Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
الُزُ (٢٤) - زهاءٍ: ٤٠ / ٨٢-٨٥
اً - إن آثار تدمير الأمم الغابرة بسبب كفرهم وتكذيبهم الرسل عبرة
للمعتبر، فلو سار الناس في نواحي الأرض، لعرفوا أن عاقبة المتكبرين
المتمردين، ليست إلا الهلاك والبوار والدمار، مع أنهم كانوا أكثر عدداً ومالاً
وجاهاً من هؤلاء المتأخرين، والدنيا كلها فانية ذاهبة، فلا يغترن أحد بمال
ولا جاه ولا سلطان.
ا - كان سبب تدمير أولئك الأقوام في الماضي هو تكذيبهم رسلهم الذين
جاؤوهم بالمعجزات والآيات الواضحات، وفرحهم بعقائدهم الزائفة
وشبههم الباطلة، مثل قولهم: لن نعذب ولن نبعث، واستهزاؤهم بما جاء به
الرسل، فأحدق بهم العقاب من كل جانب.
◌َّ - لقد آمن هؤلاء المشركون بالله وحده، وكفروا بالأوثان التي أشركوها
في العبادة مع الله، عند رؤية العذاب.
٤ - ولكن الإيمان بالله عند معاينة العذاب، وحين رؤية البأس لا ينفع ولا
یفید صاحبه.
٥ - سنَّ الله عز وجل في الكفار أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب،
وأضحى عدم قبول الإيمان حال اليأس من النجاة سنة الله المطردة في كل
الأمم.
أَ - والغاية أن يحذر أهل مكة وغيرهم من المشركين سنة الله في إهلاك
الكفرة، وأن يعلموا أن الإيمان وقت رؤية الهلاك لا ينفع، وأن ما يدَّعونه من
علم وحضارة لا يغني عن دين الله ورسالة الأنبياء، فشريعة الله هي الأصح.
لاً - ليعلم أولئك الذين يصفون شريعة الإسلام بالهمجية والوحشية
والقسوة، وهم الذين احتضنوا أفكار الغرب غير الدينية، وآمنوا بالقوانين
الوضعية الحديثة، وأحلوها محل شريعة الله تعالى، ليعلموا أنهم جَهَلة بهذه

٥٠٢
الجُزءُ (٢٤) - زفاٍ: ٤٠ / ٨٢-٨٥
الشريعة، وأنهم كفروا بالإسلام من حيث لا يشعرون، وأن بواعث
تحضّرهم، وادعاءهم إرادة التقدم والمدنية والأخذ بمعطيات الحضارة الحديثة
يؤدي لهدم شرع الله تعالى. ولو فهموا هذا الشرع بدقة لحقق لهم كل ما يريدون
ضمن ضوابط شاملة، ولم يتورطوا بوصف الشريعة الإسلامية بأنها من
الشرائع البدائية أو التقليدية في أنظمة المعاملات المدنية أو الجنائية أو قواعد
الإثبات، فإن التزام قواعد الشريعة خير وأحكم وأمنع مما يعيش به مجتمع
القرن العشرين من فقد الأمن وكثرة الجريمة وانحلال القيم والأخلاق، وإن
قواعد الإثبات فيها أولى من إعطاء حرية الإثبات المطلقة لتقدير القاضي
وقناعته الشخصية، فذلك قد يؤدي إلى إهدار الحقوق، وتجريم البريء.

٥٠٣
لالُ (٢٤) السورة (٤١) فُضْلَتْ
۔۔
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْدَةُ فُضْلَتْ
مكية، وهي أربع وخمسون آية
تسميتها:
سّيت سورة ﴿فُصِّلَتْ﴾ لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ﴾
وقد فضَّل الله تعالى فيها الآيات، وأوضح الأدلة والبراهين على وجوده
وقدرته ووحدانيته، من خلقه هذا الكون العظيم وتصرفه فيه. وتسمى أيضاً
(حم، السجدة) لأن رسول الله وَل عند قراءة أولها على زعماء قريش حتى
انتهى إلى السجدة منها، سجد.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبتها لما قبلها وهي سورة (غافر) من وجهين:
الأول - افتتاح كلتيهما بوصف الكتاب الكريم وهو القرآن العظيم.
الثاني - اشتراكهما في تهديد ووعيد وتقريع المشركين المجادلين في آيات الله
في مكة وغيرها، ففي آخر السورة المتقدمة توعدهم بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى
اُلْأَرْضِ﴾ [٨٢]، وفي القسم الأول من هذه السورة هددهم مرة أخرى بقوله:
[١٣]. وهذا
﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ (٣)﴾
كله مناسب لآخر سورة المؤمن من عدم انتفاع مكذُّبي الرُّسل حين رؤية

٥٠٤
المُ (٢٤) السورة (٤١) فُصْلَتْ
العذاب، كما أن قريشاً لم ينتفعوا حينما حلَّ بصناديدهم القتل والأسر
والنهب والسَّبي، واستؤصلوا مثلما حلَّ بعاد وثمود من استئصال.
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة مثل موضوع باقي السُّور المكية وهو إثبات أصول
العقيدة: ((الوحدانية، الرِّسالة والوحي، البعث والجزاء)).
ابتدأت بوصف القرآن العظيم بأنه المنزَّل من عند الله بلسان عربي مبين،
والذي يبيِّن أدلة قدرة الله وتوحيده، وكونه المبشِّر المنذر، والذي يثبت صدق
النَّبي محمد نبَّ فيما جاء به من عند ربِّه.
وأبانت موقف المشركين وإعراضهم عن تدبُّره، وقررت حقيقة الرسول وله
وأنه بشر خصَّه الله تعالى بالوحي المتضمن إعلان وحدانية الله عزّ وجلّ،
وإيضاح جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين الذين عملوا الصالحات.
ثم أنكرت على المشركين الكفر، وأقامت الأدلة على وحدانية الله من خلق
السماوات والأرض، وأنذرتهم بإنزال عقاب مماثل لعقوبة الأمم الغابرة،
كعاد وثمود الذين أهلكوا ودمرت ديارهم بسبب تكذيب رسل الله، ولكن بعد
إنجاء المؤمنين المتّقين.
وحذَّرت من حساب القيامة، وأخبرت بأن أعضاء الإنسان تشهد عند
الحشر على أصحابها، وأن قرناء السوء زيَّنوا لهم أعمالهم، وأنهم هم صدّوا
عن سبيل الله ودينه، وقالوا: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾
وطلبوا إهانة من أضلوهم ليكونوا من الأسفلين.
وفي مواجهة أولئك أشاد تعالى بأهل الاستقامة وبشّرهم بالجنة والكرامة،
ووصف من يُلَقّى الجنة وهم الصابرون على طاعة الله تعالى.

٥٠٥
اِلُ (٢٤) السورة (٤١) فُصِّلَتْ
ثم عاد الله تعالى إلى إيراد أدلة أخرى من إيجاد العالم العلوي والسفلي على
وجود الله ووحدانيته وقدرته، وبيان إحكام القرآن وكونه كتاب هداية وشفاء
ورحمة، وأن من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها دون جور ولا ظلم.
وأعقب ذلك التعريف بعلم الله المحيط بكل شيء، والإشارة لعظيم قدرته،
والكشف عن طبع الإنسان من التّكبر عند الرّخاء، والتّضرع عند الشدة
والعناء.
وختمت السورة بوعد الله أن يطلع الناس في كل زمان على بعض أسرار
الكون وتعرّف آيات الله في الآفاق والأنفس الدالة على الوحدانية والقدرة
الإلهية، ثم ذكرت أن المشركين يشكون في البعث والحشر، ولكن الله محيط بهم
وبكل شيء، وذلك ردّ حاسم عليهم.
فضلها:
أخرج الإمام العالم عبد بن حميد في مسنده وأبو يعلى والبغوي وغيرهم عن
جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:
(اجتمعت قريش يوماً، فقالوا: انظروا أعلمَكم بالسحر والكهانة
والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وعاب
ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يُرُدُّ عليه. فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة.
فقالوا: انته يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟
فسكت رسول الله وَله، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله
وَله، فقال عتبة: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي
عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلَّمْ حتى نسمع قولك، إنا والله ما
رأينا سَخْلة قط أشأم على قومك منك، فرَّقت جماعتنا، وشَّتَّ أمرنا، وعبت
ديننا وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في

٥٠٦
الُهُ (٢٤) السورة (٤١) فُصِّلَتْ
قريش كاهناً، والله، ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض
بالسیوف حتی نتفانى.
أيها الرّجل، إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش
رجلاً واحداً، وإن كان إنما بك الباءة(١)، فاختر أي نساء قريش شئت،
فلنزوجك عشراً؟ فقال رسول الله ولاته :
فرغت؟ قال: نعم، فقال رسول الله وَله:
تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ كِنَبُ
بسم الله الرّحمن الرّحيم ﴿حَمّ (
) - حتى بلغ -: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ
فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ
(*)﴾ فقال عتبة: حسبك
حسبك، ما عندك غير هذا؟ فقال رسول الله وَلة: لا.
فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم
تكلمون به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم، لا، والذي نصَبَها بِنْيَةً
(أي الكعبة) ما فهمت شيئاً مما قاله غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد
وثمود، قالوا: ويلك، يكلِّمك الرجل بالعربية، لا تدري ما قال، قال: لا
والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة)) .
وفي رواية البغوي: ((والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني
أتيته، وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا
سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَحِقَةً مِثْلَ
.
صَِعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ
وفي رواية محمد بن إسحاق في سيرته: ((قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
(١) الميل إلى النساء.

٥٠٧
اِلُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١-٨
قال: ورائي أني سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر
ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها لي، خلّوا بين
هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ،
فإن تصبه العرب فقد کفیتموه بغیر کم، وإن یظهر على العرب، فملكه ملككم،
وِزَّه عِزّكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه،
قال: هذا رأيي فيه، ناصنعوا ما بدا لكم)).
القرآن الكريم وإعراض المشركين
عنه وبشرية الرسول
صَلَ الله
وَسالم
تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣ كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا
حمّ
وَقَالُواْ
بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُوْنَا إِلَيْهِ وَفِيّ ◌َاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ
فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ
الَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ
وَحِدٌ فَأُسْتَقِيمُوْاْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
وَهُمْ بِلْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ
٨
مَمْنُونٍ
القراءات:
﴿ قُرْءَانًا﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (قراناً).
الإعراب:
كِنَبٌ﴾ ﴿تَنزِيلٌ﴾: مبتدأ، و﴿مِّنَ
﴿ تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
الرَّحْمَنِ﴾: صفة له، و﴿ كِنَبُ﴾: خبره، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هذا
تنزیل.

٥٠٨
الُهُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١-٨
﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿قُرْءَانًا﴾: حال وعامله: ﴿فُصِّلَتْ﴾ أو منصوب بـ
[فُصِّلَتْ﴾ أو منصوب على المدح، أي أمدح قرآناً عربياً. و﴿لِّقَوْمٍ﴾ متعلق بـ
[فُصِّلَتْ﴾.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حال من ﴿ءَايَتُهُ﴾ وعامله: ﴿فُصِّلَتْ﴾ أو حال من
[كِنَبُ﴾ لأنه قد وصف، وعامله (هذا) إذا قدرت، لما فيه من معنى التنبيه
أو الإشارة، أي هذا كتاب فصلت آياته.
﴿يُوحَىّ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾: مرفوع بـ ﴿يُوحَىَ﴾ على أنه نائب
الفاعل للفعل المبني للمجهول.
البلاغة:
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ بينهما طباق.
﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيِّ ءَذَانِنَا وَقَرٌ﴾ استعارة
تصريحية، شبّهوا إعراضهم عن القرآن ونفرتهم ومباعدتهم عنه وشدّة كراهيتهم
بمن حجبت قلوبهم عن العلم، وأسماعهم عن الفهم والإدراك.
المفردات اللغوية:
للتنبيه على إعجاز القرآن وتحديه، وعلى خطر ما يذكر في
السورة من أحكام.﴿فُصِّلَتْ﴾ بيّنت وميّزت أتّ بيان وأوضح تفصيل
للأحكام والقصص والمواعظ. ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب كله، وفيه امتنان
بسهولة قراءته وفهمه .﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لقوم يفهمون ذلك، وهم العرب.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ صفة القرآن، فهو مبشِّر للعاملين به، ومنذر للمخالفين
له ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ عن تدبُّره وقبوله. ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماع تأمل
وطاعة وقبول، أي لا يقبلون ولا يطيعون. ﴿وَقَالُواْ﴾ للنبيِوَ ﴿قُلُوبُنَا فِىّ

٥٠٩
الُهُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ١-٨
أَكِنَّةٍ﴾ أغطية، جمع كِنان، كغطاء وأغطية، والكنان: جعبة (أو خريطة)
السهام، والمراد أنها في أغطية سميكة متكاثفة. ﴿وَقُّرٌ﴾ صمم أو ثقل سمع.
﴿حِجَابٌ﴾ ستار أو ساتر يمنعنا عن التواصل، والمراد: خلاف في الدين،
وقوله: ﴿وَمِنْ بَيْنَا﴾ للدلالة على أن الحجاب مبتدأ منهم ومنه، بحيث
استوعب المسافة المتوسطة، ولم يبق فراغ.﴿فَأَعْمَلٌ﴾ على دينك. ﴿إِنَّنَا
عَمِلُونَ﴾ علی دیننا.
﴿أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي لست ملَكاً أو جِنِّيّاً لا يمكنكم الالتقاء به. ﴿ أَنَّمَا
إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ أي إنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل.
﴿فَأُسْتَقِيمُوْاْ إِلَيْهِ﴾ توجهوا إليه بالإيمان والطاعة. ﴿وَأَسْتَغْفِرُوهٌ﴾ اطلبوا المغفرة
مما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل . ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ من فرط جهالتهم
واستخفافهم بالله، والويل: كلمة عذاب، وهو كلمة تهديد لهم، أو واد في
جهنم . ﴿لَا يُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾ لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخَلْق، وذلك من
أعظم الرّذائل. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة .﴿وَهُم
بِْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾ الثانية تأكيد، والجملة حالية مشعرة بأن
امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا وإنكارهم للآخرة .﴿غيّرُ
مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع، ولا يمنّ به عليهم، من المنّ.
التفسير والبيان:
هذه الحروف المقطعة للتنبيه
تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(حمّ
على إعجاز القرآن وللدلالة على خطر ما يتلى بعدها، هذا القرآن منزَّل من الله
تبارك وتعالى ذي الرحمة الواسعة لعباده، فهو المنعم بعظائم النّعم ودقائقها، إنه
منزّل على عبده ونبيِّه محمد بَّه. وتخصيص هذين الوصفين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
بالذّكر هنا للدلالة على أن هذا القرآن هو البلسم الشافي للأمم والأفراد
والجماعات، وهو الرّحمة الكبرى للعالم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَلِكَ إِلَّا
[الأنبياء: ٢١ /١٠٧] .
رَحْمَةً لِّلْعَلَمِينَ

٥١٠
الْجُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١-٨
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اُلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحِ﴾
﴿ نَزَلَ بِهِ الرُُّحُ
[النحل: ١٠٢/١٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَُّ لَنَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
١٩٥
بِلِسَانٍ عَرَبٍ مُبِينٍ
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
لأَمِینُ
[الشعراء: ١٩٢/٢٦-١٩٥].
وهو كتاب بَيِّنت
٣
كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
آياته بياناً شافياً، وأوضحت معانيه، وأحكمت أحكامه: ﴿كِنَبُ أُخْكِمَتْ
ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١/١١]، وقد أنزلناه بلغة العرب،
ليسهل فهمه، فمعانيه مفصّلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة، وإنما يعرف هذا
البيان والوضوح العلماء الراسخون الذين يعلمون أن القرآن منزل من عند
الله، ويعلمون معانيه، لنزوله بلغتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرَُّنَا عَرَبِيًّا
[يوسف: ٢/١٢]، وقال سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
أَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤/١٤].
﴿بَشِيرًا وَنَذِبِرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾﴾ أي إن هذا القرآن
يبشِّر المؤمنين أولياء الله بالجنة لاتِّباعهم له وعملهم به، وينذر الكافرين أعداء
الله بالنار لمخالفتهم أحكامه، وإصرارهم على التكذيب به حتى الموت، ولكن
أعرض أكثر الكفار المشركين عمّا اشتمل عليه من الإنذار، وعن الإصغاء
إليه، فهم لا يسمعون آياته سماع تدبُّر وانتفاع، ولم يقبلوه ولم يطيعوا أحكامه؛
لإعراضهم عنه، بالرغم من بیانه ووضوحه.
ثم صرَّحوا بأسباب ثلاثة لنفرتهم ومباعدتهم عنه، كما حكى تعالى:
﴿ وَقَالُوْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيّ ءَاذَاِنَا وَقُرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ
حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ (٣) أي وقال أولئك المشركون: قلوبنا في أغطية،
فهي لا تفقه ما تقول، ولا يصل إليها قولك ودعوتك إلى الإيمان بالله وحده،
وترك عبادة الآباء والأجداد، وفي آذاننا صمم وثقل سمع يمنعها من استماع
قولك، ومن بيننا وبينك ساتر يستر عنا رؤيتك، ويمنعنا من إجابتك.

٥١١
الجُزُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ١-٨
وهذه تمثيلات ثلاثة منهم لنبو قلوبهم عن إدراك الحق، ومجّ أسماعهم له،
وامتناع المواصلة بينهم وبين رسول الله وَ﴾. قيل: إن أبا جهل استغشى على
رأسه ثوباً وقال: يا محمد بيننا وبينك حجاب، استهزاء منه.
فاعمل على دينك وطريقتك، إننا عاملون على ديننا وطريقتنا، لا نتابعك،
واعمل في هلاكنا وإبطال أمرنا، فإنا عاملون في هلاكك وإبطال أمرك وفضّ
الناس من حولك.
وأذكر هنا رواية أخرى لما ذكرت في فضل هذه السورة، روي أن عتبة بن
ربيعة ذهب إلى رسول الله له ليعظم عليه أمر مخالفته لقومه، وليقبح عليه فيما
بينه وبينه، وليبعد ما جاء به؛ فلما تكلّم عتبة، قرأ رسول الله وَله (حمّ
ومرّ في صدرها حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةً
مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (®) فأرعد الشيخ، ووقف شعره، فأمسك على فم
رسول الله صل بيده، وناشده بالرّحم أن يمسك وقال حين فارقه:
((والله لقد سمعت شيئاً ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ولقد
ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي)).
وبعد أن ذكروا أسباب إبائهم الإيمان بالله وحده، أجيبوا بأن محمداً مجرد
بشر لا يقدر على جبرهم على الإيمان، فقال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهَّكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ فَاسْتَقِيمُوْ إِلَيْهِ
وَأَسْتَغْفِرُوهٌ﴾ أي قل أيها الرسول مجيباً قومك المكذبين المشركين عن شبهتهم:
ما أنا إلا بشر كواحد منكم لولا الوحي، وإني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان
جبراً وقهراً، فإني بشر مثلكم، لكني أبلغكم ما أوحي إليّ به، وخلاصة ذلك
الوحي أمران: العلم والعمل، أما العلم فأساسه معرفة التوحيد، لأن الحق
هو أن الله واحد، وليس معه شريك من الأصنام والأنداد والأرباب
المتفرِّقين، وهو المراد بقوله ﴿أَنَّمَا إِلَّهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ والحق يجب علينا أن

٥١٢
لُهُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ١-٨
نعترف به. والعمل أساسه: الاستقامة والاستغفار والتوبة من الذنوب، أي
الطاعة وإخلاص العبادة، وطلب العفو عن الذنوب السالفة، ورأسها
الشرك، لذا أعقبه بتهديد المشركين، فقال تعالى:
﴿وَيٌَّ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤَنُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
(4) أي الهلاك والدمار والخسارة للمشركين الذين أشركوا مع الله إلهاً
آخر، والذين تجرّدوا من حبّ الإنسانية والشفقة على خلق الله فلا يؤدون
الزكاة، ويمنعونها عن الفقراء، ولا ينفقون في الطاعة، وهم جاحدون
الآخرة، منكرون البعث والحساب والجزاء.
فالله تعالى أثبت الويل لمن اتّصف بصفات ثلاث:
: 3
أولها - أن يكون مشركاً، وهو ضدّ التوحيد.
وثانيها - كونه ممتنعاً من أداء الزكاة، وهو ضدّ الشفقة على خلق الله تعالى.
وثالثها - كونه منكراً للقيامة، مستغرقاً في طلب الدنيا ولذاتها.
وإنما ذكر الله تعالى هذه الأوصاف؛ لأن الإيمان أساس العقيدة، والشرك
هدم لها، ولأن الزكاة دليل الإيمان؛ لأنها اقتطاع جزء من أحب الأشياء إلى
النفس وهو المال قرين الروح، لذا قيل: الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها
نجا، ومن تخلَّف عنها هلك. ومنع الزكاة قسوة على عباد الله، وبذلها دليل على
صدق النِّيّة.
وأما الإيمان بالآخرة: فهو خلاصة الإيمان وهدفه وتقرير المصير. وإنكار
البعث والقيامة: تدمير لكل الأعمال في الدنيا، وانصراف إليها وإعراض عن
الآخرة.
وهذه الآية تهديد لمن يشرك بالله، ويمنع الزكاة التي تطهِّر النّفس من داء

٥١٣
الجُزءُ (٢٤) - فُضِلَتْ: ٤١ / ١-٨
الشُّح والبخل، وينكر البعث والجزاء والحساب يوم القيامة وينصرف إلى
الدنيا ولذاتها. ونحو الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكْنَهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا
[الشمس: ٩١ /٩ -١٠] .
١٠
ثم أعقب وعيد الكفار بوعد المؤمنين للجمع المألوف في القرآن بين التّرهيب
والتّرغيب، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونِ (®﴾ أي إن
الذين صدقوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمر الله به وانتهوا عما نهى عنه، لهم
عند ربّهم أجر وثواب غير مقطوع ولا ممنوع، ولا يمنُّ عليهم به؛ لأن المنّة
بالتّفضل، وأما الأجر فحقّ أداؤه، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾
[هود: ١٠٨/١١]، وقال سبحانه ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْر غَيْرُ
[الانشقاق: ٢٥/٨٤]. قال السُّدِّي: نزلت في الزَّمْنِى والمَرْضى
٢٥]
مَمْنُونٍ
والهَرْمى إذا ضعفوا عن الطاعة، كتب لهم من الأجر كأصحّ ما كانوا يعملون
فیه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - وصف الله تعالى القرآن في مطلع هذه السورة بصفات عشر: هي كونه
تنزيلاً، وكون ذلك التنزيل من الرحمن الرحيم، وكونه كتاباً، وفصّلت آياته،
وكونه قرآناً، وكونه عربياً، ولقوم يعلمون ليفهموا منه المراد، وبشيراً،
ونذيراً، وكونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه.
أَ - ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلّف تنزيل ألفاظ القرآن على
المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية، وحملها على معانٍ أُخر بغير
هذا الطريق باطل قطعاً.

٥١٤
الُعُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ١-٨
٣ - ليس في القرآن الكريم لفظ غير عربي، وهذا ردّ على من قال: اشتمل
القرآن على سائر اللغات، مثل ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ و﴿ سِجِيلٍ﴾ من اللغة الفارسية،
و﴿ كَمِشْكَوْقٍ﴾ من لغة الحبشة، و﴿بِالْقِسْطَاسِ﴾ من لغة الروم.
٤ - إن ألفاظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة والصوم والحج هي ألفاظ
عربية لغوية، لا شرعية، وإنما خصصها الشرع ببعض أنواع مسمياتها،
فالإيمان مثلاً خصصه الشرع بنوع معين من التصديق، والصلاة خصصها
الشرع بنوع معين من الدعاء، وهكذا البواقي؛ لقوله تعالى السابق ﴿قُرْءَانًا
عَرَبِيًّا﴾ وقوله المتقدم: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولِ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾.
٥ - إن وصف القرآن بكونه ﴿عَرَبِيًّا﴾ في معرض المدح والتعظيم دليل على
أن لغة العرب أفضل اللغات.
٢ - دلّ قوله تعالى: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ على أنه لا يجوز أن يحصل في القرآن
شيء غير معلوم؛ لأن المعنى: إنما جعلناه عربياً ليصير معلوماً.
لاً - دلّ قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَُّهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ على أن الهادي
من هداه الله، وأن الضالّ من أضلّه الله. وهذا بعد اختيار أصل الهداية وأصل
الكفر والضلال، فليس المعنى: هو الجبر على الهداية أو الجبر على الضّلالة،
فإن المشركين أعرضوا عن القرآن بعد توافر موجبات ثلاث للإيمان، وهي:
كون القرآن نازلاً من عند الله الرّحمن الرّحيم، وكونه عربياً، وكونه بشيراً
ونذيراً.
٨ - دلّت آية: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ﴾ الآية على أن الكفار كانوا في
غاية النّفرة والمباعدة عن القرآن باختيارهم وتصريحهم.
1 - لا يختلف النَّبِي وَلّ وغيره من الأنبياء عن سائر الناس إلا بإنزال
الوحي عليهم، فهم بشر عاديون كسائر البشر، لكن اصطفاهم ربهم للنّبوة
والرسالة وتبليغ وحيه إلى الناس.

٥١٥
الُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
· اَ - إن مناط السعادة تعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله، ولقد أخلّ
المشركون بالأمرين معاً، فكانوا أشقياء، فهم لم يعظموا الله بتوحيده، ولم
يخلصوا العبادة والطاعة، ولم يبادروا إلى الاستغفار من الشرك، ولم يرحموا
عباد الله بمنعهم الزكاة، ولم ينفقوا في الطاعة، ولم يستقيموا على أمر الله،
وأنكروا البعث والحشر والحساب والجزاء. وفيه دلالة على أن الكافر يعذب
بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه، فإنه تعالى ألحق الوعيد الشديد له على
أمرين: كونه مشركاً، وأنه لا يؤتي الزكاة، فدلّ على أن لعدم إيتاء الزكاة من
المشرك تأثيراً عظيماً في زيادة الوعيد.
١١ - إن الذين آمنوا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وأدّوا الفرائض
والطاعات، واجتنبوا المنكرات والمحظورات، لهم عند ربّهم أجر وثواب لا
ينقطع أبداً.
دليل وجود الله تعالى وكمال قدرته وحكمته
قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَّجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًّاً
وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ
ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ
ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا
أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَآءُ لِلسَّآَيِلِينَ
طَوَّعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآَ أَنْيْنَا طَابِعِينَ ﴿﴿ فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى
كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَ السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
١٢
الإعراب:
﴿ وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنَدَادًا﴾ الواو: واو الحال من ضمير ﴿خَلَقَ﴾ وتقديره:
قل: أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين مجعولاً له أنداداً.

٥١٦
لُعُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
﴿سَوَآءَ لِلسَّآِلِينَ﴾ ﴿سَوَآءَ﴾ بالنصب على المصدر، بمعنى (استواء)
وتقديره: استوت استواء. وقرئ بالرفع (سواءٌ) لأنه خبر لمبتدأ محذوف،
وتقديره: هو سواء، وقرئ بالجر مجروراً على الوصف لـ ﴿أَيَّامٍ﴾ أو لـ ﴿أَرْبَعَةِ﴾
والمشهور: النصب.
﴿طَوَعًا أَوْ كَرْهَا﴾ حال.
﴿ قَالَتَآ أَنَيْنَا طَابِعِينَ﴾ جمعها جمع العقلاء؛ لأنه وصفها بالقول والطاعة،
مثل: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ فقد
وصفها بالسجود، وهو من صفات العقلاء، وجمعها جمع من يعقل.
﴿ فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾ ﴿ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾: في موضع نصب على
البدل من هاء ونون ﴿فَقَضَانُهُنَّ﴾.
البلاغة:
﴿أَبِنَّكُمْ﴾ استفهام إنكاري، ولام ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ لتأكيد الإنكار، وتقديم
الهمزة لصدارتها.
﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَا﴾ استعارة تمثيلية، مثَّل تأثير قدرته
في السماوات والأرض بأمر السلطان أحد رعيته بتنفيذ شيء، وامتثال الأمر
بسرعة.
﴿طَوَّعًا﴾ و﴿كَرْهَا﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ﴾ الكفر به: إلحادهم في ذاته وصفاته . ﴿فِى يَوْمَيْنِ﴾
في مقدار يومين أو بنوبتين، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون.
﴿أَنْدَادًا﴾ شركاء، جمع ندّ، أي شريك. ﴿ذَلِكَ﴾ الذي خلق الأرض في يومين.

٥١٧
المُعُ (٢٤) - فُضِلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
﴿رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ خالق جميع ما وجد من الممكنات ومالكها ومربِّيها،
و﴿اَلْعَلَمِينَ﴾: جمع عالم: وهو ما سوى الله، وجمع لاختلاف أنواعه تغليباً
للعقلاء.
{ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ﴾ جبالاً ثوابت، وهو كلام مستأنف غير معطوف على
(خَلَقَ﴾ للفصل بما هو خارج عن صلة ﴿يِالَّذِى﴾. ﴿مِن فَوْقِهَا﴾ مرتفعة
عليها. ﴿وَبَرَكَ فِيَهَا﴾ أكثر خيرها، بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوانات
والمياه . ﴿وَقَّدَّرَ فِيهَآ أَقْوَهَا﴾ قسم فيها أقواتها للناس والبهائم . ﴿فِىّ أَرْبَعَةِ
أَيَّامٍ﴾ في تمام أربعة أيام تمّ الجعل والتقدير، أي في تتمة أربعة أيام باليومين
المتقدمين.
﴿ سَوَآءَ لِلسَّآيِلِينَ﴾ أي استوت الأربعة استواء لا تزيد ولا تنقص، أي إنها
أربعة أيام كاملة لا زيادة فيها ولا نقصان، و﴿لِلِسَّآيِلِينَ﴾ متعلق بمحذوف
تقديره: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، أو متعلق بـ
﴿ وَقَدَّرَ﴾ أي قدر فيها الأقوات للطالبين لها.
﴿ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾ قصد وعَمَد نحوها، أي تعلقت إرادته بها. ﴿وَهِىَ
دُخَانٌ﴾ أي مادة غازية مظلمة، تشبه الدخان في رأى العين. ﴿أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ
كَرْهاً﴾ أي ائتيا في الوجود، إذا كان الخلق السابق بمعنى التقدير، أو اخضعا
المرادي منكما من التأثير والتأثر، حال كونكما طائعتين أو مكرهتين. ﴿قَالَتَآَ
أَنْيِّنَا طَآئِعِينَ﴾ منقادين بالذات، وفيه تغليب المذكر العاقل. قال البيضاوي:
والأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيها، وتأثرهما بالذات عنها، وتمثيلهما
بأمر المطاع، وإجابة المطيع الطائع، كقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿ فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ خلقهنّ خلقاً إبداعياً وصيَّرهنّ وأكملهنّ وفرغ
منهنّ، والضمير يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه . ﴿فِى
يَوْمَيْنِ﴾ فرغ منها في تمام يومين، وهذا موافق لآيات خلق السماوات
والأرض في ستة أيام.

٥١٨
الجزءُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
﴿ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ شأنها وما يتأتى منها من الطاعة والعبادة.
﴿بِمَصَبِيحَ﴾ نجوم. ﴿وَحِفْظًا﴾ منصوب بفعل مقدر، أي حفظناها حفظاً من
استراق الشياطين السمع، بالشُّهب، أو من الآفات. ﴿ذَلِكَ﴾ الخلق. ﴿تَقْدِيُرُ
اٌلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ تقدير البالغ التمام في القدرة والعلم، فهو القوي القادر في
ملكه، العليم بخلقه.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بتوحيده في الألوهية والربوبية، أردفه بما يدلّ على
وجوده: وهو الخلق والتقدير السماوات والأرض في مدة قليلة، وفي ذلك
أيضاً ما يدلّ على كمال قدرته وحكمته، فمن كانت هذه صفته، فكيف يسوغ
جعل الأصنام والأوثان شركاء له في الألوهية والعبودية، وهي عاجزة عن
الخلق والتقدير؟!
التفسير والبيان:
قُلْ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنَدَادَّاً
ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ (ج) قل أيها الرسول لقومك المشركين توبيخاً وتقريعاً:
كيف تكفرون بالله الذي خلق الأرض في مقدار يومين، قيل: هما يوم الأحد
ويوم الاثنين، أو في نوبتين نوبة جعلها جامدة بعد أن كانت كرة غازية، ونوبة
جعلها طبقات بذخائرها المائية والمعدنية.
وتجعلون له أمثالاً وأضداداً مساوين له في القدرة من الملائكة والجنّ
والأصنام والأوثان، فذلك المتصف بالخلق والإبداع هو ربّ العالمين كلهم،
أي مربّ الإنس والجنّ ومالكهم وخالقهم ومدبّرهم، فكيف تجعلون بعض
مخلوقاته شركاء له في عبادته؟! ومن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة كيف
يعقل الكفر به؟!
.

٥١٩
الُ (٢٤) - فُضِلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
إنه تعالى خلق الأرض في يومين، وتّم بقية مصالحها في يومين آخرين،
وخلق السماوات بأسرها في يومين آخرين. والمراد باليوم: الوقت مطلقاً، لا
اليوم المعروف؛ لأنه لم يكن هذا النظام قد وجد بعد.
والخلاصة: إن الآية إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه
غيره، وهو الخالق لكل شيء، القاهر لكل شيء، المقتدر على كل شيء.
ثم أتّ تعالى ما يقتضيه حسن العيش في الأرض بإيجاد ثلاثة أنواع فيها،
فقال :
اً - ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا﴾ أي جعل في الأرض جبالاً ثوابت
مرتفعة عليها، فهي التي تحفظ الأرض من الاضطراب، وتخزن المياه
والمعادن، وترشد إلى الطرق، وتحفظ الهواء والسحاب، وهذا كقوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧/٧٧].
أَ - ﴿وَبَكَ فِيهَا﴾ أي جعل الأرض مباركة كثيرة الخير، بما خلق فيها من
منافع العباد، إذ جعل تربتها مصدراً للخير والرزق بإنبات النباتات المختلفة
فيها، وإيداعها الثروة المعدنية والنفطية والمائية.
◌َ - ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ أي قدّر فيها أرزاق أهلها، وما يصلح لمعاشهم
من الأشجار والمنافع، وجعل في أقطارها ما يناسب سكانها من أطعمة
ونباتات، وأوجد في كل أرض ما لا يصلح في غيرها.
﴿فِىّ أَزْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَآءَ لِلسَّآَيِينَ﴾ أي إنه تعالى أنتّ معايش أهل الأرض في
تتمة أيام أربعة باليومين المتقدّمين. وإنما ذكر هذه الأيام الأربعة للدلالة على
أنها كانت مستغرقة بالأعمال من غير زيادة ولا نقصان، وذلك في يومي
الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة.
فإتمام حوائج الأرض ومتطلباتها في أيام أربعة كاملة لأجل السائلين، أي

٥٢٠
اِجُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
الطالبين للأقوات المحتاجين إليها، أو جواباً عن سؤال السائلين القائلين
بطبيعتهم: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ وإنما قال: ﴿سَوَآءَ﴾ للدلالة على
أن تلك الأيام الأربعة كانت متساوية غير مختلفة. وتخصيص الأرض بالأنواع
الثلاثة: الرواسي والبركة وتقدير الأقوات إشارة إلى الاعتناء بأمر المخاطبين،
فكان الأجدر بهم ألا يحصل منهم كفر أو شرك.
ثم ذكر الله تعالى خلق السماء، فقال:
﴿ُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَآَ
أَنَيْنَا طَابِعِينَ ﴾﴾ أي ثم عَمَد وقصد وتوجه توجّهاً كاملاً إلى السماء حسبما
تقتضي الحكمة، وهي كتلة غازية مظلمة تشبه الدخان أو السحاب أو السديم
(وهو عالم السديم في اصطلاح العلماء) فأمر بأن تكون بشمسها وقمرها
ونجومها، كما أمر بتكوين ما في الأرض من أنهار وثمار ونبات، فتمّ خلقهما،
وأتت السماء والأرض منقادتين خاضعتين للأمر الإلهي طائعين أو مكرهين.
وهذا هو المراد بقوله تعالى لتلك العوالم السماوية والأرضية: ائتيا طائعتين أو
كارهتين، فأجابتا بقولهما: أتينا طائعين. قيل: إن خلق السماوات وما فيها تّ
في يوم الخميس والجمعة. وفائدة قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ إظهار كمال
القدرة والتقدير.
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾: قال الله تبارك
وتعالى للسماوات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي، وقال للأرض: شققي
أنهارك، وأخرجي ثمارك، قالتا: أتينا طائعين.
وبه يتبين أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ
أَقْتِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهًا﴾ هو كناية عن إيجاد السماء والأرض. وإنما خصص
الاستواء بالسماء دون الأرض مع توجهه توجهاً كاملاً لخلقهما هو رعاية
السماء في مقابل تقدير الأرض.