Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
لُ (٢٥) السورة (٤٢) الشِّوْرَى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّْمِ الرَّحِمَةِ
سُوْدَةُ الشُِّوْرَى
مڪية، وهي ثلاث وخمسون آية
تسميتها:
سميت (سورة الشورى) لوصف المؤمنين فيها بالتشاور في أمورهم:
﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [٣٨] ولأن الشورى في الإسلام قاعدة النظام السياسي
والاجتماعي بل والخاص في الحياة لما لها من مكانة وأهمية بالغة في تحقيق
المصلحة والغاية الناجحة، ولأن الاستبداد يؤدي دائماً إلى أوخم العواقب:
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به على الدوام ورأي الفرد يشقيها (١).
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها فيما يلي:
اً - وصف الكتاب العزيز، وتأكيد نزول الوحي به على قلب النبي
صَّىاللّه
وإثبات الساعة (يوم القيامة).
أَ - مناقشة عقائد الكفار وتهديدهم ووعيدهم، وإثبات وجود الله
ووحدانيته وحكمته وقدرته بالأدلة الكونية المشاهدة، وبالمخلوقات الأرضية
الصناعية وغيرها.
٩
(١) للشاعر المرحوم حافظ إبراهيم.
أ

٢٢
لِلُ (٢٥) السورة (٤٢) الشُِّورَى
٢ - ترغيب المؤمنين بالاستقامة المؤدية إلى الجنة ونعيمها، وتحذير الكافرين
من الانحراف أو الإعراض عن هداية الله المؤدي إلى النار وأهوالها.
٤ - تسلية النبي ◌َّر عما يلقاه من أذى قومه ومطاعنهم.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر السور المكية مختص بالعقيدة القائمة على الإيمان
بوحدانية الله، وصحة الرسالة النبوية، والتصديق بالبعث والجزاء، ومحورها
الأساسي الكلام عن ظاهرة الوحي.
لذا ابتدأت بالحديث عن الوحي الذي أنزله الله على جميع الأنبياء والمرسلين
الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته إلى الناس.
ثم عرضت لما له من هيبة وجلال تكاد السماوات تتفطر منهما، وأن
الملائكة تستغرق في تسبيحه وتمجيده، وأنه الرقيب على أعمال المشركين، ثم
انتقلت إلى بيان كون القرآن عربيا، وأن الإيمان بالله اختياري لا قسري.
ثم أبانت أسباب الاختلاف في الأمة المسلمة وطريق علاجها بتحكيم
كتاب الله، وأوضحت ضرورة اختلاف الشرائع الإلهية الموحى بها في
الجزئيات حسبما يتفق مع مصلحة البشر، مع اتفاقها في الأصول الاعتقادية
والإصلاحية والعبادات، ثم نددت بالمختلفين في الأديان وجعلت خلافهم بغياً
وعدواناً وظلماً، فالدين واحد في أصله، ورسالات الأنبياء تكمل بعضها
بعضاً، وبينها قدر مشترك هو الإسلام، أي الانقياد والخضوع لله عز وجل:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ اُلِّينِ﴾ الآية [١٣].
ثم فتّدت حجة المنكرين لرسالة النبي محمد وَيقول بعد أن تبين صدقها
وصحتها، وهددت باقتراب الساعة التي يستعجل بها المشركون ويشفق منها
المؤمنون، وقرنت التفنيد والتهديد بتهويل العذاب الشديد المنتظر يوم القيامة،
وبوصف نعيم الجنان وروضاتها لتبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات.

٢٣
الُعُ (٢٥) السورة (٤٢) الشُِّؤْرَى
وتحدثت عن مبدأين ضروريِّ المعرفة لكل إنسان في الدنيا: وهما أن الرزق
بيد الله ينزله بحسب المصلحة، وأن العامل للدنيا وحدها يحرم خير الآخرة
والعامل للآخرة يمنح خيرالدنيا معها.
ثم أقامت الأدلة على وجود الله من خلق السماوات والأرض وما فيهما
والتصرف بهما والقدرة عليهما، وإجراء السفن في البحار، فكل ذلك أثر
صنع الله.
وأعقبت ذلك بالإشارة بمن يعمل للآخرة، ويجتنب الفواحش، ويعفو عند
المقدرة، ويستجيب لربه، ويقيم الصلاة، ويستشير أهل الخبرة والمعرفة،
وينتصر من أهل البغي والعدوان، ويؤثر العفو والصفح والصلح، ويقتصر
على الجزاء بالمثل، ويصبر في المحنة.
وأردفت ذلك ببيان أهوال النار وخسارة أهلها، وفقدانهم النصر، وتمنيهم
العودة إلى الدنيا حين رؤية العذاب، وهم أذلة صاغرون. وناسب هذا دعوة
الناس جميعاً إلى الاستجابة لدعوة الله والانقياد لحكمه وشرعه قبل المفاجأة
بيوم القيامة الذي لاشك فيه ولا مرد له: ﴿أُسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ﴾ [٤٧].
والاستجابة تكون تلقائية اختيارية لاقهر فيها، وما على الرسول إلا
البلاغ.
ثم ختمت السورة أولاً بتأکید کون ملك السماوات والأرض لله، يهب
الأولاد أو لا يهب بحسب المشيئة، وثانياً ببيان أقسام الوحي، وعظمة القرآن
خاتم الكتب السماوية، والذي هو نور الله الهادي إلى صراط مستقيم، ليتناسق
الختام مع مطلع السورة بالحديث عن هذا الكتاب العزيز: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَاً
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [٥٢].

٢٤
الجُزءُ (٢٥) - الشُؤْرَى: ٤٢ /١-٦
إنزال الوحي وعظمة اللَّه ورقابته أحوال المشركين
عسق
كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ
﴿حَمَ ا
الْحَكِيمُ
لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ جَ تَكَادُ
السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَبِكَةُ يُسَبِحُونَ بِحَمْدِ رَتِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ
فِى الْأَرْضِّ أَلَّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وَالَّذِينَ أُمَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَآءَ
٥
٦
اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
القراءات:
﴿ يُوحِىّ﴾ :
وقرأ ابن كثير (يوحَى).
تكادُ﴾ :
وقرأ نافع، والكسائي (يكاد).
يَتَفَطَّرْنَ﴾ :
وقرأ أبو عمرو (ينفطرن).
الإعراب:
﴿ كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اَللَّهُ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾: الكاف بمعنى
المثل، و﴿ كَذَلِكَ﴾ مفعول مطلق لؤ يُوحِىّ﴾ و﴿اَللَّهُ﴾: فاعل ﴿يُوحِىّ﴾. ومن
قرأ ((يُوحَى)) كان لفظ الجلالة ﴿اَللَّهُ﴾ إما مرفوع بفعل مقدر دل عليه ((يُوحَى))
كرفع كلمة ﴿رِجَالٌ﴾ في قراءة من يقرأ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ،
رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦/٢٤-٣٧] بفعل مقدر، أي يسبحه رجال، وإما مرفوع
٠

٢٥
الُعُ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ١-٦
بالابتداء، ويكون ﴿اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ خبرين عن الله تعالى، ويجوز جعلهما
وصفين، و﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ﴾ الخبر، وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ
محذوف، أي هو الله.
﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ توالي المؤكدات وهي ألا، وإن، وضمير
الفصل.
البلاغة:
﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ توالي المؤكدات وهي: ألا، وإن،
وضمير الفصل.
﴿اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾، ﴿اَلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿بِوَكِيلٍ﴾ صيغ
مبالغة، وسجع لطيف.
﴿ كَذَلِكَ يُوحِىّ﴾ استعمل الفعل المضارع في حقيقته بالنسبة لما ينزل من
القرآن، وفي مجازه بالنسبة لما أنزل من الكتب السابقة وما أنزل من القرآن.
وهذا تشبيه للمشبه، والمشبه به في هذه السورة.
المفردات اللغوية:
تقرأ هكذا بأسمائها: حا، ميم، عين، سين، قاف
٣
عَسَقَ
بإدغام السين في القاف، وقد انفردت هذه السورة بآيتين من الحروف، لعلهما
اسمان للسورة. وهذه الحروف المقطعة كما تقدم للتنبيه على إعجاز القرآن،
ولفت النظر إلى ما تشتمل عليه السورة من عظائم الأمور ﴿ كَذَلِكَ يُوجِىّ إِلَيْكَ
وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اَللَّهُ﴾ أي مثل هذا الإيحاء يوحي الله إليك أيها الرسول، كما
أوحي إلى من قبلك من الأنبياء. وإنما ذكر الإيحاء بلفظ المضارع: ﴿يُوجِىّ﴾
لحكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار الوحي، وكون إيحاء مثله عادة الله.
﴿اَلْعَزِيزُ﴾ أي القوي الغالب في ملكه ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في صنعه، وهما صفتان.

٢٦
الُعُ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ١-٦
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ﴾.
المتعالى فوق خلقه ﴿اَلْعَظِيمُ﴾ المتفرد بالكبرياء والعظمة ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ بتشققن
والفطور: الشقوق، وقرئ ((ينفطرن)) وقرئ ((يتفطّرَنَّ)). ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أي
تكاد السماوات يتشققن من هيبة وعظمة الله وجلاله، الذي هو فوقهن
بالألوهية والقدرة، أو يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية بسبب وجود
العرش والكرسي وصفوف الملائكة ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ﴾ أي
والملائكة يلازمون ويداومون خضوعاً لعظمة الله على عبادته وتنزيهه عما لا
يليق به، وتحميده وشكره على نعمه ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِىِ الْأَرْضُِ﴾ أي للمؤمنين
فهي عموم يراد به الخصوص، بدليل آية أخرى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[غافر: ٧/٤٠] وحكايته عنهم ﴿فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُوْ سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٤٠/
٧] ﴿أَلَّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لأوليائه المؤمنين ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم.
﴿ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَّةَ﴾ شركاء وأنداداً وهم الأصنام
﴿حَفِيظُ﴾ رقيب على أحوالهم وأعمالهم، محص لها، فيجازيهم عليها ﴿وَمَآ
أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿ِوَكِيلٍ﴾ بموكل بهم تحصل المطلوب منهم وهو هدايتهم، فما
عليك إلا البلاغ فقط.
التفسير والبيان:
عَسْقَ (٣) هذه الحروف الهجائية السبعة المفصولة بمقطعين
(حمَ
أو آيتين مما اختصت به هذه السورة، والمعروف ألا يفصل بين هذه الحروف،
مثل ﴿كَهِيعَصّ ج) أول مريم و﴿الّمَّرْ﴾ أول الرعد، بدئ بها للدلالة على
تكوين القرآن من أجزاء أمثال هذه الحروف التي تتركب منها لغة العرب بقصد
الإعجاز والتنبيه إلى خطورة ما فيها من أمور.
أي مثل
﴿كَذَلِكَ يُوحِيّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ذلك الإيحاء الذي أوحي إلى سائر الأنبياء من كتب الله المنزلة، يوحي إليك

٢٧
الجُزُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ١-٦
أيها الرسول في هذه السورة، من الدعوة إلى التوحيد وإثبات النبوة، والإيمان
بالبعث أو اليوم الآخر والثواب والعقاب، والعمل بفضائل الأخلاق،
والبعد عن رذائلها، وإسعاد الفرد والمجتمع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى
[الأعلى: ١٨/٨٧-١٩] وهو
١٩
صُحُفٍ إِبَهِيَمَ وَمُوسَى
١٨
الصُّحُفِ اٌلْأُولَى
إشارة إلى ما تضمنته السورة من إقرار مبدأ التوحيد، والنبوة، والمعاد، فليس
الهدف من إنزال جميع الكتب الإلهية إلا الإيمان بهذه الأمور الثلاثة.
والذي يوحي إليك هو الله، العزيز في ملكه، الغالب بقهره، الحكيم في
صنعه، يضع الأمور في موضعها الصحيح.
والمقصود بالآية تقرير المماثلة في دعوات الأنبياء إلى التوحيد، والعدل،
والنبوة، والمعاد، والتحذير من الاغترار بالدنيا، والترغيب في التوجه إلى
الآخرة.
ومن أوصاف الموحي أيضاً ما قاله تعالى:
(٤) أي له جميع ما
﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ
في السماوات والأرض ملكاً وخلقاً وعبيداً، فهي مملوكة له، مخلوقة منه،
متصرف فيها كما يشاء إيجاداً وإعداماً، وهو المتعالي فوق خلقه، صاحب
الكبرياء والعظمة، ليس كمثله شيء، فليس المراد العلو في الجهة والمكان، ولا
عظمة الجثة وكبر الجسم؛ لأن ذلك يقتضي كونه مؤلفاً من الأجزاء
والأبعاض، وذلك ينافي قوله: ﴿اَللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١/١١٢] .
والمقصود بالآية الدلالة على كمال قدرة الله، ونفوذ تصرفه في جميع
مخلوقاته.
﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أي تقارب السماوات يتشققن من
عظمة وجلال وهيبة من هو فوقها بالألوهية والقهر والقدرة، وهذا هو
الظاهر، والأدق أن يقال: من الجهة الفوقائية التي هن فيها.

٢٨
لالُ (٢٥) - الشورى: ٤٢ / ١-٦
ويحتمل أن المراد: يتفطرن لكثرة ما عليهن من الملائكة، كما في حديث
أحمد والترمذي: ((أَّت السماء، وحقّ لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا
وفيه ملَك راكع أو ساجد)). وقيل: إن المراد: كدن يتفطرن من قول المشركين:
اتخذ الله ولداً، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿َ لَّقَدْ جِثْهُمْ
تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِزُ الْجِبَالُ هَذَّا
شَيْئًا إِذَّا يَ
أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾﴾(١) [مريم: ٨٨/١٩-٩١].
٩٠
﴿ وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ﴾ أي والملائكة يداومون على تنزيه الله عما
لا يليق به ولا يجوز عليه، قارنين التسبيح بالتحميد وشكر النعم التي لا تحصى،
[الأنبياء: ٢٠/٢١].
كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِىِ الْأَرْضُِ أَلَّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي ويطلبون
المغفرة لعباد الله المؤمنين، ثم أورد الله تعالى ما يكون طمعاً في إيمان الكافر
وتوبة الفاسق، فذكر أنه سبحانه كثير المغفرة والرحمة، وفيه إيماء إلى قبول
استغفار الملائكة، لضم الرحمة إلى المغفرة، وإشارة إلى أن المغفرة المطلقة
والرحمة المطلقة الله تعالى. قال بعض العلماء: هيَّب وعظّم جل وعز في
الابتداء، وألطف وبشَر في الانتهاء(٢)
ونظير الآية: ﴿ الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ
بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْحَيِ
(ب)﴾ [غافر: ٤٠ /٧].
ثم حذر الله تعالى من الشرك قائلاً :
﴿ وَالَّذِينَ أُمَّخَذُواْ مِن دُونِهِ- أَوْلِيَآءَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
﴾ أي إن المشركين الذين اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها من دون الله، الله
٦
(١) إذاً: أي منكراً فظيعاً .
(٢) تفسير القرطبي: ٥/١٦

٢٩
اِلُ (٢٥) - الشُورَى: ٤٢ / ١-٦
هو الرقيب على أحوالهم وأعمالهم، يحفظها ويحصيها عليهم ليجازيهم بها،
وما أنت أيها الرسول بموكل إليك هدايتهم ومؤاخذتهم بذنوبهم، ولست
مكلفاً بحملهم وقسرهم على الإيمان، وإنما عليك البلاغ فحسب.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايأتي:
اً - هناك مماثلة تامة في أصول العقيدة والأخلاق والفضائل بين
رسالات الأنبياء، فالموحى به إليهم واحد يدور حول إثبات التوحيد والنبوة
والمعاد.
وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تبيان أنواع الوحي، أخرج البخاري
ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن الحارث بن هشام
سأل رسول الله وَل﴿، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول
الله وَله: ((أحياناً يأتيني مثل صَلْصَلَة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني
وقد وعيت ما قال، وأحياناً يأتيني الملَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول )) قالت
عائشة رضي الله عنها: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد،
فيفصم عنه، وإن جبينه ◌َ لّ ليتفصّد عرقاً.
أَ - لله ملك السماوات والأرض ومن فيهما، فهو كامل القدرة، نافذ
التصرف في جميع مخلوقاته، وقد اشتملت الآيات على ثماني صفات لله تعالى
وهي:
العزيز، الحكيم، مالك السماوات والأرض ومن فيهما، العلي، العظيم،
الغفور، الرحيم، الحفيظ.
٣° - تكاد السماوات يتشققن من عظمة الله وجلاله فوقهن.
i

٣٠
الُرُ (٢٥) - الشِورَى: ٤٢ / ٧-١٢
٤ - تلازم الملائكة التسبيح (أي تنزيه الله عما لا يجوز في وصفه وما لا
يليق بجلاله) والتحميد، خضوعاً لما يرون من عظمة الله، ويستغفرون
للمؤمنين من الذنوب والخطايا، والله سبحانه له المغفرة المطلقة والرحمة
المطلقة.
٥ - الله هو الذي يحفظ أعمال المشركين الذين اتخذوا أصناماً من غير الله
يعبدونها، ليجازيهم بها، وليس النبي ◌َّ بموكل على أحد في هدايته وقسره
على الإيمان، وإنما الإيمان أمر اختياري، والرسول مجرد مُبلِّغ ناصح، وليس في
قدرته أن يحملهم على الإيمان.
مقاصد الوحي الإلهي
﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لُِّنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَنُنْذِرَ يَوْمَ
الْجَمْعِ لَا رَبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِىِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّ
وَحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن بَشَآءُ فِ رَحْمَيِّهٍ، وَالَِّمُونَ مَا لَهُ مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
٨
أَمِ اَّخَذُواْ مِن دُونِهِ- أَوْلِيَ قَاللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى الْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
وَمَا أُخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
ـ) فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ
وَإِلَيْهِ أَنِبُ
اُلْأَنْعَمِ أَزْوَجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيَّةٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
لَهُ مَفَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
القراءات:
﴿قُرْءَانًا﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (قُراناً).

٣١
الُعُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٧-١٢
الإعراب:
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ الكاف في ﴿وَكَذَلِكَ﴾ مفعول به،
و﴿قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾: حال منه.
{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ ﴿ذَلِكُمُ﴾ : في موضع رفع
مبتدأ، و﴿اللَّهُ﴾: عطف بيانَ، و﴿رَبِ﴾: صفة لله، وخبر المبتدأ: ﴿عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْتُ﴾.
و ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ﴾ مرفوع إما خبر بعد خبر، أو صفة، أو بدل، أو خبر
مبتدأ محذوف أي: هو فاطر السماوات والأرض، أي مبدعهما.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ الكاف: إما زائدة، أي ليس مثلَه شيء، أو غير
زائدة والمراد بالمثل الذات، يقال: مثلي لا يفعل هذا، أي أنا لا أفعل هذا.
البلاغة:
﴿لِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ مجاز مرسل، أي لتنذر أهل مكة. وكما حذف كلمة ((
أهل )) حذف المنذر به وهو العذاب، أي لتنذر أهل مكة العذاب، وهذا يقال
له (احتباك) وهو حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر.
﴿اَلْجَنَّةِ﴾ و﴿السَّعِيرِ﴾، ﴿يَبْسُطُ﴾ و﴿وَيَقْدِرُ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
{وَكَذَلِكَ﴾ أي مثل ذلك الإيحاء، فالإشارة إلى مصدر يُوحي أو إلى معنى
الآية المتقدمة ﴿لِّنُذِرَ﴾ تخوف به ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ أي أهل أم القرى وهي مكة،
كأنها أصل للقرى التي حولها. وقد ثبت علمياً أنها فعلاً في مركز قطب الدائرة
الأرضية ﴿وَمَنْ حَوْلهَا﴾ من العرب وسائر الناس ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ يوم القيامة
الذي تجتمع فيه الخلائق ﴿لَا رَبَ فِيَةٍ﴾ لاشك فيه وهو جملة اعتراضية

٣٢
الُُ (٢٥) - الشِّوْرَى: ٤٢ / ٧-١٢
﴿فَرِيقٌ﴾ منهم أي جماعة ﴿فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِىِ السَّعِيرِ﴾ أي النار المستعرة، أي
بعد جمعهم في الموقف يفرقون فريقين.
﴿أُمَّةً وَحِدَةً﴾ على دين واحد إما مهتدين أو ضالين ﴿وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ
فِي رَحْمَنِهِ﴾ أي بالهداية والتوفيق إلى الطاعة ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ الكافرون ﴿مَا لَهُ
مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي لا يدعمهم ولي يتولى أمورهم، ولا نصير يدفع عنهم
العذاب. وتغيير الجملة من فعلية إلى اسمية، للمبالغة في الوعيد.
﴿أَمِ اَّخَذُواْ﴾ بل اتخذوا، أي إن ﴿أَمِ﴾ منقطعة بمعنى ((بل)) للانتقال من
كلام إلى كلام أو من معنى إلى معنى، والهمزة: استفهامية يراد بها الإنكار،
أي ليس المتخذون أولياء ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي الأصنام ونحوها و﴿أَوْلِيَاءُ﴾ نصراء
أعوان ﴿فَللَّهُ هُوَ اُلْوَلِىُّ﴾ أي المعين الناصر للمؤمنين، وهذا جواب شرط
محذوف مثل: إن أرادوا ولياً بحق، فالله هو الولي بالحق، لا ولي سواه ﴿وَهُوَ
يُحِى الْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ كالتقرير لكونه حقيقاً بالولاية.
﴿وَمَا أُخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ﴾ أي ما اختلفتم أنتم والكفار في أمر من أمور
الدين أو الدنيا ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي حكمه مردود إلى الله يوم القيامة،
يفصل بينكم بالإثابة والمعاقبة، أو مفوض إلى الله يميز الحق من المبطل بالنصر
في الدنيا ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فوضت في مجامع الأمور، ورد كيد أعداء
الدين ﴿وَإِلَيْهِ أَنِيِّبُ﴾ أرجع في المشكلات وفي كفاية شرهم.
﴿ فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ خالقهما ومبدعهما لا على مثال سبق ﴿مِّنْ
أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسكم ﴿أَزْوَجًا﴾ نساءً ﴿وَمِنَ اْلْأَنْعَمِ أَزْوَجًا﴾ أي وخلق
للأنعام من جنسها أزواجاً، واقتصر على الأنعام للتغليب على سائر
الحيوانات ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: كثرهم، و﴿فِيهِ﴾
ج
في هذا التدبير وهو جعل الأزواج للناس والأنعام، وضمير ﴿يَذْرَؤُكُمْ)
راجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلباً فيه العقلاء.
٠
٠

٣٣
المُزُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٧-١٢
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ الكاف زائدة، أي ليس مثله شيء في ذاته وصفاته
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لكل ما يُسْمَعِ ويُبْصَرِ، أو يُقال ويُفْعَل.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ مفاتيح خزائنها من المطر والنبات
وغيرهما ﴿يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ يوسعه لمن يريد امتحاناً ﴿ وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه
ج
لمن يريد ابتلاء.
المناسبة:
بعد بيان كون الله هو الرقيب على أحوال المشركين وأعمالهم، ذكر الله
تعالى توجيهات لنبيه والمؤمنين، وهي إنزال القرآن بلغة العرب ليفهمه أهل
مكة ومن حولها، وقسمة الناس في الآخرة فريقين: فريق في الجنة وفريق في
السعير، وجعل الإيمان اختيارياً غير قسري ولا جبري، ورد المختلف فيه إلى
الله، والاستدلال على قدرته بخلق السماوات والأرض، وتصرفه فيهما
وانفراده بملك خزائنهما، وخلق الأزواج ذكوراً وإناثاً من الناس والأنعام
وغيرها.
التفسير والبيان:
﴿وَكَذَلِكَ أَوَحَيْنَآ إِلَيَّكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي ومثل
ذلك الإيحاء إلى الأنبياء السابقين بلغات أقوامهم، أوحينا إليك قرآنا عربياً،
لتخوف به من عذاب الله وشؤون الدنيا والآخرة أهل مكة (أم القرى) ومن
حولها من العرب وسائر الناس؛ لأن رسالتك عامة للبشرية قاطبة، كما قال
تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨/٣٤].
وإنما خص أهل مكة ومن وحولها؛ فلأنهم المخاطبون بالرسالة أولاً ليكونوا
◌َلتها إلى الناس جميعاً.
وأما تأييد الآية في تنوع الرسالات على وفق لغات الأقوام والأمم، فهو

٣٤
الزُعُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٧-١٢
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ
[إبراهيم: ٤/١٤] .
٠
﴿ وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ أي وتنذر
به أيضاً يوم القيامة الذي تجتمع الخلائق فيه، وتقترن الأرواح بالأجساد،
والذي لاشك في وقوعه، ثم إنهم بعد الجمع والحساب يُفَرَّقون فريقين: فريق
يدخل الجنة لإيمانه بالله ورسوله وكتابه، ولإحسان عمله في الدنيا، وفريق آخر
يزجُ به في نار جهنم المسعرة على أهلها؛ لكفرهم بالله ورسوله وقرآنه.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ اٌلْجَمَّعَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ﴾ [التغابن:
٩/٦٤] أي يغبن في الكافر بتركه الإيمان، والمؤمن بتقصيره في الإحسان وقوله
سبحانه: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْأَخِرَةِّ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ
وَمَا تُؤَخِرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعُدُودِ (١٩) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ
وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُورُ (بَ
نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهٍ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ
[هود: ١٠٣/١١ -١٠٥] .
١٠٥
ثم أبان الله تعالى مبدأ حرية الإيمان لتسلية رسوله عما يقاسي من كفر قومه،
فقال :
﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَةٍ، وَالظَّالِمُونَ
مَا لَّم ◌ِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾﴾ أي لو أراد الله لجعل الناس جميعاً أهل دين
واحد، إما على هدى، وإما على ضلالة، ولكن اختلفوا على أديان مختلفة
بالمشيئة الأزلية، وبمقتضى العلم الأزلي بما يختاره الإنسان، فيكون إما مؤمناً
وإما كافراً، والله تعالى حكيم لا يفعل إلا ما فيه المصلحة، فمن علم منه اختيار
الهدى والدين الحق وهو الإسلام، هداه ووفقه إليه، فيدخله بذلك في جنته،
ومن علم منه اختيار الضلال والكفر، أضلَّه، فيدخله بذلك في السعير،
وهؤلاء هم الظالمون الكافرون المشركون الذين ليس لهم ولي يدفع عنهم
العذاب، ولا نصير ينصرهم يوم الحساب والعقاب.

٣٥
لِزْعُ (٢٥) - الشِّوْرَى: ٤٢ / ٧-١٢
وهذه الآية تقرير للآية السابقة: ﴿وَالَّذِينَ أُتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءَ اللَّهُ
(٤) أي ليس في قدرته حملهم على
حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
الإيمان، وإنما القادر على ذلك هو الله تعالى.
والآية أيضاً تسلية لرسول الله وسلّر عما كان يكابده ويعانيه من كفر قومه
وإعراضهم عن دعوته، وكأنه تعالى يقول له: لا تأس ولا تحزن على عدم
إيمانهم، فالهداية والضلالة تابعتان للمشيئة الإلهية، فمن سبقت له السعادة فهو
السعيد، ومن سبقت له الشقاوة فهو الشقي. ويكون موضوع الآية مثل آية:
﴿فَلَعَلَّكَ بَحِعُ نَّفْسَكَ عَى ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا
[الكهف: ٦/١٨] .
لهذا أمر الله نبيه بعدم الاهتمام بهم بسبب وثنيتهم وشركهم، فقال:
﴿أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ- أَوْلِيَةَ فَللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى اُلْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾ أي بل اتخذ هؤلاء الكافرون آلهة يعبدونها من دون الله، من الأصنام
والأوثان، زاعمين أنهم أعوان لهم ونصراء، فإن أرادوا ولياً ناصراً بحق، فالله
هو الولي الحقيق بأن يتخذوه معيناً وناصراً، لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فإنه
الخالق الرازق الضار النافع الناصر لمن أراد، وهو القادر على إحياء الموتى،
وهو قدير بالغ القدرة على كل شيء مقدور.
أما الأصنام وكل ما عدا الله فلا تملك في الحقيقة نفعاً ولا ضراً، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ
لَِّ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾
[الحج: ٢٢ / ٧٣] .
ثم بعد هذا النبذ للكفار، نهى الله تعالى عن منازعتهم في الدين، فقال:
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمُ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهِ﴾ أي مهما اختلفتم في شيء من

٣٦
لُرُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٧-١٢
جميع أمور الدين والدنيا، فإن حكمه ومرجعه إلى الله، فهو الحاكم فيه بكتابه
وسنة نبيه ◌َ # في الدنيا، وسوف يفصل فيه يوم القيامة بحكمه، فيظهر المحق من
المبطل. والمقصود أن المؤمنين ممنوعون من الشروع مع الكفار في الخصومات
والمنازعات، كما منع الرسول وَلهو أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً
والآية مثل قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:
٥٩/٤] .
ثم أمر الله نبيه أن يقول لهم:
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي ذلكم الحاكم بهذا الحكم
هو الله ربي، عليه وحده اعتمدت في جميع أموري، لا على غيره، وفوضته في
كل شؤوني، وأرجع إليه تائباً من الذنوب، لا إلى غيره.
وهذا تعريف لهم بمصدر الخير الحقيقي ودفع الضرر، لا أصنامهم
الجمادات. وأسباب ذلك قدرته الخارقة، فقال تعالى:
اَ - ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي خالقهما ومبدعهما من العدم، لا
على مثال سبق، فهو الجدير بالعبادة.
أَ - ﴿جَعَلَ لَكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ اُلْأَنْعَمِ أَزْوَجَّا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ﴾
أي أوجد وخلق لكم من جنسكم نساء لتسكنوا إليها، ويحدث التكاثر
والتوالد، ويستمر بقاء النوع الإنساني، وخلق أيضاً للأنعام من جنسها إناثاً،
حتى تتكاثر موارد المعيشة لبني الإنسان، أو خلق من الأنعام أصنافاً من
الذكور والإناث، لذا قال: ﴿يَدْرَؤُكُمْ فِيهٍ﴾ أي يبثكم ويكثركم به أي يجعل
الأزواج سبيلاً للتكاثر. وقوله: ﴿فِيَةٍ﴾ أي في هذا التدبير، وهو جعل
الأزواج من الناس والأنعام، فكأن هذا الجعل منبع التكاثر ومصدره.
◌َّ - ٤ - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي ليس مثل الله

٣٧
الجُزُ (٢٥) - الشِّوْرَى: ٤٢ / ٧-١٢
شيء في ذاته وصفاته وحكمته وقدرته وعلمه، ومن حكمته التكاثر بالتزاوج،
وهو السميع لكل الأصوات، البصير بالأمور، يسمع ويبصر الأشياء كلها
صغيرها وكبيرها، ظاهرها وخفيها. وهذه الآية حجة في نفي كونه تعالى
جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء، وحاصلاً في المكان والجهة، إذ لو كان
جسماً لكان مماثلاً لسائر الأجسام.
والآية أيضاً حجة في نفي المِثْل لله تعالى.
أما قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧/٣٠] ، فلا يعني إثبات
الْثِلِ؛ لأن المراد بالْمِثْل: هو الذي يكون مساوياً للشيء في تمام الحقيقة
والماهية، والْمَثَل: هو الذي يكون مساوياً للشيء في بعض الصفات الخارجة
عن الماهية، وإن كان مخالفاً في الماهية (١)
٥ - ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ (1) أي له سبحانه خزائن السماوات والأرض أو مفاتيحهما،
يوسع الرزق لمن يشاء من خلقه، ويضيقه على من يشاء، وإنه تعالى عليم بكل
شيء يحدث في الوجود، من إغناء وإفقار، وآثار ذلك على النفس والمجتمع،
لا يريد بذلك إلا إجراء الحكمة والمصلحة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الحقائق التالية:
اً - القرآن الكريم كما هو واضح عربي مبين، أوحى الله به إلى نبيه وعَله.
اً- غاية القرآن الإنذار والتبشير، إنذار الكفار بالنار، وتبشير المؤمنين
بالجنة، ويشمل الإنذار أيضاً مخاوف وأهوال يوم القيامة الذي لا شكّ في
(١) تفسير الرازي: ١٥٣/٢٧

٣٨
الُزُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ٧-١٢
وقوعه، فهو كائن لا محالة، ولكن بعلم الله، وما أقرب حدوث القيامة إن
نشبت حرب ذرّية عالمية، فالذّرة كفيلة بالقضاء على الأخضر واليابس.
لَّ - الناس يوم القيامة فريقان: فريق الجنة، وفريق النار، ولا ثالث لهما.
٤ - إن مكة المكرمة هي أم القرى وعاصمة المدن وأشرف سائر البلاد،
وهي كما أثبت العلماء الحديثون في مركز قطب الدائرة للكرة الأرضية،
وكانت أحبّ البلاد إلى قلب التَّبِي وَّةِ. أخرج الإمام أحمد والتّرمذي والنّسائي
وابن ماجه عن عبد الله بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله وَ ل ويقول - وهو
واقف بالحزورة في سوق مكه -: ((والله إنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض
الله إلى الله، ولو لا أني أُخرجت منك ما خرجت)).
٥ - الله قادر على جعل الناس على دين واحد وملّة واحدة، أهل ضلالة أو
أهل هدى، ولكن يدعهم وشأنهم في اختيار أي المنهجين شاؤوا، فأهل
الهداية في الجنة، وأهل الضلالة في النار، وليس لهم ناصر ولا معين يدفع
عنهم العذاب.
٦ - لقد استحبّ المشركون الكفر على الهدى، واتخذوا الأصنام معبودات
وآلهة لهم من دون الله، ولكنهم خابوا وخسروا وأخطؤوا، فالله هو المعبود
بحقّ؛ لأنه الناصر الولي الذي لا ولي سواه، وهو القادر على البعث، والقادر
على كلّ شيء، وغيره عاجز لا يقدر على شيء، وليس محمد بَّ عليهم رقيباً
ولا حافظاً ولا مكلفاً بأن يحملهم على الإيمان شاؤوا أم أبوا.
لاً - لاداعي للاختلاف والتنازع بين أهل الأديان؛ لأن ذلك يورث
العداوة، ويزرع الأحقاد، ويجعل الحكم إلى السلاح، وما على المؤمنين إلا أن
يقولوا لمن خالفهم من أهل الكتاب والمشركين: الحكم إلى الله لا إليكم، وقد
حكم أن الدِّين هو الإسلام لاغيره، والشرائع إنما تُتلقَّى من بيان الله، ومرجع
الحكم وإزالة الخلاف: القرآن والسّنة.

٣٩
لُعُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ١٣-١٤
وقد أمر النبي ◌ّل أن يقول لقومه: ذلكم الله الذي يحيي الموتى، ويحكم بين
المختلفين هو ربِّ، عليه اعتمدت، وإليه أرجع، لا إلى غيره من المعبودات
الأخرى.
٨ - احتجّ نفاة القياس بالآية: ﴿وَمَا أُخْتَلَفْتُمُ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهِ﴾
أي إلى النص من قرآن أو سنّة. والجواب: المراد من الآية: الرّدّ إلى بيان الله،
سواء كان البيان بالنّص أو بالقياس، والقياس في معنى المنصوص عليه.
ـة - استدلّ الله تعالى على قدرته الفائقة بأنه خالق السماوات والأرض من
العدم، وخالق الزوجين الذكر والأنثى من الناس والأنعام، وأنه ليس مثلَه
شيء في ذاته وصفاته من عظمته وكبريائه وقدرته وملكوته، لا يشبه شيئاً من
مخلوقاته ولا يشبَّه به، وهو الذي يملك مفاتيح السماوات والأرض ويملك
الخزائن، وهو الرّازق الذي يرزق من يشاء بغير حساب، وهو بكلّ شيءٍ
عليم. وفي الجملة: هو الموصوف بكل كمال، المّزه عن كل نقصان، الخالق
لكل المخلوقات، المتصرِّف في هذا الكون كله.
والمقصود من إيراد هذه الصفات بيان أن الأصنام لا تتصف بشيء منها،
فلا تكون أهلاً للعبادة.
وحدة الأديان في أصولها
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا
بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا
نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْنَبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُلِبُ ﴿ وَمَا
نَفَرَّقُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمَّ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى
أَجَلِ مُسَمَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِنُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ
مُرِيبٍ
١٤

٤٠
لُزُ (٢٥) - الشُِّورَى: ٤٢ / ١٣-١٤
الإعراب:
﴿أَنْ أَقِيمُوْ اُلِّينَ﴾ منصوب على البدل من مفعول ﴿شَرَعَ﴾ أو مرفوع على
الاستئناف، كأنه جواب سؤال تقديره: وما ذلك المشروع ؟ أو مجرور على
﴿بِهِ، ﴾
البدل من هاء
المفردات اللغوية:
﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أوضح وبيَّن وسنَّ الشريعة. ﴿مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ أي ما أمر
به نوحاً، ونوح: أول أنبياء الشريعة، واستعمل ﴿وَضَى﴾ بمعنى (أمر)
للاعتناء بشأن المأمور به وتأكيده، أي شرع لكم من الدِّين دين نوح ومحمد
ومن بينهما عليهم السّلام من أرباب الشرع، وهو الأصل المشترك فيما
بينهم، المفسّر بقوله: ﴿أَنْ أَقِيُوْ اُلْذِّينَ﴾ أي حافظوا عليه، والدِّين: هو
التوحيد والإيمان بما يجب تصديقه، والطاعة في أحكام الله أي توحيد الله
وطاعته، وهو الإسلام بالمعنى العام . ﴿وَلَا نَفَرَّقُواْ فِيْهِ﴾ ولا تختلفوا في هذا
الأصل، أما فروع الشرع فيمكن أن تختلف، كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا
مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨/٥].
(كَبُرَ﴾ عظُم وشقَّ عليهم. ﴿مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من التوحيد. ﴿يَجْتَبِىّ
إِلَيْهِ﴾ يصطفي ويختار، وضمير إليه عائد على ما تدعوهم إليه، أو على الدِّين.
﴿وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ﴾ بالإرشاد والتوفيق. ﴿مَن يُنِيبُ﴾ يقبل ويرجع إلى طاعته.
﴿ وَمَا نَفَرَّقُواْ﴾ أي أهل الأديان في الدِّين، بأن وحّد بعض، وكفر بعض.
﴿ اَلْعِلْمُ﴾ اليقين بالتوحيد أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما فلم
يلتفتوا إليها. ﴿بَنْيًّا﴾ أي ظلماً وتجاوزاً للحدّ من الكافرين. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ بالإمهال وتأخير الجزاء. ﴿إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى﴾ وهو يوم
القيامة. ﴿لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ بتعذيب الكافرين المبطلين في الدنيا، حين افترقوا.
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِئُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي أهل الكتاب (اليهود والنصارى)