Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الزُُّ (٢٥) - الزّزُقُ: ٤٣ / ١٥-٢٥
عبادتهم للأصنام. وهو احتجاج بالقدر، وكلمة حق يراد بها باطل؛ لأن
المشيئة لا تستلزم الأمر؛ إذ هي ترجيح بعض الممكنات على بعض بحسب
علمه، والله يأمر بالخير والإيمان، ونحن لا نعلم مشيئته أو إرادته إلا بعد وقوع
الفعل منا.
وقد جمعوا في هذا القول بين أنواع كثيرة من الخطأ والكفر كما ذكر ابن
کثیر :
اَ - جعلهم الله تعالى ولداً، تقدّس وتنزّه عن ذلك.
أَ - دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين؛ إذ زعموا أن الملائكة بنات
الله تعالى.
ءَ - عبادتهم لهم بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله عزّ وجلّ، بل بمجرد
الأهواء وتقليد الأسلاف، وتخبُّط الجاهلية.
٤ - احتجاجهم بتقدير الله ذلك، وتقديرهم على طريقتهم قدراً، وهذا
جهل شديد، فإن الله منذ أن بعث الرُّسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده
لا شريك له، وينهى عن عبادة سواه(١) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلّ أُمٍَّ
رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَّ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ
حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
[النحل: ٣٦/١٦]، وقال عزّ وجلّ: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ
[الزخرف: ٤٣ /٤٥] .
ونحو الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوَّ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ٦/
١٤٨]، ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ بَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧/٣٦].
(١) تفسيرابن كثير: ١٢٥/٤

&
١٤٢
الُعُ (٢٥) - الزّخْرُقِ: ٤٣ / ١٥-٢٥
فردّ الله تعالى عليهم بقوله:
﴿َّا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي ليس لهم أي علم أو
. دليل بصحة ما قالوه واحتجّوا به، وما هم إلا يكذبون فيما قالوا، ويتقولون،
فإن الله يأمر بالحق والإيمان والخير، ولا يرضى لعباده الكفر والفحشاء. والآية
دليل على جهلهم الفاضح، وكذبهم وافترائهم الباطل.
ثم أبطل الله تعالى قولهم بالدليل النقلي قائلاً:
﴾ أي أأعطيناهم
﴿أَمَّ ◌َانَيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ
كتاباً من قبل هذا القرآن ينطق بما يدّعون، مكتوباً فيه: اعبدوا غير الله ؟ فهم
يتمسكون بذلك الكتاب، ويحتجون به، أي ليس الأمر كذلك، كقوله تعالى:
﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنَّا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ
﴾ [الروم: ٣٥/٣٠]
٣٥
أي لم یکن ذلك أصلاً.
ثم ذكر الله تعالى أنه لا حجّة لهم إلا التقليد، فقال:
﴾ بل
﴿بَلِّ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىّ ءَاثَرِهِم ◌ُهْتَدُونَ
إنهم قالوا: لقد وجدنا آباءنا على طريقة ساروا عليها في عبادتهم الأصنام، وإنا
سائرون على منهجهم مهتدون بهديهم. وهذا اعتراف صريح منهم بأنه ليس لهم
مستند ولا حجّة عقلية ولا نقلية على الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد
واتِّباعهم في الضّلالة. وقولهم: ﴿وَإِنَّا عَلَى ءَاثَزِهِم) - أي وراءهم -
﴿ُهْتَدُونَ﴾ مجرد دعوى منهم بلا دليل.
ثم أبان الله تعالى تشابه الأمم في الكفر والتقليد والمقالة، فقال:
﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاً
ءَابَنَا عَلَىّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاثَِهِم ◌ُقْتَدُونَ (٣)﴾ أي إن مقال هؤلاء قد سبقهم
إليه أشباهم من الأمم السالفة المكذِّبة للرّسل، فمثل تلك المقالة قال المترفون

١٤٣
المُعُ (٢٥) - الرِّزُقُّ: ٤٣ / ١٥-٢٥
المنعَّمون - وهم الرؤساء والزّعماء والجبابرة - من كل أمّة لرسولهم المرسل
إليهم للإنذار من عذاب الله: إنّا وجدنا آباءنا على ملّة ودين، وإنا على طريقتهم
سائرون متبعون.
وخصص المترفين تنبيهاً على أن التّنعم هو سبب المعارضة وإهمال النّظر
وترك التّفكر في مضمون الرّسالة الإلهية.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِر
OF﴾ [الذاريات: ٥٢/٥١-٥٣].
أَتَوَاصَوْاْ بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ
أَوْ مَجْنُونُ: (49)
وإنما قال أولاً: ﴿مُهْتَدُونَ﴾ لادعاء الهداية كآبائهم، ثم قال ثانياً:
﴿مُقْتَدُونَ﴾ حكاية عن قوم تابعوا آباءهم في فعلهم، دون ادِّعاء الهداية،
والمعنى تقريباً واحد.
وهذا تسلية لرسول الله وَله، وتنبيه على أنّ التقليد في الاعتقاد والعبادة
ضلال قديم.
ثم ذكر تعالى جواب الرُّسل لأقوامهم عن التّقليد، قائلاً:
﴿قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيَّهِ ءَابَكُمْ﴾ أي قال لهم
رسولهم: أتتبعون آباءكم، ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم ؟ !.
فأجابوه معلنين كفرهم صراحة، في قوله تعالى:
﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ أي قالوا: لا نعمل برسالتك، ولا
سمع لك ولا طاعة، وإنا كافرون جاحدون بما أرسلتم به، ومستمرون ثابتون
على دين الآباء والأسلاف. والمراد أنهم لو علموا وتيقّنوا صحة ما جئتهم به
أيها الرّسول، لما انقادوا لذلك؛ لسوء قصدهم، ومكابرتهم للحقّ وأهله.
وقوله: ﴿بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ﴾ يعني بكل ما أرسل به الرُّسل، فالخطاب للنّبي
وَ الر، ولفظه لفظ الجمع؛ لأن تكذيبه تكذيب لمن سواه.
1
٠

٠
١٤٤
الزرعُ (٢٥) - الرّحُف: ٤٣ / ١٥-٢٥
وما بعد الإصرار على الكفر إلا النّقمة والإهلاك، فقال تعالى:
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمَّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٥)﴾ أي فانتقمنا من
الأمم المكذِّبة للرُّسل بأنواع من العذاب، كعذاب قوم نوح وعاد وثمود،
فانظر أيها المخاطب كيف كان مصير أمر المكذبين من تلك الأمم كيف بادوا
وهلكوا، وإن آثارهم موجودة، عبرة للنّاظر المعتبر. وهذا وعيد وتهديد لأهل
مكة، وسلوة للرّسول، وإرشاد له إلى عدم الاكتراث بشأن قومه من رسالته.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي:
اً - للمشركين افتراءات كثيرة، منها هنا: نسبة البنات إلى الله تعالى،
فقالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءاً له وبعضاً، كما يكون الولد بَضْعَة
من والده وجزءاً له. وقد عجّب الله المؤمنين من جهلهم، إذ أقرّوا بأن خالق
السماوات والأرض هو الله، ثم جعلوا له شريكاً أو ولداً، ولم يعلموا أن من
قدر على خلق السماوات والأرض لا يحتاج إلى شيء يعتضد به أو يستأنس به؛ .
لأن هذا من صفات النّقص كما أبان القرطبي.
ومن افتراءاتهم المذكورة في سورة أخرى: جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم
(الأوثان) وبعضها لله تعالى، كما حكى تعالى عنهم قائلاً: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا
ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا
لِشُرَّكَبِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَابِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ
[الأنعام: ١٣٦/٦].
١٣٦
فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
أَ - ومن افتراءاتهم أنهم جعلوا له من الأولاد الأقل والأضعف وهو
البنات.
٣ - وَّجهم الله تعالى على افترائهم ذاكراً انه كيف يتّخذ البنات - كما
زعموا أن الملائكة بنات الله - واختصّهم وأخلصهم بالبنين؟!
،
٠

١٤٥
الُرُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ١٥-٢٥
٤ - لم يعقل المشركون ما افتروه على الله في نسبتهم البنات له، فإنهم لا
يرضونه لأنفسهم، فإنه إذا بُثِّر الواحد منهم بولادة بنت له، اسودَّ وجهه غمّاً
وكدراً، وأنف من نسبة البنت له، وأضحى حزيناً مكروباً، فكيف ينسب إلى
الله ما هو نافر منه ؟!
ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات الله، فقد جعل الملائكة شِبْهاً لله؛ لأن
الولد من جنس الوالد وشبهه، ومن اسودّ وجهه مما ينسب إليه مما لا
يرضى، أولى من أن يسودّ وجهه بنسبة ذلك إلى من هو أجلُّ منه، فكيف إلى
الله عزّ وجلّ ؟!
٥ - وكيف يصح أن يجعل الله له من لا همَّ له إلا الحلي والزِّينة، وإذا
خوصم لا يقدر على الدِّفاع عن نفسه ؟
وفي هذه الآية دلالة - كما تقدّم - على إباحة الحلي للنّساء، وتحريمه على
الرجال، وهو حكم مجمع عليه ثابت بأخبار كثيرة.
أَ - أوضح الله تعالى كذب المشركين وجهلهم في نسبة الأولاد إلى الله
سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث، وهم بنات الله، وحکمهم من غير
دليل بأنهم إناث، فكيف تجرؤوا حتى حكموا بأنهم إناث، ولم يحضروا حالة
خلقهم ؟!
إن شهادتهم الباطلة هذه مكتوبة عليهم في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها
في الآخرة.
لاً - ومن شُبَه المشركين المفتراة احتجاجهم بالقدر الإلهي، فقالوا على سبيل
الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرّحمن على زعمكم أيها المؤمنون ما عبدنا هذه
الملائكة، والله أمرنا بهذا أو رضي لنا ذلك، ولهذا لم يعاجلنا بالعقوبة. وهذه
كلمة حقّ أُريد بها باطل، فإن كل شيء بإرادة الله، وعلمه نافذ لا محالة؛ لكن

١٤٦
اَلْجُزْعُ (٢٥) - الزخرف : ٤٣ / ١٥-٢٥
الإرادة أو المشيئة لا تقتضي الأمر والرِّضا وليس الأمر والإرادة متطابقين،
ولا نعلم مراد الله، فكان علينا العمل بأمره ونهيه، وليس لقولهم: الملائكة
بنات الله أي دليل علمي، وما هم إلا تَجْدِسون ويكذبون، فلا عذر لهم في
عبادة غير الله عزّ وجلّ. وقوله: ﴿هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ﴾ يفيد حصر العبودية في
الملائكة وذلك يدلّ على الفضل والشَّرف، مما يوجب كونهم أفضل من
غيرهم.
٨ - كذلك ليس لهم دليل نقلي على زعمهم، ولا كتاب لديهم بما ادَّعوه
قبل هذا القرآن.
- لا دليل للمشركين على شركهم إلا التقليد الأعمى لآبائهم
وأسلافهم، وهم لما عجزوا عن الدَّليل لم يجدوا بدّاً من الاعتماد على تقليد
الآباء، قائلين بأنهم وجدوهم على تلك المّة او الطّريقة والمذهب، فقلّدوهم
واهتدوا بهديهم.
وهذا دليل على إبطال التقليد في العقائد والأصول؛ لأن الله ذمّهم على
تقليد آبائهم، وتركهم النّظر فيما دعاهم إليه الرّسول ◌َآلآ ..
. ١ - إن مقالتهم تلك تشبه مقالة من سبقهم من الأمم المكذبة لرسلها،
فإن أهل التّرف والرؤساء فيهم اقتدوا بالآباء والأجداد دون دليل.
١١ - إنهم مصرّون على الشرك والتقليد الأعمى، حتى ولو جاءهم رسول
الله من عند الله بأهدى وأرشد من ذلك الدِّين الباطل.
١٢ - إن المنتظر أمام هذا الإصرار على الكفر ما ذكره تعالى وهو الانتقام
الشديد من الكافرين، وتدميرهم وإهلاكهم، وآثارهم ظاهرة للعيان، عبرة
للمعتبر، فيا أهل مكة وأمثالكم انظروا في مصيركم المرتقب.

١٤٧
(٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ٢٦-٣٥
الرد على تقليد الآباء،
واختيار الأنبياء، وبيان حال الدنيا
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ
﴿ بَلْ مَتَعْتُ
وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَقِيَةً فِ عَفِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى جَاءَ هُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ
وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا
سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ فَـ
وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ
عَظِيمِ ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَّ ◌َحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِىِ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا
وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ
وَلَوَّلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِلرَّحْمَنِ
(٣٢
مّمَّا يَجْمَعُونَ
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبِوَبَاً وَسُرُرًا
لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ
وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُ ذَلِكَ لَمَّا مَتَحُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ
٣٤
عَلَيْهَا يَتَّكُونَ
عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
٣٥
القراءات:
﴿اَلْقُرْءَانُ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
﴿رَحْمَتَ رَبِّكَّ﴾:
رسمت بالتاء، ووقف عليها بالهاء ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾: قرئ:
١- (لبُيُوتهم) وهي قراءة أبي عمرو، وورش، وحفص.

١٤٨
الزُعُ (٢٥) - الزخرف: ٤٣ / ٢٦-٣٥
٢- (لِيُوتهم) وهي قراءة الباقين.
﴿سُقُفًا﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (سَقْفاً).
﴿لَمَّا مَتَحُ﴾: قرئ:
١- (لمَّا متاع) وهي قراءة عاصم، وحمزة.
٢- (َا متاع) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿مِّنَ اُلْقَرْبَيْنِ﴾ أي من إحدى القريتين، فحذف المضاف، وأراد بـ
﴿اَلْقَرْيَتَيْنِ﴾: مكة والطائف.
لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾: بدل من ﴿لِمَن﴾ بإعادة الجار، بدل
الاشتمال، وقرئ ((سقْفاً)) و((سُقْفاً)» فسُقْف: جمع سَقْف، نحو رَهْن ورُهُن.
وسقف: واحد ناب مناب الجمع.
﴿وَزُخْرُفًا﴾ إما منصوب بفعل مقدر، أي وجعلنا لهم زخرفاً، أو معطوف
على موضع قوله تعالى: ﴿مِّن فِضَّةٍ﴾ ﴿وَإِن كُلُ ذَلِكَ لَمَّا مَتَحُ﴾
﴿وَإِن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها: إما ﴿كُلَّ﴾ إلا أنه لما خففت نقصت
عن شبه الفعل، فلم تعمل وارتفع ما بعدها بالابتداء على الأصل، وإما
بتقدير الهاء أي إنه كل ذلك، فحذف اسمها وهو الهاء وخففت، فارتفع
كُلُّ﴾ بالابتداء، وجملة ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَحُ﴾. من المبتدأ والخبر في
موضع رفع خبر (إِن). وهذا التقدير ضعيف لتأخير اللام في الخبر. و﴿لَمَّا﴾
بمعنى إلا، ويصح أن تكون (إِن) نافية بمعنى (ما). ويقرأ (لما)) بالتخفيف،
فتكون ما : زائدة أو موصولة وصدر الصلة محذوف.

١٤٩
الجُرُ (٢٥) - الزّزف: ٤٣ / ٢٦-٣٥
البلاغة:
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَةٌ فِى عَقِهِ،﴾ ﴿كَلِمَةً﴾: مجاز مرسل، والمراد
بالكلمة: الجملة التي قالها، وهي: ﴿إِنَِّى بَرَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ من قبيل إطلاق
الجزء وإرادة الكل.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ﴾ واذكر يا محمد وقت قول إبراهيم هذا. ليروا كيف تبرّأ
من التقليد، وتمسّك بالدّليل. ﴿لِأَبِهِ﴾ آزر. ﴿بَرَآءٌ﴾ بريء من عبادتكم أو
معبوديكم، وهو مصدر نعت به، فيستوي فيه الواحد والمتعدد والمذكر
والمؤنث، وقرئ ((بريء)) و ((برآء)) ككريم وكرماء. ﴿إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ﴾ خلقني،
وهو استثناء منقطع، أي لكن الذي فطرني، أو متّصل على أن ((ما)) تعمّ ما
كانوا يعبدون وهو الله والأوثان، كأنه قال: إنني براء مما تعبدون إلا من
الذي فطرني . ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يرشدني إليه، وهو مقرر لما قال مرة أخرى:
﴿يَّدِينِ﴾ كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في
الحال والاستقبال.
﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد وهو قوله:
﴿إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ﴾ ﴿ كَلِمَةً بَقِيَةً فِ عَقِهِ﴾ في
ذريته، فلا يزال فيهم من يوحّد الله ويدعو إلى توحيده . ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحَّد، فيرجع عما كان عليه إلى دين إبراهيم
أبي الأنبياء والمسلمين، وهو يشمل أهل مكة وغيرهم.
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَهُمْ﴾ أي هؤلاء المعاصرين للرسول من قريش
وآباءهم، فاغتروا بذلك وانهمكوا في الشهوات، ولم أعاجلهم بالعقوبة. وقرئ
((متعتَ)) بالفتح على أنه تعالى اعترض به على ذاته: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً﴾
مبالغة في تعبيرهم ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ القرآن ودعوة التوحيد. ﴿ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ

١٥٠
الُزُ (٢٥) - الزّرُون: ٤٣ / ٢٦-٣٥
ظاهر الرسالة بما له من المعجزات، أو مبين للتوحيد بالحجج والآيات
المتضمنة الأحكام الشرعية، وهو محمد ێ.
﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ القرآن. ﴿لَوْلَا﴾ هلا. ﴿مِّنَ اُلْقَرْيَتَيْنِ﴾ من إحدى
القريتين: مكة والطائف. والرجلان هما: الوليد بن المغيرة من مكة، وكان
يسمى ريحانة قريش، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف. ﴿عَظِيمٍ﴾ زعيم
ذي جاه ومال، فإن الرِّسالة منصب خطير لا يليق إلا بعظيم، ولم يعلموا أن
معيار اختيار الأنبياء هو التّحلي بالفضائل والكمالات الأدبية، لا
بالاعتبارات الدنيوية.
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكّمهم،
والرّحمة: النّبوة. ﴿قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ جعلنا معيشتهم
مقسومة فيما بينهم، فبعضهم غني، وبعضهم فقير، ويتفاوتون في مرتبتي الغنى
والفقر . ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ﴾ جعلنا بينهم تفاوتاً في الرّزِق
وغيره . ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم﴾ وهو الغني. ﴿بَعْضًا﴾ وهو الفقير. ﴿سُخْرِنَّاً﴾
مسخراً في العمل بالأجرة، أي يستعمل بعضهم بعضاً في حوائجهم، والياء:
للنسب، وقرئ بكسر السين («سِخرياً)). ﴿وَرَحْمَثُ رَبِّكَ﴾ أي النّبوة وما يتبعها،
أو الجنّة. ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من حطام الدنيا.
﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي خشية أن يكون جميع الناس على
مّة واحدة وهي الكفر. ﴿سُقُفًا﴾ جمع سقف، وقرئ: ((سَقْفاً)). ﴿وَمَعَارِجَ﴾
ومصاعد جمع مِعْرَج كَمِنْبَرَ، وقرئ: ((معاريج)) جمع معراج . ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
يصعدون ويعلون إلى السطوح. ﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا﴾ مِن فضة. ﴿وَسُرُرًا﴾ من
فضة، جمع سرير. ﴿يَتَّكِّئُونَ﴾ يستندون. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ ذهباً أو زينة مزوقة،
والمراد به الزينة كما قال تعالى: ﴿حَتََّ إِذَا أَخَذَتِ اٌلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ﴾
[يونس: ٢٤/١٠]، ومعنى الآية: لولا خوف الكفر على المؤمنين من إعطاء
الكافر ما ذکر، لأعطیناه ذلك لاحتقار الدنیا عندنا.

١٥١
الجُرُ (٢٥) - الرِّزْقِّ: ٤٣ / ٢٦-٣٥
﴿لَمَّا﴾ بمعنى إلا(١) و(إِنْ) نافية، وعلى قراءة التخفيف (لَا)) تكون ما
زائدة. ﴿مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ ما يتمتع به فيها ثم يزول. ﴿وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي نعيم الآخرة وهو الجنة عند الله - عندية مكانة وتشريف لا
عندية مكان - لمن اتّقى الكفر والمعاصي.
سبب النّزول:
نزول الآيتين (٣١ - ٣٢).
تقدّم في سورة يونس في الآية (٢) سبب نزول الآية ﴿لَوْلَا نُزِلَ﴾ وفيه:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس ((أن العرب قالوا: وإذا كان النَّبي بشراً فغير
محمد كان أحق بالرِّسالة: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا اَلْفُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ
عَظِيمٍ (4) يكون أشرف من محمد، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، عروة
ابن مسعود بن عمرو الثقفي من الطائف، فأنزل الله ردّاً عليهم: ﴿أَهُمْ
يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾)».
وروى ابن المنذر عن قتادة ((أن الوليد بن المغيرة - وكان يسمى ريحانة
قريش - كان يقول: لو كان ما يقوله محمد حقاً لنزل عليّ أو على أبي مسعود؛
فقال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يعني النّبوة. فيضعونها حيث
شاؤوا)).
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى فساد اعتماد المشركين على التقليد في العقائد
والأصول، بيَّن فساده بأسلوب المشركين أنفسهم، وهو أن إبراهيم الخليل
عليه السلام أبو العرب وأشرف آبائهم تبرأ من دين آبائه بالدّليل، وحكم بأن
(١) حكى سيبويه: نشدتك الله لمّا فعلت كذا، أي إلا فعلت كذا.

١٥٢
الجزرُ (٢٥) - الزخرف : ٤٣ /٢٦-٣٥
اتِّباع الدّليل أولى من متابعة الآباء، فوجب تقليده في ترك تقليد الآباء وفي
ترجيح الدَّليل على التقليد.
ثم أبان الله تعالى مفاسد اعتماد قريش على التّقليد وترك التّفكر في الحجة
والدّليل، وهي: أولاً - اغترارهم بالمهلة والمدّ في العمر والنّعمة، واشتغالهم
بالتّنعم واتِّباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد، وثانياً - تكذيبهم
رسول الله 98 ووصفهم له بأنه ساحر كذاب، وثالثاً - قولهم بأن الرّجل
الشريف وهو كثير المال ورفيع الجاه هو الأحقّ بالنّبوة من محمد الفقير اليتيم.
فردّ تعالى عليهم بأنه هو الذي قسم الأرزاق والحظوظ بين عباده، وأن
التّفاوت في شؤون الدنيا هو الأصلح لنظام المجتمع، وأن ميزان الاصطفاء
للنّبوة إنما يعتمد على القيم الأدبية والروحية والأخلاقية، وألا قيمة للدنيا
وأمتعتها وزخارفها وثرواتها، ولو لا خوف انتشار الكفر وشموله بين العالم،
لجعل الله للكفار ثروات طائلة، وبيوتاً ذات سقف وأبواب وسرر ومصاعد
من فضة، وزينة في كل شيء، وإنما نعيم الآخرة للمتّقين الذين يتّقون الكفر
والمعاصي.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن إبراهيم الخليل إمام الحنفاء وأبي الأنبياء وأشرف آباء
العرب عليه السلام بأنه تبرأ من دين الآباء بالحجة والدليل، فقال:
﴿وَإِذْ قَالَ إِنْرَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (﴾ أي واذكر أيها الرّسول لقومك قريش المعتمدين على تقليد
الآباء والأجداد في عبادة الأصنام: حين تبرأ إبراهيم عليه السلام مما يعبد
أبوه آزر، وقومه من الأصنام، إلا من عبادة خالقه وخالق الناس جميعاً،
والذي قال بأنه سيرشدني لدينه، كما أرشدني في الماضي، ويثبتني على الحق.
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ﴾ إما استثناء متّصل؛ لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم،

١٥٣
الزُُّ (٢٥) - الرّحْرُقِ: ٤٣ /٢٦-٣٥
وإما منقطع؛ أي لكن الذي فطرني فهو يهديني، قال ذلك ثقة بالله، وتنبيهاً .
لقومه أن الهداية من ربِّه.
﴾ أي وجعل إبراهيم
﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَةً فِى عَفِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ لَّ
عليه السلام كلمة التوحيد وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه
من الأوثان، جعلها دائمة في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله تعالى منهم،
فلا يزال فيهم- ولله الحمد- من يوحّد الله سبحانه، رجاء أن يرجع إليها من
أشرك منهم كأهل مكة، فإنهم إذا ذكروه، تبعوه في ملّته الحنيفية، وتأثّروا
بأبوته إن كانوا يدعون تقليد الآباء. قال قتادة: «لا يزال من عَقِبه من يعبد الله
إلى يوم القيامة)).
ثمّ ندَّد الله تعالى بموقف أهل مكة ووَّهم على اغترارهم بالنّعمة وطول
العمر واستمرار السّلطة والنّفوذ، فقال:
أي بل
٢٩
﴿بَلّ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ
متّعت هؤلاء المشركين من أهل مكة وآباءهم من ذرية إبراهيم بطول العمر
والسّعة في الرّزق، وأنعمت عليهم في كفرهم، فاغتروا بالمهلة، وأكبّوا على
الشّهوات وطاعة الشّيطان، وشغلوا بالتّنعم عن كلمة التّوحيد، إلى أن جاءهم
الحق وهو القرآن العظيم، والرّسول المبين الذي أوضح مبدأ التّوحيد
بالبراهين الساطعة، وشرع الله وأحكامه القاطعة، وهو محمد ێ.
وزاد في توبيخهم بإعراضهم عن رسالة الحقّ - رسالة محمد دَ- فقال:
﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ (٣)﴾ أي حينما جاءهم
القرآن والرّسول المؤيَّد بالمعجزات دليلاً على صدقه، وصفوا ما جاء به بأنه
سحر وأباطيل، وليس بوحي من عند الله، وقالوا: إنا بما أرسل به جاحدون .
مكابرةً وعناداً وحسداً وبغياً، فضّموا إلى شركهم وضلالهم تكذيب الحق
ورفضه، والاستهزاء به، والتّصريح بالكفر برسالته وإنكار نبوته.

١٥٤
لُرءُ (٢٥) - الرّحْزُقُ: ٤٣ / ٢٦-٣٥
ثم ذكر الله تعالى نوعاً آخر من الكفر وهو النّوع الرّابع من كفرياتهم
المذكورة في هذه السورة(١) فقال:
﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمِ (®﴾ أي وقال
كفار قريش وأمثالهم: هلا أنزل القرآن على أحد رجلين عظيمين من مكة أو
الطائف، وهما الوليد بن المغيرة ومسعود بن عروة الثقفي، فكل منهما عظيم
المال والجاه، وسيِّد في قومه. المعنى: أنه لو كان قرآناً لنزل على رجل عظيم من
عظماء القريتين. وهذا اعتراض منهم على الله الذي أنزل القرآن على رسوله.
فأبطل الله تعالى هذه الشّبهة من ثلاثة وجوه:
الأول- ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾(٢)) ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾
أي إن هؤلاء المشركين تجاوزوا حدودهم وأقدارهم، فأرادوا أن يجعلوا ما لله
لأنفسهم، وليس الأمر مردوداً إليهم، بل إلى الله عزّ وجلّ، والله أعلم حيث
يجعل رسالته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلباً ونفساً وأشرفهم
وأطهرهم أصلاً. أيجوز لهم أن يقسموارحمة ربِّك وهي النّبوة، فيختاروا لها من
يريدون؟ نحن الذين نقسم الأرزاق والحظوظ بين العباد، ونفضل بعضهم على
بعض درجات في القوة والضعف، والعلم والجهل، والشهرة والخمول،
والغنى والفقر؛ لأنا لو سوّينا بينهم في هذه الأحوال لم يتعاونوا فيما بينهم،
ولم يتمكنوا من استخدام بعضهم بعضاً، فيكون بعضهم سبباً لمعاش بعض،
وإلا فسد نظام العالم. وليس المعنى في الاستخدام أو الاستئجار أو الاستعمال
على عمل شيء من الذّلّ والمهانة؛ لأن حقوق العامل مصونة في الإسلام،
(١) الثلاثة المتقدمة: هي جعلهم الملائكة بنات الله، وجعل الملائكة إناثاً، وقولهم: ﴿لَوْ شَآءُ
الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ﴾.
(٢) الاستفهام هنا للإنكار والتّعجب.

١٥٥
لِلْجُرُءُ (٢٥) - الزّحْزُقُّ: ٤٣ / ٢٦-٣٥
وعلى صاحب العمل واجبات خلقية ومادية كثيرة توجب عليه التّرفع عن
الغبن والظلم والأذى والإساءة، فإن عجزوا عن تغيير نظام الدنيا، فكيف
يعترضون على حكمنا بتخصيص النبوة والرّسالة في بعض العباد؟! والمعنى:
إنكار أن الرّزق منهم، فكيف تكون النّبوة منهم؟!
الوجه الثاني - ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي إن ما أعدّه الله لعباده
الصالحين في الدار الآخرة خير مما يجمعون من الأموال وسائر متاع الدنيا،
وإذا خصّ الله بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدِّين، فهذه الرّحمة خير من
أموال الدنيا كلها؛ لأن عَرَض الدنيا زائل، ورحمة الله وفضله باقٍ دائم.
ثم أبان الله تعالى حقارة الدنيا، فقال:
الوجه الثالث - ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا
بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (ّـ
وَزُخْرُفًا﴾ أي ولولا الخوف وكراهة أن يكون
وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكُِّونَ (®
الناس كلهم على مّة الكفر، ميلاً إلى الدنيا وزخرفها، فلا يبقى في الأرض
مؤمن، لأعطينا الكفار ثروات طائلة، وجعلنا سقُفِ بيوتهم، وسلالمهم
ومصاعدهم التي يرتقون ويصعدون عليها، وأبواب البيوت والشّرر التي
يتكئون عليها من فضة خالصة، وذهب وزينة ونقوش فائقة، هوان الدنيا عند
الله تعالى.
﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأْ وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي
ليس كل ذلك إلا شيئاً يتمتع به تمتعاً قليلاً في الدنيا؛ لأنها زائلة قصيرة
الأجل، والآخرة بما فيها من أنواع النّعيم والجنان هي لمن اتّقى الشّرك
والمعاصي، وآمن بالله وحده، وعمل بطاعته؛ فإنها الباقية التي لا تفنى،
ونعيمها الدائم الذي لايزول، وهي لهم خاصة، لا يشاركهم فيها أحد
غيرهم.

١٥٦
الُعُ (٢٥) - الزّرُون: ٤٣ / ٢٦-٣٥
أخرج الترمذي وابن ماجه والبغوي والطّبراني عن سهل بن سعد رضي الله
عنه عن النَّبِي وَّ قال: «لو أن الدنيا تَزِن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها
كافراً شَرْبة ماء))، وفي رواية: ((لوكانت الدنيا .. ))، وفي رواية الطبراني ((أنه لما
آلى النَّبي ◌َّ من نسائه، جاءه عمربن الخطاب رضي الله عنه، فرآه على رمال
حصير، قد أثَّر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء، وقال: يا رسول الله، هذا
كسرى وقيصر، هما فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله
وَل﴿ متكئاً، فجلس وقال: أو في شكّ أنت يابن الخطاب؟ ثم قال ◌َّ: أولئك
قوم عُجِّلت لهم طيباتُهم في حياتهم الدنيا)) وفي رواية: (( أما ترضى أن تكون
لهم الدنيا ولنا الآخرة ))(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - لقد تبرأ إبراهيم عليه السلام من عبادة الأصنام، وخرج على المألوف
الفاسد بالحجة والدليل.
٣ - إن ترك التقليد في العقيدة والرّجوع إلى متابعة الدّليل واجب متعيِّن على
كلّ إنسان في أمر الدِّين، وكذلك ترك التقليد، واتِّاع الدَّليل هو الأولى في
شؤون الدنيا أيضاً، ليكون المرء على بيِّنة من أمره، إلا فيما تتطلبه ظروف
القيادة الحربية ونحوها للحفاظ على الأسرار، فيجب تنفيذ أمر القائد وطاعته،
وإن لم يعرف الدّليل.
◌َّ - جعل إبراهيم عليه السلام كلمة التّوحيد ومقالته السابقة: ﴿إِنَّنِى بَرَآءُ
مِّمَا تَعْبُدُونَ﴾ باقية في عقبه، وهم ذريته، ولده وولد ولده، أي إنهم توارثوا
البراءة من عبادة غير الله، وأوصى بعضهم بعضاً في ذلك. والعقب: من يأتي
بعده.
(١) تفسير ابن كثير: ١٢٧/٤

١٥٧
الجزءُ (٢٥) - الزّخرف: ٤٣ /٢٦-٣٥
٤- قال ابن العربي: كان لإبراهيم في الأعقاب دعوتان مجابتان:
وَإِذِ أَبْتَىّ إِبْرَهِمَ رَبُُّ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنِّ قَالَ إِنِّى
إحداهما - في قوله :
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّنِّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ
[البقرة:
١٢٤/٢]، فقد قال له: نعم، إلا من ظلم منهم فلا عهد له.
ثانيهما- قوله: ﴿وَأَجْتُبْنِى وَبَنِىَ أَنْ نَعْبُدَ اْلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥/١٤].
@ [الشعراء: ٢٦/
٨٤)
وقيل: بدل الأولى: ﴿ وَأَجْعَل لِّىِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِرِينَ
٨٤]، فكلّ أمّة تعظّمه، بنوه وغيرهم ممن يجتمع معه في سام أو في نوح(١)
٥ - وقال ابن العربي أيضاً: جرى ذكر العَقِب ههنا موصولاً في المعنى
بالْحِقَب، أي متّصلاً مستمراً على ممرّ السنين، وذلك مما يدخل في الأحكام
وترتب عليه عقود العُمْرَى (٢) أو التّحبيس، قال النَّبِي وَ لّ فيما أخرجه أبو داود
والنسائي عن جابر: ((أَّما رجل أعمر عمرى له ولِعَقِبه، فإنها للذي أُعطيَها، لا
ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث))(٣) أي إن
الهبات والأوقاف تشمل الدرجة الأولى من الأولاد ذكوراً وإناثاً، وولد
الذّكور دون الإناث لغةً وشرعاً في الدرجة الثانية وما يليها، وهذا مذهب
المالكية. وقال جماعة كابن عبد البر وغيره: إن ولد البنات من الأولاد
والأعقاب يدخلون في الأحباس (الأوقاف الذُّرية أو الأهلية).
٩ - عجباً لقريش وأمثالها متَّعهم الله وآباءهم بوافر النّعم في الدنيا، ولما
جاء الحقّ وهو القرآن المشتمل على التوحيد والإسلام الذي هو أصل دين
إبراهيم، وكلمته الباقية في عقبه، وجاءهم الرّسول محمد بَطّ، كفروا به
وقالوا: إنه سحر لا وحي.
(١) أحكام القرآن: ١٦٦٦/٤
(٢) العمرى: تمليك الشيء مدة العمر.
(٣) أحكام القرآن: المرجع والمكان السابق.

١٥٨
الجُزءُ (٢٥) - الزّخْرُقِ: ٤٣ / ٢٦-٣٥
اً - وقالوا أيضاً: هلا نزل هذا القرآن على رجل عظيم من إحدى
القريتين: مكة والطائف، إما الوليد بن المغيرة عبد الله بن عمر بن مخزوم عم
أبي جهل من مكة، وإما أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف،
ظانين أن النبوة لصاحب المنصب العالي والرجل الشريف وهو كثير المال،
رفيع الجاه.
وفاتهم أن معيار الاصطفاء للنّبوة إنما هو القيم الرّوحية والأدبية والنّفسية.
وفاتهم أيضاً أنهم يتدخلون في ولاية الله وسلطانه ومشيئته، فيضعون النّبوة
حيث شاؤوا، وهذا افتئات على سلطان الله، فإن مرسل الرّسل هو الذي
يختارهم، وفاتهم كذلك أن رحمة الله وفضله ونعمته في الآخرة وهي الجنة،
ونعمته في الدنيا وهي النبوة أفضل مما يجمعون من الدنيا.
٨ - إن الله سبحانه هو لا غيره الذي يقسم الأرزاق والحظوظ بين عباده،
بمقتضى حكمته ومشيئته، فيفقر قوماً ويغني آخرين، فإذا لم يكن أمر الدنيا
لأحد من العباد، فكيف يفوّض أمر النّبوة إليهم؟!
ـة - وإن الله تعالى هو الذي يفاضل بين عباده ويفاوت بينهم في مقومات
الحياة وقيمها من القوة والضعف، والعلم والجهل، والحذاقة والبلاهة،
والشهرة والخمول، لأن تحقيق المساواة في هذه الأمور يؤدي إلى الإخلال
بنظام العالم، ويفسد المصالح، ويعطّل المكاسب، فيعجز الواحد من تسخير
غيره لخدمة أو عمل، مقابل أجر عادل.
•اَ - ليس التّفوق المادي في الدنيا دليلاً على صلاح أصحابه؛ إذ لا قيمة
للدنيا وثرواتها في ميزان الله، ولولا كراهة أن يكفر الناس جميعاً بسبب ميلهم
إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطاهم الله ما وصف من زخارف الدنيا؛ لهوانها
عند الله عزّ وجلّ.
والخلاصة: ردّ الله تعالى على اقتراح العرب كون الرّسالة لأحد رجلين

١٥٩
الزُرءُ (٢٥) - الرّحْزُقُ: ٤٣ / ٢٦-٣٥
بوجوه ثلاثة: أولها - قوله على سبيل الإنكار: ﴿أَّهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾
أي النّبوة فيضعونها حيث شاؤوا، وثانيها- قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ﴾ لأن الدنيا فانية، ودين الله باقٍ لايزول. وثالثها - قوله: ﴿وَلَوَلَا أَنْ
يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ كما تقدّم تفسيرها(١).
(أَ - استدلّ ابن العربي بقوله تعالى: ﴿لِبُيُوتِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ﴾ على أن
السَّقف لصاحب السّفل، ولا حقّ فيه لصاحب العُلْو؛ لأن الله تعالى جعل
السُّقوف للبيوت، كما جعل الأبواب لها، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى.
أما السُّفْل فاختلفوا فيه، فمنهم من قال: هو له، ومنهم من قال: ليس له
في باطن الأرض شيء، والرّاجح ما بيَّنْه حديث الإسرائيلي الصحيح: أنّ
رجلاً باع من رجل داراً، فبناها فوجد فيها جَرَّة من ذهب، فجاء بها إلى
البائع، فقال: إنما اشتريتُ الدّار دون الْجَرَّة، وقال البائع: إنما بعتُ الدّار بما
فيها، وكلاهما تدافعها، فقضى النَّبي ◌َّ أن يزوِّج أحدهما ولده من بنت
الآخر، ويكون المال بينهما.
قال ابن العربي وتبعه القرطبي: والصّحيح أن العُلْو والسُّفْل له، إلا أن
يخرج عنهما بالبيع، فإذا باع أحدهما أحد الموضعين، فله منه ما ينتفع به،
وباقيه للمبتاع منه (٢)
ثم استطرد القرطبي في بيان بعض أحكام العُلْو والسُّفْل، نجتزئ منها ما يلي (٣)
أ - ليس لصاحب السّفل أن يهدم إلا لضرورة، ويكون هدمه أرفق
لصاحب العلو، لئلا ینهدم بانهدامه العلو.
(١) غرائب القرآن للنّيسابوري: ٤٩/٢٥
(٢) أحكام القرآن: ١٦٧٠/٤، تفسير القرطبي: ٨٥/١٦-٨٦
(٣) تفسير القرطبي: ٨٦/١٦

١٦٠
الجزءُ (٢٥) - الزّخْزُقُّ: ٤٣ / ٢٦-٣٥
ب - وليس لربِّ العلو أن يبني على علوه شيئاً لم يكن قبل ذلك إلا الشيء
الخفيف الذي لا يضرّ بصاحب السّفل.
جـ - ولو انكسرت خشبة من سقف العلو أدخل مكانها خشبة ليست أثقل
منها، منعاً من ضرر صاحب السّفل.
د - وباب الدار على صاحب السّفل.
هـ - ولو انهدم السّفل أجبر صاحبه على بنائه، وليس على صاحب العلو
أن يبني السّفل، فإن أبى صاحب السّفل من البناء قيل له: بِعْ ممن
يبني.
وَ - إن إصلاح السّفل على صاحبه.
ز - ليس لصاحب السّفل أن يحدث ما يضرّ بصاحب العلو، فإن أحدث
عليه ضرراً لزمه إصلاحه دون صاحب السّفل، ولصاحب العلو منعه
من الضّرر، لحديث السفينة الذي أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما
عن النعمان بن بشير: ((مَثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثَل
قوم اسْتَهَمُوا - اقترعوا - على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها
وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استَقَوْا من الماء، مُرُّوا
على مَنْ فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ من
فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم
نَجَوْا ونَجَوْا جميعاً)). والعبارة الأخيرة تدلّ على جواز منع الضّرر، وفي
الحديث دليل على استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنّهي عن
المنكر، وفيه دليل على جواز القرعة واستعمالها.
١٢ - إن التَّمتع بالدنيا قليل وعمرها قصير، والآخرة أي الجنة لمن اتّقى
وخاف. أخرج التِّرمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله