Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
الزُعُ (٢٥) - الجَائِيَة): ٤٥ / ٢٤-٢٩
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ تعميم أو إعمامٍ للقدرة بعد تخصيصها.
{الْمُبْطِلُونَ﴾ الكافرون. ﴿كُلَّ أُمَِّ﴾ أهل دين ﴿جَائِيَةٌ﴾ باركة على الرُّكَب، أو
مجتمعة من الجثوة وهي الجماعة، وقرئ ((جاذية)) أي جالسة على أطراف
الأصابع. ﴿إِلَى كِتَبِهَا﴾ صحيفة أعمالها. ﴿اَلْيَّوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال
لهم ذلك.
﴿هَذَا كِتَبْنَا﴾ ديوان الحفظة الذي كتبناه عليكم؛ وأضافه إلى نفسه لأنه أمر
الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم . ﴿يَطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يشهد عليكم بما عملتم
بلا زيادة ولا نقصان . ﴿نَسْتَنسِخُ﴾ نستكتب الملائكة، ونثبت ونحفظ ﴿مَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أعمالكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٥):
﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاثْنَا﴾: أخرج ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، فأنزل الله: ﴿وَقَالُواْ
مَا هِىَ إِلَّا حَيَانَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَخْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّ الذَّهْرُ﴾
المناسبة:
بعد بيان حجب المشركين عن الوصول إلى الحق والخير، بسبب كفرهم
. وعنادهم، ذكر الله تعالى بعض مفاسد اعتقاداتهم وهي إنكار البعث، وإنكار
الإله القادر، معتمدين على مجرد الظنون والأوهام والتخمينات، والتقليد،
مطالبين بإعادة إحياء آبائهم للدلالة على البعث، وتلك شبهة ضعيفة جداً.
فرد الله عليهم بالتنبيه على ما هو الدليل القاطع في الواقع ونفس الأمر،
وليس مجرد إثبات الإله بقول الإله، وهو قدرة الله على الإعادة بناء على ثبوت
قدرته على الإحياء الأول، ثم عمم تعالى الدليل ببيان قدرته على جميع الممكنات
٣٠٢
الُعُ (٢٥) - الجَائِيَةّ: ٤٥ / ٢٤-٢٩
في السماوات والأرض. ثم ذكر تعالى بعض أهوال يوم القيامة من الجثو على
الركب بسبب المخاوف، والاحتكام إلى صحائف الأعمال المسجلة في الدنيا،
والشاهدة على أصحابها.
التفسير والبيان:
﴿ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرَ﴾ هذا قول
الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب وأمثالهم في إنكار المعاد أو
القيامة، فقال منكرو البعث هؤلاء المشركون: ما الحياة الحاصلة إلا الحياة
التي نحن فيها في الدنيا، فليس ثَمّ دار إلا هذه الدار، يموت قوم، ويعيش
آخرون، ولا معاد ولا قيامة، وليس وراء ذلك حياة. وهذا تكذيب واضح
للبعث، وإنكار صريح للقيامة. وما يميتنا إلا مرور الأيام والليالي، فمرورها
هو المفني والمهلك للأنفس، أي بالطبيعة، وهذا إنكار بيِّن للإله الفاعل
المختار.
وكان العرب في الجاهلية يعتقدون أن الدهر هو الفاعل، فكانوا إذا
أصابهم ضر أو ضَيْم أو مكروه، نسبوا ذلك إلى الدهر، فقيل لهم: لا تسبوا
الدهر، فإن الله هو الدهر، أي إن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي تنسبونها إلى
الدهر، فيرجع السب إليه سبحانه.
أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َلاير: ((يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم،
يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلِّب الليل والنهار)). وفي رواية:
((لا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى هو الدهر)) وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم
عن أبي هريرة قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار،
فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا﴾ الآية.
وذكر محمد بن إسحاق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ لاه قال:
٣٠٣
الُعُ (٢٥) - الجَّائِيَّةِ: ٤٥ /٢٤-٢٩
(يقول الله تعالى: استقرضت عبدي، فلم يعطني، وسبني عبدي، يقول:
وادهراه، وأنا الدهر)). وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله وَال قال: ((لا
يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر)).
وفسر الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة قوله وَله: ((لا تسبوا الدهر
فإن الله هو الدهر)) بقولهم: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء
أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه،
وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنهم إنما سبوا الله عز وجل؛ لأنه فاعل ذلك في
الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى هو الدهر
الذي يعنونه، ويسندون إليه تلك الأفعال(١)
ثم فنّد الله تعالى قولهم مبيناً عدم اعتماده على دليل، فقال:
﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلٍَّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ﴾ أي ما قالوا هذه المقالة، إلا
شاكين غير عالمين بالحقيقة، فلا دليل لهم من نقل أو عقل، وما مستندهم إلا
الظن والتخمين من غير حجة أصلاً.
قال الرازي: وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بغير حجة وبينة
قول باطل فاسد، وأن متابعة الظن والحسبان منكر عند الله تعالى (٢)
ثم ذكرتعالى شبهتهم ودليلهم على إنكار البعث قائلاً:
﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ مَّا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ آَتْتُواْ بِثَابَآَيِنَآ إِن كُمْ
صَدِقِينَ (٣٨)﴾ أي إذا تليت عليهم بعض آيات القرآن واضحات الدلالة على
قدرة الله والبعث، واستدل عليهم، وبيَّن لهم الحق، وأن الله تعالى قادر على
(١) تفسير ابن كثير: ١٥١/٤
(٢) تفسير الرازي: ٢٧٠/٢٧
۔
٣٠٤
الزُعُ (٢٥) - الجَائِيَةِّ: ٤٥ / ٢٤-٢٩
إعادة الحياة إلى الأنفس بعد فنائها، لم يكن لهم حجة إلا طلب إعادة إحياء
آبائهم الذين ماتوا، إن كنتم أيها المؤمنون صادقين في إمكان البعث، وأحيوهم
إن كان ما تقولونه حقاً، ليشهدوا لنا بصحة البعث.
وهذا كلام ساقط، فإن البعث يكون بعد نهاية الدنيا، ولا يلزم من عدم
حصول الشيء في الحال امتناع حصوله في المستقبل يوم القيامة.
ثم ذكر الله تعالى دليل إمكان البعث قائلاً:
﴿قُلِ اللَّهُ يُحِيَكُمْ ثُمَّ يُمِتُّكُمْ أُمَّ يَحْمَعُكُمْ إِلَى يَوْ الْقِيَةِ لَا رَبْبَ فِيهِ﴾ أي قل أيها النبي
لهؤلاء المشركين منكري البعث: إن الله أحياكم في الدنيا، ثم يميتكم عند
انقضاء آجالكم، ثم يجمعكم جميعاً يوم القيامة جمعاً لا شك فيه، فإن الذي قدر
على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى، كما قال: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى
يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧/٣٠] ..
وهذا إشارة إلى الآية المتقدمة: وهو أن كونه تعالى عادلاً منزهاً عن الجور
والظلم، يقتضي صحة البعث والقيامة.
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي أكثر الناس وهم مشركو العرب حينذاك
ينكرون البعث، من غير تأمل وتدبر وروية، ولا يدركون الحقيقة العلمية،
ويقصرون نظرهم على المحسوسات، دون تفكر بالغيبيات، فاستبعدوا قيام
الأجساد أحياء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿ وَنَرَهُ قَرِيبًا
[المعارج: ٦/٧٠-٧]. كذلك لا يعلمون دلالة حدوث الإنسان والحيوان والنبات
على وجود الإله القادر الحكيم.
ثم ذكر الله تعالى دليلاً أعم على قدرته بعد التخصيص، فقال:
﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ
٢٧
أي إن الله مالك السماوات والأرض، والحاكم فيهما والمتصرف بهما وحده
في الدنيا والآخرة، من غير مشاركة أحد من عباده، ولا من الأصنام المعبودة.
٣٠٥
لالُرُ (٢٥) - الجَائِيَةِ: ٤٥ / ٢٤-٢٩
وبعد بيان إمكان القول بالحشر والنشر، بدأ تعالى بذكر أحوال القيامة،
وأولها ﴿ وَيَوْمَ تَقُوُ السَّاعَةُ﴾ أي ويوم تقوم القيامة يخسر المكذبون الكافرون
المتعلقون بالأباطيل، بدخول جهنم، يظهر خسرانهم في ذلك اليوم،
لصیرورتهم إلى النار.
ثم أبان الله تعالى أهوال يوم القيامة قائلاً:
اَ - ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّتِ جَانِيَةٌ ﴾ أي وتنظر أصحاب كل ملة ودین واحد جاثين
على الركب من شدة الخوف والرعب، فالناس لشدة الأمر يحثون بين يدي الله
عند الحساب.
◌َ - ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَّ إِلَى كِنَبِهَا﴾ أي كل أمة تدعى إلى كتابها المنزل على
رسلهم، أو إلى صحيفة أعمالها، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ اٌلْكِتَبُ وَجَِّ
بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَلْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩/٣٩].
◌َ - ﴿ اَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعَمَلُونَ﴾ أي في يوم القيامة يجزيكم الله بما عملتم
في الدنيا من خير وشر، تجازون بها من غير زيادة ولا نقص.
٤ - ﴿هَذَا كِتَهُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
٢٩
أي هذه صحيفة الأعمال التي أمرنا الملائكة الحفظة بكتابتها، تشهد علیکم،
وتذكر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص، كقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ اُلْكِنَبُ
فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنَنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا
(®﴾ [الكهف: ٤٩/١٨].
إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم وتثبتها وتحفظها عليكم. قال
ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها
إلى السماء، فيقابلون الملائكة الذين هم في ديوان الأعمال على ما بأيدي
٣٠٦
الُرعُ (٢٥) - الجَائِيَةّ: ٤٥ / ٢٤-٢٩
الكتبة، مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة في القدم على العباد،
قبل أن يخلقهم فلا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً، ثم قرأ: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا
كُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - هذا خبر صريح يتضمن إنكار المشركين والدَّهْرية للآخرة، وتكذيبهم
للبعث، وإبطالهم للجزاء، مأخوذ من قولهم: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي يموت بعضنا
ويحيا بعضنا، أو نموت نحن، وتحيا أولادنا، وما يفنينا إلا السنون والأيام.
أَ - ليس لهم دليل نقلي أو عقلي على إنكار الآخرة، فما هم إلا قوم
يتكلمون بالظن والتخمين.
قال القرطبي: وكان المشركون أصنافاً، منهم هؤلاء منكرو البعث، ومنهم
من كان يثبت الصانع وينكر البعث، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع
بإنكاره. وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفاً من
المسلمين، فيتأولون ويرون القيامة موت البدن، ويرون الثواب والعقاب
خيالات تقع للأرواح بزعمهم، فشرّ هؤلاء أضرُ من شر جميع الكفار، لأن
هؤلاء يُلْبسون على الحق، ويُغتَرُّ بتلبيسهم الظاهر، والمشرك المجاهر بشركه
يحذره المسلم(١)
٣ - إذا قرئت على المشركين آيات الله المنزلة في جواز البعث لم يكن لهم دفع
وحجة أو شبهة إلا أن قالوا: ائتوا بآبائنا الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون.
فرد الله عليهم بأن الله يحييكم بعد أن كنتم نُطَفاً أمواتاً، ثم يميتكم، ثم
(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٧٢
٣٠٧
الُعُ (٢٥) - الجَاثِيَةِ: ٤٥ / ٢٤-٢٩
يجمعكم يوم القيامة كما أحياكم في الدنيا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن
الله يعيدهم كما بدأهم، ومن كان قادراً على ذلك، كان قادراً على الإتيان
بآبائهم، وكان أهون شيء عليه.
وسمي قولهم حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم
حجة، أو لأنه أسلوب يراد به: ما كان حجتهم إلا ما ليس حجة. والمراد نفي
أن تكون لهم حجة أصلاً.
٤ - ومن أدلته تعالى على قدرته الفائقة وإمكان البعث خلق السماوات
والأرض وملكها والتصرف بها، ويوم تقوم القيامة يظهر خسران الكافرين
الجاحدین.
٥ - ليوم القيامة أهوال عظام ومخاوف جسام منها:
. أن كل أهل ملة يجثون على الركب خوفاً من شدة الأمر، قال سلمان
الفارسي: إن في يوم القيامة لساعةً هي عشر سنين، يَخِرُّ الناس فيها جُثَاةً على
ركبهم، حتى إن إبراهيم عليه السلام لينادي: ((لا أسألك اليوم إلا نفسي)).
ومنها: أن كل أمة تدعى إلى حسابها وكتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما
عملت من خير وشر.
ومنها: أن الجزاء على قدر العمل ونوعه من خير أو شر.
ومنها: قطعية الإثبات الأقوال والأفعال، فإن صحائف الأعمال التي
تسجلها الملائكة الحفظة على كل إنسان في الدنيا تشهد على أصحابها.
ومنها: المفاجأة بالحقيقة والواقع وهو أن الله كان يأمر ملائكته بنسخ ما
يعمله بنو آدم في الدنيا، قال علي رضي الله عنه: إن لله ملائكة ينزلون كل يوم
بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم.
٣٠٨
الجُرُ (٢٥) - الجَاثِيَّةِ: ٤٥ / ٣٠-٣٧
جزاء المؤمنين المطيعين وجزاء الكافرين العصاة
﴿ فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَعِلُواْ الصَِّحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَنِهِ، ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَيَنِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُمْ قَوْمًا
الْمُبِينُ
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُ مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ
٣٢
إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
وَقِيلَ الْيَّوْمَ نَسَنَكُمْ كَّا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمُ
٣٣
تُجْرِمِينَ
بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
ذَلِكُمْ بِأَّكُ اْتَّخَذْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ هُوًا وَغَرَّتْكُ الْحَيَّةُ الدُّنْيَّ فَألْيَوْمَ لَا
مِّن نَّصِرِينَ
يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُنَ
﴿ فَلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ
اُلْعَلَمِينَ ﴿ وَلَهُ الْكِبِيَّةُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
القراءات:
قِيلَ
:
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
﴿ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ﴾:
وقرأ حمزة (والساعةَ لاريب).
﴿وَمَأْوَنَكُمْ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (وماواكم).
﴿هُزُوًا﴾: قرئ:
١- (هُزُواً) وهي قراءة حفص.
٢- (هُزْءاً) وهي قراءة حمزة.
٣٠٩
لُعُ (٢٥) - الجَاثِيَّة: ٤٥ / ٣٠-٣٧
٣- (هُزُؤاً) وهي قراءة الباقين.
﴿لَا يُخْرَجُونَ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (لا يَخْرُجون).
الإعراب:
﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيِّبَ فِيهَا﴾ ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ بالرفع: مبتدأ ومعطوف على موضع
﴿إِنَّ﴾ وما عملت فيه، وقرئ بالنصب عطفاً على لفظ اسم إن، وهو ﴿وَعْدَ
اُللَّهِ﴾.
﴿ قُلْتُ مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُ إِلَّا ظَنَا﴾ ﴿السَّاعَةُ﴾ بالرفع: مبتدأ،
و﴿مَّا﴾: خبره، وقرئ بالنصب على أنه مفعول ﴿نَدْرِى﴾ و﴿مَّا﴾: زائدة.
و﴿إِن نَظُنُّ﴾ إلا ظناً تقديره: إن نظن إلا ظناً لا يؤدي إلى العلم واليقين. وإنما
افتقر إلى هذا التقدير؛ لأنه لا يجوز أن يقتصر على أن يقال: ما قمت إلا
قياماً؛ لأنه بمنزلة: ما قمت إلا قمت، وذلك لا فائدة فيه.
﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ بدل من ﴿رَبِّ﴾ الأول.
﴿ وَلَهُ الْكِبِيَاءُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَةُ﴾: مبتدأ وخبر مقدم،
﴿فِ السَّمَوَتِ﴾: حال، أي كائنة.
البلاغة:
﴿ أَفَلَمْ تَّكُنْ ءَايَتِى﴾ استفهام توبيخ.
﴿وَقِيلَ اَلْيَّوْمَ نَفَسَنَكُمْ كَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ استعارة تمثيلية، مثَّل تركهم
في العذاب بمن سُجن في مكان ثم نسيه السجّان من غير طعام ولا شراب،
ووجه الشبه منتزع من متعدد والمراد: نترككم في العذاب ونعاملكم معاملة
الناسي؛ لأن الله تعالى لا ينسى.
٣١٠
الجُرُ (٢٥) - الجَائِيَّة: ٤٥ / ٣٠-٣٧
﴿ فَالْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة، لإهمالهم وعدم
العناية بشأنهم.
المفردات اللغوية:
﴿فِ رَحْمَتِهِ،﴾ في جنته ﴿اٌلْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ الظفر البين الظاهر؛ لخلوصه عن
الشوائب ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى﴾ أي يقال لهم ذلك، وآياتي: آيات القرآن وما قبله
من الكتب المنزلة الثابتة المتضمنة شرائع الله ﴿فَأُسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبرتم عن الإيمان
بها ﴿ وَكُمْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ كافرين: فالمجرم: ضد المسلم، فهو المذنب بالكفر.
﴿ وَإِذَا قِيلَ﴾ أي قيل للكفار ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي وعده بالبعث وبأنه
محيي الموتى من القبور، و﴿ وَعْدَ اللَّهِ﴾: إما الموعود أو المصدر، و﴿حَقٌ﴾:
ثابت كائن لا محالة ﴿لَا رَيْبَ﴾ لا شك ﴿إِن نَّظُنُّ﴾ ما نظن أو إن نحن إلا نظن
ظناً، دخل حرفا النفي والاستثناء لإثبات الظن ونفي ما عداه ﴿وَمَا نَحْنُ
بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ بمتحققين أن الساعة آتية.
﴿وَبَدَا﴾ ظهر ﴿لَمْ سَبِئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ ظهر لهم في الآخرة جزاء أو عقوبات
أعمالهم، أو عرفوا مدى قبح أعمالهم ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ نزل أو حل وأحاط بهم
﴿َّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي الجزاء والعذاب ﴿نَنَسَنَكُمْ﴾ نترككم في النار ﴿كما
نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ تركتم العمل للقاء هذا اليوم، وإضافة اللقاء إلى اليوم:
إضافة المصدر إلى ظرفه ﴿وَمَا لَكُ مِّن نَّصِرِينَ﴾ مانعين منه يخلصونكم من
أهواله.
﴿اَّخَذْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ استهزأتم بها ولم تتفكروا فيها، و﴿ءَايَتِ اَللَّهِ﴾:
القرآن ﴿وَغَّتَّكُمْ﴾ خدعتكم ﴿الْحَوَةُ الذُّنْيَا﴾ أي زينتها، حتى قلتم: لا بعث
ولا حساب ﴿لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ الفعل مبني للمجهول، وقرئ بالبناء للمعلوم،
ومنها أي من النار ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم بأن
يرضوه بالتوبة والطاعة، لفوات الأوان، وعدم النفع يومئذ.
٣١١
الُرءُ (٢٥) - الجَاثِيَةُ: ٤٥ / ٣٠-٣٧
﴿فَلَلَّهِ الْحَمْدُ﴾ الشكر والثناء بالجميل على وفاء وعده في المكذبين ﴿رَبِّ
السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ خالق هذه الأشياء، والعالم: كل ما سوى
الله، وجمع لاختلاف أنواعه. وهذه الأشياء نعمة من الله ودالة على كمال
قدرته ﴿الْكِبِيَاءُ﴾ العظمة والسلطان ﴿اَلْعَزِيزُ﴾ الذي لا يُغْلَب ﴿اَلْحَكِيمُ﴾
فیما قَدَّر وقضى.
المناسبة:
بعد بيان أحوال القيامة وأهوالها، أبان الله تعالى أحوال المؤمنين الطائعين
وما أعد لهم من الرحمة أي الثواب، وأحوال الكافرين وما أعد لهم من
العقاب، والتوبيخ على تفريطهم في الدنيا، وما حل بهم جزاء استهزائهم
بالعذاب وانخداعهم بالدنيا، ومعاملتهم معاملة المنسي بتركهم في النار، دون
انتظار الخروج منها أو التوبة واسترضاء الله عن الذنوب السالفة.
التفسير والبيان:
هذه الآيات تبين حكم الله في خلقه يوم القيامة، سواء أكانوا مؤمنين أم
كافرين، فقال تعالى مبيناً حكم الفريق الأول:
﴿ فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَِّحَتِ فَيُدْسِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَتِّ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ
اُلْمُبِينُ (®﴾ أي فأما المصدقون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والذين
عملوا الأعمال الصالحة وهي الخالصة الموافقة للشرع، فيدخلهم ربهم الجنة،
وذلك أي الإدخال فيها هو الظفر بالمطلوب، وهو الفلاح والنجاح الظاهر
الواضح.
وسمى الثواب رحمة، والرحمة جنة، لقوله ◌َّله في الحديث الصحيح: ((إن الله
تعالى قال للجنة: أنتِ رحمتي، أرحم بكِ من أشاء)).
ثم قال تعالى مبيناً حكم الفريق الثاني وموبخاً إياهم:
٣١٢
الُجُرُ (٢٥) - الجَائِيَّة: ٤٥ / ٣٠-٣٧
﴿وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوْ أَفَرْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرَّتُمْ وَكُمْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ
أي وأما الذين أنكروا وحدانية الله والبعث، فيقال لهم تقريعاً
وتوبيخاً، أما قرئت عليكم آيات الله تعالى، فاستكبرتم وأبيتم الإيمان بها،
وأعرضتم عن سماعها واتباعها، وكنتم قوماً مجرمين في أفعالكم، ترتكبون
الآثام والمعاصي، وتكذبون في قلوبكم بالمعاد والثواب والعقاب؟ لذا أردف
ذلك بقوله:
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيَهَا قُلْتُ مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُ
إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْفِنِينَ (٣)﴾ أي وإذا قيل لهؤلاء الكفار من طريق
الرسول ◌َّ والمؤمنين: إن وعد الله بالبعث والحساب، وبجميع الأمور
المستقبلة في الآخرة حق ثابت، وواقع لا محالة، والقيامة لا شك في وقوعها،
فآمنوا بذلك، واعملوا لما ينجيكم من العذاب، قلتم: لا نعرف ما القيامة،
إن نتوهم وقوعها إلا توهماً مرجوحاً أو ظناً لا يقين فيه ولا علم، وما نحن
بمتحققين ولا موقنين أن القيامة آتية، أي كأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا
ثبوت علم فيه، وأكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.
وبعد هذا التوبيخ والنقاش، ذكر الله تعالى مايفاجؤون به من العذاب:
أي وظهر لهم
١٣٣
﴿ وَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َا كَانُواْ بِه يَسْتَهْزِءُونَ
قبائح أعمالهم وعقوبة أفعالهم السيئة، وأحاط بهم، ونزل عليهم جزاء
أعمالهم بدخولهم النار، وعوقبوا بما كانوا يهزؤون به في دار الدنيا من
العذاب والنكال، ويقولون: إنه أوهام وخرافات.
ثم أيأسهم تعالى من النجاة قائلاً:
﴿ وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَنَسَنَكُمْ كَا نَسِيتُمْ لِقَآَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمُ مِّن ◌َصِرِينَ
أي ويقال لهم: اليوم نعاملكم معاملة الناسي لكم وكالشيء المنسي
الملقى غير المبالى به، فنترككم في العذاب، كما تركتم العمل لهذا اليوم،
٣١٣
الُعُ (٢٥) - الجَاثِيَةِّ: ٤٥ / ٣٠-٣٧
وتجاهلتم ما جاء عنه في كتب الله؛ لأنكم لم تصدقوا باليوم الآخر، ومسكنكم
ومستقركم الذي تأوون إليه هو النار، وليس لكم من أنصار ينصرونكم
فيمنعون عنكم العذاب.
وبذلك جمع الله عليهم من وجوه العذاب الشديد ثلاثة ألوان هي:
الأول- أنه قطع رحمة الله تعالى عنهم بالكلية.
الثاني- أنه جعل مأواهم النار.
الثالث- فقدان الأعوان والأنصار.
ثبت في الصحيح: (( أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: ألم
أزوجْك، ألم أكرمْك، ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟
فيقول: بلى يا رب، فيقول، أفظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول الله
تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني )).
ثم ذكر الله تعالى أسباب هذا العقاب أو الجزاء، فقال:
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُ لْتَّخَذْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتَّكُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَأَلْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا
وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ ﴿٢﴾ أي ذلك العذاب الذي وقع بكم بسبب أنكم اتخذتم
القرآن هزواً ولعباً، وخدعتكم الدنيا بزخارفها وزينتها، فاطمأننتم إليها،
وظننتم ألا دار غيرها، ولا بعث ولا نشور، فاليوم لا يخرجون من النار، ولا
يطلب منهم العتبى بالرجوع إلى طاعة الله، واسترضائه؛ لأنه يوم لا تقبل فيه
التوبة، ولا تنفع فيه المعذرة.
وبعد أن أثبت تعالى قدرته على البعث بدلائل الآفاق والأنفس، وذكر
حكمه في المؤمنين والكافرين، أثنى على نفسه بما هو أهل له تعليماً لنا،
فقال :
٣١٤
الجُرُ (٢٥) - الجَاثِيَةِّ: ٤٥ / ٣٠-٣٧
أي الحمد
﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ الِ
الخالص والشكر الكامل على النعم الكثيرة الله خالق ومالك السماوات،
ومالك الأرض، ومالك ما فيها من العوالم المختلفة المخلوقة من إنس وجن
وحيوان، وأجسام وأرواح، وذوات وصفات.
﴿وَلَهُ الْكِبِيَاءُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيُ اَلْحَكِيمُ (®﴾ أي ولله
العظمة والجلال والسلطان في أرجاء السماوات والأرض، وهو سبحانه
القوي القاهر في سلطانه فلا يغالبه أحد، الحكيم في كل أقواله وأفعاله وشرعه
وجميع أقضيته في هذا العالم.
ورد في الحديث القدسي الصحيح عند أحمد ومسلم وأبي داود وابن ماجه
عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي ◌َّر: (يقول الله تعالى:
العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما، أسكنته ناري)).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الكريمات على ما يأتي:
اً - إن ثواب المؤمنين الذين عملوا صالح الأعمال، فأدوا الفرائض،
واجتنبوا المعاصي والمنكرات هو دخول جنات الخلد والنعيم.
أ - إن جزاء الكافرين الذين أشركوا بالله إلهاً آخر، واقترفوا المعاصي،
وتكبروا عن طاعة الله وقبول أحكامه واتباع شرائعه هو دخول نار جهنم.
وهذا يدل على أن استحقاق العقوبة لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع.
◌َّ - يوبخ الكفار ويقرّعون على تركهم اتباع آيات الله في قرآنه وكتبه المنزلة
على رسله والاستماع إليها.
٤ - إذا قام المؤمنون بتذكير الكفار بوعد الله بالثواب والعقاب وتأكيد أن
٣١٥
المُعُ (٢٥) - الجَائِيَّةِ: ٤٥ / ٣٠-٣٧
الساعة آتية لا ريب فيها، أنكروا ذلك وكذبوه، وأجابوا بأنا لا ندري هل
الساعة (القيامة) حق أم باطل؟ وإن نحن إلا نظن ظناً لا يؤدي إلى العلم
واليقين، ولسنا متحققين ولا واثقين بأن القيامة آتية، وهؤلاء من المشركين هم
الفريق الشاكون بالبعث والقيامة، وهم غير أولئك الفريق المذكورين سابقاً
القاطعين بنفي البعث في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾.
٥ - في الآخرة تنكشف الحقائق وتنجلي الأمور بنحو قاطع، ويظهر لهؤلاء
الكفار جزاء سيئات ما عملوا، وقبح جرم ما ارتكبوا، ويحيط بهم إحاطة تامة
ما كانوا يستهزئون به من عذاب الله.
أَ - للعذاب ألوان ثلاثة: قطع رحمة الله تعالى عنهم بالكلية، وصيرورة
مسكنهم ومستقرهم النار، وفقدانهم الأعوان والأنصار.
٧ - يقال لهم: استحقاقهم ألوان العذاب الثلاثة المذكورة بسبب إتيانكم
ثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة: وهي الإصرار على إنكار الدين الحق،
والاستهزاء به والسخرية منه، والاستغراق في حب الدنيا، والإعراض
بالكلية عن الآخرة والوجهان الأول والثاني داخلان في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُم
بِأَنَّكُمُ اْتَخَذْتُمْ ءَيَتِ اَللَّهِ هُزُوًا﴾ والوجه الثالث هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ
الْخَوَةُ الدُّنْيَا﴾.
٨ - لا خروج إلى الأبد من النار، ولا أمل في استرضاء الله والتوبة
والإنابة إليه والاعتذار منه، كما قال تعالى: ﴿كُلُّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا
أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠/٣٢].
١ - الحمد والثناء بالجميل كله على الله تعالى الخالق والمالك لكل الكون
سمائه وأرضه، وعوالمه، والمتفرد بالعظمة والجلال، والبقاء والسلطان،
والقدرة والكمال، والحكمة الباهرة والرحمة والفضل والكرم، وذلك يدل على
أنه لا إله للخلق إلا هو، ولا رب سواه، ولا محسن ولا متفضل إلا هو.
<٠
ہے
النَّفُِّ المُنُّ
٠٠
في العقيدة والشريعة والمنهج
المُجْزَعُ السَّلِسِ وَالْعَشِرُون
.
٣١٩
الُ (٢٦) السورة (٤٦) الْأَخْقَقلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُوَّةُ الَحْقَقلِ
مكية، وهي خمس وثلاثون آية
تسميتها:
سميت (سورة الأحقاف) للحديث فيها عن الأحقاف: وهي مساكن عاد في
اليمن الذين أهلكهم الله بريح صرصر عاتية بسبب كفرهم وطغيانهم، في قوله
تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [٢١].
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة هي:
اً - تطابق مطلع السورتين في: ﴿حَمّ ◌َ تَزِيلُ اَلْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ
اُلْحَكِيمِ
أَ - تشابه موضوع السورتين وهو إثبات التوحيد والنبوة والوحي والبعث
والمعاد.
◌َّ - ختمت السورة السابقة بتوبيخ المشركين على الشرك، وبدئت هذه
السورة بتوبيخهم على شركهم، ومطالبتهم بالدليل عليه، وبيان عظمة الإله
الخالق المجيب من دعاه، على عكس تلك الأصنام التي لا تستجيب لدعاتها إلى
يوم القيامة.
٣٢٠
اِلُ (٢٦) السورة (٤٦) الَّحْقَقلِ
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المكية وهو إثبات أصول
العقيدة الإسلامية الثلاثة: وهي التوحيد، والرسالة والوحي، والبعث
والجزاء.
بدأت السورة بالحديث عن تنزيل الكتاب وهو القرآن من الله تعالى، وإنما
كرر لأنه بمنزلة عنوان الكتب (الكتابة) ثم أقامت الأدلة على وجود الإله
والتوحيد والحشر، وذمَّت المشركين عبدة الأصنام، وردّت عليهم رداً دامغاً
مقنعاً، وأجابت عن شبهاتهم حول الوحي والنبوة.
ثم ذكرت حال فريقين: فريق أهل الاستقامة الذين أقروا بتوحيد الله
واستقاموا على مِلَّته، وأطاعوا والدِيهم وأحسنوا إليهم، فكانوا أصحاب
الجنة، وفريق الكافرين الخارجين عن هدي الفطرة، المنهمكين في شهوات
الدنيا، المنكرين البعث والحساب، العاقين لوالدِيهم، بالتنكر للإيمان والمعاد،
فكانوا أصحاب النار.
ثم ضربت المثل بقصة هود عليه السلام مع قومه ( عاد ) الطغاة الذين
اغتروا بقوتهم، وأصروا على عبادة الأصنام، فأهلكهم الله بريح عاتية، تدمّر
كل شيء بأمر ربها، إرهاباً لكفار قريش، وتحذيراً من استبدادهم وتكذيبهم
رسول الله وَ ل، وإنذاراً بعذاب مماثل جزاء استهزائهم.
كما ذَكَّرتهم بإهلاك القرى المجاورة، وبمبادرة الجن إلى الإيمان بما سمعوه
من آيات القرآن، ودعوة قومهم إلى إجابة نبي الله والإيمان برسالته، فإن من
عاند وأعرض عن إجابة داعي الله، فهو في ضلال مبين.
ثم ختمت السورة بالتأكيد على قدرة الله على البعث؛ لأنه خالق السماوات
والأرض، وبأن تعذيب الكافرين بالنار حق كائن لا محالة، وبالتهديد بأهوال