Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ الُرُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٢٥-٢٦ سبب التقوى وأساسها .﴿أَحَقَ بِهَا﴾ أولى بالكلمة من الكفار. ﴿وَأَهْلَهَاَ﴾ المستأهلين لها، وهو عطف تفسيري لكلمة ﴿أَحَقَّ بِهَا﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ أي ولم يزل متّصفاً بذلك، فيعلم من هو أهل كل شيء، وييسره له. سبب النزول: نزول الآية (٢٥): ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ﴾: أخرج الطبراني وأبو يعلى عن أبي جمعة جنيد بن سبع(١) قال: قاتلت النّبي ◌َّير أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وكنّا ثلاثة رجال وسبع نسوة، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَةٌ مُؤْمِنَتٌ﴾. وفي رواية ابن أبي حاتم: ((كنا ثلاثة رجال، وتسع نسوة، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية)): المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى امتنانه العظيم على المؤمنين إذ كف عنهم أيدي الكافرين من قريش، وكف أيدي المؤمنين عن الكافرين، وأبرم بينهم ميثاق صلح الحديبية، أبان تعالى أسباب هذا الكفّ المتبادل، وأوضح حكمة المصالحة بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَتٌ﴾ حفاظاً عليهم، ومن أجل نشر دين الإسلام ودخول الناس فيه، وتبديد آثار الأنفة والحمية الجاهلية التي لا تستند إلى برهان معقول، وإنزال السكينة والطمأنينة والثبات على قلب الرسول وَل وأتباعه المؤمنين، وإلزامهم الوفاء بالعهود. وقد بيَّنت سابقاً كيف تَّ الصلح الذي جاء في بعض رواياته: أنه لما همَّ (١) قال ابن كثير: والصواب أبو جعفر حبيب بن سبع. ٥٢٢ الزرعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٥-٢٦ رسول الله صل بقتال كفار قريش، بعثوا سهيل بن عمرو، وحُوَيْطب بن عبد العُزَّى، ومِكْرِز بن حفص، ليسألوه أن يرجع في عامه، على أن تُخْلي قريش مكة في العام القابل ثلاثة أيام، فأجابهم، وكتبوا بينهم كتاباً، على النحو المذكور آنفاً. التفسير والبيان: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدَىَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَعَلَّهُ﴾ أي إن مشركي العرب من قريش وحلفائهم هم الكفار الجاحدون توحيد الله دون غيرهم، وهم منعوكم أيها المسلمون من الطواف بالبيت الحرام، وأنتم أحقُّ به وأنتم أهله، وصدُّوا الهدي (ما يهدى إلى الحرم من الأنعام) محبوساً في مكانه عن بلوغ تَحِلّه بغياً وعناداً، وكان الهدي سبعين بَدَنة (ناقة) وتَحِلُّه: مَنْحَرُه الذي يذبح فيه عادة، وهو حيث يَحِلُّ نحره من الحرم، وهو منى أو الحرم المكي، فرخّص الله سبحانه لهم يجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو الحديبية مكان الإحصار (المنع من دخول مكة) تَحِلّاً للنحر، وكانوا خارج الحرم. ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُم مَّعَزَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمِ﴾ أي ولولا وجود المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات بمكة، الذين يكتمون إيمانهم ويخفونه خيفة على أنفسهم من قومهم، لأذِنّا لكم بالفتح، ولما كففنا أيديكم عنهم، ولكنَّا سلَّطانكم عليهم، فقتلتموهم واستأصلتموهم، ولكن يقع بينهم فريسة القتل أقوام من المؤمنين والمؤمنات لم تعرفوهم ولم تعلموا أنهم مؤمنون حالة القتل، فتطؤوهم بالقتل، فتصيبكم من جهتهم مشقة وتأسف، وإثم وكفَّارة على القتل الخطأ، لوقوع القتل جهلاً بغير علم منكم بهم، وحينئذ يقول المشركون: إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم. ﴿لَيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ أي ولكن كف أيديكم عنهم وحال ٥٢٣ الجُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٥-٢٦ بينكم وبين قتالهم ليخلص المؤمنين من أسرهم، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام. ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا، وانفصل بعضهم عن بعض بما يسمى اليوم بفك الارتباط، لعذبنا الذين كفروا عذاباً مؤلماً وهو القتل، بأن نسلطكم عليهم، فتقتلوهم قتلاً ذريعاً. والخلاصة: لو تزيل المؤمنون من الكفار لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلهم إياهم. ثم بَيَّن الله تعالى ظرف العذاب أو وقته، فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الَْهِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُوْ أَحَقَّ بِهَا أي لعذبناهم حين جعلوا في وَأَهْلَهَاْ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا قلوبهم أنفة الجاهلية التي لا تذعن للحق ولا تعرف منطقاً ولا تعتمد دليلاً مقنعاً، وهي قولهم: واللات والعزى لا يدخلونها علينا، وإباؤهم كتابة البسملة ووصف محمد * بأنه رسول الله في مقدمة صلح الحديبية. فأنزل الله الطمأنينة والثبات والصبر على رسوله وعلى المؤمنين، حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية، وثبّتهم على الرضا والتسليم، وألزمهم كلمة الشهادة أو التوحيد وهي ((لا إله إلا الله، محمد رسول الله)) أو ألزمهم تعظيم الحرم، وترك القتال فيه، ولم يستفزهم صنيع الكفرة، لينتهكوا حرمة الحرم. وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة وأجدر بها وأهلاً لها من دون الكفار؛ إذ هم أهل الخير والصلاح والعقيدة الصحيحة، على نقيض الكفار ذوي العقيدة الفاسدة. ٥٢٤ الزرعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٥-٢٦ وكان الله وما يزال عليماً بمن يستحق الخير، ممن يستحق الشر. روى النسائي عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه كان يقرأ: ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية﴾، ولو حميتم كما حموا، لفسد المسجد الحرام) فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فأغلظ له، فقال- أي أبي -: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله وَله، فيعلمني مما علَّمه الله تعالى، فقال عمر رضي الله عنه: بل أنت رجل عندك علم وقرآن، فاقرأ وعَلِّم مما علَّمك الله تعالى ورسوله ێ. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - ذَّ الله تعالى قريشاً إذ كفروا بتوحيد الله، ومنعوا المؤمنين دخول المسجد الحرام عام الحديبية، حين أحرم النبي ◌ُّل مع أصحابه بعمرة، ومنعوا الهَدْي وحبسوه عن أن يبلغ نَحلّه، ولم يكن هذا من اعتقادهم، ولكنه حملتهم الأَنَفة، ودعتهم حَمِيّة الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه ديناً؛ فوبخهم الله على ذلك وتوعدهم عليه، وآنس رسول الله وَ ل﴿ ببيانه ووعده. اً - إن حرمة المؤمن عند الله عظيمة، فقد كان صلح الحديبية من أجل ثلاثة رجال وسبع أو تسع نسوة حتى لا يقتلوا في زحمة المعركة لو حدث قتال، فيعاب المسلمون، ويقول المشركون: قد قتلوا أهل دينهم، وتلزمهم كفارة القتل الخطأ؛ لأن الله تعالى إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجرمِنها، ولم يُعْلَم بإيمانه الكفارة دون الدِّية في قوله: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢/٤]. سَّ - دل قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ على تفضيل الصحابة، واتصافهم بصفات كريمة من العفة عن المعصية، والعصمة عن التعدّي، حتى لو أنهم ٥٢٥ الجُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٥-٢٦ أصابوا من ذلك أحداً، لكان من غير قصد. وهذا مشابه لوصف النملة جُند سليمان عليه السلام في قولها: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨/٢٧] . ٤ - لم يأذن الله للمسلمين في قتال المشركين عام الحديبية ليُسلم بعد الصلح الموفَّق للإسلام من أهل مكة، وقد أسلم الكثير منهم، وحسن إسلامهم، ودخلوا في رحمة الله؛ أي جنته. هَ - لو تميز المؤمنون عن الكفار لعذَّب الكفار بالسيف، ولكن الله تعالى يدفع بالمؤمنين عن الكفار. أَ - آية ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ دليل على وجوب مراعاة حرمة المؤمن والامتناع من قتله إذا اختلط بالكفار، إلا لمصلحة ضرورية قطعية كلية، كما في قتل الُّرْس، أي المسلمين المتترس بهم من قبل العدو، فيتخذهم دريئة تحمي نفوسهم، وحيلة تمكنهم من التقدم. ومعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس. ومعنى أنها كلية. أنها قاطعة مفيدة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قتل الكفار الترس، واستولوا على كل الأمة. ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعاً. والمصلحة بهذه القيود لا خلاف في اعتبارها؛ لأن الفرض أن الترس مقتول قطعاً، إما بأيدي العدو، فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين، وإما بأيدي المسلمين، فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز تعمد المسلمين المتترس بهم بالقتل، وهل تجب الدية والكفارة؟ اختلف العلماء: ٥٢٦ الُرءُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٧-٢٨ فقال الحنفية: لا دية ولا كفارة. وقال الشافعية والثوري: تجب الدية والكفارة (١). لاً - لم يكن منع أهل مكة المشركين من دخول المؤمنين المسجد الحرام لسبب معقول، وإنما بدوافع الأنفة أو الحمية الجاهلية التي لا يؤيدها دليل ولا برهان، دفعتهم عصبيتهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى، والأنفة من أن يعبدوا غيرها. كذلك حملتهم تلك العصبية لوثنية الجاهلية على الامتناع من كتابة («بسم الله الرحمن الرحيم)) و((محمد رسول الله)) في مقدمة الصلح. ٨ - أما المؤمنون فقد أنزل الله عليهم الطمأنينة والوقار، وثبّتهم على الرضى والصبر والتسليم، ولم يدخل قلوبهم ما أدخل في قلوب أولئك من الحمية والغضب، وألزمهم كلمة ((لا إله إلا الله)) لأنهم كانوا أحق بها من كفار مكة؛ لأن الله تعالى اختارهم لدينه وصحبة نبيه. محبة الله وسام عام الفتح تصديق رؤيا الرسول : ﴿َّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِينَ تُحِلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُفَصِّرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا فَرِيبًا هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا القراءات: ﴿ اَلُّؤْيَا﴾: (١) أحكام القرآن للجصاص: ٣٩٥/٤ ٥٢٧ لُعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٧-٢٨ وقرأ السوسي (الرُّويا). الإعراب: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّعْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ﴾ ﴿الزُِّيَا﴾ بحذف مضاف أي تأويل الرؤيا؛ لأن الرؤيا مخايل تُرى في النوم، فلا تحتمل صدقاً ولا كذباً، وإنما يحتمل الصدق والكذب تأويلها. وبالحق: إما صفة مصدر محذوف أي مصدقاً ملتبساً بالحق، أو قسم باسم الله أو بنقيض الباطل. و﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أصله: لتدخلون، إلا أنه لما دخلت نون التوكيد حذفت النون التي هي نون الإعراب، لتوالي الأمثال، والفعل معرب عند الجمهور، ويرى ابن الأنباري أن النون محذوفة للبناء. و﴿ءَمِنِينَ﴾ ﴿ُحِلّقِينَ﴾ ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ كلها منصوبات على الحال من الضمير المحذوف في ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ وكذلك قوله: ﴿لَا تَخَافُونٌَ﴾ جملة في موضع الحال، وتقديره: غير خائفين. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ تقديره: كفاكم الله شهيداً، فحذف مفعولي ﴿وَكَفَى﴾، و﴿وَكَفَى﴾ يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ١٣٧/٢]. و﴿شَهِيدًا﴾ منصوب على التمييز، أو الحال. البلاغة: مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ صدّقه في رؤياه ولم يكذبه، فحذف الجار وهو ( في) ووصل الفعل، كقوله تعالى: ﴿صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ﴾ [الأحزاب: ٢٣/٣٣] ﴿بِالْحَقِ﴾ يرى الزمخشري أنه متعلق بـ ﴿صَدَقَ﴾، أي ٥٢٨ الُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٧-٢٨ صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق، أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، ويجوز أن يتعلق بـ ﴿الزُّؤْيَا﴾ حالاً منها، أي صدقه الرؤيا ملتبساً بالحق، على معنى أنها لم تكن أضغاث أحلام، ويجوز أن يكون ﴿بِالْحَقِّ﴾ قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسماء الله تعالى. ﴿ لَتَدْخُلُنَ﴾ جواب القسم على أن ﴿بِالْحَقِّ﴾ قسم، وعلى الرأي الأول والثاني هو جواب قسم محذوف ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ تعليق للوعد (أو للعدة) بالمشيئة، تعليماً للعباد ﴿مُحِلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ محلقاً بعضكم جميع شعورهم، ومقصراً آخرون بعض شعورهم ﴿لَا تَخَافُونٌَ﴾ أبداً ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ من الحكمة في تأخير ذلك ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ جعل من دون دخول المسجد، أو من دون فتح مكة ﴿فَتِّحًا قَرِيبًا﴾ هو فتح خيبر، ثم تحققت الرؤيا في العام القابل. ﴿بِلْهُدَى﴾ ملتبساً بالهدى ﴿وَدِينِ اُلْحَقِّ﴾ دين الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّةٍ﴾ ليعليه على جنس الدين كله بنسخ ما كان حقاً، وإظهار فساد ما كان باطلاً، وفيه تأكيد الوعد بالفتح ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على أن ما وعده كائن، أو على نبوته بإظهار المعجزات. سبب النزول: نزول الآية (٢٧): ﴿لَقَدْ صَدَقَ﴾: أخرج الفريابي وعبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أُري النبي وَلّر، وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين ٥٢٩ الُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٧-٢٨ محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله، فنزلت: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّعْيَا﴾ الآية. وقال قتادة: كان رسول الله وي ليه رأى في المنام أنه يدخل مكة على هذه الصفة؛ فلما صالح قريشاً بالحُديُبِيّة، ارتاب المنافقون حتى قال رسول الله وَله: إنه يدخل مكة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ فأعلمهم أنهم سيدخلون في غير ذلك العام، وأن رؤياه بَّل حق. وقصة الرؤيا: أنه وَ لجر رأى في المنام - وهو في المدينة(١) - أن مَلَكاً قال له: لَتَدْخُلُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَخَافُونٌَ﴾ فأخبر أصحابه بالرؤيا، ففرحوا وجزموا بأنهم داخلون في عامهم، فلما صُدُّوا عن البيت، واستقر الأمر على الصلح، قال بعض الضعفة المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا البيت. وقالوا أيضاً: أليس كان يَعِدُنا النبي ◌َّر أن نأتي البيت، فنطوف به؟ فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟ فقالوا: لا، قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت، فأنزل الله تصديقه. وجاء في السيرة: أن عمر بن الخطاب قال: أتيت النبي ◌َّ فقلتُ: ألستَ نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نُعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري، قلتُ: أولستَ كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر : أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلم نُعطي الدنية في ديننا؟. (١) الظاهر أن مكان الرؤيا في المدينة أصح من القول بأنها في الحديبية. ٥٣٠ لُعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٧-٢٨ قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستَمْسِكْ بغَرْزِه (١)، فو الله إنه لعلى الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال: بلى، قال: فأخبرك أنه آتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك تأتيه وتطوف به(٢). التفسير والبيان: ﴿َّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّغْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ تُحِلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٣)﴾ أي تالله لقد صدّق الله تعالى تأويل رؤياه التي رآها تصديقاً مقترناً بالحق، أنكم ستدخلون المسجد الحرام بمشيئة الله في العام القابل، وليس في هذا العام عام الحديبية، حالة كونكم آمنين من العدو، ومحلقاً بعضكم جميع شعره، ومقصراً بعضكم الآخر، وأنكم غير خائفين. وهذا تأكيد للأمن، فإنه تعالى أثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد، لا يخافون من أحد. وكان ذلك في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي ◌َّ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة إلى المدينة، أقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلى خيبر، ففتحها الله عليه بعضها عنوة، وبعضها صلحاً. فلما كان في ذي القعدة من سنة سبع خرج له معتمراً هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة، فلتّى، وسار أصحابه يُلبّون. ثم دخل مكة بالسيوف مغمدة في قُرَبها، كما شارط أهل مكة في صلح الحديبية. (١) أي سر على نهجه. (٢) انظر تفسير ابن كثير: ١٩٤/٤ -٢٠٠ ٥٣١ الجُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٧-٢٨ ثم رتب الله تعالى على التصديق وسوء ظن القوم قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾(١) من الحكمة والمصلحة في تأخير الفتح إلى العام القابل، فجعل من دون ذلك الفتح فتحاً آخر قريب الحصول، وهو فتح خيبر. وقوله: ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ لتعليم العباد وإرشادهم إلى تعليق كل أمر بمشيئة الله. ثم أكَّد تعالى صدق الرؤيا بتصديق الرسول وص لي في كل شيء بقوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّةٍ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾﴾ أي إن الله عز وجل هو الذي أرسل رسوله محمداً بالعلم النافع والعمل الصالح، وبما يرشد إلى طريق الهداية الصحيح، ودين الإسلام، ليعليه على كل الأديان، بنسخ سائر الديانات السابقة، وإظهار فساد العقائد الزائفة، وكفى بالله شهيداً على هذا الوعد من إظهار دينه على جميع الأديان، وعلى أن محمداً پيچل رسوله، وهو ناصره. وفي هذا رد على سهيل ابن عمرو الذي أبى أن يكتب في مقدمة صلح الحديبية: ((محمد رسول الله)) وتسلية لرسول الله وَ له، وتأكيد لصدق رؤياه وَلقول، وتبشير بفتح مكة لقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الذِينِ كُلّهِ﴾ فقه الحياة أو الأحكام: إن رؤيا الأنبياء حق لا شك فيه، ولكن توقيت حدوث مقتضى الرؤيا بعلم الله، لا بعلم البشر، ولم يكن في إخبار النبي ◌َّ أنه وصحبه سيدخلون المسجد الحرام في زمن محدد معين، ففهم الصحابة أن ذلك سيكون عام الحديبية، ولكن الله الحكمة البالغة، يفعل الأشياء حسبما يرى من المصلحة والخير (١) الفاء لعطف ﴿فَعَلِمَ﴾ على (صَدَفَ﴾ وبما أن العلم متقدم على الرؤيا، فإن المراد بالتعقيب والترتيب علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب. ٥٣٢ لُرُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٢٩ والحكمة، وصدّق الرؤيا في العام القابل، وجعل في الفترة ما بين العامين فتح خیبر. وكان دخولهم آمنين من العدو، غير خائفين أثناء استقرارهم في مكة لأداء العمرة. والتحليق والتقصير جميعاً للرجال، وكلاهما جائز، ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى قال: ((رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال وَله: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يارسول الله؟ قال ◌َّيقول: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال ◌َله: والمقصرين)) في الثالثة أو الرابعة. والله تعالى تأكيداً لتصديق رؤيا رسوله وَليه، أبان أنه صدَّق الرسول،وبَّله في كل شيء، فأرسله رسول الهدى، ورسول الدين الحق: دين الإسلام، ليعليه على كل الأديان، وكفى بالله شاهد عدل وحق لنبيه ◌َّل على صحة نبوته بالمعجزات، وعلى أنه رسول من عند الله، وعلى إظهار دينه على جميع الأديان. أوصاف الرسول والمرسل إليهم صَلَ الله وسام ﴿ تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّهُ عَلَى الْكُغَارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَنَّهُمْ زَكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِىِ الْإِنِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطْئَهُ، فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزَُّّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَارْ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُم ٢٩) ◌َّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا القراءات: شَطَهِ ﴾ ٥٣٣ لُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٢٩ وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان (شَطَأه). ﴿فَازَرَهُ﴾ : وقرأ ابن ذكوان (فأزَرَه). ﴿سُوقِهِ﴾: وقرأ قنبل (سؤقه، سؤوقه). الإعراب: ﴿ تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ ﴿تُحَمَّدٌ﴾: مبتدأ، و﴿ رَسُولُ اللهِ﴾: خبر المبتدأ، أو عطف بيان ﴿ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ﴾ مبتدأ أيضاً وخبر، و﴿رُحَمَاءُ﴾ خبر ثان، وما بعده أخبار عن الذين مع النبيِ رَّه، ويجوز أن يكون ﴿رَّسُولُ اللَّهِ﴾ وصف محمد، و﴿ وَلَّذِينَ مَعَهُ﴾ عطف على ﴿تُحَمَّدٌ﴾. و﴿أَشِذَّاءُ﴾ خبر عن الجميع، و﴿رُحَمَاءُ﴾ خبر ثان عنهم، والنبي داخل في جميع ما أخبر به عنهم. و﴿رَكَّعًا سُجَّدًا﴾ منصوبان على الحال من الهاء والميم في ﴿تَرَهُمْ﴾ لأنه من رؤية البصر، و﴿ يَبْتَغُونَ﴾ جملة فعلية إما في موضع رفع على أنها خبر بعد خبر، أو في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿تَرَّهُمْ﴾ وتقديره: تراهم ركعاً سجداً مبتغين فضلاً. [سِيمَاهُمْ﴾ مبتدأ، وخبره: إما ﴿فِى وُجُوهِهِم﴾ أو ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. و ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَنَةِ﴾ مبتدأ وخبر. و﴿وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِنِيلِ﴾ إما معطوف على (مثل) الأول ويكون ﴿كَزَرْعٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم كزرع، أو هما مبتدأ وخبر كالجملة السابقة، فيكون لهم على هذا الوجه مثلان وُصِفوا بهما، أحدهما: في التوراة والآخر: في الإنجيل، وعلى الوجه الأول لهم مثلان كلاهما في التوراة والإنجيل. ٥٣٤ الُعُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٢٩ البلاغة: ﴿ أَشِدَاءُ﴾ و﴿ رُحَمَاءُ﴾ بينهما طباق. ﴿ كَزَرْعٌ أَخْرَجَ سَطْئَهُ، فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ،﴾ تشبيه تمثيلي، وجه الشبه فيه منتزع من متعدد. ويلاحظ مراعاة الفواصل في كل آيات السورة على وتيرة واحدة من قوله تعالى: ﴿قُبِينَا﴾ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾. المفردات اللغوية: ﴿ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أصحابه المؤمنون ﴿أَشِدَّآءُ﴾ غلاظ قساة جمع شديد ﴿رُحَمَاءُ﴾ متعاطفون متوادون في قلوبهم رحمة. کالوالد مع الولد، جمع رحيم، والمعنى: أنهم يغلظون في القتال على أعدائهم، ويتراحمون فيما بينهم، كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤/٥]. ﴿تَرَنَّهُمْ﴾ تبصرهم ﴿رَكَّعًا سُجَّدًا﴾ لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا﴾ يطلبون الثواب والرضى ﴿ سِيمَاهُمْ﴾ علامتهم، والمراد: السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود، أو هي نور وبياض يعرفون به بالآخرة أنهم سجدوا في الدنيا ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ كائنة منه ﴿ذَلِكَ﴾ الوصف المذكور ﴿ مَثَلُهُمْ﴾ صفتهم العجيبة الجارية مجرى الأمثال في الغرابة ﴿شَّطْكَهُ﴾ فراخه أو فروعه التي تنبت حول الأصل ﴿فَازَرَهُ﴾ أعانه وقوَّاه، من المؤازرة: المعاونة ﴿فَأُسْتَغْلَظَ﴾ فغلظ ﴿فَاسْتَوَى﴾ قوي واشتد واستقام ﴿عَلَى سُوقِ﴾ أصوله وقضبانه، جمع ساق ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ لحسنه جمع زارع، مثَّل الصحابة رضي الله عنهم بذلك، لأنهم بدؤوا في قلة وضعف، فكثروا وقووا، فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس. ﴿ِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَارَ﴾ متعلق بمحذوف، دل عليه ما قبله، أي شبهوا ٥٣٥ الجُزءُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٢٩ بذلك، فهو علة لتشبيههم بالزرع في زكائه واستحكامه ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ﴾ لما سمع الكفار بهذا غاظهم ذلك، وقوله ﴿مِنْهُم﴾ لبيان الجنس أي الصحابة، لا للتبعيض؛ لأنهم كلهم بالصفة المذكورة ﴿ وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ الجنة. والمغفرة والأجر هما أيضاً لمن بعدهم من المؤمنين والمؤمنات. المناسبة: بعد بيان كون النبي ◌َّليه مرسلاً بالهدى ودين الحق، بيّن حال الرسول والمرسل إليهم، فأكد الشهادة في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ بقوله: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ ثم وصف صحابته بأوصاف عجيبة: هي الشدة على الأعداء، والرحمة بالمؤمنين، وكثرة العبادة، والحرص على الثواب والرضى من الله، والتميز بالنور والضياء في الدنيا والآخرة، وبيان صفاتهم في كل من التوراة والإنجيل، والانتقال من الضعف إلى القوة والكثرة، وكونهم موعودين من الله بالمغفرة والجنة. التفسير والبيان: - ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ أي إن محمداً رسول من عند الله حقاً بلا شك ولا ریب. - ﴿ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُغَارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي إن صحابته يمتازون بالشدة والغلظة والصلابة على من جحد بالله وعاداهم، وبالرقة والرحمة على بعضهم بعضاً، كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥/ ٥٤]. وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣/٩]. وكما جاء في الحديث الصحيح عند أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِ وَّ قال: ((مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ ٥٣٦ لُعُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٢٩ الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى)) وفي حديث الشيخين والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبيِ نَّوَ قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضاً)). وقال الحسن البصري: بلغ من تشدّدهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، فكيف بأبدانهم؟ وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه،. والمصافحة جائزة بالإتفاق. وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة رضي الله عنه، وإن كان التقبيل على اليد، ومن حق المؤمنين: أن يراعوا هذه السنة أبداً، فيتشدّدوا على مخالفيهم، ويرحموا أهل دينهم. ﴿تَرَنَّهُمْ زُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي تشاهدهم يكثرون الصلاة بإخلاص، فتبصرهم غالباً راكعين ساجدين، يلتمسون ويطلبون الثواب والرضا، ويحتسبون عند الله تعالى جزيل الثواب وهو الجنة، ورضا الله تعالى عنهم، والرضا أكبر من الجنة: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٩/ ٧٢] . - ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي علامتهم المميزة لهم وجود النور والبهاء والوقار في الوجه والسمت الحسن والخشوع، قال الشُّدِّي: الصلاة تحسن وجوههم. وقال بعض السلف: من کثرت صلاته باللیل حَسُن وجهه بالنهار، وقد أسنده ابن ماجه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َ: ((من كثرت صلاته بالليل، حَسُن وجهه بالنهار)) والصحيح أنه موقوف. وقال بعضهم: إن للحسنة نوراً في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه: ما أسرَّ أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه. ٥٣٧ لُعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٩ والمراد أن أثر العبادة والصلاح والإخلاص مع الله تعالى يظهر على وجه المؤمن، لذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((من أصلح سريرته، أصلح الله تعالى علانيته)). وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله وَله أنه قال: ((لو أن أحدكم يعمل في صخرة صمّاء، ليس لها باب ولا کَوَّة، لخرج عمله للناس، كائناً ما كان )). وروى أحمد أيضاً وأبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَّلـ قال: ((إن الهدي الصالح، والسَّمْت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة)) . - ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَّةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اْإِنِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطْئَهُ، فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزَُّّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ أي ذلك قلے الوصف المذكور للصحابة هو وصفهم الذي وصفوا به في التوراة ووصفوا به في الإنجيل، وهم كانوا ضعافاً قليلي العدد، فازدادوا وكثروا وتقووا، مثل الزرع الذي أخرج فروخه وفروعه على جوانبه، فاشتد وقوي وأعانه وشدّه، أي إن الزرع قوَّى الشطء؛ لأنه تغذى منه واحتمى به، وتحول من الدقة إلى الغلظ، واستقام على أعواده، يعجب هذا الزرع الزرّاع لقوّته وحسن منظره، كما هو معروف. وهذا مثل ضربه الله تعالى للصحابة، كانوا في الابتداء قلّة، ثم زادوا وكثروا وتقووا، كالزرع تكون فراخه في الابتداء ضعيفة، ثم تتقوى تدريجياً حتى يغلظ ساقه. وقد كثّر الله الصحابة وقواهم ليكونوا غيظاً للكافرين. وهكذا يكون إيمان المسلم إذا دخل في الإسلام ضعيفاً، ثم يتقوى بصحبته وملازمته لأهل العلم والإيمان حتى يستوي ويكون مثلهم، وربما أقوى منهم. ٥٣٨ الجُزءُ (٢٦) - الفَتح: ٤٨ / ٢٩ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ مِنْهُم ◌َغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي وعد الله تعالى الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله وَلّ، وعملوا صالح الأعمال أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم وثوابهم، ويدخلهم الجنة، ووعد الله حق وصدق وكائن لا محالة، ولن يخلف الله وعده. وهذا يشمل الصحابة وكل من اقتفى أثرهم، وسار على منهجهم من أفواج الإيمان وجند الإسلام، وتلاحق الأجيال. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً، ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)) . فقه الحياة أو الأحكام: أثبتت الآية صفتي النبوة والرسالة لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. ووصفت أصحابه بثماني صفات هي: ا - لاً: الشدة والصلابة والعنف على الأعداء الكفار، والرحمة والرأفة والرفق والبر بالمؤمنين، فهم أسود غضاب عبوسون في وجه الكفار الذين يعادونهم، ضحوكون بشوشون في وجوه إخوتهم المؤمنين. ٢-٤: يمتازون بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، مع وصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل، واحتساب جزيل الثواب وهو الجنة عند الله تعالى المشتملة على فضل الله وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم، فهم يطلبون بعملهم المخلص الجنة ورضا الله تعالى. ٥ - علامتهم المميزة لهم النور والضياء في الدنيا والآخرة، والسمت الحسن، والخشوع والتواضع لله تعالى. أَ - تلك الأوصاف وصفوا بها في كل من التوراة والإنجيل والقرآن. ٥٣٩ الجُزُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٢٩ لاً - كثرة الخير والبركة والنماء فيهم، فإنهم كانوا قلة ضعافاً، ثم صاروا كثرة أشداء أقوياء، كمثل الزرع الذي ينبت من حوله الفراخ، ثم تَقْوى وتشتدّ وتكبر. ولقد فعل الله هذا لمحمد وَل﴿ وأصحابه ليغيظ بهم الكفار. ٨ - وعدهم الله تعالى جميعاً وأمثالهم المتبعين لهم بإحسان وهم المؤمنون الذين أعمالهم صالحة بمغفرة الذنوب والثواب الذي لا ينقطع وهو الجنة. وقد وردت آيات أخرى وأحاديث كثيرة في فضل الصحابة، والنهي عن التعرض لهم بالإساءة، والصحابة كلهم عدول، وهم أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله. وفيما سبق ذكرت بعض الأحاديث، ومن قرأ الآية السابقة: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [١٨] والآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٢٣] وآيات سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَاَلْإِيمَنَ﴾ [٨-٩] من قرأ ذلك عرف مدى ثناء الله عليهم، والشهادة لهم بالصدق والفلاح. وقال رسول الله وسلم فيما أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن ابن مسعود: ((خير الناس قَرْني ثم الذين يلونهم)). وقد استدل الإمام مالك رحمه الله بهذه الآية ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ على تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة رضي الله عنهم، فهو كافر لهذه الآية، قال ابن كثير: ووافقه طائفة من العلماء رضي الله عنهم على ذلك. والظاهر أنهم فسّاق. قال بعض العلماء عن خلافات الصحابة والاقتتال الذي حدث بينهم: ((تلك دماء قد طهّر الله منها أيدينا، فلا نلوّث بها ألسنتنا، وسبيل ما جرى بينهم كسبيل ما جرى بين يوسف وإخوته)) . ٥٤٠ الْجُزْءُ (٢٦) السورة (٤٩) الحُجُراتِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ سُؤَدَّةُ الدُّعَرَاتِ مدنية، وهي ثماني عشرة آية ٠٠ تسميتها: سميت سورة ﴿اَلْحُجُرَتِ﴾ لأن الله تعالى ذكر فيها تأديب أجلاف العرب الذين ينادون رسول الله 8َ﴿ من وراء الحجرات وهي حجرات (بيوت) نسائه المؤمنات الطاهرات رضي الله عنهن، وكانت تسعاً، لكل واحدة منهن حجرة، منعاً من إيذاء النبي ◌َلهم وتوفيراً لحرمة بيوت أزواجه. وتسمى أيضاً سورة (الأخلاق والآداب) فقد أرشدت إلى آداب المجتمع الإسلامي وكيفية تنظيمه، وأشادت بمكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، ونودي فيها بوصف الإيمان خمس مرات، وأصول تلك الآداب خمسة وهي: طاعة الله والرسول و 18، وتعظيم شأن الرسول وَله، والتثبت من الأخبار المنقولة، وتحريم السخرية بالناس، وتحريم التجسس والغيبة وسوء الظن. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة الفتح من نواح ثلاث، هي: اً - في السورة المتقدمة حكم قتال الكفار، وفي هذه حكم قتال البغاة (أهل الثورة الداخلية).