Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
لُ (٢٥) - الشُِّورَ: ٤٢ / ٢٧-٣٦
- المصائب في الغالب تكون بسبب الذنوب والمعاصي، فهي عقوبات
على السيئات، وقد تكون للابتلاء كما قال وسلم فيما رواه أحمد والبخاري
والترمذي وابن ماجه عن سعد: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل
فالأمثل)» والقصد من الابتلاء رفع الدرجات؛ لأن الأنبياء معصومون عن
الذنوب والآثام، ويكون حصول المصيبة من باب الامتحان في التكليف، لا
من باب العقوبة، كما في حق الأنبياء والأولياء.
والعقوبة عن الذنب في الدنيا كفارة له في الآخرة، وهذا في حق المؤمنين
فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن آية: ﴿وَمَا أَصَبَكُمْ﴾: هذه الآية
أرجى آية في كتاب الله عز وجل. وإذا كان يكفّر عني بالمصائب، ويعفو عن
كثير، فما يبقى بعد كفارته وعفوه ؟
٩ - إن قدرة الله عامة شاملة لكل شيء، ومهيمنة على كل شيء، فلن
يستطيع الكفار والمشركون أن يعجزوه أو يفوتوه هرباً من سلطانه، ولن يجدوا
لهم في الآخرة ولياً يتولى أمورهم، ويتعهد مصالحهم، ولا نصيراً يدفع عنهم
عذاب الله وانتقامه، فهم في الدنيا والآخرة في قبضة القدرة الإلهية.
لاً - من آيات الله تعالى أيضاً على قدرته، ونعمته على العباد: هذه السفن
السائرة في عرض البحر على سطح الماء عند هبوب الرياح، أو ما حل محلها
من الطاقة الدافعة لمحركاتها، مما صنعه الإنسان بإلهام الله وتعليمه والتمكن
من اكتشافه، وشأن الأجسام الثقيلة الكثيفة الغرق في الماء، لكنه تعالى جعل
للماء قوة لحمل السفن ومنع الغوص، ثم جعل الرياح سبباً لسيرها، فإذا أراد
أن ترسو أسكن الريح.
والله قادر على جعل الرياح ساكنة هادئة، فتبقى السفن سواكن على ظهر
البحر، وقادر على تعطيل آلاتها وإيقاف محركاتها بأيسر الأشياء، وهو

٨٢
لُرُ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
قادر أيضاً على جعل الرياح عواصف فيوبق السفن، أي يغرق ركابها بذنوبهم،
ويعفو عن كثير من أهلها فلا يغرقهم معها، وحينئذ يعلم الكفار إذا توسطوا
البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أو بقيت السفن رواكد أنه لا ملجأ لهم
سوى الله تعالى، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة.
إن في أمر السفن دلالات وعلامات لكل صبار على البلوى، شكور على
النعماء، قال قُطْرُب: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا
ابتُلي صبر. وقال عَوْن بن عبد الله: فكم من مُنْعَم عليه غير شاكر، وكم من
مبتلى غير صابر.
٨ - لا ينبغي التفاخر بمظاهر الدنيا، فإن كل ما فيها من ثروات وقصور
ومبان وآلات، هو متاع يستمتع به في أيام قليلة تنقضي وتذهب. وما عند الله
من الثواب على الطاعة خير وأدوم للذين صدّقوا بالله ووحّدوه، وتوكلوا على
ربهم وفوضوا إليه أمورهم.
صفات المؤمنين الكمَّل أهل الجنة
وَالَّذِينَ
﴿ وَالَّذِينَ يَحْنَنِبُونَ كَبَِّرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ
أُسْتَجَابُواْ لِرَيِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ
) وَالَّذِينَ إِذَا
وَجَزَّؤُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى
أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ
اللّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الَاِمِينَ
وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ فُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِمٍ مِّنِ سَبِيلٍ
إِنَّمَا السَِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَكَ
٤١
٤٣
﴿﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
القراءات:
كَبَِّرَ اْإِثْ﴾

٨٣
الْجُزُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (كبير الإثم).
الإعراب:
﴿وَلَّذِينَ يَحْنَذِبُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف مجرور على ﴿لِلَّذِينَ﴾ في قوله تعالى:
﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وكذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ﴾
في موضع جرّ أيضاً بالعطف عليه.
﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾: إما تأكيد لضمير ﴿عَضِبُوا﴾ و﴿يَغْفِرُونَ﴾ : جواب
إذا، وإما مبتدأ، خبره: ﴿يَغْفِرُونَ﴾ والتقدير: فهم يغفرون، فحذف الفاء في
جواب الشرط. وكذلك قوله تعالى: ﴿هُمْ يَنْنَصِرُونَ﴾.
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ ﴿وَلَمَنْ﴾: اسم موصول مبتدأ، و﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ في
حكم المبتدأ الثاني، والعائد محذوف تقديره: إن ذلك الصبر منه، وحذف للعلم
به، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره: في موضع رفع؛ لأنه خبر المبتدأ الأول.
البلاغة:
﴿كَبَبِرَ اُلْإِثْ وَالْفَوَحِشَ﴾ عطف البعض على الكل.
{وَجَزَّوُاْ سِيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ من قبيل المشاكلة، سمي جزاء السيئة سيئة
للتشابه بينهما في الصورة.
المفردات اللغوية:
﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ معطوف مع ما بعده على ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. ﴿كَبَيْرَ
اُلْإِثِ﴾ مارتب عليه وعيد شديد، كشهادة الزور وعقوق الوالدين، أو كل ما
يوجب حداً، كالقتل العمد والقذف والسرقة والزنى ونحوها ﴿ وَاُلْفَوَحِشَ﴾ ما
فحش وعظم قبحه كالزنى والقتل ونحوهما، جمع فاحشة، وهو من عطف
البعض على الكل ﴿يَغْفِرُونَ﴾ يعفون ويتجاوزون.

٨٤
الزُ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
﴿ وَلَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ﴾ أجابوا إلى ما دعاهم إليه ربهم من التوحيد
والعبادة، وأداء الفراض وترك النواهي ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَةَ﴾ داوموا على إقامتها
{ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ الشورى: مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، أي أمرهم ذو
شورى، يتشاورون، ولا ينفردون برأي حتى يتشاوروا وذلك من فرط تيقظهم
في الأمور، وإحكام الخطط، والظفر بالمطلوب، والشورى: تبادل الآراء
لمعرفة الصواب منها ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ﴾ أعطيناهم ﴿ يُفِقُونَ﴾ في طاعة الله.
﴿الْبَغْىُ﴾ الظلم ﴿يَنْنَصِرُونَ﴾ ينتقمون ممن ظلمهم، وصفهم بالشجاعة بعد
وصفهم بأكمل الفضائل؛ لأن الحلم على العاجز محمود، وعلى الظالم مذموم،
منعاً من الإغراء على البغي ﴿ وَجَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ﴾ هي الفعلة التي تسيء مرتكبها وهي
الفعل القبيح ﴿سَيَِّةٌ مِثْلُهَا﴾ سميت الثانية (وهي الجزاء) سيئة لمشابهتها للأولى
(الجريمة) في الصورة. وهذه المماثلة في العقوبة ظاهرة في الجراحات، فإنما
يقتص فيها بمثلها. ﴿عَفَا﴾ عن ظالمه ﴿وَأَصْلَحَ﴾ بالود ما بينه وبينه من عداوة
﴿فَأَجْرُؤُ عَلَى اللّهِ﴾ أي فثوابه على الله حتماً، وهذا وعد يدل على عظم الموعود
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ البادئين بالظلم، فيعاقبهم.
﴿ وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ نُلْمِهِ،﴾ قابل الظالم بمثل فعله بعد أن ظلمه ﴿مَا عَلَيْهِم
مِّن سَبِيلٍ﴾ مؤاخذة أو عتاب ومعاقبة ﴿يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ يبتدؤونهم
بالإضرار﴿ أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم على ظلمهم وبغيهم ﴿وَلَمَنْ
صَبَرَ﴾ على الأذى، فلم ينتصر ﴿وَغَفَرَ﴾ تجاوز﴿ إِنَّ ذَلِكَ﴾ الصبر
والتجاوز ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ معزومات الأمور، بمعنى المطلوبات شرعاً أو
المشكورة المندوب إليها.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٧):
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ﴾ أو قيل: نزلت في عمر حين شُتم بمكة، وقيل: في أبي
بكر حين لامه الناس على إنفاق ماله، وحين شُتم فحلُم.

٨٥
لِلُ (٢٥) - الشُِّورَىُ: ٤٢ / ٣٧-٤٣
نزول الآية (٣٨):
﴿ وَالَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ﴾: نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله بَّهِ إلى الإيمان،
فاستجابوا وأقاموا الصلاة.
نزول الآيات (٤١ - ٤٣):
ذكر الكلبي والفراء أنها نزلت أيضاً في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد
شتمه بعض الأنصار، فرد عليه، ثم أمسك.
المناسبة:
بعد بيان دلائل التوحيد والقدرة الإلهية، والتنفير من الدنيا، رغّب تعالى في
الآخرة، فإنها خير وأبقى، ثم بيَّن أن الخيرية تحصل لمن اتصف بصفات معينة،
ذكر أولاً منها صفتين وهما الإيمان بالله والتوكل عليه، وتابع هنا إيراد
الصفات الأخرى للمؤمنين وهي: اجتناب كبائر الذنوب والفواحش، وإطاعة
الله تعالى وترك نواهيه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والتشاور في الأمور
العامة والخاصة، والشجاعة والبأس لاسترداد الحقوق المغتصبة.
التفسير والبيان:
وصف الله تعالى أهل الجنة بالإيمان بالله والتوكل عليه، وبالصفات التالية:
اَ - اجتناب الكبائر: ﴿ وَلَّذِينَ يَحْنَذِبُونَ كَبَبِرَ اُلْإِثْ وَالْفَوَحِشَ﴾ أي الذين
يتجنبون الوقوع في كبائر الذنوب التي أوعد الله عليها وعيداً شديداً، كالشرك
والقتل العمد وعقوق الوالدين، والفواحش وهي كل ما استقبحه الشرع
والعقل والطبع السليم من قول أو فعل، كالغيبة والكذب، والزنى، والسرقة
والحرابة (الإفساد في الأرض).
. ◌َّ - العفو عند المقدرة: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي يتجاوزون عن

٨٦
لِزُ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
الذنب الذي أغضبهم، ويكظمون الغيظ، ويحلمون عمن ظلمهم؛ لأن
سجيتهم العفو والصفح وليس الانتقام من الناس. وهذا من محاسن الأخلاق
يُشفقون على ظالمهم، ويصفحون عمن جهل عليهم، يطلبون بذلك ثواب الله
وعفوه. جاء في الحديث الصحيح: ((ما انتقم النبي ◌َّ لنفسه قط، إلا أن
تُنتهك حرمات الله)).
٣ - تمام الانقياد والطاعة لله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ﴾ أي والذين
أجابوا ربهم إلى ما دعاهم إليه، من توحيده والتبرؤ من الشرك، وأطاعوا
الرسل فيما أمر الله به وزجر عنه.
٤ - إقام الصلاة: ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي أدوا الصلاة المفروضة كاملة بإتمام
أركانها وشروطها وخشوعها في مواقيتها المفروضة، وخصت الصلاة هنا
بالذكر مع أمهات الفضائل؛ لأنها أعظم العبادات لله عز وجل، فهي معراج
الوصول إلى الله، أو صلة بين العبد وربه.
٥ - الأخذ بنظام الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي يتشاورون فيما
بينهم في الأمور الخاصة والعامة، ولا ينفردون برأي في كل أمر من القضايا
العامة، كتولي الحكم (أو الخلافة) وشؤون تدبير الدولة والتخطيط لمصالحها،
وإعلان الحرب، وتولية الولاة والحكام والقضاة وغيرهم. وكان النبي ◌َي
أكثر الناس مشاورة لأصحابه، وسلك الصحابة طريقه ومنهجه في عظائم
الأمور كتولية الخلافة وحروب الردة واستنباط الأحكام الشرعية للقضايا
والحوادث المستجدة، وشاور عمر رضي الله عنه الهُرْمزان حين وفد عليه
مسلماً(١)، ولما طعن عمر جعل الأمر بعد شورى في ستة نفر، وهم عثمان
وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فاتفقوا
على تقديم عثمان رضي الله عنه للخلافة الثالثة.
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٦٥٦/٤

٨٧
الُهُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
وإذا كانت الآية هنا تقرر وصفاً ثابتاً للمؤمنين، فقد أمر الله تعالى
بالشورى في آية أخرى، فقال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩/٣] وقال
الحسن البصري رحمه الله: ((ما تشاور قوم إلا هُدوا لأرشد أمورهم)) وقال ابن
العربي(١): الشورى أُلْفةٌ للجماعة، ومسبارٌ للعقول، وسبب إلى الصواب،
وما تشاور قوم إلا هُدوا، وقد قال حكيم:
إذا بلغ الرأي المشورةَ فاستعن برأي لبيب أو مَشُورة حازم
ولا تجعل الشُّورى عليك غَضَاضة فريش الخوافي قوة للقوادم
أَ - الإنفاق: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ أي وينفقون في سبيل الله وطاعته
بعض ما رزقناهم من أموال وخيرات؛ فالإنفاق من الأغنياء قوة للأمة،
وعلاج لضعفها، وسبيل للحفاظ على هيبة الدولة ورفعة شأن أفرادها
وعزها، وذلك بالإحسان إلى الأقرب فالأقرب ثم للمصالح العامة، كإغناء
المحاويج، وإعداد القوى الحربية لمجابهة الأعداء.
أي إذا تعرضوا
لاً - الشجاعة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ الَّ
للظلم والاعتداء انتصروا ممن ظلمهم؛ لأن الانتصار عند البغي واجب
وفضيلة ولأن التذلل لمن بغى يتنافى مع عزة المؤمنين، إذ العجز والاستضعاف
يؤدي إلى إغراء العدو على إلحاق صنوف أخرى من العدوان، فالمؤمنون أعزة
كرام يحافظون على الحقوق والحرمات والكرامة، وليسوا بالعاجزين ولا
الأذلّين، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، فإذا قَدَرُوا عفوا.
ولا تعارض بين هذه الآية وبين ما سبقها وهي: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ
يَغْفِرُونَ﴾ فإن كل آية لها مجال وموضع، فالسابقة في موضع، واللاحقة في
موضع، وذلك لأن العفو قسمان(٢):
(١) أحكام القرآن ١٦٥٦/٤
(٢) تفسير الرازي: ١٧٧/٢٧

٨٨
الْجُ (٢٥) - الشُِّورَ: ٤٢ / ٣٧-٤٣
الأول - أن يكون سبباً لتسكين الفتنة، وتهدئة النفوس، ورجوع الجاني
عن جنايته، وهذا محمود، تحمل عليه آيات العفو، مثل: ﴿ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢]. وهذا مرغب فيه في داخل الأمة الواحدة.
الثاني - أن يكون سبباً لتجرؤ الظالم وتماديه في غيه واستضعافه الأمة،
وهذا مذموم، تحمل عليه آيات الحث على الانتقام، وهذا واجب في مقاومة
العدو الخارجي، وعند اغتصاب الحقوق، ويتوقف على توافر القوة المكافئة أو
القدرة المطلوبة في نظام الإسلام بإلزام المؤمن الصمود أمام اثنين من العدو.
والأمثلة الموضحة كثيرة، منها: عفا يوسف عليه السلام عن إخوته وقال
كما حكى القرآن: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ١٢/
٩٢] مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه. وعفا رسول الله وَالقادم
عن أهل مكة بعد فتحها، وعفا عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام
الحديبية، ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم منّ عليهم مع قدرته على
الانتقام، وعفا عن غَوْرَث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه
- سيف النبي ◌َّطير - وهو نائم، فاستقيظ ◌َلَّ، وهو في يده مصلتاً، فانتهره،
فوقع من يده، وأخذ رسول الله وَّ السيف في يده، ودعا أصحابه، ثم
أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل، وعفا عنه. وكذلك عفا وَّل عن
المرأة اليهودية - وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمد
بن مَسْلَمة، التي ستمت الذراع يوم خيبر - فأخبره الذراع بذلك، فدعاها
فاعترفت، فقال ◌َّ: ((ما حملكِ على هذا؟ قالت: أردت إن كنت نبياً لم
يضرك، وإن لم تكن نبياً استرحنا منك، فأطلقها وَالر، ولكن لما مات منه - من
السم - بشر بن البراء رضي الله عنه قتلها به.
وروي أن زينب أقبلت على عائشة، فشتمتها، فنهاها النبي وَّ عنها، فلم

٨٩
الزُءُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
تنته، فقال النبي ◌َّر: ((دونك فانتصري)) (١) وهذا تطبيق لقوله تعالى:
﴿لَّا
يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ [النساء: ١٤٨/٤]. أخرج أحمد
ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((المستبَّان
ما قالا من شيء، فعلى البادي حتى يعتدي المظلوم)) ثم قرأ: ﴿وَجَزَُّؤَأْ سِيْئَةٍ
سَِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾
ثم إن الله تعالى لم يرغب دائماً في الانتصار، بل بيَّن أنه مشروع فقط، ثم بيَّن
بعده أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة، ثم أبان أن العفو أولى بقوله:
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾
وشرط الله تعالى المماثلة بين الجناية والعقوبة في قوله تعالى:
﴿ وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ أي إن عقاب السيئة عقاب مماثل للجُرْمِ،
وإن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة، فإذا قال المسيء: أخزاك
الله، يقول: أخزاك الله، من غير أن يعتدي، وسمى جزاء السيئة سيئة؛ لأنها
تسوء من تنزل به.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى
عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤/٢] وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا
عُوقِبْتُم بِهِءٌ﴾ [النحل: ١٢٦/١٦]، وقوله عز وجل: ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيْئَةِ فَلَ
[الأنعام: ١٦٠/٦] .
يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾
وهكذا فإن جميع العقوبات المدنية والجنائية في الإسلام تجب فيها المماثلة
فالقصاص مثلاً من القاتل عمداً أو في الجروح واجب بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِی
(١) أخرجه مسلم وأخرجه بلفظ آخر النسائي وابن ماجه وابن مردويه عن عائشة، وجاء فيه ((
فقال لي: سبيها، فسببتها حتى جفَّ ريقها في فمها)).

٩٠
الدُّعُ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
اَلْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩/٢] وقوله عز وجل: ﴿وَالْحُمَتُ
قِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٩٤/٢] وقوله سبحانه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥/٥]
لكن رغّب تعالى بالعفو في آخر الآية الأخيرة، فقال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ،
فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ وهنا قال:
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي من عفا عن الظالم المسيء، وأَصلح
بالود والعفو ما بينه وبين معاديه، فثوابه على الله، يعطيه جزاء أعظم، كما
قال ◌َّ فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: ((وما زاد الله عبداً
بعفو إلا عزاً)).
ووصف الله المتقين بقوله: ﴿اُلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السََّّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِمِينَ
اَلْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[آل عمران: ١٣٤/٣].
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الََّكِمِينَ﴾ أي إنه تعالى لا يحب المبتدئين بالظلم، ولا يحب من
يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد فيه؛ لأن المجاوزة ظلم. والمراد أنه تعالى
يعاقب المتجاوز حده. وهذا تأكيد لمطلع الآية في اشتراط المماثلة نوعاً
ومقداراً.
ثم أكد الله تعالى مشروعية دفع الظلم والبغي، فقال:
أي والله إن
٤١
﴿ وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ نُظُلْمِهِ، فَأُوْلَتِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ
المنتصر من الظالم بعد ظلمه له، لاسبيل عليه بمؤاخذة أو عقوبة؛ لأن
الانتصار بحق، فيشرع القصاص في الجنايات العمدية، والضمان في جنايات
الخطأ والإتلافات ويجوز الشتم والسب بالمثل دون اعتداء ولا تجاوز.
﴿إِنََّا السَِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ اُلْحَقِّ﴾ أي إنما
المؤاخذة والعقوبة على الذين يبدؤون الناس بالظلم، أو يتعدَّوْن مبدأ المماثلة،
ويتجاوزن الحد في الانتقام، ويَحْنُون على النفوس والأموال بغير الحق،
ويتكبرون ويتجبرون بظلم الناس، وسلب الحقوق.

٩١
الُهُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أولئك البادئون بالظلم أو المتجاوزون الحدود
لهم عذاب مؤلم شديد بسبب اعتدائهم.
ثم أكد الله تعالى الترغيب في العفو والصفح عند المقدرة، فقال:
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (®﴾ أي بعد أن ذم تعالى
الظلم وأهله وشرع القصاص، ندب إلى العفو والصفح، فقال: إن من صبر
على الأذى، وستر السيئة، وغفر خطأ من ظلمه، فإن ذلك الصبر والمغفرة لمن
الأمور المشكورة والأفعال الحميدة، التي يثاب عليها بالثواب الجزيل والثناء
الجميل؛ لأن الإنسان الغاضب يثبت فيها ويرسخ، ولا ينطلق وراء شهوة
الانتقام.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات ما يأتي:
اً - ترغيب المؤمنين بالاتصاف بأمهات الفضائل التي ذكرت في الآيات
ليكونوا ورّاث الجنة وأهلها، وتلك الصفات سبع هي: اجتناب كبائر الإثم
والفواحش، وهي كل ما توعد الله عليه بالعذاب أو أوجب فيه حداً من
الحدود المقدرة شرعاً، والتجاوز والحلم عمن ظلمهم، والانقياد والطاعة
لأوامر الله تعالى، وإقام الصلاة، والتشاور فيما بينهم، والبذل والإنفاق في
طاعة الله، والجرأة والشجاعة في دفع البغي والظلم.
اً - قال ابن العربي: مدح الله المشاورة في الأمور، ومدح القوم الذين
يمتثلون ذلك، وقد كان النبي وَ﴿ يشاور أصحابه في الأمور المتعلقة بمصالح
الحروب، وذلك في الآثار كثير، ولم يشاورهم في الأحكام؛ لأنها منزَّلة من
عند الله على جميع الأقسام: من الفرض، والندب والمكروه، والمباح، والحرام.
فأما الصحابة بعد استئثار الله به علينا، فكانوا يتشاورون في الأحكام،

٩٢
لُ (٢٥) - الشُِّؤْرَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وإن أول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة؛
فإن النبي ◌َّو لم ينصّ عليها، حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما هو
معروف، وقال عمر: نَّرْضى لدنيانا من رضيه رسول الله وَ ﴿ لديننا، وتشاوروا
في أمر الردّة، فاستقر رأي أبي بكر على القتال، وتشاوروا في الجدّ وميراثه،
وفي حد الخمر وعَددِه، وتشاوروا بعد رسول الله وَله في الحروب، حتى شاور
عمر الهرمزان حين وفد عليه مسلماً في المغازي قائلاً: فمرٍ المسلمين فلينفروا إلى
کسری(١)
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلات: ((إذا
كان أمراؤكم خيارَكم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمرُكم شورى بينكم، فظهرُ
الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شرارَكم، وأغنياؤكم
بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها)).
٢ - إن آية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ (3)﴾ هي غالباً في العلاقات
الخارجية بين المسلمين وغيرهم، فقد أصابهم بغي المشركين في الماضي، قال
ابن عباس: وذلك أن المشركين بَغَوْا على رسول الله وَ لَه وعلى أصحابه،
وآذوهم وأخرجوهم من مكة، فأذن الله لهم بالخروج ومكّن لهم في الأرض،
ونصرهم على من بغىٍ عليهم؛ وذلك قوله في سورة الحج: ﴿أُذِّنَ لِلَّذِينَ
الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن
يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ
دِيَرِهِم بِغَيْرٍ حَقِّ﴾ الآيات [٣٩ - ٤١].
وليست الآية مقصورة على الماضي، وإنما هي عامة في بغي كل باغ من كافر
وغيره، أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه. وهذا إشارة إلى الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود (٢) وإشارة إلى أن من صفات
المؤمنين العزة والكرامة وإباء الذل والشمم، والاعتزاز بقوة الله والثقة بنصره.
(١) أحكام القرآن: ١٦٥٦/٤
(٢) تفسير القرطبي: ٣٨/١٦ - ٣٩

٩٣
لُرُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
٤ - أما إذا كان الظلم بين المسلمين فقط أو بين المسلمين وغيرهم، فإذا
كان الباغي معلناً الفجور، وَقِحاً يؤذي الصغير والكبير، فيكون الانتقام منه
أفضل، قال إبراهيم النَّخَعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فتجترئ
عليهم الفسّاق. أي إنه في حال وقوع الأذى أو الضرر العام يكون الانتقام.
وإذا وقعت الجناية خطأ أو فلتة أو تعمدها صاحبها ثم طلب المغفرة فالعفو
ههنا أفضل، وفي مثله نزلت: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢]
وقوله: ﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥/٥] وقوله:
﴿ وَلَيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢/٢٤].
٥- إنَّ آية: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ أصل كبير في علم الفقه وهو
مقابلة الجناية بمثلها، سواء في العقوبات البدنية أو المالية. وتأول الشافعي في
هذه الآية: أن للإنسان أن يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه،
واستشهد في ذلك بقول النبي وَّل لهند زوج أبي سفيان في الحديث المتفق عليه
عن عائشة: ((خذي من ماله ما يكفيك وولدك)) فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه.
أَ - اختلف اجتهاد المجتهدين فيما إذا لم يكن استيفاء الحق إلا باستيفاء
الزيادة، بسبب التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجاني، وبين منع المجني عليه
من استيفاء حقه، فأيهما أولى؟ وذكر الرازي أمثلة عشرة لهذا الخلاف(١) أشير
إليها بإيجاز:
المثال الأول - احتج الشافعي رضي الله عنه على أن المسلم لا يقتل بالذمي
وأن الحر لا يقتل بالعبد: بأن قال: المماثلة شرط لجريان القصاص، وهي
مفقودة في هاتين المسألتين، فوجب ألا يجري القصاص بينهما.
المثال الثاني - احتج الشافعي رضي الله عنه في أن الأيدي تقطع باليد
(١) تفسير الرازي: ١٧٩/٢٧ - ١٨٠
۔
.

٩٤
الُ (٢٥) - الشُؤْرَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
الواحدة، فقال: لا شك أنه إذا صدر كان القطع أو بعضه عن كل أولئك
القاطعين أو عن بعضهم، فوجب أن يشرع في حق أولئك القاطعين مثله لهذه
النصوص.
المثال الثالث - شريك الأب يشرع في حقه القصاص؛ لأنه صدر عنه الجرح
فوجب أن يقابل بمثله، لقوله تعالى: ﴿وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥/٥].
المثال الرابع - قال الشافعي رضي الله عنه: من حرّق حرقناه، ومن غرَّق
غرقناه، والدليل عليه هذه النصوص الدالة على مقابلة كل شيء بمماثله.
المثال الخامس - شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا: تعمدنا الكذب،
يلزمهم القصاص؛ لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه، فوجب أن يصير دمهم
مهدراً لقوله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَبِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾.
المثال السادس - قال الشافعي رضي الله عنه: المكرَه يجب عليه القَوَد
(القصاص) لأنه صدر عنه القتل، فوجب أن يجب عليه مثله، أي كالمكرِه.
المثال السابع - قال الشافعي رضي الله عنه: القتل بالمثقل كالحجر والخشب
﴿ وَجَزَُّؤْاْ سَيّئَةٍ
يوجب القود، لهذه الآية :
المثال الثامن - الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً، كما تقدم؛ ولأن القاتل أتلف
على مالك العبد شيئاً، فيجب ضمانه، وإذا وجب الضمان، وجب ألا يجب
القصاص؛ إذ لا فرق.
المثال التاسع - منافع الغصب مضمونة عند الشافعي رضي الله عنه؛ لأن
الغاصب فوَّت على المالك منافع تقابل في العرف بمال، فوجب أن يفوت على
الغاصب مثلهمن المال، لهذه الآية: ﴿وَجَزَّوَأْ سِيْئَةٍ﴾
المثال العاشر - الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً لعلة ثالثة وهي أنه لو قُتل

٩٥
الجُ (٢٥) - الشُِّوْرَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
بالعبد لكان هو مساوياً للعبد في المعاني الموجبة للقصاص، لقوله تعالى: ﴿مَنْ
عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠/٤٠].
والخلاصة: إن قوله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ يقتضي وجوب
رعاية المماثلة مطلقاً في كل الأحوال إلا ما استثني وخص بدليل.
لاً - لمن عفا وأصلح النزاع بينه وبين الظالم بالعفو: أجر كبير عند الله
تعالى. والمقصود من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ التنبيه على أن المجني
عليه لا يجوز له استيفاء الزيادة من الظالم؛ لأن الظالم فيما وراء ظلمه معصوم،
والانتصار قد يؤدي إلى تجاوز المساواة، والتعدي، خصوصاً في حال الحرب
والتهاب الحمية، فربما صار المظلوم عند الإقدام على استيفاء القصاص ظالمً.
٨ - للمظلوم الانتصار من الظالم دون مؤاخذة ولا عقوبة ولا حرج وهل
له أن يستوفي ذلك بنفسه ؟ هناك ثلاثة أقسام(١)
الأول - القصاص بالنفس إذا ثبت الحق فيه عند الحكام يجوز استيفاؤه من
ولي الدم، لكن يزجره الإمام لجرأته على سفك الدم. أما إذا لم يثبت حقه عند
الحاكم، فيجوز له استيفاؤه ديانة بينه وبين الله، لكن يؤاخذ قضاء ويعاقب
على فعله.
الثاني - الحد الخالص لله تعالى الذي لا حق فيه للآدمي كحد الزنى وقطع
السرقة: إن لم يثبت عند حاكم عوقب به، وإن ثبت عند حاكم فإن كان قطع
يد أو رجل سقط به الحد، ويعزر وإن كان جلداًلم يسقط به الحد، لتعدّیه،
فیؤاخذ بحکمه.
الثالث - الحقوق المالية: يجوز أخذها مغالبة ممن هو عالم بها، أما غير
(١) تفسير القرطبي: ٤١/١٦

٩٦
الزُعُ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ٣٧-٤٣
العالم بها، فإن أمكن أخذها منه بالمطالبة القضائية وجبت، ويجوز أخذها
سراً، وإن لم يكن آخذها منه بالمطالبة القضائية، لجحود من هي عنده، ولا بينه
تشهد بالحق، فيجوز أخذها سراً عند مالك والشافعي، ولا يجوز ذلك عند أبي
حنيفة.
1 - يؤاخذ الظلمة بعدوانهم، فيعاقبون في الدنيا، ولهم عذاب أليم في
الآخرة، وذلك سواء أكان الظلم في النفوس أم في الأموال. والحاكم هو
الذي يؤاخذ.
· اَ - قال ابن العربي في آية ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾: هذه الآية
في مقابلة الآية المتقدمة في براءة، وهي قوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن
سَبِيلٍ﴾ [٩٢] فكما نفى الله السبيل عمن أحسن، فكذلك أثبتها على من
ظَلَمْ (١).
١١ - اختلف العلماء في فرض الحاكم الرسوم والضرائب والأموال على
الناس، هل يجوز الخلاص منها لمن قدر على ذلك، مع أنه يستوفى جميع
المطلوب من الآخرين ؟ قال سحنون من المالكية: لا، وقال أبو جعفر أحمد بن
نصر الداودي المالكي: نعم له ذلك إن قدر على الخلاص؛ لأن الظلم لا أسوة
فيه، ولا يلزم أحد بظلم مخافة أن يضاعف الظلم على غيره، والله سبحانه
يقول: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾.
١٢ - اختلف العلماء في التحليل(٢) والمسامحة عن العِرْض والمال، فأجازه
على العرض والمال سليمان بن يسار ومحمد بن سيرين من التابعين، ورأى
مالك التحليل من المال دون العرض. ورأى سعيد بن المسيب: ألا يحلله بحال.
(١) أحكام القرآن: ١٦٥٨/٤
(٢) التحليل هنا: أن يجعل من ظلمه في حِلّ.

٩٧
الُ (٢٥) - الشُؤْرَى: ٤٢ / ٤٤-٤٦
وجه الرأي الأول: أنه حقه، فله أن يسقطه كما يسقط دمه وعرضه. ووجه
الرأي الثاني: أن التحليل في المال رفق، وفي العرض يتجرأ الظلمه ويغترون
ويسترسلون في أفعالهم القبيحة.
ووجه الرأي الثالث: أنه تحليل ما حرّم الله، فيكون كالتبديل لحكم الله.
والصحيح الجواز بدليل قصة أبي ضَمْضَم الذي كان قد استحل عرضه، أي
سامح من يؤذيه ويشتمه، فقال النبي ◌َّ فيما روى مسلم في صحيحه:
((أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضَمْضَم؟)).
١٣ - إن ثواب المال المأخوذ ظلماً لصاحبه طوال حياته وإلى موته، ثم
يرجع الثواب إلى ورثته؛ لأن المال يصير لهم بالإرث.
١٤ - من صبر على الأذى، وغفر بأن ترك الانتصار لوجه الله إذا كان
الظالم مسلماً، كان صبره من عزائم الله التي أمر بها، ومن عزائم الصواب التي
وفق لها.
أحوال الكفار أمام النار
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِنُ بَعْدِهِ، وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابَ
وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ مِنَ
٤٤
يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍ مِّن سَبِيلٍ
الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ
أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِ عَذَابٍ مُقِيمٍ ﴿ وَمَا كَانَ
لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُ مِّن دُونِ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ
٤٦
الإعراب:
﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾ ﴿مِن﴾: ابتدائية، أو بمعنى الباء.

٩٨
لِلُ (٢٥) - الشُؤْرَى: ٤٢ / ٤٤-٤٦
﴿إِنَّ الْخَسِرِينَ
و﴿ الَّذِينَ﴾ : خبرها.
الَّذِينَ خَسِرُواْ﴾ ﴿اْخَسِرِينَ﴾: اسم إن،
المفردات اللغوية:
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ومن يخذل الله، فلا يوفقه إلى الإيمان ويضله بسبب
رضاه بالكفر ﴿فَمَا لَهُ مِن وَلٍِ مِّنْ بَعْدِهِ﴾ فليس له أحد يلي هدايته ﴿مَرَّدٍ﴾
رجوع إلى الدنيا ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ طريق.
﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ على النار ﴿خَشِعِينَ﴾ خائفين ذليلين ﴿يَنْظُرُونَ﴾ إليها
﴿ مِن طَرْفٍ خَفِىٌّ﴾ ضعيف النظر مسارقة، والطرف: العين، أو مصدر معناه
إطباق أحد جفني العين على الآخر، والمرة منه: طرفة، و﴿مِن﴾ ابتدائية، أي
يبتدئ نظرهم إلى النار من تحريك ضعيف لأجفانهم ﴿خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ
وَأَهْلِيهِمْ﴾ بالتعريض لعذاب الخلد﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿فِ عَذَابٍ
مُّقِيمٍ﴾ دائم. وقوله: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ تمام كلام المؤمنين، أو تصديق من الله
هم.
﴿مِّن دُونِ اللَّهُ﴾ أي غيره ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ نصراء وأعوان يدفع عذابه عنهم ﴿فَمَّا
لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ طريق إلى الهدى والنجاة والجنة في الآخرة.
المناسبة:
بعد بيان أن الذين يظلمون الناس ويفسدون في الأرض لهم عذاب أليم
على بغيهم وعدوانهم، ذكر الله تعالى أحوال الكفار عند رؤية عذاب النار،
فهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا، ويقفون أمام النار ذليلين خائفين، وتتبين
خسارتهم الفادحة بخلودهم في العذاب، دون أن يجدوا أنصاراً يخلصونهم من
العذاب. وقد بدئت الآيات وختمت ببيان أن الإضلال من الله تعالى، وأن
الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله تعالى.

٩٩
الْجُرُ (٢٥) - الشُؤْرَى: ٤٢ / ٤٤-٤٦
التفسير والبيان:
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّنْ بَعْدِهِ﴾ أي من يخذله الله بإضلاله إياه،
لعلمه بسوء استعداده للخير والإيمان، واقترافه المعاصي والآثام، فما له من
أحد يتولى هدايته ونصره، والأخذ بيده إلى طريق الهدى والرشاد والفوز، كما
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧/١٨] وهذا
تحقير لأمر الكفرة وبيان أنه لا يقع شيء في الكون من الهدى والضلال
وغيرهما إلا بإرادة الله ومشيئته، حتى لا يوصف بالعجز، وكشف لأحوال
الذين أعرضوا عن دعوة النبي وَله إلى الإيمان بالله تعالى، فما شاء الله كان،
وما لم يشأ لم يكن.
ثم أخبر الله تعالى عن أحوال الظالمين في الآخرة، وهم المشركون بالله،
فقال :
١ - ﴿وَتَرَى الظََّلِينَ لَمَّا رَأَوْ اُلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ}
؟
أي وتبصر المشركين الكافرين بالله المكذبين بالبعث، حين نظروا إلى النار،
وعاينوا العذاب، يتمنون الرجوع إلى الدنيا من أي طريق، قائلين: هل من
سبيل إلى الرجعة ؟
ونظير الآية قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ
بَلْ بَدَا لَهُمُ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْ
بِكَايَتِ رَبِّنَا وَنَّكُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ
[الأنعام: ٢٧/٦-٢٨] .
◌ِمَا نُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
٢ - ﴿ وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٌّ﴾.
أي وتبصرهم أيضاً يعرضون على النار، وهم خائفون أذلاء، يسارقون النظر
إليها من شدة الخوف. وهذا شأن الرهبة من العقاب.
٣- ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ

١٠٠
لٌعُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٤٤-٤٦
اُلْقِيَامَةِ﴾ أي ويقول المؤمنون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة: إن
الخاسرين الخسار الأكبر، هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، بدخول النار
والخلود فيها، وعلى هذا التأويل يكون ﴿يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ متعلقاً بـ ﴿وَقَالَ﴾
ويصح أن يتعلق بـ ﴿خَسِرُواْ﴾ ويكون قول المؤمنين واقعاً في الدنيا
والظاهر: الأول.
أما خسرانهم لأنفسهم، فلكونهم صاروا معذبين في النار، دون أمل في
النجاة، وأما خسرانهم لأهلیھم، فإن کانوا معهم في النار، فلا ینتفعون بهم،
ولأنهم كانوا هم السَّبب في تعذيبهم، وإن كانوا في الجنة فقد فرِّق بينهم
وبینهم.
٤ - ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِ عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ أي ألا إن الكافرين في عذاب
دائم لا ينتهي، ولا يخرجون منه، ولا محيد لهم عنه، وهذا تتمة كلام المؤمنين
أو تصديق من الله لهم فهو من كلامه ..
٥ - ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآَ يَنصُرُونَهُ مِّن دُونِ اللَّهُ﴾ أي وليس لهم
أعوان وأنصار من غير الله، ينقذونهم مما هم فيه من العذاب.
٩ - ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ أي ومن يحجب الله عنه توفيقه إلى
الإيمان بسبب علم الله السابق بما سيختاره ويقترفه من الآثام، فلا طريق له
إلى النّجاة والجنّة. أي فلا غرابة في وقوع تلك الظّواهر؛ لأنهم ضالّون
منحرفون عن سبيل الإيمان والحقّ.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على مايأتي :
اً - لا هادي ولا منقذ ولا ناصر لمن خذله الله، بسبب إعراضه عن
الإيمان بالله، والمودّة في القربى، والتكذيب بالبعث، وعدم إدراكه أن متاع
الدنيا قليل.
٠