Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الزُءُ (٢٥) - الرَّزُقُ: ٤٣ / ٣٦-٤٥
وَله: ((الدنيا سجن المؤمن، وجنّة الكافر)). وقد تقدّم حديث الترمذي عن
سهل بن سعد: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً
منها شربة ماء)) .
حال المعرض عن ذكر الله،
صَلَ الله
وتثبيت النبي
وَسَلم
: على دعوته
﴿ وَإِنَّهُمْ
﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُمْ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ فَرِينٌ
حَتَّى إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَلَيَّتَ
لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ
ـ) وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ
بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اٌلْفَرِيْنُ
﴿ أَفَانْتَ تُشْمِعُ الصَُّّ أَوْ تَهْدِى أَلْعُمْىَ وَمَنْ كَانَ
أَنَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُنَ
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَا مِنْهُم ◌ُنْنَقِمُونَ ﴿﴿ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى
فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ
وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ﴿ فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن
٤٤
تُسْتَقِيمٍ ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُشَْلُونَ
قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ
٤٥
القراءات:
﴿ وَيَحْسَبُونَ﴾ : قرئ:
١- (ويحسَبون) وهي قراءة: ابن عامر، وعاصم، وحمزة.
٢- (ويحسِبون) وهي قراءة الباقين.
﴿جَاءَنَا﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (جاءانا).
﴿فَبِئْسَ﴾ :

١٦٢
الزُ (٢٥) - الزّخْرُّقُّ: ٤٣ / ٣٦-٤٥
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (فبيس).
(صِرَطٍ﴾:
وقرأ قنبل (سراط).
﴿ وَسْئَلْ﴾:
وقرأ ابن كثير، والكسائي (وسل).
﴿ُّسُلِنَآَ﴾:
وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا).
الإعراب:
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ﴾ ﴿وَمَن﴾: شرطية، وما بعدها فعل
الشرط وجوابه.
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ جمع الضميرين مراعاة لمعنى (مَن) إذ المراد
جنس العاشي والشيطان المقيض له. وأما ضمير ﴿لَهُ﴾ فروعي فيه لفظ
﴿وَمَن﴾ وهكذا أعاد الضمير أولاً على اللفظ، ثم على المعنى. وضمير
{لَصُدُونَهُمْ﴾ عائد على جنس الشيطان وبما أن لكل عاشٍ شيطاناً قريناً،
فجاز أن يعود الضمير مجموعاً. وقال ابن عطيه: ضمير ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ عائد على
الشيطان، وضمير ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ عائد على الكفار، قال أبو حيان: والأولى ما
ذكر أولاً لتناسق الضمائر في ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وفي ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ وفي ﴿ وَيَحْسَبُونَ﴾
لمدلول واحد كأن الكلام: وإن العشاة ليصدونهم الشياطين عن سبيل الهدى
والفوز. ﴿ وَيَحْسَبُونَ﴾ أي الكفار.
﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ إِذ﴾ ﴿إِذ﴾ بدل من اليوم.

١٦٣
الزُعُ (٢٥) - الزّخْزُقُ: ٤٣ / ٣٦-٤٥
﴿فَإِمَّا﴾ فيه إدغام نون ((إن)) الشرطية في ((ما)) الزائدة المؤكدة بمنزلة لام
القسم في طلب النون المؤكدة.
البلاغة:
﴿ أَفَأَنْتَ تُتْمِعُ الصَُّّ أَوْ تَهْدِى اُلْعُمْىَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه الكفار بالصم
والعمي. والهمزة: إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم بعد
استغراقهم في الضلال.
﴿أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآَ﴾ جناس الاشتقاق، لتغير الشكل وبعض
الحروف بينهما.
المفردات اللغوية:
﴿ يَعْشُ﴾ يتغافل ويتعام ويعرض، لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في
الشهوات، وقرئ (يعشَ)) بالفتح، وقرئ ((يعشو)) على أن ﴿وَمَن﴾ موصولة
يقال: عَشي يعشى كرضي يرضى وعرج يعرج: إذا كان في بصره آفة ﴿ذِكْرِ
اَلَّحْمَنِ﴾ القرآن. ﴿نُقَيِّضْ﴾ نهيئ ونسبب ونضم إليه شيطاناً. ﴿فَرِينٌ﴾ رفيق
ملازم لا يفارقه، یوسوسه ویغویه دائماً.
﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين. ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي العاشين. ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ طريق
الهدى. ﴿ وَيَحْسَبُونَ﴾ أي الكفار. ﴿جَنَا﴾ العاشي، بقرينه يوم القيامة.
﴿يَلَيَّتَ﴾ (يا) للتنبيه ﴿بُعْدَ اُلْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي بعد ما بين المشرق والمغرب،
مغلِّباً المشرق على المغرب. ﴿فَبِتَّسَ اُلْقَرِيْنُ﴾ أنت، و﴿اُلْقَرِيْنُ﴾ الصاحب
والصديق.
﴿ وَلَنِ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي العاشين تمنيكم وندمكم في القيامة. ﴿إِذ
ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ﴾ أي تبين لكم ظلمكم بالإشراك. ﴿أَنَّكُمْ﴾ أي لأنكم مع
قرنائكم، بتقدير لام العلة، وقرئ ((إنكم)) بالكسر ﴿فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾
تشتركون مع شياطينكم في العذاب، كما كنتم مشتركين في سببه.

١٦٤
الجُرُ (٢٥) - الزَّخْزُقُ: ٤٣ / ٣٦-٤٥
﴿ الضُّوَ﴾ جمع أصم وهو الذي في أذنه صمم. ﴿فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ في خطأ
بيِّن، فهم لا يؤمنون، وقوله: ﴿وَمَن كَانَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ عطف على
العمي، وفيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى.
﴿نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أي فإن قبضناك وأمتناك قبل تعذيبهم. ﴿ مُتَقِمُونَ﴾ بعدك
في الدنيا أو الآخرة . ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَهُمْ﴾ أي نبصرنك ما وعدناهم به
من العذاب .﴿﴿فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ﴾ قادرون على عذابهم.
﴿فَأَسْتَمْسِكْ بِلَّذِىّ أُوحِىَ إِلَيْكَ﴾ أي تمسك بالقرآن وقرئ ((أوحى)) أي الله
تعالى ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾ طريق. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ لاعوج له. ﴿لَذِكْرٌ﴾ لشرف عظيم به
تذكر ﴿لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ لنزوله بلغتهم. ﴿ وَسَوْفَ تُشْئَلُونَ﴾ عنه يوم القيامة عن
القيام بحقه، بأداء التكاليف فيه من أمر ونهي . ﴿وَسَثَلَّ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رُسُلِنَآَ﴾ أي واسأل سلالتهم وعلماء دينهم. ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ غيره.
﴿ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ هل حكمنا بعبادة الأوثان، وهل جاءت ملة من الملل به؟
والمراد الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد، والدلالة على أن الأمر به قديم
غیر جدید.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٦):
﴿ وَمَنْ يَعْشُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي: أن
قريشاً قالت: قيِّضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلاً يأخذه، فقيَّضُوا لأبي
بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه، وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلام تدعوني؟
قال: أدعوك إلى عبادة الَّلات والعُزَّى، قال أبو بكر: وما اللَّت؟ قال:
ربنا، قال: وما العُزَّى؟ قال: بنات الله، قال أبو بكر: فمن أمهم؟ فسكت
طلحة فلم يجبه، فقال طلحة لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال

١٦٥
الزُ (٢٥) - الزّخْزُقُّ: ٤٣ / ٣٦-٤٥
طلحة: قم يا أبا بكر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله،
فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ الآية.
سبب نزول الآية (٤١):
﴿ أَفَأَنْتَ تُتْمِعُ الصَُّ﴾: كان رسول الله وَّه يتعب نفسه في دعاء قومه،
وهم لا يزيدون إلا غياً، فنزلت الآية: ﴿أَفَنْتَ تُتْمِعُ الصُّمَ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أن المال متاع الدنيا، وهو زائل، نبَّه إلى آفات المال؛
لأن من فاز بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر الله، وصار من جلساء
الشياطين الضالين المضلين الذين يصدون الناس عن طريق الهداية في الدنيا،
أما في الآخرة فيتبرأ الكافر من قرينه الشيطان. وهما في العذاب مشتركان،
والاشتراك في العذاب لا يفيد التخفيف كما كان يفيده في الدنيا.
وبعد أن وصف الله تعالى المعرضين عن ذكره بالعشا، وصفهم أيضاً
بالصمم والعمى، بسبب كونهم في ضلال مبين، ولما بيَّن تعالى أن دعوة
الرسول و لو لا تؤثر في قلوب هؤلاء، تسلية للرسول وَ ل، بيَّن أنه لا بد وأن
ينتقم لأجله منهم، إما حال حياته أو بعد وفاته، ثم أمره ربه أن يتمسك بما
أمره به، فإنه على صراط مستقيم نافع، هو منهج القرآن الذي فيه شرف عظيم
له ولقومه، وسوف يسألون عن القيام بحقه.
ثم أبان تعالى أن إنكار عبادة الأصنام في رسالة محمد وآل﴾ ليس خاصاً به،
بل كل الأنبياء والرسل كانوا مجمعين على إنكاره.
التفسير والبيان:
﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَمُ فَرِينٌ
(٤) أي ومن

١٦٦
الجزءُ (٢٥) - الزِّرُّونَ: ٤٣ / ٣٦-٤٥
يتعامَ ويتغافل ويعرض عن النظر في القرآن والعمل به، نهيئ له شيطاناً
يوسوس له ويغويه، فهو له ملازم لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره، ويطيعه
في كل ما يزين له به. والعشا في العين: ضعف البصر، والمراد هنا عشا
البصيرة.
والمراد بالآية: إن من يعرف كون القرآن حقاً ولكنه يتجاهل ذلك فهو في
ضلال، ومادة كل آفة وبلية الركون إلى الدنيا وأهلها، فإن ذلك بمنزلة الرمد
للبصر، ثم يصير بالتدريج كالعشا، ثم كالعمى.
والآية مثل قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرْنَاءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥/٤١]. وجاء في صحيح مسلم وغيره أن مع كل مسلم
قريناً من الجن، وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
أى وإن
﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهُنَدُونَ
الشياطين الذين يقيِّضهم الله لكل من يعشو عن ذكر الرحمن، ليمنعونهم
بالوسواس عن سبيل الحق والرشاد، ويحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة
أنهم مهتدون إلى الحق والصواب.
ثم يتبرأ الكافر في الآخرة من قرينه الشيطان، فقال تعالى:
٣٨
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اُلْفَرِيْنُ
أي حتى إذا وافانا الكافر يوم القيامة، يتبرم بالشيطان الذي وكل به، ويتبرأ
منه، ويتمنى الكافر أن بينه وبين الشيطان المقارن له من البعد ما بين المشرق
والمغرب، فبئس الصاحب الملازم للإنسان شيطانه.
وقرأ بعضهم: ((حتى إذا جاآنا)) أي القرين والمقارَن.
ويقال لهم يوم القيامة توبيخاً كما حكى تعالى:

١٦٧
الُعُ (٢٥) - الزخرف : ٤٣ / ٣٦-٤٥
أي
﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَّوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِىِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
ويقال لهم في الآخرة توبيخاً وتأنيباً وتيئيساً: لن ينفعكم في هذا إذ تبين أنكم
ظلمتم أنفسكم في الدنيا اشتراككم في العذاب، فلا يخفف عن كل منكما شيء
منه، بخلاف حال الدنيا، فإن المصيبة فيها إذا عمت هانت. وهذا يدل على أن
حصول الشركة في العذاب لا يفيد التخفيف، كما كان يفيده في الدنيا؛ لأن
اشتغال كل واحد بنفسه في شدة العذاب، يذهله عن حال الآخر، فلا تفيد
الشركة الخفة، ولا يتمكن كل واحد من مواساة الآخر في كربه وحزنه وألمه،
فلكل قدر مشترك من العذاب.
ثم بَيَّن الله تعالى لرسوله أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم تسلية له، فقال:
﴿أَفَنْتَ تُشْمِعُ الْضُّوَ أَوْ تَهْدِى أَلْهُمْىَ وَمَنْ كَانَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ
أي أتستطيع يا محمد إسماع أهل الصم أو هداية أهل العمى أو إرشاد من كان
· مستغرقاً في ضلال واضح بيِّن. وهذا بعد أن وصفهم تعالى بالعشا، وصفهم
بأوصاف ثلاثة هي: الصمم والعمى والضلال البيِّن، فهؤلاء الكفار ضعاف
البصيرة، بمنزلة الصم الذين لا يسمعون ما جئت به أيها الرسول، وبمنزلة
العمي الذين لا يبصرونه، وهم مفرطون في الضلالة والكفر والجهالة.
وكان التناسب بينهم وبين الرسول ول﴿ عكسياً، فهو قليل يبالغ في دعوتهم
إلى الإيمان الحق، وهم لا يزدادون إلا غياً وتعامياً عن بيِّنات القرآن ودلائل
النبوة، إمعاناً في الكفر، وعناداً في الباطل.
ثم أعلم الله رسوله بانتقامه منهم، فقال:
﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم ◌ُنْتَقِمُونَ ﴿﴿ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْتَهُمْ فَإِنَّا
عَلَيْهِم ◌ُقْتَدِرُونَ ﴾﴾ أي إنهم لا يفلتون من العقاب في العاجل أو الآجل،
فإن قبضنا روحك وأمتناك أيها الرسول قبل نزول العذاب بهم، فنحن
منتقمون منهم إما في الدنيا أو في الآخرة، وإن أبصرناك الذي وعدناهم به من

١٦٨
الزُعُ (٢٥) - الرِّزْقِ: ٤٣ / ٣٦-٤٥
العذاب قبل موتك، فنحن قادرون أيضاً عليه، ومتى شئنا عذبناهم. وقد أقر
الله عينه في حال حياته، فقهرهم يوم بدر، وأصبح المتحكم فيهم، المالك
لحصونهم وقلاعهم.
والتعبير بالوعد دليل على وقوعه حتماً؛ لأن الله لا يخلف الميعاد.
وبعد هذا الوعد بالنصر، أمره الله بشدة التمسك بالقرآن وهديه، فقال:
﴿فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ أي تمسَّك أيها
الرسول بالقرآن الموحى به إليك من ربك، فإنك على طريق قويم ومنهج سليم،
مؤد إلى السعادة في الدنيا، والنجاة في الآخرة، وإن كذَّب به من كَذَّب، فذاك
لا يضيرك.
ثم أبان تعالى منزلة القرآن، فقال:
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ﴾﴾ أي وإن القرآن لشرف عظيم
لك ولقريش والعرب عامة، إذ نزل بلغتهم، وسوف تسألون عن هذا القرآن
وكيف عملتم به واستجبتم له وما يلزمهم من القيام بحقه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء:
صِف
٢١/ ١٠] أي شرفكم، أخرج البخاري والترمذي عن معاوية رضي الله عنه
قال: سمعت النبي وَلّ يقول: ((إن هذا الأمر في قريش، لا ينازعهم فيه أحد
إلا أكبَّه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين )) يعني الخلافة فإنها في قريش لا
تكون في غيرهم؛ قال النبي وَ لّ فيما رواه أحمد ومسلم عن جابر: ((الناس تَبَع
لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم)).
وهذا التنويه بمنزلة العرب يجعلهم أولى الناس باتباع القرآن والعمل
بأحكامه وشرائعه، وإن كانت الرسالة الإسلامية عامة للناس قاطبة.

١٦٩
الُ (٢٥) - الرَّحْقِّ: ٤٣ / ٣٦-٤٥
ثم نبّه الله تعالى إلى أن الدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك قديمة، فقال:
﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ
٤٥
﴾ أي واسأل سلالات الأمم التي أرسلنا فيها الأنبياء وعلماءهم: هل
أذن الله بعبادة الأوثان في ملة من الملل؟ والمعنى: جميع الرسل دعوا إلى عبادة
الله وحده لاشريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كما قال جل
جلاله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ
اُلْطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ١٦/.
والمراد بهذا التنبيه على إجماع المرسلين على التوحيد، وعلى أن محمداً وَله
ليس ببدع من بين الرسل في الأمر به، وهذا يدل على وحدة الدين الحق في
أصوله، ووحدة مهمة الأنبياء عليهم السلام.
وسبب هذا الأمر أن اليهود والمشركين قالوا للنبي وَله: إن ما جئت به
مخالف لمن كان قبلك؛ فأمره الله بسؤاله الأنبياء على جهة التوقيف والتقرير
والتأكيد، لا لأنه كان في شك منه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات ما يلي:
اً - إن الإضلال من الله تعالى لا يكون إلا بعد إعراض الناس عن أوامر
الله، فمن يتعامَ ويتغافل عن آيات القرآن وشرائعة وأحكامه، ويعرض عنها
إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم، نهيئ له شيطاناً يغويه، جزاء على كفره، فهو له
قرين وصاحب ملازم في الدنيا، يمنعه من الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه
عن الطاعة، ويأمره بالمعصية، وقرين له في الآخرة في العذاب المشترك بينهما.
قال أبو سعيد الخدري: ((إذا بُعث الكافر زوِّج بقرينه من الشياطين، فلا
يفارقه حتى يصير به إلى النار)) .
٦

١٧٠
لُزُرُ (٢٥) - الزّخْرُّقة: ٤٣ / ٣٦-٤٥
اً - إن مهمة الشياطين خطيرة تستوجب الحذر من وساوسهم وإغواءاتهم،
فهم يصدون الناس عن سبيل الهدى، حتى يخيل للكفار ويجعلهم يظنون أنهم
مهتدون. وقيل: ويحسب الكفار أن الشياطين مهتدون، فيطيعونهم.
◌َّ - تتجلى الحقيقة المُرَّة في الآخرة، حين يتبرأ الكافر من الشيطان، ويتمنى
البعد عنه كالبعد بين المشرق والمغرب، ويقول له: فبئس القرين أنت؛ لأنه
يورده النار. قال الفراء: أراد المشرق والمغرب، فغَلَّب اسم أحدهما، كما
يقال: القمران للشمس والقمر، والعُمَران لأبي بكر وعمر، والبصرتان
للكوفة والبصرة، والعصران للغداة (الظهر) والعصر.
٤ - يقول الله للكافر يوم القيامة توبيخاً: لن ينفعكم اليوم إذا أشركتم في
الدنيا هذا الكلام؛ وهو قول الكافر: ﴿يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشِّرِقَيْنِ﴾
أي لا تنفع الندامة، فإنكم في العذاب مشتركون. أو لن ينفعكم اليوم
اشتراككم في العذاب؛ لأن لكل واحد نصيبه الأوفر منه، ولا ينفع أهل النار
التأسي كما يتأسّى أهل المصائب في الدنيا، فيقول أحدهم: لي في البلاء
والمصيبة أسوة؛ فيسكّن ذلك من حزنه، فإذا كان في الآخرة لم ينفعهم التأسي
شيئاً لشغلهم بالعذاب.
٥ - سلّ الله نبيه عن حزنه وأسفه الإعراض قومه عن قبول رسالته، وقال
له: ليس لك من الأمر شيء، فلا تستطيع هداية العُشي الصمّ العُمْي
الضالين، فلا يضِق صدرك إن كفروا.
قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُتْمِعُ الصُّمَّ﴾: فيه رد على القدرية
وغيرهم، وأن الهدى والرشد والخذلان في القلب خَلْق الله تعالى، يضلّ من
يشاء، ويهدي من يشاء.
أَ - إن تعذيب المشركين آتٍ عاجلاً أم آجلاً، سواء في حال حياة النبي وَل
أو بعد وفاته، فالله قادر على كل شيء.

١٧١
الزُُّ (٢٥) - الرَّرُقُ: ٤٣ / ٣٦-٤٥
لاً - رفع الله تعالى من معنويات نبيه إلى القمّة بأمرين:
الأول - إعلامه بأنه على صراط مستقيم يوصله إلى الله ورضاه وثوابه.
الثاني - إعلاء مجده وشرفه بالقرآن الذي هو شرف له ولقومه من قريش
والعرب قاطبة؛ إذ نزل بلغتهم وعلى رجل منهم، وسوف تسألون عن
الشكر عليه، وعن العمل بتكاليفه. قال المحققون: في الآية دلالة على
أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل
زمان.
وقال القرطبي: والصحيح أنه شرف لمن عَمِل به، كان من قريش أو من
غيرهم.
أخرج الطبري عن ابن عباس قال: أقبل نبي الله وَّه من سَرِيّة أو غَزَاة،
فدعا فاطمة، فقال: ((يا فاطمة اشتري نفسك من الله، فإني لا أُغني عنك من
الله شيئاً)) وقال مثل ذلك لنِسْوته، ولِعِثْرته، ثم قال وَلّ: ((ما بنو هاشم بأولى
الناس بأمتي، إن أولى الناس بأمتي المتقون، ولا قريش بأولى الناس بأمتي، إن
أولى الناس بأمتي المتقون، ولا الأنصار بأولى الناس بأمتي، إن أولى الناس
بأمتي المتقون، ولا الموالي بأولى الناس بأمتي، إن أولى الناس بأمتي المتقون. إنما
أنتم من رجل وامرأة كجِمَام(١) الصاع، ليس لأحد على أحد فضل إلا
بالتقوى)) .
وأخرج الطبري أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لينتهين
أقوام يفتخرون بفحم من فحم جهنم، أو يكونون شَرّاً عند الله من الجِعْلان
التي تدفع النَّثْن بأنفها، كلكم بنو آدم، وآدم من تراب، إن الله أذهب عنكم
عَيْبة الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس مؤمن تقي وفاجر شقي))(٢)
(١) الجمام: ما علا رأس المكيال من الطفاف.
(٢) تفسير القرطبي: ٦٤/١٦

١٧٢
الُعُ (٢٥) - الرّحْرُقَ: ٤٣ / ٤٦-٥٦
٨ - إن دين التوحيد قديم، ونبذ الشرك قديم، فإذا سئلت أمم الرسل
عليهم السلام قبل الرسول وَله: هل أذن الله بعباده الأوثان، وهل أمر بعيادة
غير الله؟ أجابوا عن السؤالين بالنفي. والسبب الأقوى في بغض الكفار
وعداوتهم للنبي وَيليه إنكاره لأصنامهم، فبين تعالى أنه غير مخصوص بهذا
الإنكار، ولكنه دين كل الأنبياء ودعوتهم.
العبرة من قصة موسى عليه السلام وفرعون
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِنْهِ، فَقَالَ إِنِِّ رَسُولُ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ ﴿ فَمَّا جَآءَهُم بِتَابَئِنَآ إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا
وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَ
٤٨
هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴿ فَمَّا كَتَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ
وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ
٥٠
إِذَا هُمْ يَنَكُونَ (
وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْنِّىّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴿٨َ أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا أَلَّذِى هُوَ
فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَّةَ مَعَهُ
٥٢
مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ
٥٤
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ
الْمَلَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا
٥٦
لِلْآَخِرِينَ
القراءات:
﴿تَحْنِّ أَفَلَا﴾
وقرأ نافع، والبزي، وأبو عمرو (تَحتَيَ أفلا).
( أَسْوِرةٌ ﴾:
١- قرأ حفص (أَسْوِرَة).

١٧٣
لُعُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ٤٦-٥٦
٢- وقرأ الباقون (أساورة).
﴿سَلَفًا﴾:
وقرأ حمزة والكسائي (سُلُفاً).
الإعراب:
﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ﴾ الواو: إما عاطفة على ﴿مُلْكُ مِصْرَ﴾ و﴿َجْرِى﴾ حال
منها، أو واو الحال، و﴿وَهَذِهِ﴾ مبتدأ و﴿اٌلْأَنْهَرُ﴾ صفتها، و﴿تَجْرِى﴾
خبرها.
﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا: منقطعة؛ لأنه لو أراد أم المعادلة لقال:
أم تبصرون، لكنه أضرب عن الأول بقوله: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ﴾ وكأنه قال: أنا
خيرمنه، فلما كان فيه هذا المعنى، لم تكن ﴿أَمْ﴾ للمعادلة للهمزة.
البلاغة:
﴿أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ﴾ الاستفهام للتقرير، لا للإنكار، أي أقروا بما
تعلمون من أني ملك مصر.
المفردات اللغوية:
(بِشَايَِنَا﴾ الآيات هي المعجزات. ﴿ وَمَلَإِيْهِ،﴾ أشراف قومه ورعاياهم
القبط، والمراد بإيراد القصة هنا الاستشهاد بدعوة موسى عليه السلام إلى
التوحيد، وتسلية الرسول ومناقضة قول قريش: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى
رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾
· حين جاءهم بآياتنا الدالة على
٤٧
﴿فَمَّا جَآءَهُمْ بِشَيْنَآَ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ
رسالته، فاجؤوه بضحكهم منها واستهزؤوا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها.

١٧٤
الجزءُ (٢٥) - الرّحْرُّف: ٤٣ / ٤٦-٥٦
﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ﴾ من آيات العذاب كالطوفان والجراد. ﴿إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ
مِنْ أُخْتِهَا﴾ إلا وهي أعظم في الإعجاز بحيث يظن أنها أكبر من الآيات
الأخرى، و﴿أَخْتِهَا﴾ قرينتها التي قبلها، والمراد وصف الكل بالكبر،
كقولك: رأيت رجالاً بعضهم أفضل من بعضٍ، أو إلا وهي مختصة بنوع من
الإعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار . ﴿ وَأَخَذْتَهُم بِالْعَذَابِ﴾ أي أخذ قهر
بعذاب كالسنين (الجدب) والطوفان والجراد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ليرجعوا عن
الكفر أو على نحو يرجى رجوعهم.
﴿وَقَالُواْ﴾ لموسى لما رأوا العذاب. ﴿السَّاحِرُ﴾ العالم الماهر؛ لأن السحر
عندهم علم عظيم. ﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ بعهده إليك أنا إن آمنا كشف العذاب
عنا، أو بعهده عندك من النبوة. ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ مؤمنون بشرط أن تدعو لنا،
فيكشف عنا العذاب. ﴿يَنكَثُونَ﴾ ينقضون العهد الذي عاهدوا به موسى،
ويصرون على الكفر.
﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ،﴾ افتخاراً، إما بنفسه أو بواسطة مناديه، في
مجمعهم أو فيما بينهم بعد كشف العذاب عنهم، مخافة أن يؤمن بعضهم.
﴿وَهَذِهِ اٌلْأَذْهَرُ﴾ فروع النيل، وأهمها أربعة: نهر الملِك، ونهر طُولون،
ونهر دمياط، ونهر تِنيس، والمشهور الآن فرع دمياط وفرع الرشيد المكونان
الدلتا النيل فيما بينهما. ﴿مِن تَحِىّ﴾ تحت قصري وفي جناتي. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
عظمتي.
﴿ أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة أي بل أنا مع هذا الملك والسعة
أفضل من موسى، أو متصلة بمعنى: أم تبصرون فتعلمون أني خير منه .﴿الَّذِى
هُوَ مَهِينٌ﴾ ضعيف حقير ليس أهلاً للرياسة، مأخوذ من المهانة: وهي القلة.
﴿ يُبِينٌ﴾ يفصح عن مراده بكلامه، بسبب لُثْغته في لسانه بالجمرة التي تناولها في
صغره.

١٧٥
لُ (٢٥) - الزّخْزُقُّ: ٤٣ / ٤٦-٥٦
﴿فَلَوْلَا﴾ هلا. ﴿أُلِّقِىَ عَلَيْهِ﴾ إن كان صادقاً. ﴿أَسْوِرَةٌ مِّنْ ذَهَبٍ﴾ جمع
سوار كأخمرة وخمار، وقرئ ((أساورة)) جمع الجمع، أي جمع أسورة، وهذا تأثر
منه بعادة الملوك، فإنهم كانوا إذا سوَّدوه وتوَّجوه ألبسوه أسورة ذهب وطوق
ذهب . ﴿مُقْتَرِنِنَ﴾ مقرونين به يعينونه على مخالفه، أو متتابعين يشهدون
بصدقه.
﴿ فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ استخف واستصغر عقولهم، فدعاهم إلى الضلال،
فأجابوه . ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ فيما يريد من تكذيب موسى. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا
فَسِقِينَ﴾ هذا تعليل للطاعة. ﴿ءَاسَفُونَا﴾ أغضبونا بالإفراط في العصيان
والعناد، والأسف: الحزن والغضب معاً، وقد يطلق على أحدهما.
﴿فَأَغْرَقْتَهُمْ﴾ في اليم . ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا﴾ قدوة لمن بعدهم من الكفار، جمع
سالف، كخدم وخادم، وقرئ ((سُلُفاً)) جمع سليف كرغف . ﴿وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ﴾
عظة وعبرة لمن يأتي بعدهم.
المناسبة:
بعد بيان طعن قريش بنبوة محمد الهو لكونه فقيراً عديم المال والجاه، ذكر الله
تعالى شبيهاً لذلك في قصة فرعون حيث قال: إني غني كثير المال والجاه. ولما
أمر الله نبيه بسؤال أمم المرسلين، ذكر هنا قصة موسى، وبعده عيسى عليهما
السلام، للاستدال بما جاء به من التوحيد، وإبطال عبادة الأصنام. ثم ذكر
شبهة لفرعون وهي أن الملك يلازم النبوة، فطلب من موسى بما جرت العادة
لديهم أنهم إذا جعلوا منهم رئيساً لهم سوَّروه بسوار من ذهب، وطوَّقوه بطوق
من ذهب، أو طلب أن تصاحبه الملائكة لدعم موقفه أمام المخالفين.
وأعقب هذا توضيحاً لأثر السلطة والحكم، فإن فرعون استخف عقول
قومه، حينما دعاهم إلى تكذيب موسى، فأطاعوه لضلالهم، فانتقم الله منهم
أشد الانتقام.

١٧٦
الزرعُ (٢٥) - الرَّحْرُق: ٤٣ / ٤٦-٥٦
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِعَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلِيْهِ، فَقَالَ إِنِ رَسُولُ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ (@) أي لقد بعثنا موسى مؤيداً بالمعجزات الدالة على صدقه وهي
الآيات التسع المذكورة في سورة الإسراء [الآية ١٠١] إلى فرعون وأشراف
قومه وأتباعهم من القبط وبني إسرائيل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك
له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وقال لهم: إني مرسل إليكم من الله رب
العالمين: الإنس والجن. ومعجزاته: الطوفان، والجراد، والقمَّل،
والضفادع، والدم، والسنين: أي نقص الزروع والأنفس والثمرات،
واليد، والعصا، فاستكبروا عن الإيمان بها وكذبوها وسخروا منها، كما قال
تعالی:
﴿ فَلَمَا جَآءَهُمْ بِثَّايَئِنَآ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (®﴾ أي فلما أتاهم بتلك الآيات
والأدلة على صدقه، إذا فرعون وقومه یضحكون ويسخرون ممن جاءهم بها.
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ﴾ معناه أنهم فاجؤوا المجيء بها بالضحك عليها والسخرية
منها.
وهذا تسلية لرسول الله ◌َفي عما يلقاه من صدود قومه عن دعوته.
﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَأَ وَأَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ (®﴾ أي وما نري فرعون وملأه من كل حجة دالة على صدق موسى
في دعواه الرسالة إلا كانت أعظم من سابقتها في الحجية عليهم، والدلالة على
صحة دعوته إلى التوحيد، مع كون التي قبلها عظيمة في نفسها، لقوله:
﴿أُخْتِهَا﴾ أي مثيلتها وقرينتها في الدلالة على صدق نبوة موسى.
ومع هذا ما رجعوا عن غيهم وضلالهم، فأخذناهم أخذ قهر بإنزال
العذاب عليهم بسبب تكذيبهم بتلك الآيات، لكي يرجعوا عن كفرهم،
ويؤمنوا بالله وحده لا شريك له، ويطيعوه فيما أمر ونهى.

١٧٧
الُزُرُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ٤٦-٥٦
وكانوا كلما جاءتهم آية يصفونها بالسحر وبأن موسى ساحر، كما قال
تعالی:
٤٩
﴿وَقَالُواْ يَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ
أي وقالوا يا أيها الساحر العالم - وكانوا يسمون العلماء سحرة تعظيماً لهم-
ادع لنا ربك لكشف العذاب عنا بما أخبرتنا به من عهده إليك أنا إذا آمنا
كشف عنا العذاب، فإننا بعدئذ لمؤمنون بما جئت به.
أي فدعا موسى ربه،
﴿فَمَّا كَفْنَا عَنَهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُتُونَ
فكشف عنهم العذاب، فلما كشف عنهم العذاب، نقضوا عهدهم، وعادوا
إلى كفرهم، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْطُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ
وَلَمَّا وَقَعَ
وَالضَّفَارِعَ وَاَلَّمَ ءَايَتٍ تُفَضَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ
عَلَيْهِمُ الْرّجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَّ لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا
فَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ
اُلِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ
[الأعراف: ١٣٣/٧ - ١٣٥].
(١٢٥)
الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنَكُونَ (
ثم أخبر الله تعالى عن تمرد فرعون وعُتوّه وكفره وعناده، فقال:
﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَقَوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ
تَجْرِى مِن تَحْتِىّ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (®َ﴾؟ أي لما خاف فرعون ميل القوم إلى موسى،
فجمعهم ونادى بصوته فيهم مفتخراً، أو أمر مناديا ينادي بقوله: أليس لي
ملك مصر العظيم، فلا ينازعني فيه أحد، والسلطة المطلقة لي، وأنهار النيل
تجري من تحت قصري وبين يدي في جناتي، أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة
والملك، وتستدلون به على أحقيتي بالسلطة وفرض النظام، وتنظروا إلى فقر
موسى وضعفه هو وأتباعه عن مقاومتي؟.
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ
فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى
ونحو الآية: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى ◌ِّ
(٢٥) ﴾ [النازعات: ٢٣/٧٩-٢٥].
اْأَخِرَةِ وَالْأُولَّ

١٧٨
الُرُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ٤٦-٥٦
أي بل أنا خير
٥٢
﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُِيْنُ
وأفضل بما لي من الملك والسلطة والسعة والجاه من هذا، أي موسى الذي هو
ضعيف حقير ممتهن في نفسه، لا عِزَّ له، ولا يكاد يبين الكلام، لما في لسانه
من العقدة، وهذا حكم عليه بما يعلم عنه في الماضي، دون أن يدري أن الله
يَفْقَهُواْ قَوْلِ
٣٧
الكريم أزال عقدته، فقال تعالى: ﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةٌ مِّنْ لِسَانِىِ
﴾ [طه: ٢٠/ ٢٧ -٢٨ و
إلى أن قال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى
٣٦] فقد كان أصاب لسانه في حال صغره شيء من اللكنة بسبب الجمرة التي
تناولها، فسأل الله عز وجل أن يحل عقدة لسانه، ليفقهوا قوله، فاستجاب الله
ذلك. والتعييب بالأشياء الخِلْقية التي ليست من فعل العبد خِسّةٌ ونقيصة في
صاحبه الذي يعيب، فذلك لا يعاب به ولا يذم عليه. وفرعون، وإن كان
يدرك هذا، لكنه أراد الترويج على رعيته الجهلة الأغبياء.
ثم استعلى فرعون على موسى بمظاهر الترف والملوك، ظناً منه أن الرئاسة
تلازم النبوة، فقال تعالى:
﴿فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيَّهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ الْمَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (®﴾ أي
فهلاّ حُلِّي بأساور الذهب إن كان عظيماً، أو هَلَّا أُلْقَى عليه ربه أساور الذهب
إن كان صادقاً في نبوته، وهذا يشبه قول كفار قريش عن استحقاق عظيم
القريتين النبوة.
أو جاء معه الملائكة متتابعين متقاربين إن كان صادقاً، يعينونه على مهمته،
ويشهدون له بالنبوة، فأوهم قومه أن الرسل لابد أن يكونوا على هيئة الجبابرة
أو محفوفين بالملائكة، ونظر إلى الشكل الظاهر، ولم يدرك الجوهر المعنوي
لحقيقة الرسل.
أي فاستهان
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ
بعقول قومه ورعيته، ودعاهم إلى الضلالة، فاستجابوا له، وأطاعوه فيما
أمرهم به، وكذّبوا موسى، إنهم كانوا خارجين عن طاعة الله تعالى.

١٧٩
الزُرعُ (٢٥) - الرّحْرُّف: ٤٣ / ٤٦-٥٦
﴾ أي فلما
۵۵
﴿فَلَمََّ ءَاسَفُوْنَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ
أسخطونا وأغضبونا، انتقمنا منهم أشد الانتقام، فأغرقناهم جميعاً في البحر،
وإنما أهلكوا بالغرق ليناسب ما تفاخروا وتباهوا به وهو قوله: ﴿وَهَذِهِ
اُلْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَحْنِىّ﴾.
أخرج أحمد والطبراني والبيهقي وابن أبي حاتم عن عُقْبَة بن عامر أن رسول
الله وَّ قال: ((إذا رأيت الله تبارك وتعالى يعطي العبد ما يشاء، وهو مقيم
على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له، ثم تلا وَ له: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا
أُنثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَفْتَهُمْ أَجْمَعِينَ
﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْأَخِرِينَ
أى فجعلنا فرعون وقومه قدوة
٥٦
لمن عمل بعملهم من الكفار في استحقاق العذاب، وعبرة وعظة لمن يأتي
بعدهم من الكافرين، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من القصة ما يأتى:
اً - إن هذه القصة تمثل صراع الجبابرة الطغاة أصحاب الثروة والمال مع
أهل القيم الإنسانية والدينية الرشيدة ذوي الدخل المتوسط أو الفقراء،
تشابهت حالة فرعون مع موسى، مع حالة النبي ◌ُّر مع كفار قريش أصحاب
النفوذ والثراء.
اتفق الأنبياء كلهم على توحيد الإله، فكذب فرعون وقومه موسى عليه
السلام، بالرغم من تدعيمه بالمعجزات وهي التسع آيات، فكانت عاقبتهم
الإغراق بسبب التكذيب، ونجَّى الله موسى وقومه بني إسرائيل، وجعلت
العاقبة الحميدة له. وكذلك حصل الأمر مع النبي وَلجر كذّبه قومه فأهلكهم
الله، ونصر رسوله والمؤمنین بدعوته.

١٨٠
الُعُ (٢٥) - الرّحْزُقُ: ٤٣ / ٤٦-٥٦
لاً - كانت حيثيات الحكم ومسوغاته على فرعون وقومه هي الضحك
والسخرية والاستهزاء من معجزات موسى عليه السلام، كالسنين (نقص
الأنفس والزروع) ونقص الثمرات، والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع،
وكانت هذه الآيات عذاباً لهم وآيات لموسى. وكانت المعجزات قوية التأثير،
فما من آية إلا وهي أعظم من أختها - سابقتها- ومع ذلك لم يؤمنوا بها،
فأخذهم الله بالعذاب على تكذيبهم بتلك الآيات.
ووصفوا موسى بأنه ساحر لما عاينوا العذاب، وتعظيماً له على حسب
عادتهم في احترام السحرة، وكانوا يسمون العلماء سحرة، ويحتمل أنهم
أرادوا به الساحر على الحقيقة على الاستفهام، فلم يَلُمْهم على ذلك رجاء أن
يؤمنوا، وطلبوا منه كشف العذاب عنهم بما أخبرهم عن عهد الله إليه أنهم إن
آمنوا كشف عنهم، فقالوا: إنا لمهتدون فيما يستقبل.
فلما دعا فكشف الله عنهم الكرب والغم، عادوا إلى كفرهم، ونقضوا
العهد والميثاق الذي جعلوه على أنفسهم، فلم يؤمنوا.
◌َ- وبعد أن حكى الله معاملة فرعون مع موسى، حكى أيضاً معاملة
فرعون مع ربه، فلما رأى آيات موسى خاف ميل القوم إليه؛ فجمع قومه،
فقال، ونادى بمعنى قال، فرفع صوته بينهم: يا قوم، أليس لي ملك مصر،
لا ينازعني فيه أحد، وأنهار النيل تجري من تحت قصري، أفلا تبصرون عظمتي
وقوتي وضعف موسى؟.
ثم صرح بحاله فقال: بل أنا خير من موسى المهين الحقير الضعيف، والذي
لا يكاد يفصح كلامه بسبب العقدة التي كانت في لسانه بحسب علمهم السابق
عنه، ومن لا بيان له ولا لسان كيف يكون نبياً؟! والرجل الفقير كيف يكون
رسولاً من عند الله إلى الملك الكبير الغني؟!
ثم تعاظم فرعون وتغطرس واعتز بالثروة والملك والمال، فقال: هلا ألقي