Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
الُعُ (٢٥) - الزّخْرُقِّ: ٤٣ / ٤٦-٥٦
عليه أساور من ذهب، جرياً على عادة الوقت وزِيّ أهل الشرف، أو تأيد
بجماعة من الملائكة يمشون معاً متتابعين مقترنين إن كان صادقاً يعاونونه على
من خالفه؟ والمعنى: هلا ضم إليه الملائكة التي يزعم أنها عند ربه، حتى يتعزّز
بهم ويستعملهم في أمره ونهيه، فيكون ذلك أهيب في القلوب.
فأوهم قومه أن رسل الله ينبغي أن يكونوا كرسل الملوك في المظاهر، ولم
يعلم أن رسل الله إنما أُيِّدوا بالجنود السماوية، وكل إنسان عاقل يعلم أن
حفظ الله موسی مع تفرده من فرعون مع كثرة أتباعه، وإمداد موسی بالعصا
واليد البيضاء، كان أبلغ في التأييد من أن يكون له أسورة ذهب أو ملائكة
أعوان وأدلة على صدقه.
٤ - ثم حكى الله علاقة فرعون بقومه، فإنه استخف عقولهم واستجهلهم
فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم، إنهم كانوا فسقة خارجين عن طاعة الله
تعالی.
5 - لما تجاوز فرعون وقومه الحدود القصوى، وأسخطوا الله وأغضبوه،
عاجلهم بالانتقام الشديد، وأغرقهم الله في اليم.
والفرق بين السخط والغضب: أن السخط إظهار الكراهة، والغضب
إرادة الانتقام، ولما كان ذكر الأسف والانتقام في حق الله محالاً، أوَّل
المفسرون ذلك فجعلوا الغضب في حق الله إرادة العقاب، والانتقام إرادة
العقاب جرم سابق.
٦ - جعل الله قوم فرعون قدوة لمن عمل عملهم من الكفار، وعبرة وعظة
لهم ولمن يأتي بعدهم من الكافرين.
والخلاصة: إن المقصود من إيراد هذه القصة تقرير أمرين:
أحدهما- أن الكفار والجهال يحتجون دائماً على الأنبياء بشبهة الفقر .
والضعف، وهذا هو سر النبوة والقوة، فلا يلتفت لما يقولون.

١٨٢
لُزُعُ (٢٥) - الزّخْرُّفُّ: ٤٣ / ٥٧-٦٦
الثاني - أن فرعون في أعز حالاته في الدنيا صار مقهوراً، فيكون الأمر في
حق أعداء رسول الله هكذا إلى يوم القيامة(١).
العبرة من قصة عيسى عليه السلام
وَقَالُوَ
٥٧
وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
ءَأَلِهَتُنَا خَيْرُّ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَّا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ ﴿ إِنْ هُوَ
إِلَّا عَبْدَ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِيّ إِسْرَِّيلَ
وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ
مَّلَتِكَةً فِى الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونِ هَذَا
﴾ وَلَمَّا جَآءَ
صِرَاطٌ مُسْتَقِيمُ ﴾ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّةِ
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
٦٤
إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِى وَرَبَّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ
٦٣
فَأَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ (
هَلْ
٩٥
يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
القراءات:
﴿يَصِدُّونَ
وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي (يَصُدُّون).
(صِرَطٌ﴾:
وقرأ قنبل (سراط).
(جِئْتُكُمْ﴾:
(١) تفسير الرازي: ٢١٧/٢٧

١٨٣
الجُزْءُ (٢٥) - الرّحْزُقُّ: ٤٣ / ٥٧-٦٦
وقرأ قنبل، وحمزة وقفاً (جيتكم).
الإعراب:
﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿مَرْيَمَ﴾: ممنوع من الصرف للتعريف
(العلمية) والعُجْمة، أو للتعريف والتأنيث.
﴿ءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَّ﴾ ﴿أَ﴾ هنا متصلة؛ لأنها معادلة الهمزة الاستفهام
بمعنى ((أي)) وتقديره: أيهما خير؟ كقولك: أزيد عندك أم عمرو؟ أي أيهما
عندك.
﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَةً﴾ من: إما بمعنى البدل، أي لو نشاء لجعلنا
بدلاً منكم، أو زائدة، أي لجعلناكم.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُم﴾ ﴿أَنْ تَأْنِيَهُم﴾: بدل من
الساعة، والمعنى: هل ينظرون إلا إتيان الساعة؟
المفردات اللغوية:
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا﴾ جعل مثلاً، أي حجة وبرهاناً، حين نزل
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:
٩٨/٢١] فقال المشركون- على لسان ابن الزّبَعرى أو غيره -: رضينا أن تكون
آلهتنا مع عيسى؛ لأنه عُبد من دون الله ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ أي إذا
المشركون في قريش من المثل يضحكون ويصيحون ويضجون فرحاً بما سمعوا.
﴿ وَقَالُواْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرُّ أَمْ هُوَ﴾ أي قال المشركون: هل آلهتنا الأصنام خير
عندك أم عيسى فإن كان في النار فلتكن آلهتنا معه، أو هل آلهتنا الملائكة خير أم
عيسى؟ فإذا جاز أن يعبد، ويكون ابن الله، كانت آلهتنا الملائكة أولى بذلك
﴿مَا ضَرَبُوهُ﴾ المثل ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾ ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل

١٨٤
الُرُ (٢٥) - الزّخْرُقّ: ٤٣ / ٥٧-٦٦
والخصومة بالباطل، لعلمهم أن ﴿مَا﴾ لغير العاقل، فلا يتناول عيسى عليه
السلام ﴿بَّ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ شديدو الخصومة معتادو اللجاج.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ أي ما عيسى إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة
﴿ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ أي جعلناه بإيجاده من غير أب كالمثل السائر
في الغرابة، يستدل به على قدرة الله تعالى على ما يشاء ﴿لَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ بدلكم
﴿مَّلَئِكَةً فِى الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ بأن نهلككم ونخلفكم بالملائكة في الأرض.
والمعنى: أن حال عيسى عليه السلام وإن كانت عجيبة، فالله تعالى قادر على ما
هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة مثلكم ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليداً،
ويحتمل خلقها إبداعاً، فمن أين لكم استحقاق الألوهية والانتساب إلى الله
تعالی؟
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾ أي وإن عيسى أو نزوله لدليل تعلم الساعة بنزوله
﴿فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا﴾ لا تشكن فيها، حذف منها نون الرفع للجزم، وواو
الضمير لالتقاء الساكنين ﴿ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ يصرفكم عن دين الله
﴿ وَأَتَّبِعُونِ﴾ واتبعوا شرعي وهداي القائم على التوحيد ﴿هَذَا﴾ الذي آمركم
به ﴿صِرَطٌ﴾ طريق ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ قويم ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ﴾ يمنعنكم عن المتابعة
ويصرفكم ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بيِّن العداوة ثابت عليها.
﴿بِالْبَيِّنَتِ﴾ المعجزات أو بآيات الإنجيل ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالإنجيل أو بالشريعة
﴿ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّةِ﴾ من أمر الدين لا من أمر الدنيا، فإن
الأنبياء لم تبعث لبيانه، ولذلك قال ﴿ ﴿ه فيما أخرجه مسلم عن أنس وعائشة:
((أنتم أعلم بأمور دنياكم)). ﴿وَأَطِعُونِ﴾ فيما أبلغكم عنه ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّ
وَرَبِّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ﴾ بيان لما أمرهم بالطاعة فيه، وهو اعتقاد التوحيد والتعبد
بالشرائع ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارة لمجموع الأمرين، وهو تتمة كلام
عيسى عليه السلام، أو استئناف من الله يدل على مقتضي الطاعة في ذلك.

١٨٥
الُعُ (٢٥) - الرَّحْرُفِّ: ٤٣ / ٥٧-٦٦
اُلْأَحْزَابُ﴾ الفرق المتحزبة ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ من بين النصارى أو اليهود
والنصارى من بين قومه المبعوث هو إليهم في عيسى: أهو الله، أو ابن الله، أو
ثالث ثلاثة ﴿فَوَيْلٌ﴾ كلمة عذاب أو وادٍ في جهنم ﴿لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ كفروا
بما قالوه في عيسى من المتحزبين ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ﴾ الضمير لقريش
أو للذين ظلموا ﴿أَنْ تَأْثِيَهُم﴾ أي هل ينظرون إلا إتيان الساعة ﴿بَغْنَةٌ﴾
فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بوقت مجيئها لاشتغالهم بأمور الدنيا.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٧):
﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾: أخرج أحمد بسند صحيح والطبراني عن ابن
عباس: ((أن رسول الله وَ له قال لقريش: إنه ليس أحد يعبد من دون الله، وفيه
خير، فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً صالحاً، وقد عُبد من دون
الله؟ فأنزل الله: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية)).
وقد تقدم في آخر سورة الأنبياء عند قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أن عبد الله بن الزِّبَعْرى السَّهْمي قال:
خصَمْتُ وربَّ هذه البنية، يعني الكعبة، ألست - الخطاب للنبي وَّ- تزعم
أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وهذه بنو مليح يعبدون
الملائكة، وهذه النصارى يعبدون عيسى عليه السلام، وهذه اليهود يعبدون
عزيراً؟ قال: فصاح أهل مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم
مِنَا اُلْحُسْنَ﴾ - الملائكة وعزير وعيسى عليهم السلام- ﴿أَوْلَئِكَ عَنَّهَا
مُبْعَدُونَ﴾.
التفسير والبيان:
وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (69]) هذا لون

١٨٦
الجُزءُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ٥٧-٦٦
آخر من تعنت قريش في كفرهم وعنادهم وجدلهم بالباطل ونوع خامس من
كفرياتهم المذكورة في هذه السورة(١) والمعنى: ولما جعل ابن الزبعرى عيسى ابن
مريم مثلاً في مجادلته مع النبي ◌َّ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨/٢١] إذا قومك قريش منه يضجون
ويصيحون فرحاً بذلك المثل المضروب. أو لم يدروا أن ﴿وَمَا ﴾ في قوله ﴿وَمَا
تَعْبُدُونَ﴾ لغير العاقل، وأن المقصود الأصنام والأوثان، ولا تتناول الآية
عيسى والعزيز والملائكة، فهؤلاء كلهم عباد الله موحدون، قال عيسى في وصية
قومه: الربُّ إلهنا إله واحد.
(وَقَالُوْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْ بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ
﴾ أي وقال كفار قريش مجادلين بالباطل: آلهتنا ليست خيراً من عيسى،
فإن كان كل من عُبِدَ من غير الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع
عيسى وعزير والملائكة. وما ضربوا لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك، فهم
قوم شديدو الخصومة، كثيرو اللَّدَدِ والجدل. أخرج الإمام أحمد والترمذي
وابن ماجه وابن جرير عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَل:
((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل، ثم تلا رسول الله وَاله
هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوُهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْ بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾)).
ثم أبان الله تعالى أن عيسى عبد من عبيد الله، فقال:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدَ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًاً لِّبَنِىّ إِسْرَِّيلَ ®﴾ أي ما
عيسى ابن مريم إلا عبد من عبيدنا أكرمناه وأنعمنا عليه بالنبوة والرسالة،
وجعلناه آية وعبرة لبني إسرائيل، وبرهاناً وحجة على قدرتنا على من نشاء،
(١) الأربعة السابقة: هي (١) أنهم جعلوا لله من عباده جزءاً (٢) ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَتَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ
الرَّحْمَنِ إِنَّ﴾ (٣) قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا الأصنام (٤) قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْفُرْءَانُ
عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمٍ﴾

١٨٧
إِلُعُ (٢٥) - الزّخْرُوَّ: ٤٣ / ٥٧-٦٦
فإنا خلقناه من غيرأب، وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص وكل
مريض بإذن الله، وخلقُه أسهل من خَلْق آدم من غير أب ولا أم، قال الله
تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ
عمران: ٥٩/٣] . والله قادر على كل شيء، ومن مظاهر
قدرته :
﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَةً فِى الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (®﴾ أي ولونشاء
أهلكناكم وجعلنا بدلاً منكم ملائكة في الأرض يعمرونها يخلفونكم فيها. قال
بعض النحويين: مِنْ: تكون للبدل، أي لجعلنا بدلكم ملائكة، مثل قوله
تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨/٩] أي بدل
الآخرة. والمراد بالآية التهديد والتخويف وبيان عجائب قدرة الله تعالى.
﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ (4)﴾ أي
وإن نزول المسيح وخروجه أمارة ودليل على وقوع الساعة، لكونه من أشراطها
- علاماتها - لأن الله سبحانه ينزّله من السماء قبيل الساعة، كما أن خروج
الدجال قبله من أمارات الساعة، فلا تشكوا في وقوعها ولا تكذبوا بها فإنها
كائنة لا محالة، واتبعوا هداي فيما آمركم به من التوحيد وبطلان الشرك،
وهذا المأمور به المدعو إليه طريق قويم موصل إلى النجاة والسعادة.
قال ابن كثير: وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله وَ ليل أنه أخبر بنزول
عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً (١).
ج) أي ولا يصرفنكم
﴿ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ (
الشيطان عن اتباع الحق بوساوسه التي يلقيها في نفوسكم، إن الشيطان لكم
عدو ظاهر العداوة من عهد أبيكم آدم عليه السلام.
(١) تفسير ابن كثير: ١٣٢/٤

١٨٨
=
للزُ (٢٥) - الزّخْرُّقُّ: ٤٣ / ٥٧-٦٦
﴿ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَِّنَ لَكُمْ بَعْضَ
(1) أي لما جاء عيسى بالمعجزات
الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّهِ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
والآيات الدالة على صدقه، وبالشرائع في الإنجيل قال لبني إسرائيل: قد
جئتكم بالشرائع الصالحة التي ترغب في الجميل وتكف عن القبيح، وبأصول
الدين العامة، من توحيد الله والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر، وجئتكم
أيضاً لأوضّح لكم بعض ما تختلفون فيه من أحكام التوارة، فاتقوا المعاصي،
وأطيعوني فيما آمركم به من توحيد الله وشرائعة وتكاليفه.
ورأس الآمر: التوحيد والعبادة، فقال مبيناً ما أمرهم أن يطيعوه فيه:
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رِى وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهٌ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ (3) أي إن الله عز
وجل هو ربي وربكم وإلهي وإلهكم، فأخلصوا العبادة له، وعبادة الله وحده،
فإن العمل بشرائعه هو الطريق القويم والمنهج الصحيح السليم.
﴿فَأَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمٌّ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ
﴾ أي فاختلفت الفرق المتحزبة من اليهود والنصارى الذين بعث إليهم
عيسى، في شأنه أهو الله ام ابن الله أم ثالث ثلاثة؟ وصاروا فرقاً وأحزاباً،
منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، وهو الحق، ومنهم من يدعي أنه ولد الله،
ومنهم من يقول: إنه الله، وقد استقر أمر طوائف النصارى الكاثوليك
والأرثوذكس على أنه هو الرب والإله، وكتبوا على الصفحة الأولى من
الإنجيل: ((هذا كتاب ربِّنا وإلهنا يسوع المسيح)).
فالويل ثم الويل والعذاب الشديد للذين ظلموا من هؤلاء المختلفين في طبيعة
المسيح، أهي بشرية أم ناسوتية إلهية؟ وهم الذين أشركوا بالله، ولم يعملوا
بشرائعه، إنه عذاب مؤلم شديد دائم في يوم القيامة.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (4) أي هل
ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل إلا مجيء القيامة فجأة، وهم لا
يشعرون أو لا يعلمون بمجيئها لانشغالهم بشؤون الدنيا.
.

١٨٩
الُ (٢٥) - الرّخْرُّقة: ٤٣ / ٥٧-٦٦
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - ذكر الله تعالى أنواعاً خمسة من كفريات المشركين في هذه السورة:
أولها- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾.
ثانيها- قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَتَّا﴾.
ثالثها- قوله: ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾.
رابعها- قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمِ
٠
وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ
خامسها- قوله هنا :
٥٧
يَصِدُّونَ
•
أَ - يتعلق المشركون عادة بشُبَه واهية، فتراهم يسلكون مسلك الغوغائية،
فيضجون ويصيحون إذا وجدوا شبهة يمكن التعلق بها في الظاهر، فلو تأمل
ابن الزبعرى الآية ما اعترض عليها؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ لم
يقل: ومن تعبدون، وإنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح
ولا الملائكة، وإن كانوا معبودین.
٣ - يعتمد المشركون على الجدل السوفسطائي الذي يفقد الموضوعية
والهدف، فهو جدل بالباطل، لذا قالوا: آلهتنا خير أم عيسى؟ وما ضربوا هذا
المثل للنبي وَّ إلا بقصد إرادة الجدل غير الهادف، الذي أريد به الغلبة في
الكلام، لا طلب الفرق بين الحق والباطل.
٤ - تمسك القائلون بذم الجدل بهذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً﴾
ج
والحق التفرقة بين نوعين من الجدل: الجدل لتقرير الحق، وهذا محمود،

١٩٠
لُرُ (٢٥) - الزّخْرُوَةُ: ٤٣ / ٥٧-٦٦
والجدل لتقرير الباطل، وهذا مذموم، قال تعالى: ﴿مَا يُحَدِلُ فِيَ ءَايَتِ اللَّهِ
إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [غافر: ٤/٤٠].
٥ - إن جميع الأنبياء والرسل صرحوا لأقوامهم أنهم بشر عبيد لله تعالى،
فلا يصح رفع أحد عن المنزلة البشرية كسائر الناس، وعلى هذا فإن عيسى
عليه السلام ذو طبيعة بشرية، وليست إلهية كما يزعم النصارى، وما هو إلا
عبد كسائر عبيد الله أنعم الله عليه بالنبوة، وجعل خَلْقه من غير أب آية، وعبرة
لبني إسرائيل والنصارى، يُستدل بها على قدرة الله تعالى، وكان يحيي الموتى
ويبرئ الأكمه والأبرص والأسقام كلها بإذن الله، ولم يجعل هذا لغيره في
زمانه، وكان بنو إسرائيل يومئذٍ أحبَّ الخلق إلى الله عز وجل، لإيمانهم بالله
وتوحيدهم إياه، فلما كفروا هانوا وغضب الله عليهم.
٩- الله تعالى قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يجعل بدل الإنس
ملائكة يكونون خلفاء عنهم في الأرض، يعمرونها ويشيدون حضارتها،
ويتعاقبون بعضهم إثر بعض في تولي شؤونها كلها.
لاً - إن خروج عيسى عليه السلام ونزوله من السماء آخر الزمان من أعلام
الساعة، كما أن خروج الدجال من أعلام الساعة. ورد في صحيح مسلم:
((فبينما هو - يعني المسيح الدجال- إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند
المنارة البيضاء شرقي دِمَشق بين مَهْرَودَتَين(١) واضعاً كفّيه على أجنحة مَلَكين،
إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدَّر منه ◌ُمَان كاللؤلؤ، فلا يَحِلُّ لكافر يجد
ریح نَفَسه إلا مات، ونَفَسُه ینتھی حیث ینتهي طَرْفه، فيطلبه، حتى يدركه
بباب لُدّ(٢) فيقتله .. )).
(١) أي شقتين أو حلتين.
(٢) اللُّد: بلد معروف قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين.

١٩١
الُ (٢٥) - الرَّحْزُقُّ: ٤٣ / ٥٧-٦٦
وثبت في صحيح مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال
رسول الله وَلجر: (لَيَنْزِلنَّ عيسى ابن مريم حَكَماً عادلاً، فليكسرَنَّ الصليب،
ولَيَقْتُلَنَّ الخنزير، ولَيَضَعَنَّ الجِزْية، ولُتْرَكَنّ القِلاص(١) فلا يُسعى عليها،
ولَتَذْهَبَنَّ الشحناء والتباغض والتحاسد، ولَيَدْعُوَنَّ إلى المال، فلا يقبله أحد)).
٨ - لمَّا جاء عيسى عليه السلام بالحكمة وهي أصول الدين كمعرفة ذات
الله تعالى وصفاته وأفعاله، وبعض الذي يختلفون فيه وهو فروع الدين، أمر
قومه بني إسرائيل أن يتقوا الشرك ولا يعبدوا إلا الله وحده، وأن يطيعوه فيما
يدعوهم إليه من التوحيد، وأعلن أن الله ربه وربهم، وأمرهم بإخلاص
العبادة لله، والتوحيد والعبادة صراط مستقيم، وما سواه معْوَجّ لا يؤدي إلى
الحق.
وإذا كان هذا قول عيسى عليه السلام، فكيف يجوز أن يكون إلهاً أو ابن
إله؟
4 - اختلفت أحزاب أهل الكتاب من اليهود والنصارى أو الفرق المتحزبة
بعد عيسى من النصارى وهم الملكية واليعقوبية والنسطورية، اختلفوا في
عيسى، فقالت النسطورية: هو ابن الله، وقالت اليعاقبة: هو الله، وقالت
الملكية: ثالث ثلاثة أحدهم الله، فويل للذين كفروا وأشركوا عذاب يوم مؤلم
وهو يوم القيامة.
• اً - لا ينتظر الأحزاب إلا مجيء القيامة فجأة، وهم لا يفطنون
بمجيئها، ولا يشعرون بحدوثها. وفائدة قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بعد قوله:
﴿بَغْتَةٌ﴾ بيان أنهم لا يعرفون وجودها بسبب من الأسباب التي يشاهدونها.
(١) القلاص: جمع القُلُص، والقلص جمع قلوص: وهي الناقة الشابة من الإبل.

١٩٢
لالُرُ (٢٥) - الزّخْرُّف: ٤٣ / ٦٧-٧٣
ألوان نعيم المتقين أهل الجنة
يَعِبَادِ لَا خَوْفُ
٦٧
﴿اَلْأَخِلَّاَءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُنَّقِينَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِكَايَتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ
٦٨
عَلَيْكُمُ الْيَّوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُنَ
يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن
أُدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبُرُونَ اللَّ
٦٩
ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍّ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
٧١
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ لَكُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ
كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ
٧٣
القراءات:
(يَعِبَادِ لَا﴾
وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر (ياعباديْ لا).
﴿تَشْتَهِيهِ﴾: قرئ:
١- (تشتهيه) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص.
٢- (تشتهي) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ صفة لـ (عبادي).
﴿وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ حال من واو ﴿اُلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾
﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿تَحْبِرُونَ﴾
﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ مبتدأ وخبر.
٦

١٩٣
الُرُ (٢٥) - الرَّرُّقة: ٤٣ / ٦٧-٧٣
البلاغة:
﴿بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ بعد الكلمة الأخيرة ما يسمى بحذف الإيجاز،
أي أكواب من ذهب، وحذف لدلالة ما قبله عليه.
﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُّ﴾ عام بعد خاص هو قوله:
﴿ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ﴾
المفرادات اللغوية:
﴿ اَلْأَخِلَّءُ﴾ الأحباء في الدنيا، جمع خليل: وهو الصاحب والصديق
﴿يَوْمَيِذِ﴾ يوم القيامة ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ﴾ أي يتعادون يومئذ؛ لأن
مودتهم في الدنيا كانت قائمة على المعصية ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ المتحابين في الله على
طاعته فإنهم أصدقاء؛ لأن الصداقة إذا كانت مبنية على تقوى الله بقيت نافعة
إلى الأبد.
ـَ﴾ هذا ما ينادى به
﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
المتقون المتحابون في الله يومئذ ﴿اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ صفة أو نعت لكلمة ﴿يَعِبَادِ﴾.
﴿بِكَايَتِنَا﴾ القرآن ﴿وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ مخلصين، وهذه العبارة آكد من
سابقتها؛ لأنها عبرت عن الإخلاص ﴿ وَأَزْوَجُكُمْ﴾ نساؤكم أو زوجاتكم
المؤمنات ﴿تُحْبِرُونَ﴾ تسرُون وتكرمون، يقال: حبره الله: سرَّه، والحبور
يدل على ظهور أثر السرور على الوجه نضارة وحسناً.
[بِصِحَافٍ﴾ جمع صحفة: وهي كالقصعة: إناء يوضع فيه الأكل يكفي
خمسة، ﴿وَأَكَوَابٍ﴾ جمع كوب: وهو إناء لا عروة له يشرب منه الشارب
﴿وَفِيهَا﴾ في الجنة ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ تلذذاً ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُّ﴾
بمشاهدته ﴿ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ الخلود ينبئ بمعنى الاستقرار والأمان،
فإن كل نعيم زائل إلا نعيم الجنة ﴿أُوْرِئْتُمُوهَا﴾ شبَّه جزاء العمل بالميراث؛

١٩٤
لُزُ (٢٥) - الرّزُقُّ: ٤٣ / ٦٧-٧٣
لأنه يخلفه ويأتي بعده ﴿مِّنْهَا تَأْكُونَ﴾ تأكلون بعضها لكثرتها ودوام نوعها،
فكل ما يؤكل يخلف بدله.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٧):
﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِذٍ﴾: حكى النقَّاش أن هذه الآية نزلت في أُمَيَّة بن خَلَف
الجُمَحِي وعُقْبة بن أبي مُعَيْط، كانا خليلين؛ وكان عقبة يجالس النبي ◌َّ،
فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي معيط، فقال له أمية: وجهي من وجهك
حرام إن لقيت محمداً، ولم تَتْفُلْ في وجهه، ففعل عقبة ذلك، فنذر النبي وَّ
قتله، فقتله يوم بدر صَبْراً (١) وقُتل أمية في المعركة؛ وفيهم نزلت هذه الآية.
المناسبة:
بعد التهديد بمجيء القيامة بغتة، ذكر الله تعالى عقيبه بعض أحوال
القيامة، ووصف هنا ألوان نعيم أهل الجنة، ثم أتبعه ببيان أوصاف عذاب
أهل النار، فذكر هنا تعادي الأخلاء إلا المتقين، واطمئنان المؤمنين في نعيم
الجنة في سرور دائم وتمتعهم بأصناف الترف جزاء عملهم الصالح في الدنيا.
التفسير والبيان:
﴾ أي الأصدقاء
﴿ اَلْأَخِلَاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
في الدنيا المتحابون فيها يعادي بعضهم بعضاً يوم القيامة إلا المتقين فإن
صداقاتهم تستمر في الآخرة، والمعنى: أن كل صداقة وصحابة لغير الله تنقلب
يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل، فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال
تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعُ فِيهِ
(١) الصبر: نصب الإنسان للقتل.

١٩٥
لِلُحُ (٢٥) - الزّخْرُفِّ: ٤٣ / ٦٧-٧٣
قلے
[البقرة: ٢٥٤/٢] وكما قال
٢٥٤
وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿إِنَّمَا أَتَّخَذْثُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا قَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى
اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥/٢٩].
ثم وصف الله تعالى أنواع نعيم المتقين، فقال:
· أي يقال لهؤلاء
[يَعِبَادِ لَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ إ
المتقين المتحابين في الله: لاتخافوا من العقاب في الآخرة، ولا تحزنوا على ما
فاتكم من نعيم الدنيا، فإن نعيم الآخرة هو الباقي، والدنيا فانية.
روى الحافظ ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله
وَر: ((لو أن رجلين تحابا في الله، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، لجمع الله
تعالى يوم القيامة بينهما، يقول: هذا الذي أحببته فيَّ)).
وبعد أن نفى تعالى عنهم المخاوف والأحزان، خصص ذلك بالمؤمنين
المسلمين بقوله :
أي إن القول المتقدم ليس
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِعَايَتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ
لجميع الناس، بل للمؤمنين بالقرآن، المنقادين لأحكام الله، المخلصين له
العبادة والطاعة، أي آمنت قلوبهم، وانقادت جوارحهم لشرع الله، قال
المعتمر بن سليمان عن أبيه: إذا كان يوم القيامة، فإن الناس حين يبعثون لا
يبقى أحد منهم إلا فزع، فينادي منادٍ: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ
فيرجوها الناس كلهم، فيتبعها: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِكَايَتِنَا
تَحْزَنُونَ (لَا﴾
فييأس الناس منها غير المؤمنين.
(٦٩)
وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ
ثم بشرهم صراحة بالجنة قائلاً:
﴿ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبُرُونَ
V
أي يقال لهم: ادخلوا

١٩٦
الُرُ (٢٥) - الرّحْرُّقُ: ٤٣ / ٦٧-٧٣
الجنة أنتم ونساؤكم المؤمنات تكرمون وتنعمون وتسعدون غاية الإكرام
والسعادة.
وألوان النعيم هي:
﴿ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍّ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ
اُلْأَعْيُبُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾﴾ أي لكم في الجنة أنواع مختلفة من
المطاعم والمشارب، يقدم فيها الطعام والشراب بآنية الذهب، والكوب: كوز
لا عروة له. ولكم فيها من ألوان الأطعمة والأشربة وغيرها من الألبسة
والمسموعات كل ما تطلبه النفوس وتهواه كائناً ما كان، وكل ما يمتع الأعين
من المستلذات والمشاهد والمناظر الخلابة، وأسماها النظر إلى وجه الله الكريم
من غير حصر ولا كيف، وأنتم فيها ماكثون على الدوام، لا تموتون ولا
تخرجون منها، ولا تبغون عنها تحولاً.
وسبب هذا الجزاء عملهم الصالح، فقال تعالى:
أي إن تلك الجنة
﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (
بما فيها من ألوان النعيم صارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث، بسبب
ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة.
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالنّه:
((كل أهل النار يَرَى منزله من الجنة، فيكون له حسرةً، فيقول: لو أن الله
هداني لكنت من المتقين، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقول: وما كنا
لنتهتدي لولا أن هدانا الله، فيكون له شكراً)) ثم قال رسول الله والقر: ((ما من
أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فالكافرُ يرث المؤمنَ منزله من
النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ
الَّتِيّ أُوْرِقْتُمُوهَا بِمَا كُمٌ تَعْمَلُونَ
)) . وبعد ذكر الطعام والشراب ذكر
بعده الفاكهة لإتمام النعمة، فقال تعالى:

١٩٧
الُرُ (٢٥) - الزّخْرُقّ: ٤٣ / ٦٧-٧٣
أي لكم في الجنة غير الطعام
﴿لَكُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُونَ
والشراب فاكهة كثيرة الأنواع والأصناف، تأكلون منها مهما اخترتم وأردتم،
كلما قطفتم ثمرة جددت لكم ثمرة أخرى.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات الأحكام التالية من أحكام يوم القيامة:
اً - الأصحاب والأصدقاء في الدنيا يكونون يوم القيامة أعداء، يعادي
بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً إلا المتقين، فإنهم أصدقاء متحابون في
الدنيا والآخرة.
وهذا دليل على أن الخُلَّة أو الصحبة إذا كانت على المعصية والكفر، صارت
عداوة يوم القيامة، أما الموحدون الذين يخالل بعضهم بعضاً على الإيمان
والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة.
اً - عباد الله المؤمنون المطيعون المتقون آمنون في الآخرة من الخوف،
متخلصون من الحزن، قد أزال الله عنهم الخوف والحزن كما وعدهم،
وأشعرهم بالفرح من نواح أربع هي:
أ - خاطبهم تعالى بنفسه من غير واسطة، بقوله: ﴿يَعِبَادِ﴾
ب - وصفهم تعالى بالعبودية، وهذا تشريف عظيم، كما شرف محمداً وَال
ليلة المعراج، فقال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [الإسراء: ١/١٧].
جـ - أزال عنهم الخوف يوم القيامة بالكلية، وهذا من أعظم النعم.
د - نفى عنهم الحزن عما فاتهم من نعيم الدنيا الماضية(١)
(١) تفسير الرازي: ٢٢٥/٢٧.
٠

١٩٨
لالزُعُ (٢٥) - الزّزُّفِّ: ٤٣ / ٦٧ -٧٣
◌َّ - يكرم الله المؤمنين إكراماً على سبيل المبالغة، فيدخلهم الجنة هم
وأزواجهم المؤمنات المسلمات في الدنيا، بعد أن أمَّنهم من الخوف والحزن.
وهذا يعني أن حسابهم يمر على أسهل الوجوه وأحسنها.
٤ - تُقَدَّم الأطعمة والأشربة لأهل الجنة فيها بآنية الذهب. أما في الدنيا
فيحرم استعمال أواني الذهب والفضة، جاء في الصحيحين عن حُذيفة أنه سمع
رسول الله وَ لل يقول: ((لا تلبسوا الحرير ولا الدِّيباح، ولا تشربوا في آنية
الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في
الآخرة)) .
وروى الأئمة من حديث أم سَلَمة عن النبي ◌َّ قال: ((الذي يشرب في آنية
الذهب والفضة، إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم)) وهذان الحديثان يقتضيان
التحريم، بلا خلاف في ذلك.
والنهي عن الأكل والشرب يدل على تحريم الاستعمال والانتفاع بمختلف
الأوجه، لأنه نوع من المتاع، فلم يجز، ومن استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب
بحرمانه.
أما الإناء المضبب بالذهب أو الفضة أو المشتمل على حلقة منهما، كالمرآة
ذات الحلقة الفضية، فلا يُشرب فيه، ولا ينظر في المرآة.
وإذا لم يجز استعمال الإناء لم يجز اقتناؤه؛ لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز
اقتناؤه كالصنم والطنبور(١)
ه - في الجنة كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وأهلها باقون دائمون
فيها، روى الترمذي عن سليمان بن بُرَيدة عن أبيه: ((أن رجلاً سأل النبي
(١) الطنبور: من آلات الطرب، ذو عنق طويل، وستة أوتار من نحاس.

١٩٩
الُعُ (٢٥) - الرِّزُقُّ: ٤٣ / ٧٤ -٨٠
وَّ، فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من خيل؟ قال: إن الله أدخلك الجنة،
فلا تشاء أن تُحمل على فرس من ياقوته حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت.
وسأله رجل، فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من إبل؟ قال: إنْ يُدخلك الله
الجنة، يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولَذَت عينك)) .
٩ - إن الظفر بنعيم الجنة يكون بسبب العمل الصالح في الدنيا.
لاً - في الجنة ألوان كثيرة من الفواكه المختلفة والثمار الطيبة كلها، رطبها
ويابسها، سوى الطعام والشراب، يأكل أهلها منها، دون انقطاع ولا فناء،
وهذا تعويض لمن حرم منها في الدنيا، وتكميل للرغبة، وتقوية لدواعي العمل
المؤدي إليها.
عذاب أهل النار وأسبابه
لَا يُفَتَُّ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
VE
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ
وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ قَالَ
٧٦
وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ
٧٥
إِنَّكُمْ مَكِنُونَ ﴿ لَقَدْ حِتْنَكُمُ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ ﴿١٨) أَمْ أَبَهُوَاْ
أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
(٤٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمَّ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ
يَكْتُبُونَ
القراءات:
چنتكم﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيناكم).
﴿يُحْسَبُونَ﴾: قرئ:
١- (يَحْسَبُون) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة.

٢٠٠
الُرُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ /٧٤ -٨٠
٢- (يَحْسِبُون) وهي قراءة الباقين.
{ وَرُسُلُنَا﴾ :
وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا).
وقرأ حمزة (لديهُم).
الإعراب:
﴿عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ﴾ خبران لـ ﴿إِنَّ﴾ أو ﴿خَلِدُونَ﴾ خبر، والظرف
متعلق به.
البلاغة:
﴿أَمْ أَبَمُوْ أَمْرًا فَإِنَا مُبْرِمُونَ
جِئْنَكُمْ﴾ إلى الغيبة للإشعار بأن الإبرام أسوأ من كراهتهم للحق.
التفات من الخطاب في قوله: ﴿لَقَدْ
٧٩
﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمَّ﴾ بين السر والنجوى طباق، أي
الخفاء والعلانية.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ ذوي الجريمة الكبرى وهم الكفار الذين هم جعلوا في
مقابل المؤمنين بالآيات ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ لا يخفف عنهم، بجعل العذاب
متقطعاً على فترات ﴿مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من النجاة، حزينون من شدة اليأس، من
الإبلاس وهو الحزن الناشئ من شدة اليأس، ويصاحبه عادة سكوت.
{يَمَلِكُ﴾ خازن النار ﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌُّ﴾ ليمتنا، أي سل ربك أن يقضي
علينا، من قضى عليه إذا أماته ﴿مَكِّتُونَ﴾ مقيمون في العذاب دائماً، لا