Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١
الجُرُ (٢٦) - الْأَخْقَفَلِ: ٤٦ / ١٧ -٢٠
وأخرج عبد الرزاق من طريق مكي: أنه سمع عائشة تنكر أن تكون الآية
نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، وقالت: إنما نزلت في فلان، وسَّتْ رجلاً.
وقال الحافظ ابن حجر: ونفي عائشة أصح إسناداً، وأولى بالقبول.
وقال ابن كثير: ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله
عنهما، فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه،
وكان من خيار أهل زمانه(١). وقال القرطبي نقلاً عن الزجاج: الصحيح أن
الآية نزلت في عبد كافر عاق لوالديه(٢).
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى الولد البار بوالديه وفوزه وتقبل الله عمله، وصف
الولد العاقّ لوالديه هنا وجزاءه المستحق له، ثم أخبر تعالى أن لكل من
الفريقين منازل ودرجات عند ربهم: إما رفعةً وإما انخفاضاً، وأخبر أيضاً عما
يقال للكفار توبيخاً وتقريعاً حين عرضهم على النار: إنكم تمتعتم في الحياة،
وتكبَّتم عن اتباع الحق، وفسقتم عن طاعة الله، فتُجازَوْن اليوم جزاء ما
عملتم ومن أجل ما عملتم.
التفسير والبيان:
﴿ وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُنٍ لَّكُمَا أَتَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِ﴾
هذا عام في كل من قال هذا، إذ قال لأبويه حينما دعواه إلى الإيمان بالله
واليوم الآخر: أُفّ لكما، أي تضجرٌ وتبرم مما تقولانه، أأنتما تخبرانني أنني
سأبعث من قبري بعد الموت لموعد الله؟ إن هذا البعث بعد الموت لمستبعد
(١) تفسير ابن كثير: ١٥٨/٤
(٢) تفسير القرطبي: ١٩٧/١٦
:
٣٦٢
لُ (٢٦) - الأَخْفَقلِ: ٤٦ / ١٧ - ٢٠
مستنكر، فقد مضت الأمم السابقة الكثيرة من قبلي، كعاد وثمود، ماتوا ولم
يبعث منهم أحد، وذهبوا ولم يرجع منهم مخبر.
والخلاصة: المراد بالآية الجنس؛ لأن خصوص السبب لا يوجب
التخصيص.
﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اَللَّهَ وَيَلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي ووالداه يسألان الله أن
يوفقه للإيمان، ويقولان له: ويلك آمن بالله وبالبعث، أي هلاكاً لك أو
هلكت، صّدِّق بوعد الله في اليوم الآخر الذي وعد به خلقه أنه باعثهم من
قبورهم، ووعد الله حق لا خُلْف فيه، والمراد بالدعاء عليه: الحث
والتحريض على الإيمان، لا حقيقة الهلاك.
﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي فيقول هذا الولد مكذباً لما قال
والداه، ما هذا الذي تقولانه من البعث إلا أحاديث الأولين وأباطيلهم التي
سطّروها في الكتب، فما البعث في الحقيقة إلا أمر باطل، لا يقبله العقل، أي
في زعمه ووهمه.
ثم ذكر الله تعالى جزاء هذا القائل، فقال:
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَّ أُمُرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ اُلْجِنّ وَالْإِنسَّ إِنَّهُمْ
كَانُواْ خَسِرِينَ ﴾ أي إن أولئك القائلين هذه المقالة هم الذين وجب عليهم
العذاب، واستحقوا غضب الله، في جملة الأمم الكافرة المتقدمة، فهم
منضمون في ذلك إليهم، سواء كانوا من الجن أو الإنس الذين كذبوا الرسل؛
لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، لتضييعهم الفكر والنظر الشبيه
برأس المال، باتباعهم وساوس الشيطان.
٠٠
والمراد بالقول: قول الله إنه يعذبهم في جملة أمم قد خلت من قبلهم من
٣٦٣
الُ (٢٦) - الأَخْقَفِ: ٤٦ / ١٧-٢٠
الجن والإنس. وهذا يقتضي أن الجن يموتون قرناً بعد قرن كالإنس (١). ولعل
المراد بالقول هنا قوله سبحانه لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ
49]﴾ [ص: ٨٥/٣٨]. والإشارة بقوله: ﴿أَوْلَئِكَ﴾ للتحقير.
أَجْمَعِينَ
ثم ذكر الله تعالى مراتب كل من الفريقين: المحسن والمسيء، فقال:
﴾ أي ولکل
﴿ وَلِكُلِّ دَرَخَتُ فَِّّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
فريق من الفريقين: المؤمنين المحسنين الأبرار، والكافرين الأشقياء المسيئين
الأشرار من الجن والإنس مراتب ومنازل عند الله يوم القيامة إما عليا وإما
دنيا، من جزاء ما عملوا من الخير والشر، ومن أجل ما عملوا منها،
وليوفيهم جزاء أعمالهم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وهم لا يظلمون
شيئاً بنقص ثواب، أو زيادة عقاب، ولا يظلمهم الله مثقال ذرة فما دونها.
والدرجات: بمعنى المنازل والمراتب تشمل درجات أهل الجنة العالية،
ودركات أهل النار النازلة، لكنه عبر بالدرجات للتغليب، إذ الثواب درجات
والعقاب دركات.
وبعد بيان إيصال الحق لكل أحد، بيَّن الله تعالى أولاً أحوال العقاب
وأهوال القيامة التي يتعرض لها الكافرون، فقال:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا
فَأْيَّوْمَ تُجْزَوّنَ عَذَابَ اُلْهُونِ بِمَا كُمْ تَسْتَكْثِرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُمْ
نَفْسُقُونَ (٣) أي واذكر أيها النَّبي لقومك حين تعرض النار على الكفار، أي
يعذبون فيها، أو يوم ينكشف الغطاء، فينظرون إلى النار، ويقربون منها،
فيقال لهم تقريعاً وتوبيخاً: استوفيتم وأخذتم لذائذكم في الدنيا، وتمتعتم بها،
(١) البحر المحيط: ٦٢/٨
٣٦٤
الزُعُ (٢٦) - الْأَخْقَولِ: ٤٦ / ١٧ -٢٠
باتباع الشهوات واللذات في معاصي الله سبحانه، دون مبالاة بالذنب،
وتكذيباً منهم لما جاءت به الرسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب، فلم
يبق لكم بعد استيفاء حظوظكم شيء منها، ففي هذا اليوم تجازون بالعذاب
الذي فيه ذلّ لكم، وخزي عليكم، وإهانة، بسبب تكبركم عن عبادة الله
والإيمان به وتوحيده، وخروجكم عن طاعة الله وعملكم بمعاصيه.
وهكذا جوزوا من جنس عملهم، فكما متعوا أنفسهم، واستكبروا عن
اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله تبارك وتعالى بعذاب
الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة في دركات
جهنم، أعاذنا الله منها.
أما الاستمتاع بالطيبات المباحات من غير اعتداء ولا تجاوز الحدود، فهو
مباح للمسلم والكافر على السواء؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
١٨٧
[المائدة: ٨٧/٥]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ،
وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢/٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - إن عقوق الوالدين من الكبائر، وإن من أكبر الكبائر الإشراك بالله،
وإنكار البعث والمعاد.
أَ - إن عاطفة الأبوين الصادقة المتأججة تدفعهما إلى الاستغاثة بالله
وسؤاله ودعائه بالهداية لولدهما الكافر منكر البعث، أو الاستغاثة بالله من
كفره، وهما يقولان له: ويلك آمن، أي صدِّق بالبعث، إن وعد الله صدق لا
خُلْف فيه، والمراد بالدعاء الحثّ والتحريض على الإيمان، لا حقيقة الهلاك.
٣٦٥
الُ (٢٦) - الْأَخْقَفلِ: ٤٦ / ١٧ -٢٠
٣ - لم يقابل الولد تلك العاطفة بالتقدير والاحترام، فأجاب والديه: ما
هذا الذي تقولانه من أمر البعث وتدعوانني إليه إلا أكاذيب الأولين الأقدمين
وأباطيلهم. ولم يكن قوله بلطف وإنما بتضجر وتبرم، وذلك من الكبائر أيضاً.
٤ - كان هذا الولد القائل وأمثاله من الذين حقت عليهم كلمة العذاب،
أي وجب عليهم العذاب بكلمة الله: ((هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في
النار ولا أبالي)) مع أمم تقدمت ومضت من قبلهم من الجن والإنس
الكافرين، وإن تلك الأمم الكافرة ومن سار في منهجهم كانوا خاسرين
لأعمالهم، ضيعوا سعيهم، وخسروا الجنة.
- لكل واحد من فريقي المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب
عند الله يوم القيامة بأعمالهم، وليوفيهم الله أعمالهم ولا يظلموا حقوقهم،
فلا يزاد على مسيء، ولا ينقص من محسن.
٩ - يقال للكافرين تقريعاً وتوبيخاً حين تقريبهم من النار ونظرهم إليها،
أو عند تعذيبهم بها: لقد تمتعتم بطيبات الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات،
يعني المعاصي، فاليوم تجزون عذاب الخزي والفضيحة والهوان، بسبب
استعلائكم على أهل الأرض بغير استحقاق، وتكبركم عن اتباع الحق
والإيمان، وخروجكم عن طاعة الله بغياً وظلماً.
ويلاحظ أن الاستكبار عن قبول الحق: ذنب القلب، والفسق: عمل
الجوارح (الأعضاء).
ويحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأن فسق الكفار
يوجب العقاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل
المنهيات :
قال المفسرون: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ
٣٦٦
المُعُ (٢٦) - الأَحْقَفل: ٤٦ / ١٧ -٢٠
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَطِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢/٧]،
ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين، لئلا يشتغل بغير المهم عن
المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له، وقد يجرّ بعضه بعضاً إلى أن يقع
المرء في حد البعد عن الله تعالى(١).
وفي الحديث: أن رسول الله وَ﴿ه دخل على أهل الصُّفَّة، وهم يرفعون
ثيابهم بالأَدَم (٢)، ما يجدون لها رقاعاً، فقال: ((أنتم اليوم خير أم يوم يغدو
أحدُكم في حُلَّة، ويُرُوح في أُخرى، ويُغْدَى عليه بِجَفْنةٍ، ويُرَاحِ بأخرى،
ويستُر البيت كما تُسْتَرُ الكعبة؟)) قالوا: نحن يومئذٍ خير، قال: (( بل أنتم اليوم
خیر )).
وذكر قتادة عن عمر رضي الله عنه، قال: لو شئت كنت أطيبكم طعاماً،
وأحسنكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة، لأن الله وصف قوماً،
فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ﴾.
وعن عمر أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل، ثم قدَّم شيئاً حُلْواً فامتنع،
وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ الآية، فقال
الرجل: اقرأْ يا أمير المؤمنين ما قبلها: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ولستَ
منهم، فأكل وسرَّه ما سمع.
وفي صحيح مسلم وغيره: أن عمر رضي الله عنه دخل على النبي وَّ وهو
في مَشْرُبته (٣) حين هجر نساءه، قال: فالتفتُ فلم أرَ شيئاً يردّ البصر إلا
أُهُباً(٤) جلوداً معطونة، قد سطع ريحها؛ فقلت: يا رسول الله، أنت رسول
(١) غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري النظّام: ١٢/٢٦
(٢) أدم: جمع أديم وهو الجلد.
(٣) المَشْرَبه: الموضع الذي يشرب منه الناس، والمشرُبة: الغرفة.
(٤) الأُهب: جمع إهاب: وهو الجلد.
٣٦٧
الجُزُ (٢٦) - الأَخْقَفلِ: ٤٦ / ١٧ -٢٠
الله وخِيرته، وهذا كِشْرى وقَيْصر في الدِّيباح والحرير؟ قال: فاستوى جالساً
وقال: ((أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في
حياتهم الدنيا)) فقلت: استغفرْ لي، فقال: ((اللهم اغفر له)).
والخلاصة: إن الآية للنعي على الكفار الذين يعذبون بالنار، وإن
استمتاعهم بالطيبات في الدنيا ليحرموا منها في الآخرة، عدلاً من الله وفضلاً
ورحمة. وليس في الآية أن كل من أصاب الطيبات المباحات في الدنيا، فإنه لا
يكون له منها حظ في الآخرة، والمؤمن يؤدي بإيمانه شكر المنعم، فلا يوبَّخ
بتمتعه بالدنيا.
وعلى كل حال كان السلف الصالح يؤثرون التقشف في الدنيا، ليكون
ثوابهم في الآخرة أكمل، أما التمتع بزخارف الدنيا المباحة فليس ممتنعاً،
للآيات المتقدمة: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧/٥]، ﴿قُلْ
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢/٧]. قال الرازي: نعم لا ينكر أن الاحتراز
عن التنعم أولى؛ لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز
والانقباض، وحينئذٍ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي،
وذلك مما يجرُّ بعضه إلى بعض، ويقع في البعد عن الله تعالى بسببه(١).
(١) تفسير الرازي: ٢٥/٢٨
٣٦٨
الجُزءُ (٢٦) - الأَحْقَقل: ٤٦ / ٢١-٢٨
قصة هود عليه السلام مع قومه عاد
﴿﴿ وَأَذْكُرُ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنَذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
قَالُواْ
وَمِنْ خَلْفِهِ، أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّا اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
٢١
أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَاِتِنَا فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
قَالَ إِنَّمَا
اَلْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَبْلِغُكُم مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّ أَرَبِّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ
فَلَمَّا رَأَوْهُ
٣٣
عَارِضًا تُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ تُطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهٌِ رِيُ فِيَهَا
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٣ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ
﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّتَكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا
نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبَصَرُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا
٣٦
كَانُواْ يَجْحَدُونَ بَثَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْأَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ
أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا ءَاِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفُْهُمْ وَمَا كَانُواْ
٨
يَفْتَرُونَ
القراءات:
﴿ إِنَّ أَخَافُ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أخاف).
﴿أَجِئْتَنَا﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (أجيتنا).
{وَأُبُلِغُكُمْ﴾:
وقرأ أبو عمرو (وأُبْلِغُكم).
٣٦٩
الُ (٢٦) - الْأَحْفَقَلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
﴿ وَلَكِنِىّ أَرَنَّكُمْ﴾ :
وقرأ نافع، والبزي، وأبو عمرو (ولكنيَ أراكم).
﴿لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ : قرئ:
١- (لا يُرى إلا مساكنُهم) وهي قراءة عاصم، وحمزة.
٢- (لا تَرى إلا مساكنَهم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ ﴿إِذْ﴾: بدل اشتمال.
﴿وَلَقَدْ مَكَّتَهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّتَّكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَا
أَغْنَ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِثَايَتِ
اُللَّهِ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣)﴾ ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ قد: حرف يقرب
الماضي من الحال ويقلل المستقبل. و﴿فِيمَآ﴾ أي في الذي و﴿ إِن مَّكَّتَّكُمْ﴾
تحتمل ﴿إِن﴾ وجهين: إما بمعنى (ما) النافية، أو زائدة. ﴿فَمَآ أَغْنَى﴾: ما:
إما نافية، ويؤيده دخول (من) للتأكيد في قوله تعالى: ﴿مِّنْ شَىْءٍ﴾ أو
استفهامية منصوبة بـ ﴿أَغْنَى﴾ والتقدير: أي شيء أغنى هو ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ
بِهِ،﴾: ﴿مَا﴾ فاعل (حَاقَ) وهي مصدرية، وفي الكلام حذف مضاف تقديره:
وحاق بهم عقاب استهزائهم؛ لأن نفس الاستهزاء لا يحل عليهم، وإنما يحل
عليهم عقابه.
﴿قُرْبَانًا ءَاِهَةٌ﴾ ﴿قُرْبَانًا﴾: إما منصوب على المصدر، أو مفعول لأجله،
أو مفعول ﴿أَّخَذُواْ﴾ و﴿ءَاِهَةً﴾ بدل منه.
﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَمَا﴾: مصدرية، أو موصولة، والعائد محذوف،
أي فيه.
٣٧٠
الجُزءُ (٢٦) - الْأَخْفَفلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
البلاغة:
﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْضَرًّا وَأَفْئِدَةً﴾ ثم قال: ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَّ
أَبْصَرُهُمْ وَلَاَ أَفْئِدَتُهُم﴾ من قبيل الإطناب بتكرار اللفظ لزيادة التقبيح عليهم.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَمَا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ﴾ توافق الفواصل الذي يزيد في جمال الكلام.
المفردات اللغوية:
﴿أَخَا عَادٍ﴾ هو هود عليه السلام، وعاد قبيلة عربية من إِرَم. ﴿أَنْذَرَ﴾
خوف. ﴿بِالْأَحْقَافِ﴾ وادٍ باليمن فيه منازلهم، بين عُمان ومَهْرَة، وهي في
الأصل جمع حِقْف: وهو رمل مستطيل مرتفع معوج فيه انحناء . ﴿خَلَتِ
النُّذُرُ﴾ مضت الرسل التي تنذر، والنذر جمع نذير أي منذر، والجملة معترضة
أو حال . ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيّهِ وَمِنْ خَلَّفِهِ﴾ من قبل هود ومن بعده. ( ألّا ) أي بأن
قال: ( لا تعبدوا ) أو النذر بألا تعبدوا، فإن النهي عن الشيء إنذار بمضرته.
﴿إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن عبدتم غير الله. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هائل بسبب
شرککم.
لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَاِهَتِنَا﴾ لتصرفنا عن عبادتها. ﴿فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب
على الشرك. ﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ في وعدك أنه يأتينا. ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلِمُ
عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال هود: لا يعلم أحد متى يأتيكم العذاب، ولا مدخل لي فيه
فأستعجل به، وإنما علمه عند الله، فيأتيكم به في وقته المقدّر له . ﴿ وَأُبَلِغُّكُمْ مَّا
أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إليكم، وما على الرسول إلا البلاغ. ﴿ وَلَكِنِّىَّ أَرَكُمْ قَوْمًا
تَجْهَلُونَ﴾ باستعجالكم العذاب ما هو، ولا تعلمون أن الرسل بعثوا مبلِّغين
منذرين، لا معذِّبين مقترحين.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ أي العذاب. ﴿عَارِضًا﴾ سحاباً عرض في أفق السماء.
٣٧١
الزُرُ (٢٦) - الأَحْقَقلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ﴾ متوجهاً نحو أوديتهم. ﴿هَذَا عَارِضٌ مُخْطِرُنَا﴾ أي يأتينا
بالمطر. ﴿بَّ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهٌِ﴾ من العذاب. ﴿رِيعٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ربح
مشتملة على عذاب مؤلم، أي هي ريح، أو بدل من ﴿مَا﴾.
﴿تُدَمِّرُ﴾ تهلك. ﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾ من النفوس والأموال. ﴿بِأَمْرِ رَبِهَا﴾ بإرادته
ومشيئته، فأهلكت رجالهم ونساءهم وصغارهم وأموالهم . ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ
اُلْمُجْرِمِينَ﴾ أي كما جزيناهم نجزي الكافرين. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن تَكَّنَّكُمْ
فِيهِ﴾ أي لقد جعلنا لهم مُكْنة وقدرة في الذي جعلناه لكم يا أهل مكة من
القوة والمال. (سَمْعًا﴾ أسماعاً. ﴿ وَأَفْئِدَةً﴾ قلوباً. ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَاَ
أَبْضَرُهُمْ وَلَآَ أَفْئِدَتُهُمِ﴾ شيئاً من الإغناء، وقوله: ﴿مِّن شَىْءٍ﴾ ﴿مِّن﴾: زائدة
معمولة لأغنى، وفيها معنى التعليل.
للتأكيد. ﴿إِذْ كَانُواْ﴾ ﴿إِذْ﴾
يَجْحَدُونَ﴾ ينكرون. ﴿بَايَتِ اللَّهِ﴾ حججه وبراهينه البيّنة. ﴿وَحَاقَ﴾
نزل . ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي العذاب.
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ اُلْقُرَى﴾ أي أهلكنا من جواركم من أهل
القرى كثمود وعاد وقوم لوط . ﴿وَصَرَّفْنَا اُلَيَتِ﴾ بَيَّاها لهم. ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ﴾
هلا نصرهم بدفع العذاب عنهم؟ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ غيرِهِ. ﴿قُرْبَانًا﴾ مصدر أو
اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى، من طاعته ﴿ءَالِهَةَ﴾ معه وهم الأصنام.
﴿ضَلُّواْ﴾ غابوا. ﴿عَنْهُمَّ﴾ عند نزول العذاب. ﴿ وَذَلِكَ﴾ أي اتخاذهم
الأصنام آلهة. ﴿إِفْكُهُمْ﴾ أي كذبهم، وقرئ: (أَفَكَهُمْ) أي صَرَفَهم.
(يَفْتَرُونَ﴾ يكذبون.
المناسبة:
بعد بيان أدلة التوحيد والنبوة التي أعرض عنها أهل مكة، بسبب
استغراقهم في لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها، ذكر الله تعالى قصة قوم عاد
للعظة والتذكر والعبرة، فقد أهلكهم الله تعالى بسبب شؤم كفرهم، مع أنهم
٣٧٢
الزُعُ (٢٦) - الأَخْقَقلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
كانوا أكثر أموالاً وقوة وجاهاً من مشركي مكة، ليعتبروا بذلك، ويتركوا
الاغترار بالدنيا. ويقبلوا على طلب الدين، فإن ضرب الأمثال الواقعية
يستدعي عمق التأمل، وتغيير المواقف، وفيه تسلية للنبي وَلّ في تكذيب قومه.
التفسير والبيان:
وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ فَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَ مِنْ خَلْفِهِ، أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّا اللَّهَ إِنِّيَ أَخَفُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ ﴾﴾ أي
واذكر أيها النبي لقومك أخا عاد: وهو هود عليه السلام الذي كان أخاهم في
النسب، لا في الدين، بعثه الله إلى عاد الأولى الذين كانوا يسكنون الأحقاف
في حضرموت، جمع حقف: وهو الهضبة من الرمل العظيم، وهو الأصح، أو
وادٍ يدعى بَرَهُوت، وأعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبل هود وبعده أنذروا
نحو إنذاره بألا يعبدوا غير الله ولا يشركوا معه إلهاً آخر، فإني أخشى عليكم
عذاب يوم عظيم الأهوال.
ونظير الآية قوله عز وجل: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَعِقَةٍ
(٣) إِذْ جَتُهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا
اَللَّهُ﴾ [فصلت: ١٣/٤١ -١٤].
عَادٍ وَثَمُودَ
فأجابه قومه قائلين :
﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَاِتِنَا فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
٢٢
٤ أي قال قومه له: هل جئتنا لتصرفنا وتصدنا عن عبادة آلهتنا إلى عبادة
ما تدعونا إليه، فأتنا بما تعدنا من العذاب العظيم إن كنت صادقاً في قولك
ووعدك لنا به على الشرك.
وهذا دليل واضح على أنهم استعجلوا عذاب الله وعقوبته، استبعاداً منهم
وقوعه، وإنكاراً لحصوله، كقوله سبحانه: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
٣٧٣
الزُعُ (٢٦) - الْأَحْقَقلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
بِهَا﴾ [الشورى: ١٨/٤٢]. وفيه دلالة على أن الوعد قد يستعمل في موضع
الوعيد.
فرد عليهم هود عليه السلام:
﴿قَالَ إِنَّمَا أَلْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَبْلِّفُّكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّيَّ أَرَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ
﴾ أي قال هود: لا علم لي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب، وإنما
٢٣
العلم بوقت مجيئه عند الله تعالى، لا عندي؛ لأنه هو الذي قدَّره، لا أنا، ولم
يخبرني متى سيأتي به، وإنما شأني أن أبلغكم ما أرسلت به إليكم من ربكم من
الإنذار والإعذار، والتحذير من العذاب، لا أن آتي به، فليس ذلك في
مقدوري، ولكني أراكم قوماً لا تعقلون ولا تفهمون حيث بقيتم مصرّين على
الكفر، ولم تهتدوا بما جئتكم به، بل اقترحتم علي ما ليس من شأن الرسل
ووظائفهم.
ثم ذكر الله تعالى مقدمات العذاب، فقال:
﴿ فَلَمَّا رَأَوَهُ عَارِضًا تُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ تُطِرُنَا﴾ أي حينما رأوا
العذاب أو السحاب مستقبلهم ومتجهاً نحو أوديتهم، قالوا: هذا سحاب
ممطر، ففرحوا به واستبشروا، وقد حبس عنهم المطر واحتاجوا إليه، فكان
مطر عذاب، كما قال تعالى واصفاً جواب هود، أو أنه من قول الله لهم:
﴿بَلَّ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِّ رِيعُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي بل هذا هو العذاب
الذي طلبتموه بقولكم: ﴿فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ إنه ريح
نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، تحمل بين جوانبها العذاب المهلك المؤلم.
قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً، فساق الله إليهم سحابة
سوداء، فخرجت عليهم من واد يقال له (المعَتِّب).
وضمير ﴿رَأَوْهُ﴾ عائد إلى غير مذكور، بيَّنه قوله ﴿عَارِضًا﴾ كما قال تعالى:
٣٧٤
المُجُزءُ (٢٦) - الْأَخْقَقلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥/٣٥] ولم يذكر الأرض، لكونها
!
معلومة. فكذا هنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا السحاب
عارضاً، وهذا أولى، أو أن الضمير عائد إلى ما في قوله: ﴿فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾
أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضاً.
أخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن عائشة، قالت: ((ما رأيت
رسول الله ﴿ ٣ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لَواته(١)، إنما كان يبتسم،
وكان إذا رأى غَيْماً أو رِيحاً، عُرِف ذلك في وجهه، قلت: يا رسول الله،
الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في
وجهك الكراهية؟ قال: يا عائشة، وما يُؤَمِّنُني أن يكون فيه عذاب؟ قد عُذِّب
قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا)).
ثم وصف الله تعالى تلك الريح، فقال:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْرِى الْقَوْمَ
اُلْمُجْرِمِينَ ﴾﴾ أي تخرب وتهلك تلك الريح كل شيء مرَّت به من نفوس
(عاد) وأموالها مما شأنه الخراب، بإذن الله لها في ذلك، كقوله سبحانه: ﴿مَا
نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّحِيمِ (@) [الذاريات: ٤٢/٥١] أي كالشيء
البالي. ولهذا ذكر تعالى أنهم قد بادوا كلهم عن آخرهم، ولم تبق لهم باقية،
وأصبحوا لا يرى من أموالهم وأنفسهم شيء، لكن ترى آثار مساكنهم.
وهذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا، فكما جازينا عاداً بكفرهم
بالله بذلك العذاب، نجازي كل مجرم كافر. والمقصود منه تخويف كفار مكة.
أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان
رسول الله ◌َو إذا عصفت الريح قال: ((اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها
(١) لهواته: جمع لهاة وهي أقصى سقف الفم.
٣٧٥
الجزءُ (٢٦) - الأَخْقَقلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به))
قالت: وإذا تخيلت السماء تغيَّر لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا
أمطرت سُرِّي عنه، فعرفت ذلك عائشة رضي الله عنها، فسألته، فقال رسول
الله وَالر: (لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوَهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ
أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ تُطِرُنَا﴾)) والاختيال: أن يخال في السماء المطر.
وأخرج مسلم أيضاً عن ابن عباس أن النبي ◌َّ قال: «نُصِرْتُ بالصَّبَا،
وأُهلكت عادٌ بالدَّبُور)) والصبا: ريح الشمال، والدبور: ريح الجنوب.
وبعد تخويف كفار مكة وتهديدهم ووعيدهم، وصف الله تعالى قوة عاد
قائلاً :
﴿ وَلَقَدْ مَكَنَّهُمْ فِيمَا إِن تَّكَّتَكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَآ
أَغْنَ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَّ أَبْصَرُهُمْ وَلَآَ. أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ﴾ أي ولقد مكنا قوم عاد
والأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد وقوة الأبدان وطول العمر
بمقدار لم نجعل لكم مثله ولا قريباً منه، فقد كانوا أشد منكم قوة يا أهل مكة،
وأكثر أموالاً وأولاداً، وأعز جانباً وأمنع سلطاناً وتسلطاً، كما قال تعالى :.
﴿ كَنُوْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَثَارًا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [غافر: ٨٢/٤٠].
وإنهم أعرضوا عن قبول الحجة والهداية، بالرغم مما أعطاهم الله من
الحواس التي بها تدرك الأدلة، فما نفعهم ما أعطاهم الله من مفاتيح المعرفة
والتذكر، ولم يتوصلوا بها إلى التوحيد وصحة الوعد والوعيد، ولم يستعملوا
قُدُرات السمع والبصر والفؤاد في الخير وما خلقت له من شُكْر المنعم.
ثم ذكر الله تعالى علة عدم انتفاعهم بحواسهم قائلاً:
﴿إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بَايَتِ اَللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي لم
يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات
٣٧٦
الجزءُ (٢٦) - الأَخْقَلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
الله، وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، حيث
قالوا: ﴿فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾
فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى
ويخافوا.
ثم أكد تعالى ضرورة العظة بأمثال عاد أيضاً من الأمم السالفة المكذبة
بالرسل، فقال:
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا اُلْأَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (49)﴾ أي
وأهلكنا أيضاً يا أهل مكة ما حولكم من البلاد، من القرى المكذبة بالرسل،
مثل قرى ثمود وقرى قوم لوط ومَدْين مما جاور بلاد الحجاز، وأهل سبأ
باليمن، وكانت في طريقهم يمرون بها في رحلاتهم صيفاً وشتاء، وبينا الآيات
وأوضحناها، وأظهرنا الحجج ونوَّعناها، لكي يرجعوا عن كفرهم، فلم
يرجعوا.
ثم أبان الله تعالى مدى الكرب والشدة بفقد الأعوان والنصراء لدفع عذاب
الله، فقال :
﴿ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا ءَاِهَةً بَلْ ضَلُواْ عَنْهُمّ وَذَلِكَ
إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٣)﴾ أي فهلا نصرتهم آلهتهم التي تقرّبوا بها إلى
الله لتشفع لهم، ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم، بل غابوا وذهبوا عنهم، ولم
يحضروا لنصرتهم وعند الحاجة إليهم، وذلك الضلال والضياع سببه اتخاذهم
إياها آلهة، وزعمهم الكاذب أنها تقربهم إلى الله، وتشفع، وافتراؤهم وكذبهم
بقولهم: إنها آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها.
وفي هذا توبيخ لأهل مكة، وتنبيه إلى أن أصنامهم لا تنفعهم شيئاً، فلو
نفعت لأغنت من كان قبلهم من الأمم الضالة.
٣٧٧
الزرعُ (٢٦) - الأَخْقَقلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
فقه الحياة أو الأحكام:
١
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن قصص القرآن للعبرة والعظة، ومن أكثر القصص تأثيراً قصة قوم
عاد بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، لذا أمر الله نبيه أن يذكر لمشركي مكة
قصة عاد ليعتبروا بها، وليتذكر في نفسه قصة هود عليه السلام، فيقتدي به،
ویهون علیه تكذیب قومه له.
اً - لقد توالت الإنذارات على عاد من نبيهم هود عليه السلام، ومن
الرسل الذين كانوا قبله، وجاؤوا بعده، وتتركز في الدعوة إلى عبادة الله وحده
لا شريك له، وفي نبذ الشرك وعبادة الأصنام، فإن الشرك سبب لعذاب عظيم
الأهوال.
◌ً - قاوم قوم عاد دعوة هود هذه، وقالوا له: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة
آلهتنا؟ فأتنا بالعذاب الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في أنك نبي.
◌َ - النبي مجرد مبلِّغ رسالة ربه، فلا يعلم الغيب، لذا قال هود لهم: إنما
العلم بوقت مجيء العذاب عند الله، لا عندي، وما شأني إلا أن أبلغكم ما
أرسلت به عن ربكم إليكم، وأراكم قوماً تجهلون في سؤالكم استعجال
العذاب.
٥ - فوجئ قوم عاد بأمارات العذاب حينما رأوا سحاباً معترضاً في
السماء والأفق، فظنوا أنه سحاب ممطر إياهم، مغيث لهم، ولكنه كان
مشتملاً على أداة العذاب، ألا وهي الريح المدمرة، فإن الريح التي عُذِّبوا بها
نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هود عليه السلام من ديارهم،
فكانت الريح تحمل الفسطاط، فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة، ثم
تضرب بها الصخور.
٣٧٨
الزُ (٢٦) - الأَحْقَقلِ: ٤٦ / ٢١-٢٨
أ - إن أعاصير الريح بالسرعة الهائلة دمرت كل شيء مرت عليه من رجال
(عاد) وأموالها، بإذن ربها، فلم يبق إلا آثار مساكنهم، ومثل هذه العقوبة
يعاقب بها المشركون والكفار في كل زمان ومكان. وما أكثر ما يسمى
بالحوادث الطبيعية في هذا العصر من البراكين والزلازل والأعاصير المدمرة.
لاً - إن وسائل التعذيب الربانية يضعف ويصغر أمامها كل الناس سواء
أكانوا عتاة طغاة أشداء أم دون ذلك، ولقد أنذر الله بهذا العقاب أهل مكة
وخوَّفهم، وأبان لهم أنه أهلك من هو أشد منهم قوة، وأكثر أموالاً وأولاداً،
وآثاراً حضارية وعمرانية في الأرض.
٨ - لم يعذب الله قوماً بعذاب الاستئصال إلا بعد أن طغوا وبغوا
واستكبروا في الأرض بغير الحق، وعطلوا طاقات المعرفة والهدى، ووسائل
التفكير والنظر والتأمل، وإذ عطلوها لم تنفعهم شيئاً من عذاب الله؛ لأنهم
كانوا يجحدون بآيات الله، ويكفرون بها، فأحاط بهم ما كانوا يستهزئون به
من العذاب الإلهي الذي أنذروا به.
1
ـا - ضرب الله مثلين واضحين لكفار مكة في هذه الآيات، المثل الأول-
قوم عاد، والمثل الثاني- ما حولهم من أهل القرى، كديار ثمود وقرى لوط
وبلاد مدين، مما كان يجاور بلاد الحجاز على طريق الشام، وكانت أخبارهم
متواترة معروفة عندهم، وكذا أهل سبأ باليمن، وكانوا يمرون على ديارهم في
رحلاتهم بالصيف والشتاء.
• اً - إن عدل الله مطلق، فإنه تعالى لم يهلك أولئك الأقوام إلا بعد أن
أقام لهم الحجج والدلالات، وأنواع البينات والعظات ليرجعوا عن كفرهم،
فلم يفعلوا، وأصروا على الكفر والعناد.
١١ - لقد بات مؤكداً لمن كان عنده أدنى نظر وتأمل أن الآلهة المزعومة من
الأصنام وغيرها لم تنفع عابديها بمنع العذاب عنهم في الدنيا، فكذلك لن
٠٫٠
٣٧٩
الُءُ (٢٦) - الأحقفلِ: ٤٦ / ٢٩-٣٢
تنفعهم بالشفاعة لهم في الآخرة، حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَوُنَا عِندَ اللَّهِ﴾
[يونس: ١٨/١٠] فإن تلك الآلهة ضلت وغابت عنهم وقت الشدة والمحنة، وهي
إفكهم وكذبهم في قولهم: إنها تقربهم إلى الله زلفى، وافتراؤهم بأنها آلهة، أو
أن عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفکھم وافترائهم،
أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله عز وجل.
إيمان الجن بالقرآن
﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ
) قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ
فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ ◌َـ
مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقِ مُسْتَقِيمٍ
٣٠
يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِزَّكُم مِّنْ عَذَابٍ
أَلِمِ ﴿َ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعَِ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِ.
(٣٢
أَوْلِيَاءُ أُوْلَكَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ
القراءات:
﴿ اَلْقُرْءَانَ﴾:
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
الإعراب:
﴿ يَسْتَمِعُونَ﴾ الجملة حالية.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ﴾ واذكر حين ﴿صَرَفْنَآ﴾ أَمَلْنَا ووجهنا نحوك ﴿نَفَرًا﴾ جماعة ما دون
العشرة، جمع أنفار ﴿مِّنَ الْجِنِّ﴾ جن نَصيبين أو جن نِينَوى، وكانوا سبعة أو
٣٨٠
الجزء (٢٦) - الأَخْقَقلِ: ٤٦ / ٢٩-٣٢
تسعة، وكان ◌َّله - فيما رواه الشيخان- ببطن نخلة- على نحو ليلة من مكة عند
منصرفه من الطائف- يصلي بأصحابه الفجر ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ ورد الفعل
جمعاً مراعاة للمعنى ﴿فَلَمَا حَضَرُوهُ﴾ أي القرآن أو الرسول ﴿قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾
قال بعضهم لبعض: أنصتوا أي اسكتوا واستمعوا بإصغاء (قَضَى) فرغ وانتهى
من قراءته، وقرئ: ﴿قُضِىَ﴾ بالبناء للمجهول، والضمير للرسول وَّل أي فرغ
﴿وَلَّوْاْ﴾ رجعوا ﴿مُنذِرِينَ﴾ مخوفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا،
من قراءته،
وكانوا يهودا ثم أسلموا.
﴿سَمِعْنَا كِتَبًا﴾ هو القرآن ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ قيل: إنما قالوا ذلك
لأنهم كانوا يهوداً أو ما سمعوا بأمر عيسى عليه السلام ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾
أي لما تقدمه كالتوارة ﴿يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾ من العقائد وهو الإسلام ﴿وَإِلَى
طَرِيقِ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقة سليمة من الشرائع.
﴿أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ﴾ وهو محمد بَّهَ الذي يدعو إلى الإيمان بالله ﴿يَغْفِرُ
لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ يغفر بعض ذنوبكم وهو ما يكون خالص حق الله تعالى،
فإن حقوق الناس ومظالم العباد لا تغفر بالإيمان، وإنما تسقط برضا أصحابها
﴿ وَيُجِّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾أي يحمكم من عذاب مؤلم معدّ للكفار. قال
البيضاوي: واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه باقتصارهم على المغفرة والإجارة
على أن لا ثواب لهم، والأظهر أنهم في توابع التكليف كبني آدم.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي لا يعجز الله بالهرب منه ولا يفوته ﴿وَلَيْسَ
لَهُ﴾ لمن لا يجيب ﴿مِن دُونِهِ﴾ دون الله ﴿أَوْلِيَاءٌ﴾ أنصار يدفعون عنه العذاب
﴿أُوْلَِّكَ﴾ الذين لم يجيبوا ﴿فِي ضَلَلِ تُّبِينٍ﴾ خطأ بيِّن ظاهر.
سبب نزول الآية (٢٩):
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا﴾: أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن الجن هبطوا
على النبي ◌َّة، وهو يقرأ القرآن ببطن نَخْلة، فلما سمعوه، قالوا: أنصتوا،
!