Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ الُ (٢٦) - مُحَدٌ: ٤٧ / ٢٠-٢٣ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَل قال: ((وخلق الله تعالى الخَلْق، فلما فرغ منه، قامت الرحم، فأخذت بحَقْوي(١) الرحمن عز وجل، فقال: مَهْ، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال تعالى: ألا ترضَيْن أن أصِل من وصَلَك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك)) قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ ٢٢ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوْ أَرْحَامَكُمْ فقه الحياة أو الأحكام: اً - المؤمنون المخلصون مشتاقون للوحي، حريصون على الجهاد وثوابه، والمنافقون هدامون لكيان الأمة، جبناء في القتال خوفاً وهلعاً، ميَّالون في السر إلى الكفار، نافرون من التكاليف الشرعية، وخصوصاً فرض الجهاد. أَ - هدد الله المنافقين وأوعدهم وحذرهم بقوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ أي الويل والهلاك لهم، والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو أحق وأجدر بهم طاعة الله تعالى وقول معروف. ثم رغبهم في إصلاح أمرهم، ودعاهم إلى الطاعة، وأبان لهم أن الطاعة المخلصة والقول المعروف أمثل لهم وأحسن وخير من المخالفة والعصيان ودعاية السوء. ◌َّ - أكد تعالى دعوتهم إلى الطاعة وتحذيرهم من المخالفة، فأبان أنه إن جد الأمر وفرض القتال كرهوه(٢)، أو فإذا عزم أصحاب الأمر، فلو صدقوا الله في الإيمان والجهاد، لكان خيراً لهم من المعصية والمخالفة. (١) الحَقْو: الإزار أو الخَصْر، والمراد هنا مجاز عن شدة التعلق واللجوء إلى الله والاستعانة. (٢) فيكون جواب ((إذا)) محذوفاً. ٤٤٢ لِلْزُرُ (٢٦) - مُحَدٌ: ٤٧ / ٢٤-٣١ ٤ - إن سلوك المنافقين إن تولوا أمر الأمة أو إن أعرضوا عن كتاب الله تعالى ودينه واتباع رسوله وَّر أمر معروف، وهو العودة إلى مفاسد الجاهلية من الإفساد في الأرض بسفك الدماء الحرام، والبغي والظلم، والنهب والسلب، وتقطيع الأرحام. 6 - لا يستحق أولئك المنافقون إن استمروا على نفاقهم إلا الطرد والإبعاد من رحمة الله، وإلقاء الصمم في الآذان عن سماع الحق، والعمى في الأبصار والقلوب عن إدراك الخير، فكل من سار على نهجهم، حقَّت عليه اللعنة، وسلبه الله الانتفاع بسمعه وبصره، حتى لا ينقاد للحق، وإن سمعه، فكأنه كالبهيمة التي لا تعقل. - ٣ - حال المنافقين بعد ردتهم وعند قبض أرواحهم والتذكير بحكمة الجهاد إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاَ . أَدْبَِهِمِ مِّنُ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٣٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ٣٦ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ وَأَدْبَرَهُمْ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَكَّهُمْ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ الْقَوْلِ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِنَ وَنَبْلُوَا وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ ٣١ أَخْبَارَكُمْ ٤٤٣ لِلُ (٢٦) - مُخَفَدٌ: ٤٧ / ٢٤-٣١ القراءات: ﴿اَلْقُرْءَانَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران). ﴿ وَأَمْلَى﴾ . وقرأ أبو عمرو (وأُملِيَ). ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾: وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي. وقرأ الباقون (أسرارهم). الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ إما قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ وإما مقدر تقديره: معذبون. ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ ﴿فَكَيْفَ﴾: في موضع رفع، خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فكيف حالهم، فحذف المبتدأ للعلم به. وجملة ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿اُلْمَلَتِكَةُ﴾. وفاء ﴿فَكَيْفَ﴾: فاء التفريع لترتيب ما بعدها على ما قبلها. البلاغة: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ استفهام توبيخي. ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ استعارة تصريحية، شبه قلوبهم بالأبواب المقفلة، فهي لا تنفتح لوعظ واعظ. ٤٤٤ الُعُ (٢٦) - مُحَمْدِ: ٤٧ / ٢٤-٣١ [أَرْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَرِهِ﴾ كناية عن الكفر بعد الإيمان. المفردات اللغوية: ﴿يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ يتفهمونه ويتصفحونه ليروا ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقتحموا المعاصي ويقعوا في الموبقات ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي بل على قلوب لهم مغاليقها التي لا تفتح، فلا يفهمونه. وتنكير ﴿قُلُوبٍ﴾ لأن المراد: قلوب بعض منهم، وإضافة الأقفال لها للدلالة على أقفال مناسبة لها، مختصة بها، وليست من جنس الأقفال المعهودة، والأقفال جمع قفل. وهو استفهام توبيخي، و﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى ( بل ) والهمزة للتقرير. ﴿أَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَرِهِ﴾ رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ زيَّن لهم خطاياهم وسهل لهم ﴿ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ مدَّ لهم في الآمال والأماني الباطلة ووعدهم بطول الأجل، والضمير للشيطان، أي المملي والمضل هو الشيطان، بإرادته تعالى. ﴿ذَلِكَ﴾ الإضلال ﴿ِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُوْ مَا نَزَّكَ اَللَّهُ﴾ أي قال المنافقون للمشركين أو لليهود، أو قال اليهود الذين كفروا بالنبي وَّ بعدما تبين لهم نعته للمنافقين ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ﴾ في بعض أموركم، كالقعود عن الجهاد والمعاونة على عداوة النبي نَّهِ ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي إنهم قالوا ذلك سراً، فأظهره الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، والإسرار: مصدر وهو السر، وقرئ بفتح الهمزة: أسرارهم جمع سر. ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ أي فكيف حالهم، أو فكيف يعملون ويحتالون حينئذ؟ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ تصوير لتوفيهم، أي يتوفونهم وهم يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد، وفي هذا تخويف وتهديد، إذ يتعرضون عند التوفي إلى أهوال وفظائع تشبه ما يجبنون عن القتال له ويخافون منه. ٤٤٥ الجُزُ (٢٦) - ◌ُخَفٌَ: ٤٧ / ٢٤-٣١ ﴿يِأَنَّهُمُ﴾ بسبب أنهم ﴿ذَلِكَ﴾ التوفي الموصوف بالحالة المذكورة ﴿ اَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ من الكفر وكتمان نعت الرسول وَلَه وعصيان الأمر ﴿وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ﴾ كرهوا العمل بما يرضيه من الإيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ﴾ أبطلها. ﴿أَنْ لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ﴾ أن لن يبرز الله تعالى لرسوله وَّل والمؤمنين أحقادهم، والأضغان: جمع ضِغْن أي حقد شديد ﴿لَأَرَيْنَكَهُمْ﴾ أي عَرَّفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم، واللام لام الجواب، وكررت في المعطوف الآتي: ﴿فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمْ﴾ أي بعلامتهم، والفاء هنا فاء التفريع "وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ جواب قسم محذوف، أي والله لتعرفنهم ﴿لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أسلوبه ومعناه، أو إمالته عن وجهه الصريح إلى التعريض والتورية، فإذا تكلموا عندك عرّضوا بما يعيب أمر المسلمين ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ﴾ فيجازيكم على حسب قصدكم: إذ الأعمال بالنيات. ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ لنختبرنكم بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة أي نعاملكم معاملة المختبر بالجهاد ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ علم ظهور وانكشاف، أما العلم الحقيقي فهو متوفر بالنسبة الله ﴿وَالصَّبِينَ﴾ في الجهاد وغيره من المشاق ﴿ وَنَبْلُوا أَخْبَارَكُمْ﴾ نظهر حسن أعمالكم وقبحها، وطاعتكم وعصيانكم في الجهاد وغيره، أو أخباركم عن الإيمان وموالاة المؤمنين صدقاً وكذباً. المناسبة: بعد بيان حال إعراض المنافقين عن الخير واستماع القرآن، أمرهم تعالى بتدبر القرآن، ونهاهم عن الإعراض عنه كيلا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، ثم أخبر أنهم رجعوا وارتدوا إلى الكفر بعدما تبين لهم حقيقة الإسلام بالدلائل الواضحة، أو نعت محمد وَله في التوارة بالمعجزات الباهرة، وأوضح سبب ردتهم وهو قولهم ليهود بني قريظة والنضير: سنطيعكم في بعض الأمور والأحوال. ٤٤٦ لِزُُ (٢٦) - مُحَمَدِ: ٤٧ / ٢٤-٣١ ثم ذكر تعالى ما يلاقونه من أهوال عند قبض أرواحهم بسبب اتباع أهوائهم وإسخاط ربهم، وأردفه ببيان قدرة الله على كشف أحوالهم وافتضاح أمرهم، وأعلن صراحة لهم أن الدنيا دار اختبار بالأوامر والنواهي كالجهاد وغيره، ليعلم المجاهد الصادق في إيمانه، والصابر على مشاق التكاليف وليختبر أعمالهم الحسنة والسيئة وأخبارهم التي يشيعونها، فيجازيهم بما عملوا. التفسير والبيان: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (19﴾ أي أفلا يتفهم هؤلاء المنافقون وغيرهم القرآن ويتصفحونه، فيعملون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة والحجج الظاهرة والبراهين القاطعة؟ بل أَعَلى قلوبهم أقفال؟ فهم لا يفهمون ولا يعقلون شيئاً من معانيه، ولا تتفتح قلوبهم للحق، وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار. والآية توبيخ لهم، وأمر بتدبر القرآن وتفهمه، ونهي عن الإعراض عنه. وقد وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة، فإنه تعالى قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اُللَّهُ﴾ أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو عن الخير وغير ذلك من الأمور الحسنة، ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ لا يسمعون حقيقة الكلام، وأعماهم لا يتبعون طريق الإسلام، فهم كما حكى القرآن بين أمرين: إما ألّا يتدبروا القرآن؛ لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يتدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم؛ لكونها مقفلة. ثم أبان الله تعالى منشأ ذلك مشيراً إلى أهل الكتاب الذين تبين لهم الحق في التوارة بنعت محمد وسيٍ وبعثته وارتدوا، أو مشيراً إلى كل من ظهرت له الدلائل وسمعها ولم يؤمن، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَىَّ أَدْبَرِهِمِ مِنُ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَنُ أي إن الذين فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ٤٤٧ الزُعُ (٢٦) - مُخَل: ٤٧ / ٢٤-٣١ من بعد ما ظهر لهم الهدى بما جاءهم به رسول الله وَله من المعجزات الظاهرة والدلائل الواضحة، زين لهم الشيطان خطاياهم، وسهّل لهم الوقوع فيها، وحسَّن لهم الكفر، وخدعهم وغرهم بالأماني والآمال، ووعدهم بطول العمر ومدّ الأجل. وهذا الكلام: قيل: إنه في أهل الكتاب، قال قتادة: نزلت في قوم من اليهود، وكانوا عرفوا أمر الرسول وَل﴿ من التوارة، وتبين لهم بهذا الوجه، فلما باشروا أمره، حسدوه، فارتدوا عن ذلك القدر من الهدى. وقيل: إنه في المنافقين، قال ابن عباس وغيره: نزلت في منافقين كانوا أسلموا، ثم ماتت قلوبهم. والظاهر- كما ذكر أبو حيان- أن الآية تتناول كل من دخل في لفظها. ثم بيّن الله تعالى بعض مظاهر ضلالهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ اُلْأَمْرِّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾﴾ أي ذلك الارتداد والكفر بعد الإيمان بسبب أن هؤلاء المنافقين وغيرهم من اليهود الذين ارتدوا على أدبارهم قالوا للذين أبغضوا ما نزَّل الله في قرآنه، وهم المشركون أو اليهود: يهود بني قريظة والنضير من يهود المدينة: سنطيعكم في بعض الأمور، كعداوة النبي ريَّ، ومخالفة ما جاء به، والقعود عن الجهاد معه، أي إنهم مالؤوهم وتآمروا معهم سراً أو في الباطن، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون. لذا كشفهم الله وأبان أنه يعلم ما يسرون وما يخفون وما يعلنون، كقوله. تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١/٤] أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ ونظير الآية قوله تعالى: لِخْوَرِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَ مَعَكُمْ وَلَا ٤٤٨ الُعُ (٢٦) - مُحَمَلٌ: ٤٧ / ٢٤-٣١ نُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنَصُرَّتَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ [الحشر: ١١/٥٩]. ثم ذكر الله تعالى سوء حالهم وما يتعرضون له من أهوال حين توفيهم، فقال : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ (®﴾؟ أي فكيف حالهم وكيف يعملون ويصنعون إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم، واستخرجتها بالعنف والقهر وضرب وجوههم وظهورهم، وذلك بكيفية يكرهونها وحال يخافونها في الدنيا، ويجببنون عن القتال من أجلها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠/٨] وقال عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ اُلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَتِ الْوَّتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيْدِيهِمْ﴾ - أي بالضرب- ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَّوْمَ تُجْزَوّنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ اُلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَاتِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣/٦]. ومعنى الكلام التخويف والتهديد؛ أي إن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر. وسبب هذه الأهوال ما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ (®﴾ أي ذلك التوفي على الصفة المذكورة بسبب اتباعهم ما يسخط الله من الكفر والمعاصي، وتآمرهم مع أعداء الله على معاداة ومحاربة النبي وأصحابه، وكراهيتهم ما يرضي الله من الإيمان الحق والتوحيد والطاعة، فأبطل الله أعمالهم الخيرية بهذا السبب، ومنها ما قد عملوا من الخير قبل الردة، كالصدقة وعون البائس الفقير وإغاثة الملهوف؛ لأنهم فعلوه أثناء الشرك والكفر وأمر الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ﴾ [الفرقان: ٢٣/٢٥]. فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنتُورًا ٠ ٤٤٩ الزُ (٢٦) - مُخَفَدٌ: ٤٧ / ٢٤-٣١ ثم وبخ الله تعالى المنافقين وهددهم على قصر نظرهم وعداوتهم للمؤمنين، فقال : ﴿أَمَّ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ ﴾﴾﴾ أي أيعتقد هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم شك ونفاق وحقد وعداوة للمؤمنين أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين ويبرز أحقادهم وعداواتهم؟! لا تظنوا هذا، فالله عالم الغيب والشهادة، يعلم السر وأخفى، فيوضح أمرهم ويجليه ويفضح شأنهم كما فعل في سورة براءة التي تسمى الفاضحة. ثم أكد تعالى هذا المعنى بقوله : ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ ﴾﴾ أي ولو نشاء يا محمد لأعلمناك أشخاصهم، وعرَّفناك أعيانهم معرفة تقوم مقام الرؤية، فعرفتهم بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها، ولكنه تعالى لم يفعل ذلك في جميع المنافقين ستراً منه على خلقه، وحملاً للأمور على ظاهر السلامة. ووالله لتعرفنهم يا محمد في فحوى الكلام ومقصده ومغزاه، وهو تعريضهم بأمرك وأمر المسلمين، ومخاطبتهم النبي ◌ّر بألفاظ ظاهرها الحسن، وباطنها القبح. قال الكلبي: فلم يتكلم بعد نزولها عند النبي ◌ّ﴾ منافق إلا عرفه. وعن أنس أنه ما خفي على رسول الله وَ ﴿ بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات، وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس، فناموا ذات ليلة، وأصبحوا، وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق. والله لا تخفى عليه خافية، ويعلم جميع أعمالهم، فيجازيهم عليها من خير أو شر. وهذا وعد ووعيد، وبشارة وإنذار. ثم أعلن الله تعالى منهج الحياة الدنيوية بالنسبة للتكاليف الشرعية، فقال: 1 ٤٥٠ لُعُ (٢٦) - مُحَدٌ: ٤٧ / ٢٤-٣١ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ [®َ﴾ أي ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي ونعاملنكم معاملة المختبر، ومنها الجهاد في سبيل الله، حتى نعلم علم ظهور وانكشاف، فالله يعلم الحقائق كلها قبل وجودها، وإنما التكليف يظهر المجاهدين بحق في سبيل الله، الذين امتثلوا الأمر بالجهاد، ويظهر الذين صبروا على دينه ومشاق ما كَلَّف به، ويظهر أخبار الناس ويكشفها امتحاناً لهم، ليظهر للناس من أطاع ما أمره الله به، ومن عصى ولم يمتثل. ولهذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما في مثل هذا: إلا لنعلم، أي لنرى. وقال علي رضي الله عنه: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ : حتى نرى. وقال إبراهيم بن الأشعث: كان الفُضَيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلينا، فإنك إذا بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - يجب على المسلمين وغير المسلمين تدبر القرآن وتفهمه للتعرف على أحكامه ومراميه وغاياته، وليعلم ما أعد الله للذين تولوا عن الإسلام، فإن لم يفعلوا أقفل الله عز وجل قلوبهم بأقفال الكفر والعناد، فهم لا يعقلون. وهذا رد على مذهب القدرية والإمامية الذين يقولون: إن الإنسان يخلق أفعال نفسه. أَ - إن كل من ظهرت له الدلائل على صحة عقيدة الإسلام وشريعته وسمعها، ولم يؤمن بها، فهو ممن زين له الشيطان سوء عمله وخطاياه، سواء كان من أهل الكتاب الذين تبين لهم الحق في التوراة بنعت محمد وآله وبعثته، وارتدوا، أو من غير أهل الكتاب. ◌َّ - لقد تآمر المنافقون واليهود على النبي ◌َّه والمؤمنين، في الباطن والسر، ٤٥١ الُ (٢٦) - مُخَنَدٌ: ٤٧ / ٢٤-٣١ وعادَوْهم، وتواطؤوا مع المشركين الذين كرهوا ما نزَّل الله في كتابه على توهين قوة المسلمين، ولكن الله تعالى مطّلع على سرهم، وكاشف أمرهم، فأخبر الله تعالى نبيه ټ بذلك. ٤ - يتعرض الكفار والمنافقون لأهوال شديدة عند الوفاة، فتنتزع الملائكة أرواحهم بعنف وشدة، وتضرب وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد. ٥- إن سبب تلك الأهوال في الدنيا هو اتباعهم ما أسخط الله بإضمار الكفر إن كانوا منافقين، أو بكتمان ما في التوارة من نعت محمد ێ، وكراهيتهم ما يرضي الله وهو الإيمان، مما يؤدي إلى إحباط أعمالهم التي عملوها من صدقة وصلة رحم وغير ذلك. أَ - يخطئ المنافقون الظن إن توهموا ستر الحال وألا يخرج أو يبرز الله ما يضمرونه من مكروه وحسد، وحقد وعداوة لنبي الله تعالى والمؤمنين. لاً - إن في قدرة الله تعالى أن يعرّف نبيه بأعيان المنافقين، وقد عرَّفه إياهم بأوصافهم لا بأسمائهم في سورة براءة، ويمكن معرفتهم بسهولة فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، فإن فحوى الكلام ومعناه ينبئ عن حقيقة الحال، والله يعلم أعمال عباده، فلا يخفى عليه شيء منها. ومن أمثلة تعريفهم في سورة براءة قوله تعالى: ﴿فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣/٩] وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهَةٍ﴾ [التوبة: ٩/ وثبت في السنة تعيين جماعة من المنافقين، روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: ((خطَبَنا رسول الله وَل خطبة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن فیکم منافقین، فمن سمیتُ فليقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا ٤٥٢ الجُرُ (٢٦) - مُحَدٌ: ٤٧ / ٣٢-٣٥ فلان، قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين رجلاً، ثم قال: إن فيكم منافقين، فاتقوا الله، قال: فمرّ عمر رضي الله عنه برجل ممن سَّی مقنَّع قد كان يعرفه، فقال مالَكَ؟ فحدثه بما قال رسول الله وَّر، قال: بُعْداً لكَ سائر الدهر)). ٨ - إن ميدان الحياة ميدان اختبار وتجربة لينكشف الناس بعضهم لبعض، فيتعبدهم الله بالشرائع، وإن علم سبحانه سلفاً عواقب الأمور، من أجل رؤية المجاهدين في سبيل الله والصابرين على مشاق التكاليف، وتمييزهم عن غيرهم، واختبار أخبارهم وإظهارها للملأ، فبالجهاد يعلم الصادق في إيمانه أو قوله: آمنت، من الكاذب الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر. حال بعض كفار أهل الكتاب وبعض المؤمنين في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآَقُواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُوا اُلْهُدَى لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَلَهُمْ اُللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلاَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ لَّ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللهِ (٣٤) ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ فَلاَ تَهِنُواْ وَنَدْعُواْ إِلَى السَِّ وَأَنْتُمُ اُلْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمُ ٣٥ القراءات: ﴿السَّمِ﴾: وقرأ حمزة (السِّلم). الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾: خبر﴿ إِنَّ﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَنْ ٤٥٣ الجُزُ (٢٦) - مُخَقَدٌ: ٤٧ / ٣٢-٣٥ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن اسم ﴿إِنَّ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾، فشابه الشرط؛ لأنه مبهم، ولم يؤثر دخول ﴿إِنَّ﴾ بخلاف مالو دخلت ( ليت ولعل وكأن ) فإنه لا يجوز فيه دخول الفاء في الخبر مع ليت ولعل وكأن، لأن ﴿إِنَ﴾ للتأكيد، وتأكيد الشيء لا يغير معناه، بخلاف (ليت ولعل وكأن) فإنها غيرت معنى الابتداء؛ لإدخال معنى التمني والترجي والتشبيه. ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ﴾ حذف منه واو لام الفعل. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن طريق الحق، قيل: إنهم المشركون كفار قريش وهم المطعمون يوم بدر، والراجح أنهم أهل الكتاب يهود بني قريظة وبني النضير؛ لأن الله ذكر المشركين في أول السورة، ثم ذكر المنافقين ﴿وَشَآَقُواْ الرَّسُولَ﴾ خالفوه، بأن صاروا في شق وجانب، وهو في شق وجانب آخر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ وهو معنى سبيل الله أي طريق الحق، وهذا يؤيد أن الآية في أهل الكتاب، تبين لهم في كتبهم صدق محمد وَل ﴿لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا﴾ بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، وهو تهديد معناه: هم يظنون أن ذلك الشقاق مع الرسول وَّر، والواقع أنه مع الله تعالى، فإن محمداً رسول الله وَلّ ما عليه إلا البلاغ، فإن ضروا ضروا الرسل، والله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي يبطل أعمالهم الخيرية من صدقة وصلة رحم ونحوها، فلا يرون لها في الآخرة ثواباً، فيكون المعنى: يبطل حسنات أعمالهم بكفرهم ومشاقتهم ومعاداتهم الرسول وَله. ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ لا تبطلوا ثواب أعمالكم بما أبطل به هؤلاء، كالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها، قال البيضاوي: وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر. ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن طريق الحق والهدى ﴿ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنَ ٠٠ ٤٥٤ اِلُعُ (٢٦) - مُحَمَلًا: ٤٧ / ٣٢-٣٥ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ هذا عام في كل من مات على كفره، وإن صح نزوله في أصحاب القليب (البئر غير المطوية) يوم بدر. ﴿فَلاَ تَهِنُواْ﴾ لا تضعفوا ﴿وَتَدْعُوَاْ إِلَى السَّلْمِ﴾ بكسر السين وفتحها، أي إلى الصلح خوراً وتذللاً مع الكفار إذا لقيتموهم، وقرئ: ولا تدَّعوا: من ادّعى بمعنى دعا ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ﴾ الأغلبون القاهرون ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصر، أي ناصركم ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ لن يضيع ثواب أعمالكم ولن ينقصها، يقال: وَتَره حقّه، أي نقصه، ومنه قوله وَ لّ فيما أخرجه النسائي عن نوفل بن معاوية: (( من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله)) أي ذهب بهما، وأصبح فرداً. سبب النزول: نزول الآية (٣٢): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآَقُواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمُ اَلْهُدَى لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر. نزول الآية (٣٣): ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ خطاب للمؤمنين بلزوم الطاعة في أوامر الله تعالى والرسول وَ﴾ في سنته. أخرج ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله وَ له يرون أنه لا يضر مع ((لا إله إلا الله)) ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل. نزول الآية (٣٤): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ ٤٥٥ الجُزءُ (٢٦) - مُحَدٌ: ٤٧ / ٣٢-٣٥ ﴾ نزلت في أصحاب القليب أي قليب بدر، حيث ألقي قتلى المشركين في بئر. المناسبة: بعد بيان حال المشركين في أول السورة، ثم حال المنافقين، ذكر الله تعالى حال جماعة من أهل الكتاب وهم بنو قُرَيْظة والنَّضير، كفروا وصدوا عن سبيل الله، فهددهم الله؛ لأنهم تركوا الحق بعد معرفته. ثم ذكر قصة بعض الصحابة وهم بنو سعد الذين أسلموا، وامتنوا بإسلامهم على النبي ◌َّ، فنهاهم الله عن ذلك. ثم أبان تعالى حكم من ماتوا كفاراً، وهو أنه لن يغفر الله لهم، وأنه خاذلهم في الدنيا والآخرة، فلا داعي لإظهار الضعف والتذلل أمامهم، والمؤمنون في قوة وغلبة وتفوق. التفسير والبيان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآَقُواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ اُلْهُدَى لَن يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَلَهُمْ (4) أي إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدوا الناس عن دينه وطريق الحق بأن منعوهم عن الإسلام واتباع الرسول وَلقوله وخالفوا الرسول و * وعادوه من بعد أن ظهر لهم الحق، وعرفوا أن محمداً رسول وَله من عند الله بالمعجزات الواضحة والأدلة القاطعة، لن يضروا الله شيئاً بتركهم الإيمان وإصرارهم على الكفر؛ لأن العباد لن يبلغوا ضرّ ربهم فيضرونه، فهو مُنَّه عن ضرر الغير مهما كان، وإنما يضرون أنفسهم ويخسرونها يوم المعاد، وسيبطل الله ثواب أعمالهم؛ لكفرهم. ثم أمر تبارك وتعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله يسير، التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، فقال له : ٠٠. ٤٥٦ الُعُ (٢٦) - مُحَمَلٌ: ٤٧ / ٣٢-٣٥ (٣٣ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله أطيعوا الله تعالى وأطيعوا رسوله ◌َّله، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، ولا تبطلوا حسناتكم بالردة أو بالمعاصي الكبائر، وبالرياء والسمعة، والمن والأذى، أما الإبطال بالردة فدليله الآية التي بعدها: ﴿فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. وأما الإبطال بالكبائر فقد ذكر في سبب النزول عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي وَله يرون أنه لا يضر مع ((لا إله إلا الله)) ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وقال قتادة رحمه الله: رحم الله عبداً لم يحبط عمله الصالح بعمله السيئ. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تبطلوها بالرياء والسمعة، أو بالشك والنفاق. وروى محمد بن نصر المروزي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كنا معشر أصحاب رسول الله ◌َفي نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش، حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها. ثم أبان الله تعالى أن أعمال المكلف إذا بطلت، فإن فضل الله باق، يغفر له إن شاء، ما لم يمت على الكفر، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ أي إن الذين جحدوا توحيد الله، ومنعوا الناس عن دين الله تعالى واتباع رسوله وَّر، وماتوا وهم مصرون على الكفر، فلا مغفرة لهم، بل إنهم ٤٥٧ 1 الُُ (٢٦) - مُحَمَلٌ: ٤٧ / ٣٢-٣٥ معاقبون في النار. قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي ◌َّر عن والده، وقال: إنه كان محسناً في كفره. وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر. ونظير الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن كَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤]. ولا تسامح أكثر من هذا، فإن الله غفور رحيم لمن مات وهو مؤمن، ولا مغفرة ولا رحمة بالموت على الكفر. ثم بيَّن سبحانه ألا حرمة للكافر في الدنيا والآخرة، وأمر بقتال الكفار، فقال : ﴿فَلَ نَّهِنُواْ وَنَدْعُوَاْ إِلَى السَّْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَّكُمْ أَعْمَلَكُمْ ﴾ أي فلا تضعفوا عن القتال أيها المؤمنون، ولا تَدْعوا الكفار إلى الصلح والمسالمة ابتداء منكم، وإظهاراً للعجز والضعف، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف، ولا مانع من قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، أما في حال كونكم أنتم الأعلون: الغالبون القاهرون المستولون على أعدائكم، فلا تبدؤوهم بطلب الصلح، والله معكم بالنصر والمعونة عليهم، ولن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم. وقوله ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء. فأما إذا كان الكفار في حال قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة والمعاهدة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله وَله حين صدّه كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح وإنهاء الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم وَّ إلى ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - إن شؤم الكفر بالله تعالى ورسوله وَّه ومحاولة صد الناس عن الإسلام ٤٥٨ اِلُعُ (٢٦) - مُخَفٌَ: ٤٧ / ٣٢-٣٥ وشرعه ومعاداة الرسول بعد العلم أنه نبي بالحجج والآيات مرده إلى الكفار أنفسهم، وسيبطل الله في الآخرة ثواب ما عملوه، والله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر أو فسق فاسق. ٢ - المؤمنون مأمورون على الدوام بلزوم الطاعة في أوامر الله تعالى وسنة رسوله ول*، منهيون عن إبطال حسناتهم بالمعاصي الكبائر، أو بالرياء والسمعة، أو بالمن والأذى، أو بترك طاعة الرسول واله. وفي هذا إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات، والمعاصي تخرج عن الإيمان. ٣ - يدل ظاهر نهي المؤمنين عن إبطال أعمالهم على أن من شرع بنافلة، ثم أراد تركها ليس له ذلك، وللعلماء آراء في الموضوع. فذهب الشافعي إلى أنه يجوز ترك ما شرع فيه من أعمال التطوع؛ لأن المتطوع أمير نفسه، وإلزامه إياه مخرج عن وصف التطوع: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١/٩] والمراد بالآية إيطال ثواب العمل المفروض، فإن الله نهى الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان نفلاً فلا؛ لأنه ليس واجباً عليه. فإن قيل: اللفظ عام، فالجواب أن العام يجوز تخصيصه؛ لأن النفل تطوع، والتطوع يقتضي تخييراً. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز ترك ما بدئ به من تطوع، كصلاة نافلة وصوم تطوع؛ لأن المتطوع أمير نفسه قبل أن يشرع، أما إذا شرع فقد ألزم نفسه، وعقد عزمه على الفعل، فوجب عليه أن يؤدي ما التزم، وأن يوفي بما عقد: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١/٥]. ٤ - إن الوفاة على الكفر توجب الخلود في النار، وباب التوبة والمغفرة مفتوح طوال الحياة، فمن مات مصراً على جحوده توحيد الله عوقب بجهنم. ٥ - لا تجوز الدعوة إلى السلم والمصالحة أو المهادنة تذللاً وإظهاراً ٤٥٩ الجُرُ (٢٦) - مُخَفَدٌ: ٤٧ / ٣٦-٣٨ للضعف، ما دام المسلمون أقوياء، وإن حدثت الغلبة من الأعداء في الظاهر في بعض الأحوال، فإن الله ناصر المؤمنين، ولن ينتقصهم شيئاً من أعمالهم. فإذا عجز المسلمون لضعفهم عن مقاومة الأعداء، جازت مهادنة الكفار عند الضرورة. وكذلك إذا رأى الإمام مصلحة في المهادنة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل النبي ◌َّ في صلح الحديبية مع المشركين مدة عشر سنين. أما إن طلب المشركون الصلح بحسن نية من غير خداع، فلا بأس بإجابتهم لقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١/٨]. وعلى هذا تكون كل من الآيتين: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ﴾ ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلُّمِ﴾ محكمة غير منسوخ إحداهما بالأخرى كما قال بعضهم، فهما نزلتا في وقتين مختلفي الحال، فالأولى في حال قوة المسلمين، والثانية حال طلب الأعداء الصلح. ١ تأكيد الحث على الجهاد بالتزهيد في الدنيا ﴿إِنَّمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوٌّ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ هَأَنتُمْ إِن يَسْتَذْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَنَكُمْ (49) هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنِكُمْ مَن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسٍِّ، وَاَللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنِ تَنَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ فَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ (٣٨) لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ الإعراب: ﴿إِن يَسْتَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ﴾ ﴿يَسَْلْكُمُوهَا﴾: فعل يتعدى إلى مفعولين، فالأول (كمو) والثاني: (ها) و﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ مجزوم بالعطف على ٤٦٠ الزُعُ (٢٦) - مُحَدٌ: ٤٧ / ٣٦-٣٨ ﴿يَسَْلْكُمُوهَا﴾، و﴿تَبْخَلُواْ﴾ مجزوم: لأنه جواب الشرط، و﴿ وَيُخْرِجْ﴾ مجزوم بالعطف على ﴿تَبْخَلُواْ﴾. ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ﴾ (ها): للتنبيه، و(أنتم): مبتدأ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾: موصول بمعنى الذين: خبر، وصلته: ﴿تُدْعَوْنَ﴾ أي أنتم الذين تدعون، أو أنتم یا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، فقال: تدعون لتنفقوا. ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ﴾ معطوف على: ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ﴾. ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ﴾ يجوز العطف على جواب الشرط بالواو والفاء وثم بالجزم كما هنا، وبالرفع مثل: ﴿وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُوكُمُ الْأَدْبَرِ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١/٣]. البلاغة: ﴿ الْغَنِىُّ﴾ و﴿ اَلْفُقَرَآءُ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّمَا الْمَيَوَةُ الدُّنَّا﴾ أي الاشتغال فيها ﴿لَعِبُ وَلَهُوٌ﴾ لا ثبات لها، ج واللعب: كل مالا منفعة فيه في المستقبل، ولا يشغل عن مهامّ الأمور، فإن شغل عنها فهو اللهو، ومنه آلات الملاهي: لأنها تشغل عن غيرها ﴿ وَتَنَّقُواْ﴾ الله بامثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ يعطكم ثواب الإيمان والتقوى﴿ وَلَا يَسْئَلَّكُمْ أَمْوَلَكُمْ﴾ لا يطلب جميع أموالكم، بل يقتصر على الزكاة المفروضة التي هي جزء يسير، كربع العشر، والعشر. ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ يبالغ في الطلب، من الإحفاء والإلحاف: بلوغ الغاية في كل شيء، يقال: ألحف بالمسألة وأحفى وألح بمعنى واحد، ﴿ وَيُخْرِجْ﴾ البخل ﴿أَضْغَنَكُمْ﴾ أحقادكم أي عداوتكم لدين الإسلام ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ﴾ ٤