Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
لُ (٢٦) - الأَخْفَقلِ: ٤٦ / ١١-١٤
يفتر، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنين، فأنزل الله
في شأنها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرَاً﴾ الآية.
وقال عروة بن الزبير: إن زِيِّيرة - رومية كان أبو جهل يعذبها - أسلمت،
فأصيب بصرها، فقالوا لها: أصابك اللاتُ والعُزَّى، فرد الله عليها بصرها،
فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا إليه زِنِّيرة، فأنزل
الله تعالى هذه الآية.
وقال ابن عباس والكلبي والزجاج: إن الذين كفروا هم بنو عامر وغَطَفان
وتميم وأسَد وحَنْظَلة وأشْجَع، قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وجُهَيْنة ومُزَينة
وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا إليه رُعاة البَهْم؛ إذ نحن أعزّ
منهم.
وقال أكثر المفسرين: إن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا - يعني
عبد الله بن سَلَام وأصحابه -: لو كان دين محمد حقاً ما سبقونا إليه.
المناسبة:
هذه شبهة أخرى للقوم: المشركين أو اليهود، في إنكار نبوة محمد وَاليه،
تتعلق بإيمان جماعة من الفقراء كعمّار وصهيب وابن مسعود، فقالوا: لو كان
هذا الدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء. ثم رد الله تعالى عليهم بأن التوارة دلت
على صدق القرآن، وبشرت ببعثة محمد آلهة.
وبعد تقرير دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبهات المنكرين والإجابة عنها،
ذكر تعالى جزاء المؤمنين العاملين عملاً صالحاً، طبقاً لما جاء به القرآن المجيد.
التفسير والبيان:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ أي قال

٣٤٢
الزُعُ (٢٦) - الأَخْفَقَلِ: ٤٦ / ١١-١٤
كفار مكة أو اليهود لأجل إيمان بعض الفقراء والمستضعفين، كبلال وعمار
وصهيب وخباب ونحوهم رضي الله عنهم: لو كان هذا الدين حقاً وكان ما
جاء به محمد من القرآن والنبوة خيراً ما سبقونا إلى الإيمان به، ظناً منهم أنهم
سبَّاقون إلى المكارم، وأن لهم وجاهة عند الله، وله بهم عناية.
وقد غلطوا في ذلك غلطاً فاحشاً، فإن الله سبحانه يصطفي للنبوة ولدينه
من يشاء، والآية كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ
مَّ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣/٦] أي يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء
دوننا.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ معناه كما ذكر الزمخشري: لأجلهم، يعني أن
الكفار قالو لأجل إيمان الذين آمنوا: لو كان خيراً ما سبقونا إليه. ويصح أن
يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا، على وجه الخطاب، كما تقول:
قال زيد لعمرو، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة، كقوله تعالى: ﴿حَتََّ إِذَا
كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢/١٠].
ثم وصف الله تعالى حال أولئك الكفار بعد ذلك القول وأجاب عنه بقوله :
﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفَكُ قَدِيمٌ﴾ أي وحين لم يهتدوا
بالقرآن، ظهر عنادهم، وسيقولون بعدئذ: هذا كذب مأثور عن الناس
الأقدمين، كما قالوا: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بقصد انتقاص القرآن وأهله. وهذا
هو الكبر الذي قال عنه رسول الله صل فيما رواه مسلم والترمذي عن ابن
مسعود: ((الكبر: بطر الحق، وغَمْص- أو غمط - الناس)) أي احتقارهم.
وبطر الحق: دفعه ورده.
ثم ذكر الله تعالى دليلاً على صدق القرآن وصحته، فقال:
﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِتَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَبُ مُصَدِّقٌ لِسَانَا عَرَبِيًّا

٣٤٣
الجُزُ (٢٦) - الأَخْقَفَلِ: ٤٦ / ١١-١٤
﴾ أي ومما يدل على أن القرآن حق
لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ
وصدق وأنه من عند الله: اعترافكم بإنزال الله التوارة على موسى، الذي هو
إمام وقدوة يقتدى به في الدين، وهو رحمة لمن آمن به، وهذا القرآن الموافق
للتوارة في أصول الشرائع مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب الإلهية
المتقدمة، أنزله الله حال كونه بلغة عربية واضحة فصيحة يفهمونها، من أجل
أن ينذر به هذا النبي من عذاب الله الذين ظلموا أنفسهم وهم مشركو مكة،
ويبشر به المؤمنين الذين أحسنوا عملاً، فهو مشتمل على النذارة للكافرين،
والبشارة للمؤمنين. وهو ليس إفكاً قديماً كما يزعمون، بدليل توافقه مع
التوراة.
وبعد ذكر شبهات المنكرين، ذكر الله تعالى حال المؤمنين وجزاءهم قائلاً:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَمُواْ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
١٣)
أي إن الذين جمعوا بين التوحيد والاستقامة على منهج الشريعة، لا يخافون من
وقوع مكروه بهم في المستقبل، ولا يحزنون من فوات محبوب في الماضي،
وجزاؤهم ما قال تعالى:
﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ خَالِينَ فِيهَا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (®﴾ أي أولئك
المؤمنون الموحدون المستقيمون على أمر الله هم أهل الجنة، ماكثين فيها على
الدوام، مقابل ما قدموه من أعمال صالحة في الدنيا، أي إن الجزاء بسبب
العمل الصالح في الدنيا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن شأن المتكبرين المقصرين تسويغ تقصيرهم بأتفه الأسباب وأسخف
المقالات بدافع الكبر والاستعلاء، لذا قال أهل مكة: لو كان هذا الدين حقاً
ما سبقنا إليه هؤلاء العبيد والمستضعفون، وأضافوا إلى ذلك حينما لم يهتدوا

٣٤٤
لِلُ (٢٦) - الأَخْفَقَلِ: ٤٦ / ١١-١٤
افتراءهم بقولهم: هذا القرآن كذب متوارث، وأساطير الأولين. ومن جهل
شيئاً عاداه.
اَ - مما يدل على صدق القرآن وأنه من عند الله توافقه في أصول العقيدة
والشريعة مع التوارة كتاب موسى عليه السلام الذي يقرُّون بأنه كتاب الله،
فهو قدوة ورحمة يؤتم به في دين الله وشرائعه، والقرآن مصدِّق للتوارة ولما قبله
من كتب الله في أن محمداً وي ليه رسول حقاً من عند الله، وهو بلغة عربية فصيحة
بيِّنة واضحة لكل من نظر فيه وتأمل، يشتمل على إنذار الكافرين وبشارة
المؤمنين.
وكأنه تعالى قال: الذي يدل على صحة القرآن: أنكم لا تَنَازعون في أن الله
تعالى أنزل التوارة على موسى عليه السلام، وجعل هذا الكتاب إماماً يقتدى
به، ثم إن التوارة مشتملة على البشارة بمقْدَم محمد بَّرَ، فإذا سلَّمتم كون
التوارة إماماً يقتدى به، فاقبلوا حكمه في كون محمد وي ليه رسولاً حقاً من عند
الله تعالى.
ءَّ - إن الذين جمعوا بين الإيمان بالله وحده لا شريك له، وبين الاستقامة
على الشريعة في غاية السعادة النفسية والمادية، فهم آمنون مطمئنون مرتاحون
لا يعكر صفوهم مخاوف المستقبل ولا أحزان الماضي، وهم خالدون دائمون في
جنات النعيم، بسبب ما قدموا من عمل صالح في دار الدنيا.

٣٤٥
لُعُ (٢٦) - الْأَخْقَقلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
الوصية ببر الوالدين
- ١ -
وصف الولد البار بوالديه
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًّا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُهًّاً وَحَمْلُهُ
وَفِصَلُ ثَثُونَ شَهْرًا حَتَّىَ إِذَا بَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيّ ◌َنْ أَشْكُرَ
نِعْمَتَكَ أَلَِّىّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا
١٥
ذُرِّيَّتِيٌّ إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
عَمِلُواْ وَنَجَاوَزُ عَن سَيِّئَتِهِمْ فِىّ أَصْحَبِ الْجَنَّةِّ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ
(١٦)
القراءات:
﴿إِحْسَنَّا):
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (حُسْناً).
﴿كُرْهَا﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (كَرْهَاً).
﴿ أَوْرِعْنِىّ أَنْ﴾:
وقرأ ورش، والبزي (أوزعنيَ أن).
﴿نَقَبَّلُ﴾، ﴿وَنَنَجَاوَزُ﴾: قرئ:
١- (نتقبل، نتجاوز) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (يُتقبل، يُتجاوز) وهي قراءة باقي السبعة.

٣٤٦
الجزءُ (٢٦) - الأَخْقَفِ: ٤٦ / ١٥-١٦
الإعراب:
﴿وَوَصَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾ وقرئ: حُسْناً وحَسَناً، وإحساناً:
منصوب على المصدر، أي أن يحسن إحساناً. وحسناً: صفة لمفعول محذوف،
أي ووصينا الإنسان بوالديه أمراً ذا حُسْن، وحَسَناً: تقديره: فعلاً حسناً.
﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ ﴿ثَثُونَ﴾: خبر مبتدأ الذي هو ﴿ وَحَمْلُهُ﴾
وإنما رفع: لأن في الكلام مقدراً محذوفاً، تقديره: وقدِّر ◌َمله وفصاله ثلاثون
شهراً. وفي هذا ما يدل على أن أقل الحمل ستة أشهر، مراعاة لآية أخرى
هي: ﴿وَأَلْوَرِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢] فإذا أُسْقِطَ
حولان من ثلاثين أشهراً بقي مدة الحمل ستة أشهر.
﴿فِيّ أَصْحَبِ الْجَنَّةِ﴾ حال، أي كائنين في جملتهم.
﴿ وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد لنفسه.
البلاغة:
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ بعد قوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ﴾ من قبيل ذكر
الخاص بعد العام لزيادة العناية بالأم.
﴿حَمَلَتْهُ﴾ ﴿وَوَضَعَتْهُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَوَصَّيْنَا﴾ من التوصية والإيصاء والوصية: وهي الأمر المقترن بضرورة
الاعتناء والاهتمام، أي أمرنا ﴿إِحْسَنًا﴾ أن يحسن لهما إحساناً: وهو ضد
الإساءة، والحسن ضد القبيح، أي أن يفعل معهما فعلاً ذا حسن ﴿كُرْهَا﴾
مشقة . ﴿وَحَمْلُهُ﴾ مدة حمله. ﴿وَفِصَلُهُ﴾ فطامه، أي المدة القصوى لفطامه من
الرضاع سنتان، وأقل مدة الحمل ستة أشهر، والباقي أكثر مدة الرضاع. ﴿حَتَّىَ

٣٤٧
الجُزُ (٢٦) - الْأَخْقَقلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
إِذَا﴾ غاية لجملة مقدرة، أي وعاش حتى ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ بلوغ الأشد: كمال
العقل والرأي والقوة، وأقله ثلاثون أو ثلاث وثلاثون سنة . ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِيْنَ
سَنَةٌ﴾ أي تمامها، وهو أكثر الأشد، قيل: لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين. قال
البيضاوي: وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه إذا حط منه
للفصال حولان لقوله تعالى: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ
أَن يُثِّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢] بقي ذلك، وبه قال الأطباء. ولعل تخصيص
أقل الحمل وأكثر الرضاع لانضباطهما وتحقق ارتباط حكم النسب والرضاع
بهما.
﴿ أَوَزِعْنِىّ﴾ ألهمني ووفقني ورغّبني. ﴿نِعْمَتَكَ﴾ نعمة الدين وغيرها من
النعم . ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ﴾ نكّر كلمة ﴿صَلِحًا﴾ أي عملاً صالحاً
للتعظيم، أو أنه أراد أي عمل أو نوع من جنس الأعمال يحقق رضا الله عز
وجل . ﴿وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِيَِّىٌ﴾ اجعل الصلاح سارياً في ذريتي راسخاً فيهم.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي قائلو هذا القول. ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَيِلُواْ﴾ أي حسن
أعمالهم وطاعاتهم، فإن المباح حسن ولا يثاب عليه وقرئ: (يتقبل).
﴿وَنَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ لتوبتهم وقرئ: (ويتجاوز). ﴿فِيَّ أَصْحَبِ الْجَنَّةِ﴾ أي
كائنين في عدادهم أو معدودين فيهم . ﴿وَعْدَ اُلْصِّدْقِ اُلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ في
الدنيا في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ﴾ [التوبة: ٧٢/٩].
سبب النزول:
نزول الآية (١٥):
﴿حَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: روى الواحدي عن ابن عباس قال: أنزلت في أبي
بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك أنه صحب رسول الله ﴾﴾، وهو ابن ثماني
عشرة سنة، ورسول الله وَ﴾ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في التجارة،
فنزلوا منزلاً فيه سِذْرة (شجرة السدر) فقعد رسول الله وَّيقر في ظلها، ومضى

٣٤٨
لُ (٢٦) - الأَخْقَفِ: ٤٦ / ١٥-١٦
أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين، فقال له: من الرجل الذي في ظل
السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبيّ،
وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي
بكر اليقين والتصديق، وكان لا يفارق رسول الله وَ له في أسفاره وحضوره،
فلما نبّئ رسول الله وَلقول، وهو ابن أربعين سنة، وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين
سنة أسلم وصدّق رسولَ الله وَّر، فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿رَبِّ أَوَزِعْنِىّ أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَتِىّ أَنْعَمْتَ عَّ﴾(١).
وقال السدّي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، أخرج مسلم
وأهل السنن إلا ابن ماجه عن سعد رضي الله عنه قال: قالت أم سعد لسعد:
أليس الله قد أمر بطاعة الوالدين، فلا آكل طعاماً، ولا أشرب شراباً، حتى
تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون فاها
بالعصا، ونزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾.
وقال الحسن البصري: ( هي مرسلة نزلت على العموم ). وهذا هو الأولى؛
لأن حمل اللفظ على العموم منذ بداية نزول الوحي أوقع وأفيد وأشمل، وإن
كانت العبرة دائماً لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى جزاء المؤمنين الموحدين المستقيمين على الشريعة، أمر
ووصى ببر الوالدين، وأشاد بصفة خاصة بالبارّ والديه بعد بلوغه سن
الأربعين، وبشَره بقبول أعماله الصالحة، والتجاوز عن سيئاته، وجعله في
عداد أصحاب الجنة، وعداً منجزاً لا خُلْف فيه.
(١) أسباب النزول للواحدي النيسابوري: ص٢١٦، تفسير القرطبي: ١٩٤/١٦

٣٤٩
الجزءُ (٢٦) - الأَخْقَفَلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
التفسير والبيان:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾ أي وصيناه وأمرناه أن يحسن إليهما
إحساناً في الحياة وبعد الممات بالحنو عليهما وبرهما والإنفاق عليهما عند
الحاجة والبشاشة عند لقائهما، كما جاء في آيات أخرى مثل قوله تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّهُ وَيِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣/١٧] وقوله
سبحانه: ﴿أَنِ أُشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤/٣١].
وجاءت الأحاديث النبوية الكثيرة المؤيدة للقرآن في هذا الأدب العظيم،
وجعل بر الأبوين من أفضل الأعمال، وعقوقهما من الكبائر، ووصل البر
بعد الوفاة، منها ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي
الله عنهما عن النبي وَلّر قال: ((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين،
وقتل النفس، واليمين الغموس)) ومنها ما أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن
حبان عن أبي أُسَيْد مالك بن ربيعه الساعدي رضي الله عنه قال: ((بَيْنَا نحن
جلوسٌ عند رسول الله وَلَّ، إذ جاءه رجل من بني سَلِمة، فقال: يارسول
الله، هل بقي من بِرِّ أبويّ شيء أبرُّهما به بعد موتِهما؟ فقال: نعم، الصلاةُ
عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا
تُوصَل إلا بهما، وإكرامُ صديقهما)).
ثم ذكر سبب التوصية وخص الأم لزيادة العناية والاهتمام بها، فقال
تعالی:
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُهَاً﴾ أي حملته في بطنها بمشقة، وولدته
بمشقة، فإنها قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعباً من وحم وغشيان وثقل
وكرب، ووضعته بمشقة أيضاً من ألم الطَّلْق وشدته، ووجع الولادة ثم
الرضاع والتربية، وكانت أيام الوحم تمتنع من الطعام والشراب، وتعاف كل
شيء، مما يستدعي البر بها والإحسان الزائد إليها، كما قال تعالى:
:

٣٥٠
الزُعُ (٢٦) - الْأَحْقَلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ تَثُونَ شَهْرًا﴾ أي إن مدة حمله وفطامه ثلاثون شهراً، أي
عامان ونصف، عانت فيهما الأم آلام السهر، وعناء الرضاع والغذاء
والتنظيف والتربية بمحبة وحنان، دون ضجر ولا سأم.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب؛ لأنها حملته بمشقة
ووضعته بمشقة، وأرضعته وحضنته، وعنيت به بتعب وصبر، ولم يشاركها
الأب في شيء من ذلك، وإن تعب في الكسب والإنفاق، لذا جاءت
الأحاديث النبوية تؤكد بر الأم، وتقدِّمُه بمراتب ثلاث على مرتبة الأب،
أخرج الشيخان (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء
رجل إلى النبيِ وَّه فقال: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟
قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم
مَنْ ؟ قال: أبوك)) .
وفي الآية أيضاً إيماء إلى أن أقل الحمل ستة أشهر (نصف عام) وكان علي
رضي الله عنه أول من استدل بهذه الآية وآية لقمان: ﴿وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنٍ﴾
[١٤] وقوله تعالى: ﴿وَأُلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ
الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأن أكثر مدة
الرضاع والفطام حولان كاملان، فبقي للحمل من الثلاثين شهراً ستة أشهر.
وهو استنباط صحيح، وافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة رضي الله
عنهم، روى ابن أبي حاتم ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية عن مَعْمَر
ابن عبد الله الجُهَني قال: تزوَّج رجل منا امرأة من جُهَيْنَة، فولدت له لتمام ستة
أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان رضي الله عنه، فذكر ذلك له، فبعث إليها
فلما قامت لتلبس ثيابها، بكت أختها، فقالت: وما يبكيكِ؟ فوالله ما التبس
بي أحد من خَلْق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله سبحانه وتعالى فيَّ ما شاء،
فلما أتى بها عثمان رضي الله عنه أمر برجمها، فبلغ ذلك علياً رضي الله عنه،

٣٥١
الُعُ (٢٦) - الْأَحْفَقلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
فأتاه، فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تماماً لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟
فقال له علي رضي الله عنه: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: أما سمعت الله
عز وجل يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُمُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ فلم
نجده بقّى إلا ستة أشهر، فقال عثمان رضي الله عنه: والله ما فطنت بهذا، عليّ
بالمرأة، فوجدوها قد فُرغ منها(١)، فقال معمر: فو الله ما الغراب بالغراب،
ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه، قال: ابني والله، لا أشك
فیه.
وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا وضعت
المرأة لتسعة أشهر، كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهراً، وإذا وضعته لسبعة
أشهر، كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعته لستة أشهر،
فحولين كاملين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَفِصَلُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ
أَشُدّه
﴿حَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةٌ﴾ أي حتى إذا قوي وشب وارتجل،
فاستحكم عقله وقوته، وذلك بين الثلاثين والأربعين، وتناهى عقله، وكمل
فهمه وحلمه ببلوغ الأربعين سنة. وقوله ﴿حَتَّ﴾ غاية لمحذوف تقديره: فعاش
أو طالت حياته حتى إذا بلغ الأشد، أي القوة، وذلك يكون بكمال قوته
المادية والعقلية، لذلك قيل: إنه لم ينبأ نبي قبل الأربعين إلا ابني الخالة عيسى
ويحيى عليهما السلام.
﴿قَالَ رَبِّ أَوَزِعْنِيّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِيّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ﴾ أي إذا بلغ
الأربعين قال: رب ألهمني ووفقني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي وعلى
والدي من نعمة الهداية إلى الحق والتوحيد وغير ذلك من نعم الدنيا، كسلامة
(١) وفي رواية: أن عثمان رجع عن قوله ولم يحدّها، أي أن الأمر تم قبل الحدّ.

٣٥٢
الزرعُ (٢٦) - الأَحْقَقلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
العقل، والصحة والعافية، وسعة العيش، وتمام الخلقة السوية، وحنان
الأبوين حين ربياني صغيراً.
﴿وَأَنَّ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِيَّتِىٌّ﴾ هذا معطوف على قوله:
﴿أَنْ أَشْكُرَ﴾ أي ألهمني ووفقني للعمل الصالح الذي ترضاه مني، والعمل
الصالح المرضي: هو ما يكون سالماً من غوائل عدم القبول، واجعل الصلاح
سارياً في ذريتي(١)، متمكناً راسخاً فيهم، حتى يكون لهم طبعاً وخُلُقاً.
﴿إِنِ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي إني تبت وأنبت إليك من جميع
الذنوب، والآثام، وإني من المستسلمين لك، المنقادين لطاعتك، المخلصين
لتوحيدك، الخاضعين لربوبيتك.
قال ابن كثير: وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى
الله عز وجل، ويعزم عليها (٢)، وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود
رضي الله عنه أن رسول الله وهل كان يعلّمهم أن يقولوا في التشهد: ((اللهم
ألّفْ بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات
إلى النور، وجنِّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا
وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم،
واجعلنا شاكرين لنعمتك، مُثْنِين بها عليك، قابليها، وأتّها علينا)).
ثم ذكر الله تعالى جزاء هؤلاء الصالحين قائلاً:
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَنَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِمِ فِيّ أَصْحَبِ الْجَنَّةِ
أي أولئك الذين هذه طريقتهم،
١٦
وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ
الموصوفون بالصفات المتقدمة التائبون إلى الله المنيبون إليه، هم الذين يكرمهم
(١) أصلح: يتعدى بنفسه، وإنما عدي بالحرف ﴿فِى﴾ هنا لإفادة الرسوخ والسريان.
(٢) تفسير ابن كثير: ١٥٧/٤ وما بعدها.

٣٥٣
لُ (٢٦) - الْأَخْفَقلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
الله، فيتقبل عنهم ما قدموا من صالح العمل، وأعمال الخير في الدنيا المنسجمة
مع أوامر الله، ويعفو عنهم ويغفر لهم سيئاتهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها،
إذ هي تتلاشى بجانب الحسنات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِ﴾ [هود: ١١/
١١٤] .
وهم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله عز وجل، كما وعد
الله من تاب إليه وأناب، فهو وعد منجز لا خُلْف فيه ولا شك في حصوله،
وهو الوعد الذي وعدهم الله به في كتبه وعلى لسان أنبيائه، والله مُنْجِزٌ ما
وعد.
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى الإنسان المذكور في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا
اُلْإِنسَنَ﴾ وجمعه باعتبار أفراد الإنسان الذين تحقق فيهم ما ذكر من الأوصاف
من معرفة حقوق الوالدين، والرجوع إلى الله بسؤال التوفيق للشكر، وهو
إيذان بأن هذه الأوصاف هي صفات الإنسانية الكاملة.
وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا عَبِلُوا﴾ أي حسن ما عملوا، فيشمل الحسن والأحسن.
وقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد لما قبله، أي وعد الله أهل الإيمان أن
يتقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن الإحسان إلى الوالدين فرض في الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا
والتوصية: الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
أَ - إن سبب وجوب الإحسان إلى الأبوين واضح وهو كونهما كانا سبباً
لوجود الأولاد، وتربيتهم وتنشئتهم، وعلى التخصيص الأم التي تعاني من

٣٥٤
الجزءُ (٢٦) - الأَخْقَلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
أجل الولد معاناة شديدة ربما تضحي بحياتها له، فقد حملته بكُرْه ومشقة،
ووضعته بكُرْه ومشقة، وسهرت على راحته الليالي الطوال، وعانت في
حضانته ورضاعته عناء لا يقدر.
ءَّ - إن حق الأم كما تقدم بدلالة الآية أعظم من حق الأب؛ لأنه تعالى
قال أولاً: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾ فذكَرَهما معاً، ثم خص الأم
بالذِّكْر، فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وذلك يدل على أن حقها
أعظم، وأن تحملها المشاق بسبب الولد أكثر.
٠ ٠
٤ - دلت الآية أيضاً كما تقدم على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه لما
كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وكان أقصى مدة الرضاع
حولين كاملين، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر، بعد إسقاط مدة حولي
الرضاع، وهي أربع وعشرون شهراً من الثلاثين. روي عن عمر أن امرأة
رفعت إليه، وكانت قد ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فقال علي: لا رجم
عليها، وكذلك روي عن عثمان أنه مَّم بذلك، فأبان له علي أو ابن عباس ما
دلت عليه الآيات كما تقدم، فرجع عثمان عن قوله ولم يجدّها.
وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وكان حمله وفصاله في ثلاثين
شهراً، حملته أمه تسعة أشهر، وأرضعته إحدى وعشرين شهراً.
٥ - ودلت الآية أيضاً على أن أكثر مدة الرضاع سنتان، لأنه إذا دلت على
أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فإنها تدل على الباقي من الثلاثين شهراً على أن
أكثر مدة الرضاع حولان كاملان، وتأيّد هذا بآية: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ
ج
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُثِّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣/٢].
٩ - إن بلوغ الأشد يكون قبل الأربعين سنة، والآية تدل على أن الإنسان
كالمحتاج إلى رعاية الوالدين له إلى مدة قريبة من مدة الأربعين سنة.

٣٥٥
الجُ (٢٦) - الْأَخْفَقْلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
لاً - على الإنسان أن يشكر نعمة الله عليه إذا بلغ أربعين سنة، وهي مرحلة
كمال العقل والبنية، وأن يطلب من الله تعالى توفيقه للعمل الصالح الذي
يرضيه، وأن يجعل الصلاح سارياً في ذريته، راسخاً متمكناً فيهم.
قال علي رضي الله عنه: هذه الآية: ﴿رَبِّ أَوَّرِعْنِىّ﴾ نزلت في أبي بكر
الصديق رضي الله عنه! أسلم أبواه جميعاً، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه
غيره، فأوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده.
ووالده: هو أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَّيْم.
وأمه: أم الخير، واسمها سَلْمَى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد. وأم
أبيه أبي قحافة: ( قَيْلة). وامرأة أبي بكر الصديق اسمها (قُتِيْلة ) بنت عبد
العُزَّى.
وقال ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَلُهُ وَأَصْلِحْ لِ فِى
ذُرِّيَِّىّ﴾: أجاب الله دعاء أبي بكر، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذّبون في الله،
منهم بلال وعامر بن فُهَيْرة؛ ولم يدع شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه. ولم يبق
له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده. ولم يكن أحد من أصحاب
رسول الله ولو أسلم هو وأبواه وأولاده وبناته كلهم إلا أبو بكر. وهذا دليل
على استجابة دعاء أبي بكر.
ومن فضائل أبي بكر: ما ذكر في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَل: ((من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن
تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم
مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر:
أنا، قال رسول الله وَر: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)).
٨ - دلت الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ على أن الآية التي قبلها:

٣٥٦
الزُ (٢٦) - الأَخْقَفَلِ: ٤٦ / ١٥-١٦
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ﴾ مرسلة، نزلت على العموم، وهو قول الحسن كما تقدم،
فتشمل أبا بكر وغيره.
ـة - وهذه الآية أيضاً تدل على أن المتصف بالصفات التي قبلها هو أفضل
الناس؛ لأن الذي يتقبل الله عنه أحسن أعماله، ویتجاوز عن کل سيئاته،
يجب أن يكون من أفاضل الخلق وأكابرهم.
وأجمعت الأمة على ان أفضل الخلق بعد رسول الله وَ ل تل أبو بكر، لدلالة
الآية عليه، وأنه هو أولاً المراد منها، وتنطبق على أمثاله من بعده.
. ١ - وصف الله تعالى هذا الداعي أنه طلب من الله تعالى ثلاثة أشياء
هي: أن يوفقه الله للشكر على نعمته، وأن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند
الله، وأن يصلح له في ذريته، وبذلك جمع جوانب السعادة النفسية والبدنية
والخارجية. ويلاحظ منها أنه تعالى قدم الشكر على العمل، وأن طلب إلهام
الشكر على نعم الله دليل على أنه لا يتم شيء من الطاعات والأعمال إلا بإعانة
الله تعالى، وأنه لا يكفي كون الشيء صالحاً في ظنه، بل يكون صالحاً عنده
وعند الله تعالى.
اأَ- دل آخر الآية: ﴿إِنِ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ على أن الدعاء
لا يصح إلا مع التوبة والإسلام والانقياد لأمر الله تعالى.
٠

٣٥٧
للزُ (٢٦) - الْأَحْقَفلِ: ٤٦ / ١٧ -٢٠
- ٢ -
وصف الولد العاق لوالديه منكر البعث
﴿وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَنْعَدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِ
وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اَللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
١٧
أُؤْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوَّلُ فِىّ أُمُرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ اُلْجِنِّ وَالْإِنسَّ
وَلِكُلِّ دَرَحَتٌ مِمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ لَنِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا
فَالْيَوْمَ تُجْزَوّنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُتُمْ تَسْتَكْيُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحِ وَبِمَا كُمْ
٢٠
نَفْسُقُونَ
القراءات:
﴿أُنٍ﴾: قرئ:
١- (أفِّ) وهي قراءة نافع، وحفص.
٢- (أفَّ) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر.
٣- (أفِّ) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ أَتَعِدَانِىّ أَنْ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير (أتعدانَنيَ أن).
﴿وَلِيُوَفِيَهُمْ﴾: قرئ:
١- (ليوفيهم) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم.

٣٥٨
الجُعُ (٢٦) - الأَحْقَفلِ: ٤٦ / ١٧ -٢٠
٢- (وليوفيهم) وهي قراءة باقي السبعة.
٠٨٠٠٠٠
أَذْهَبْتُمْ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وابن عامر (أأذهبتم).
الإعراب:
﴿ وَاُلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَنْعِدَانِىّ﴾ ﴿وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ﴾: في.
موضع رفع مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: وفيما يتلى عليكم الذي قال
لوالديه أو خبره: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ﴾. و﴿أَنٍ﴾ اسم فعل مضارع مبني
على الكسر بمعنى أتضجر. و﴿أَنْعِدَانِيّ﴾ بكسر النون، على الأصل في نون
التثنية، وهو الكسر، في اللغة المشهورة الفصيحة، وقرئ بالفتح على لغة بعض
العرب تشبيهاً لها بنون الجمع، كما كسروا نون الجمع تشبيهاً لها بنون التثنية،
حملاً لإحداهما على الأخرى، وقرئ أيضاً بالإدغام.
﴿وَيْلَكَ ءَامِنْ﴾ ﴿وَيْلَكَ﴾: منصوب على المصدر، وهو من المصادر التي لا
أفعال لها، وهي ويحك، وويسك، وويبك. والأجود في هذه المصادر إذا
كانت مضافة النصب، والرفع فيها جائز، والأجود فيها إذا كانت غير مضافة
الرفع، والنصب جائز فيها.
البلاغة:
﴿مَا هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بصيغة الحصر.
﴿وَلِكُلِّ دَرَحَتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ فيها استعارة، استعار الدرجات للمراتب.
﴿ أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ إيجاز بالحذف مع التقريع والتوبيخ، أي
يقال لهم: ﴿أَذَهَبْتُمْ

٣٥٩
الُعُ (٢٦) - الْأَخْقَفلِ: ٤٦ / ١٧ -٢٠
المفردات اللغوية:
﴿ وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ﴾ أراد به الجنس من أي قائل، وإن صحّ نزولها في
عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قبل إسلامه، فإن خصوص السبب لا
يوجب التخصيص . ﴿أَفٍ﴾ بكسر الفاء وفتحها، اسم فعل مضارع بمعنى:
أتضجر، أو مصدر، أي: نتناً وقبحاً، والأصل فيه أنه صوت يظهر عند
التضجر والتبرم. ﴿لَّكُمَا﴾ أتضجر منكما. ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أبعث من القبر. ﴿ وَقَدْ
خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِى﴾ مضت الأمم من قبلي ولم يخرج أحد من القبور. ﴿وَهُمَا
يَسْتَغِيئَانِ اُللَّهَ﴾ يقولان له: الغياث بالله منك، أي من كفرك، إنكاراً
واستعظاماً له، أي يطلبان الغوث من الله من كفره، أو يطلبان من الله أن
يغيثه بالتوفيق للإيمان، أي يسألان الله أن يوفقه للإيمان، ويقولان له: ﴿وَيَلَكَ
ءَامِنْ﴾ بالله وبالبعث. ﴿ وَيَلَكَ ءَامِنْ﴾ أي هلكت، آمن بالبعث، والويل: دعاء
بالهلاك والثبور، أو واد في جهنم، والمراد به الحث على الفعل أو تركه حتى لا
يهلك، لا حقيقة الهلاك. ﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا﴾ أي ما هذا القول بالبعث ﴿إِلَّ
أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي أكاذيب الأقدمين وأباطيلهم التي سطروها في كتبهم من
غير حقيقة.
﴿حَقَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ وجب عليهم الحكم بالعذاب وأنهم من أهل
النار، قال البيضاوي: وهو يردّ النزول في عبد الرحمن بن أبي بكر؛ لأنه يدل
على أنه من أهلها لذلك، وقد جبَّ عنه إن كان لإسلامه. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ
خَسِرِينَ﴾ تعليل للحكم على الاستئناف، أي إنهم من الذين ضيعوا الفكر
والنظر، الشبيه برأس المال، باتباعهم وساوس الشياطين.
﴿ وَلِكُلِّ دَرَحْتُ مِمَا عَمِلُواْ﴾ أي ولكل من الفريقين المؤمن والكافر مراتب
ومنازل من جزاء وسبب ما عملوا من الخير والشرّ، فدرجات المؤمنين في الجنة
عالية، ودرجات الكافرين في النار سافلة. والدرجات غالبة في المثوبة والعلو،
وجاءت هنا على التغليب، ويقابلها الدركات في الانخفاض والنزول.

٣٦٠
لُزُ (٢٦) - الأَخْقَفلِ: ٤٦ / ١٧ -٢٠
و﴿ عَمِلُواْ﴾ أي عمل المؤمنون من الطاعات، والكافرون من المعاصي.
﴿ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي ليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وقرئ (ولنوفيهم). ﴿ وَهُمْ
لَا يُظْلَمُونَ﴾ شيئاً بنقص ثواب للمؤمنين وزيادة عقاب للكافرين.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾ أي يعذبون فيها، أو تكشف لهم.
﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ أي يقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾، فالقول مضمر وتقرأ بهمزتین مخففتین،
وبهمزة ومدة، وبهمزة وتسهيل الثانية. ﴿طَنِبَتِكُمْ﴾ لذائذكم وشبابكم وقوتكم.
﴿وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾ تمتعتم بها، فما بقي لكم منها شيء. ﴿عَذَابَ اُلَّهُونِ﴾ الهوان
والذلّ. ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تتكبرون. ﴿نَفْسُقُونَ﴾ أي تخرجون عن طاعة الله، وقرئ
بكسر السين. وهذا دليل على أن تعذيبهم بسبب الاستكبار الباطل والفسوق
عن طاعة الله تعالى.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧):
﴿ وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن السّدّي قال: نزلت هذه
الآية: ﴿ وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَآَ﴾ في عبد الرحمن بن أبي بكر قال
لأبويه، وكانا قد أسلما، وأبى هو، فكانا يأمرانه بالإسلام، فيرد عليهما،
ويكذبهما ويقول: فأين فلان وأين فلان؟ يعني مشايخ قريش ممن قد مات،
ثم أسلم بعد، فحسن إسلامه، فنزلت توبته في هذه الآية: ﴿وَلِكُلِّ دَرَحَتٌ مِمَّا
عَمِلُواْ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس مثله.
لكن أخرج البخاري من طريق يوسف بن ماهان قال: قال مروان بن
الْخَكَم في عبد الرحمن بن أبي بكر: إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِى قَالَ
لِوَالِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من
القرآن، إلا أن الله أنزل عذري.