العلم بعد البلوغ، وهو إسحاق عليه (١) وفي سورة الصافات: ﴿وَبَشَّرْنَهُ﴾ أي بواسطة الملائكة. ٢٩ الزُرُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /٢٤-٣٧ السلام، كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١/١١] وتضمنت البشارة شيئين مفرحين، هما كونه غلاماً ذكراً، وكونه عالماً، والعلم أكمل الصفات. ﴿ فَقْبَتِ آَمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُورُ عَقِيمُ (®﴾ أي فلما سمعت امرأته سارّة بشارتهم، وكانت في ناحية من البيت تسمع كلامهم، أقدمت صائحة صارخة، وضربت بيدها على وجهها، كما هي عادة النساء عند التعجب، وقالت: كيف ألد، وأنا كبيرة السن، وعقیم لا تلد، حتى في عهد شبابها، كما جاء في آية أخرى: ﴿قَالَتْ يَوَيِّلَتَ ءَأَلِّدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى [هود: ١١ / ٧٢] . ٧٢ شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ ﴿قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِمُ ﴾﴾ أي كما قلنا لكِ وأخبرناكِ قال ربُّكِ، فلا تشكّي في ذلك، ولا تعجبي منه، فنحن رسل الله، والله على كل شيء قدير، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله، العليم بما تستحقونه من الكرامة وبكل شيء في الكون، كما جاء في آية أخرى: ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ [هود : أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَكَنُهُ, عَلَيْكُمْ أَهْلَ اُلْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ فَجِيدٌ ٧٣/١١] . وهذه المفاوضة لم تكن مع سارّة فقط، بل كانت مع إبراهيم أيضاً، حسبما تقدم في سورة الحجر (٥٣ -٥٤)، وإنما لم يذكر هنا اكتفاء بما ذكر هناك، كما أنه لم يذكر هناك اكتفاء بما ذكر هنا وفي سورة هود (٧٢). ويكون استبعادها الولد لسببين: كبر السن، والعقم، فكأنها قالت: يا ليتكم دعوتم دعاء قريباً من الإجابة، ظناً منها أن ذلك منهم، مثلما يصدر من الضيف من مجاملات الأدعية، كقوله: الله يعطيك مالاً ويرزقك ولداً، فقالوا: هذا منا ليس بدعاء، وإنما ذلك قول الله تعالى: ﴿قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ ثم دفعوا استبعادها بقولهم: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِمُ﴾(١). (١) تفسير الرازي : ٢١٥/٢٨. ٣٠ الخُرُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /٢٤-٣٧ والسبب في اختلاف تذييل الآيتين حيث قال هنا: ﴿اُلْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ وفي هود قال: ﴿حَمِيدٌ تَجِيدٌ﴾: أنهم في سورة هود نبهوها إلى القيام بشكر نعم الله، فناسب قولهم ﴿حَميدٌ نَجِيدٌ﴾ لأن الحميد: هو الذي يستحق الحمد والشكر لصدور الأفعال الحسنة منه، والمجيد: المجد الذي يستحق الحمد بنفسه وبمجده. وأما هنا فأرادوا التنبيه إلى الحكمة العامة من الولادة في الكبر وبعد العقم طوال الحياة. وهي الدلالة على حكمته وعلمه، فهو حكيم في فعله يضع الأمور في نصابها، عليم بشؤون خلقه (١). وبعد بشارة الملائكة إبراهيم عليه السلام بالغلام، سألهم عن شأنهم وسبب مجيئهم : قَالَ فَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا أَلْمُرْسَلُونَ (﴿3﴾ أي فما شأنكم الخطير، وفيم جئتم، وما قصتكم المثيرة، وما سبب إرسالكم من جهة الله؟ فأجابوه: ﴿ قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْرٍ تُجْرِمِينَ ٣٣ لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ٣٢ تُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ أي قالت الملائكة رسل العذاب ورسل البشرى: إنا بعثنا إلى قوم لوط الذين أجرموا بالكفر وارتكاب الفواحش، لنرجمهم بحجارة من طين متحجر، مطبوخ بالنار، كالآجرّ، معلمة بعلامات تعرف بها، مخصصة عند الله لهلاك المتمادين في الضلالة، المجاوزين الحد في الفجور. ثم أخبرنا الله تعالى عن أن هذا العذاب ليس عشوائياً يصيب الصالح والطالح، وإنما فيه تمييز المؤمنين عن المجرمين، فقال: (١) المرجع والمكان السابق . ٣١ الُرُ (٢٧) - الذَّارِيَاتِ: ٥١ /٢٤-٣٧ ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ أي لما أردنا إهلاك قوم لوط، أخرجنا من كان في تلك القرى من قومه ٣٦ المؤمنين به، تنجية لهم من العذاب، فلم نجد غير أهل بيت واحد أسلم وجهه لله، وانقاد لأوامره، واجتنب نواهيه، وهو بيت لوط بن هارون-أخي إبراهيم - بن تارح، أي كان لوط ابن أخي إبراهيم الخليل عليهما السلام، آمن بعمِّه، وتبعه في رحلاته إلى مصر، ثم تركه عن تراض، ونزل إلى سَدُوم في الأردن. وكان أولئك المؤمنون هم لوط وأهل بيته إلا امرأته، قال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر. ونحو الآية: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَاً لَتُنَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٣٢/٢٩]. وقد احتج بهذه الآية المعتزلة الذين لا يفرقون بين مسمى الإيمان والإسلام؛ لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين. قال ابن كثير: وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قوماً مؤمنين ومسلمين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتفق الاسمان ها هنا، لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال. والدليل على التفرقة بين الإسلام والإيمان الآية السابقة: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَنْكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤/٤٩]. وحديث الصحيحين عن عمر رضي الله عنه: ((أن جبريل سأل رسول الله وَله، فقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله وَ له: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقتَ، فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه، قال: صدقتَ)) . ٣٢ الجُزءُ (٢٧) - الدَّارَاتِ: ٥١ /٢٤-٣٧ ثم أورد الله تعالى العبرة من قصة قوم لوط، فقال: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (®﴾ أي وأبقينا في تلك القرى علامة ودلالة لكل من يخاف عذاب الله ويخشاه وهم المؤمنون، وهي آثار العذاب المدمر المؤلم، فإنها ظاهرة مبيّنة، جعلناها عبرة بما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وقلبنا ديارهم عاليها سافلها، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، وهي بحيرة طبرية. ونظير الآية: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا ﴾ [العنكبوت: ٣٥/٢٩]. ١٣٥ مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وهذا دليل على أنه إذا غلب الشر والكفر والفسق، كان الدمار والهلاك. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي فيما تضمنته من قصتين: قصة البشارة بإسحاق، والإخبار بإهلاك قوم لوط، فمن القصة الأولى يستفاد ما يلي: اً - ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام ليبين بها أنه أهلك المكذب بآياته، كما فعل بقوم لوط. لَ - وصف الله سبحانه الملائكة بكونهم ضيوفاً، ولم يكونوا كذلك، إكراماً لإبراهيم عليه السلام في حسابه وظنه، فلم يكذبه الله تعالى في ذلك. وهم أيضا عباد مكرمون عند الله عز وجل، وعند إبراهيم عليه السلام؛ إذ خدمهم بنفسه وزوجته، وعجّل لهم القِرى، ورفع مجالسهم، كما في بعض الآثار. ◌َّ- السنة التحية لكل قادم على غيره، وهي السلام، فقال الملائكة: نسلم عليك سلاماً، والمراد من السلام هو التحية وهو المشهور، فأجابهم إبراهيم عليه السلام بأحسن من تحيتهم، فقال : سلام عليكم، أي سلام دائم ثابت لا ٣٣ الجُرعُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /٢٤-٣٧ يزول؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاْ﴾ [النساء: ٨٦/٤] . ٤ - أنكرهم إبراهيم عليه السلام للسلام الذي هو علم الإسلام والذي لم يكن شائعاً في قومه الكفرة، ولأنهم عليهم السلام غرباء غير معروفين، ولأن أوضاعهم وأشكالهم خلاف ما عليه الناس، ولإمساكهم عن الكلام. ٥- بادر إبراهيم عليه السلام إلى إكرامهم، لما اشتهر عنه من الكرم، ولأن الضيافة من آداب الدين، وكان في إعداده الطعام لهم في غاية الأدب والتكريم والسمو، يقال: إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه؛ لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام. واختار الأجود، فقدَّم إليهم الطعام الدسم وهو عجل سمين مشوي على الحجارة المحماة، وعرض عليهم الأكل بتلطف وعرض حسن دون أمر، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل: كلوا. وأظهر السرور بأكلهم، وكان غير مسرور بتركهم الطعام، كما يوجد من بعض البخلاء المتكلفين الذين يحضرون طعاماً كثيراً، ثم يترقبون إمساك الضيف عن الأكل. أَ - أحسَّ إبراهيم منهم الخوف في نفسه، على عادة الناس أن من يمتنع من مؤاكلة المضيف يضمر شراً مبيتاً، فطمأنوه وقالوا له: لا تخف، وأعلموه أنهم ملائكة الله ورسله، وبشروه بولد يولد له من زوجته سارّة. ٧- لما سمعت زوجته بالبشارة، تعجبت وصاحت كما جرت عادة النساء، حيث يسمعن شيئاً من أحوالهن، يصحن عند الاستحياء أو التعجب، وكان تعجبها لأمرين: كِبَر السن والعقم. ٨- أجابها الملائكة بأن ما قالوه وأخبروا به هو قول الله وحكمه، فلا يصح أن تشك فيه، وكان بين البشارة والولادة سَنَة، وكانت سارّة لم تلد قبل ٣٤ الُعُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /٢٤-٣٧ ذلك، فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن مئة سنة، والله حكيم فيما يفعله، عليم بمصالح خلقه. وأما القصة الثانية ففيها ما يأتي: اً - أدرك أبو الأنبياء إبراهيم أن وراء وفد الملائكة الجماعي شيئاً خطيراً، فبعد أن علم وتيقن أنهم ملائكة أرسلوا لأمر خطير، قال لهم: فما شأنكم وقصتكم أيها الملائكة المرسلون سوى البشارة؟ وإنما عرف كونهم مرسلين لقولهم هنا: ﴿ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ﴾ فهذا يدل على كونهم منزلين من عند الله، حيث حكوا قول الله. ◌َ- أجابوه بأنهم أرسلوا إلى قوم مجرمين هم قوم لوط، لرجمهم بحجارة معروفة بأنها حجارة العذاب، قيل: على كل حجر اسم من يهلك به. وإنما قال: ﴿مِّنْ طِينٍ﴾ لإفادة أن الحجارة من طين متحجر وهو السجّيل، ولدفع توهم كونها بَرَداً، فإن بعض الناس يسمي البَرد حجارة. ◌ّ- كانت الحاجة إلى قوم من الملائكة، مع أن الواحد منهم يقلب المدائن بريشة من جناحه، إظهاراً لقدرة الله وتعظيمه وشدة سلطانه وغلبة جنده. ٤- جرت سنة الله تعالى في إنزال الهلاك والدمار العام بإنجاء المؤمنين وتمييزهم، فلما أراد إهلاك قوم لوط أمر نبيه لوطاً بأن يخرج هو مع المؤمنين من أهل بيته إلا امرأته، لئلا يهلك المؤمنون، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود: ٨١/١١]. ٥- دلّ قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فائدتین(١): علی (٣٥) (١) تفسير الرازي : ٢١٨/٢٨ ٣٥ الُعُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /٢٤-٣٧ إحداهما - بيان القدرة والاختيار، لتمييز الله المجرم عن المحسن. الثانية- بيان أنه ببركة المحسن ينجو المسيء، فإن القرية ما دام فيها المؤمن لم تهلك، فلما خرج من القرية آل لوط المؤمنون، نزل العذاب بالباقين. ﴾ على أن أَ- دل قوله تعالى: ﴿فَا وَحَدْنَا فَِهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ الكفر إذا غلب، والفسق إذا عمَّ وفشا، لا تنفع معه عبادة المؤمنين. أما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة، وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون، فلا عذاب. لاً- المؤمنون والمسلمون من آل لوط سواء، لكن في الحقيقة: الإيمان: تصديق القلب، والإسلام: هو الانقياد بالظاهر لأحكام الله، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، فسمَّاهم تعالى في الآية الأولى مؤمنين؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. قال الرازي مؤيداً التفرقة بين الإيمان والإسلام: والحق أن المسلم أعم من المؤمن، وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه، فإذا سمي المؤمن مسلماً لا يدل على اتحاد مفهوميهما، فكأنه تعالى قال: أخرجنا المؤمنين، فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتاً من المسلمين، ويلزم من هذا ألا يكون هناك غيرهم من المؤمنين. ٨- إن في تعذيب قوم لوط على الكفر وفاحشة اللواط عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن بعدهم، غير أن المنتفعين بالعظة والعبرة هم الذين يخشون الله ويخافون عقابه، والمنتفع بها هو الخائف. وقد عبر عن ذلك في آية أخرى بأبلغ وجه حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [العنكبوت: ٣٥/٢٩] فقد وصف الآية بالظهور، وقال: ﴿مِنْهَا﴾ لا ٣٥ (فيها) المفيدة للتبعيض، فكأنه تعالى قال: من نفسها لكم آية باقية، وذكر أن المنتفع هو العاقل، والعاقل أعم من الخائف، فكانت الآية في العنكبوت أظهر؛ لأن القصد هناك تخويف القوم، وها هنا تسلية القوم، ويؤكده أنه قال ٣٦ الخُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ /٣٨-٤٦ هناك: ﴿إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ﴾ من غير بيان واف بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم، وقال هنا: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٠َ فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ ٣٦ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ قصص أنبياء آخرين مع أقوامهم فَتَوَلَّ بِّكْتِهِ، وَقَالَ سَحِرٌ أَوْ ٣٨ ﴿وَفِي مُوسَىّ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَ فِرْعَوْنَ بِسُلْطٍَ مُّبِيٍ وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ فَأَخَذْنَهُ وَحُدَهُ فَبَذْنَهُمْ فِ اَلْبِمَ وَهُوَ مُلِيمٌ مَجْنُونٌ اُلْرِّيحَ الْعَقِيَمَ ﴿ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَلَّمِ ﴿ وَفِى ثَمُودَ إِذْ فَعَنَوْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتُهُمُ الصَّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ٤٣ قِيلَ لَمْ تَمَنَّعُواْ حَتَّى حِينٍ ( وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ ٤٥ فَا أُسْتَطَعُواْ مِن قِيَاءٍ وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ ٤٤ ٤٦ قَوْمًا فَسِقِينَ القراءات: ﴿قِيلَ﴾ : بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة. ﴿ الصَّنْعِقَةُ﴾ : وقرأ الكسائي (الصعقة). ﴿وَقَوْمَ﴾: قرئ: ١- (وقومٍ) وهي قراءة أبي عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (وقومَ) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿وَفِى مُوسَىّ إِذْ أَرْسَلَهُ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَفِى الْأَرْضِ ◌َتٌ﴾ وتقديره: وفي موسى آيَات. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ الجملة حال من ضمير ﴿فَأَخَذْنَهُ ٣٧ الجُزُ (٢٧) - الذَّارِيَاتِ: ٥١ /٣٨-٤٦ وكذلك التقدير في قوله تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ وكذلك التقدير في قوله تعالى: ﴿وَفِ ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ﴾ وكذلك التقدير في قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ عند من قرأ بالجر، ومن قرأ بالنصب فهو منصوب بفعل مقدر، تقديره: أهلكنا قوم نوح، أو اذكر قوم نوح. البلاغة: ﴿فَتَوَلَّى بِرَكْتِهِ﴾ استعارة، استعار الركن للجنود والجموع: لأنه يتقوى بهم، ويعتمد عليهم كما يعتمد على الركن في البناء. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ مجاز عقلي: أطلق اسم الفاعل على اسم المفعول، أي ملام علی طغيانه. ﴿ اَلْرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ استعارة تبعية في قوله: ﴿اَلْعَقِيمَ﴾ شبه استئصالهم بعقم النساء، ثم أطلق المشبه به على المشبه، واشتق منه العقيم بطريق الاستعارة. المفردات اللغوية: ﴿وَفِ مُوَسَىَ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَفِ اُلْأَرْضِ﴾ قال الزمخشري وابن عطية: وهذا بعيد جداً ينزّه القرآن عن مثله. والأصح العطف على قوله: ﴿ وَرَّكْنَا فِيهَا﴾ والمعنى: وجعلنا في قصة موسى آية. ﴿بِسُلْطَانٍ مُِّينٍ﴾ أي مصحوباً متلبساً بسلطان مبين، أي بحجة واضحة هي معجزاته، كاليد والعصا. ﴿فَتَوَلَى﴾ أعرض عن الإيمان. ﴿بِّكِْهِ،﴾ أي كقوله: نأى بجانبه، أو فتولى عن الإيمان مع جنوده وأتباعه: لأنهم له كالركن، والأصل في الركن : ما يُركّن إليه الشيء ويُتقوَّى به، والمراد هنا: جنوده وأعوانه، كما في آية: ﴿أَوْ ءَوِىّ إِلَى زَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠/١١]. ٣٨ الُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ٣٨-٤٦ ﴿وَقَالَ﴾ لموسى. ﴿سَحِرٍ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ أي هو ساحر أو مجنون، كأنه نسب الخوارق إلى الجنّ . ﴿فَنَبَذْنَهُمْ﴾ طرحناهم. ﴿فِِ الْيَّ﴾ في البحر .. ﴿وَهُوَ مُّلِيمٌ﴾ آتٍ بما يُلام عليه من الكفر والعناد وتكذيب الرسل ودعوى الربوبية. ﴿وَفِ عَادٍ﴾ أي وفي إهلاك عاد آية. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَّهِمُ الْرِيحَ اَلْعَقِيمَ﴾ حين أرسلنا عليهم الريح العقيم، سماها عقيماً؛ لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم، أو لأنها لا خير ولا منفعة فيها، فلا تحمل المطر ولا تلقح الشجر، وهي الدَّبور أو الْجَنُّوب أو النَّكْباء . ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ﴾ أي ماتترك شيئاً مرّت عليه . ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ كالرماد، أو كالشيء البالي المتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك. مأخوذ من الرم: وهو البلى والتفتت. ﴿وَفِىِ ثَمُودَ﴾ أي وفي إهلاك ثمود آية. ﴿إِذْ قِلَ لَمْ﴾ بعد عقر الناقة. ﴿تَمَنَّعُواْ حَتَّى حِينٍ﴾ إلى انقضاء آجالكم. ﴿فَعَنَوْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ استكبروا عن امتثال أمره . ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ﴾ أي العذاب بعد الثلاثة أيام، كما في آية: ﴿ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ﴾ [هود: ٦٥/١١]، والصاعقة: نار نازلة بسبب احتكاكات كهربية، وهي الصيحة المهلكة التي صعقتهم .﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليها، فإنها جاءتهم معاينة بالنهار. ﴿فَا أُسْتَطَعُواْ مِن قِيَامٍ﴾ ما قدروا على النهوض حين نزول العذاب، وهو كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧/١١] . ﴿وَمَا كَانُواْ مُنْتَصِرِينَ﴾ أي ممتنعين من العذاب وعلى من أهلكهم. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أي وأهلكنا قوم نوح، ومن قرأ بالجر فهو عطف على ثمود، أي وفي إهلاكهم آية . ﴿مِّن قَبْلُ﴾ قبل إهلاك هؤلاء المذكورين .﴿فَسِقِينَ﴾ خارجين من طاعة الله، متجاوزين حدوده. المناسبة: بعد بيان العظة والعبرة في قصتي إبراهيم ولوط عليهما السلام، من أجل ٣٩ الُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ٣٨-٤٦ الإيمان بقدرة الله، عطف تعالى على ذلك قصص أقوام آخرين، عذبوا على تكذيب الرسل بعذاب الاستئصال، وهم فرعون موسى وأتباعه، وعاد وثمود وقوم نوح، وقد تبين في تعذيبهم نهاية الطغاة والمكذبين والكفار الظالمين، ليثوب الناس إلى رشدهم، ويؤمنوا بالله وبالبعث، ويكفّوا عن تكذيب الرسول ◌َّله والكفر برسالته. التفسير والبيان: فَتَوَّ بِّكْتِهِ، وَقَالَ سَحِر ٣٨ ﴿وَفِى مُوسَىّ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطٍَ مُِّيٍ أَوْ مَجْنُنٌ (49﴾ أي وتركنا في قصة موسى عليه السلام آية وعبرة، حين أرسلناه إلى الطاغية فرعون الجبار بشيراً ونذيراً بحجة ظاهرة واضحة هي المعجزات كالعصا واليد وما معها من الآيات. فأعرض استكباراً وعناداً ونأى عن آياتنا بجانبه، واعتز بجنده وجموعه وقوته، وقال محقراً شأن موسى: هو إما ساحر أو مجنون، إذ لم يستطع تفسير مارآه من الخوارق، إلا بنسبته إلى السحر أو الجنون، كما في آية أخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَحِرْ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤/٢٦] وآية: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (ِبَ﴾ [الشعراء: ٢٧/٢٦]. ﴿فَأَخَذْنَهُ وَحُدَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِ أَلَّيِمِ﴾ أي فأخذناه مع جنوده أخذ عزيز مقتدر، فألقيناهم في البحر، وفرعون آتٍ بما يلام عليه من الكفر والطغيان وادعاء الربوبية والعناد والفجور. وهذا دليل آخر على عظمة القدرة الإلهية على إذلال الجبابرة، جزاء عتوهم واستكبارهم في الأرض بغير الحق. ثم ذكر الله تعالى قصة عاد، فقال: ٤١ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَهِمُ الْرِّيحَ الْعَقِيمَ ( ٤٠ لُعُ (٢٧) - الذاريات: ٥١ / ٣٨-٤٦ 4) أي وتركنا أيضاً في قصة عاد آية وعبرة، حین أرسلنا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ عليهم ريحاً صرصراً عاتية، لا خير فيها ولا بركة، ولا تلقح شجراً، ولا تحمل مطراً، إنما هي ريح الإهلاك والعذاب، فلا تترك شيئاً مرّت عليه من الأنفس البشرية والأنعام والأموال إلا جعلته كالشيء الهالك البالي. ثم أبان الله تعالى قصة ثمود، فقال: فَعَنَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٤٣ ﴿وَفِ ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَمْ تَمَنَّعُواْ حَتَّى حِينٍ الضَّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (®﴾ أي وتركنا في قصة ثمود آية، حين قلنا لهم: عيشوا متمتعين في الدنيا إلى وقت الهلاك، كما قال تعالى: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَنَّامِ ذَلِكَ وَعْدُ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥/١١]. فتكبروا عن امتثال أمر الله، فنزلت بهم صاعقة من السماء أهلكتهم، والصاعقة: هي كل عذاب مهلك، وهم يرونها عياناً بالنهار، أو هم ينتظرون ما وعدوه من العذاب، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام، فجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بكرة النهار، جزاء وفاقاً لما اقترفوا من آثام ومعاصٍ. ﴿فَا أُسْتَطَعُواْ مِن قِيَاءٍ وَمَا كَانُوْ مُنْتَصِيرِينَ ﴾﴾ أي لم يقدروا على القيام والهرب من تلك الصرعة، بل أصبحوا في ديارهم هلكى جاثمين، ولم يكونوا ممتنعين من عذاب الله، ولم يجدوا نصيراً ينصرهم ويدفع عنهم العذاب. ثم أعقبه بقصة نوح، فقال: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ (4﴾ أي وأهلكنا بالطوفان قوم نوح من قبل هؤلاء، لتقدم زمنهم على زمن فرعون وعاد وثمود، لأنهم كانوا قوماً خارجين عن طاعة الله، متجاوزين حدوده. فقه الحياة أو الأحكام: هذه نهاية الطغاة الظالمين وعاقبة الكفار المكذبين، أخبر بها تعالى للعظة والعبرة، وهي تذكّر بحال أربعة أقوام.