Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ (٢٤) - غدفاع: ٤٠ / ١٠-١٧ وإدخال أقاربهم معهم أيضاً من الآباء والأزواج والذريات. د - إن صونهم من جزاء السيئات، أي وقايتهم في الدنيا من العقائد الفاسدة والأعمال الفاسدة والوقاية من عذاب السيئات دليل على رحمة الله بدخول الجنة، وتلك هي النجاة الكبيرة. والخلاصة: إن أكمل الدعاء: ما طلب فيه ثواب الجنة، والنجاة من النار. اعتراف الكفار بذنوبهم وباستحقاقهم العقاب الأخروي والتذكير بقدرة الله وفضله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقَّتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ قَالُواْ رَبَّنَّا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أُنْنَتَيْنِ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (3) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجِ مِّنِ سَبِيلٍ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكَ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيّ اَلْكَبِيرِ ﴿ هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْفًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُنِبُ ١٣ رَفِيعُ الذَّرَحَتِ ذُو ١٤ فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ الْعَرْشِ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَنِ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِبُنْذِرَ يَوْمَ النَّلَقِ ١٥ يَوْمَ هُم بَشِرِزُونَّ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُّجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ◌ُظُلْمَ الْيَّوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ١٧ القراءات: ﴿ وَيُنَزِّكُ﴾ : وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (ويُنْزِل). ٤٠٢ اِلُعُ (٢٤) - تَغَزْفاٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ الإعراب: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مبتدأ وخبر، واللام لام الابتداء، وقعت بعد ﴿ يُنَادَوْنَ﴾ لأنها في معنى: يقال لهم. ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ ﴿إِذْ﴾: ظرف زمان، وعامله: إما: ﴿لَمَقَّتُ اللَّهِ﴾ أو ﴿مَّقْتِكُمْ﴾ أو ﴿تُدْعَوْنَ﴾ أو فعل مقدر، تقديره: مقتكم إذ تدعون، أي حين دعيتم إلى الإيمان فكفرتم، وقيل: تقديره: اذكروا إذ تدعون. ﴿يَوْمَ هُم بَِزُونَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: بدل منصوب من قوله ﴿يَوْمَ النَّلَاقِ﴾ وهذا منصوب على أنه مفعول به لفعل: ينذر، لا الظرف؛ لأن الإنذار لا يكون في يوم التلاق، وإنما يكون الإنذار به، لا فيه. و﴿هُم بَرِزُونَ﴾: جملة اسمية في موضع جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. و ﴿لِّمَنِ اُلْمُلْكُ﴾ مبتدأ وخبر و﴿ اَلْيَوْمَ﴾ منصوب متعلق بمدلول قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ اَلْمُلْكُ﴾ أي لمن استقر الملك في هذا اليوم، أو متعلق بنفس (الْمُلْكُ﴾. أو يوقف على ﴿اَلْمُلْكُ﴾، ويبتدأ: ﴿اَلْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي هو مستقر لله الواحد القهار في هذا اليوم. البلاغة: ﴿أَمَتَّنَا﴾ و﴿ وَأَحْيَيْتَنَا﴾ بينهما طباق. ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوج﴾ استفهام يراد به التمني، وأنهم يعلمون أنهم لا . يخرجون. ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ﴾ بينهما مقابلة، قابل بين التوحيد والشرك، والكفر والإيمان. ﴿ وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ مجاز مرسل، أطلق الرزق الذي هو مسبب وأراد المطر الذي هو سبب في الأرزاق. ٤٠٣ الجُرَحُ (٢٤) - تَدْفَارٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ ﴿ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ،﴾ ﴿الرُّوحَ﴾ كناية عن الوحي؛ لأنه كالروح للجسد. المفردات اللغوية: ﴿ يُنَادَوْنَ﴾ يوم القيامة من قبل الملائكة، فيقال لهم: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ إياكم، وهو أشد البغض . ﴿أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ الأمارة بالسوء. ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ أي إن مقت الله حين دعيتم إلى الإيمان به في الدنيا، فكفرتم. ﴿أَمَّتَّنَا أَثْنَيْنِ﴾ إماتتين، بأن خلقتنا أمواتاً أولاً، ثم صيرتنا أمواتاً عند انقضاء آجالنا، فإن الإماتة: جعل الشيء عادم الحياة، إما ابتداء، أو انتقالاً من الحياة إلى الموت. ﴿ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ الإحياءة الأولى وإحياءة البعث. ﴿فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ بالشرك والكفر بالبعث. ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ نوع من الخروج من النار لنطيع ربنا . ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ طريق، فنسلكه. جوابهم: لا. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي العذاب الذي أنتم فيه. ﴿بِأَنَّهُ﴾ بسبب أنه. ﴿إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ عبد الله وحده دون غيره. ﴿كَفَرْتُمْ﴾ بالتوحيد . ﴿وَإِن يُشْرَكْ بِهِ،﴾ يجعل له شريك في العبادة. ﴿تُؤْمِنُواْ﴾ تصدقوا بالإشراك. ﴿ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ فالقضاء الله في تعذيبكم بالعذاب السرمدي. ﴿اَلْعَلِيِّ﴾ عن أن يشرك به أحد من خلقه ويسوّى به . ﴿اٌلْكَبِيرِ﴾ العظيم الكبير على من أشرك به بعض مخلوقاته في العبادة. ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ،﴾ دلائل قدرته وتوحيده ﴿وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ أسباب الرزق وهو المطر. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يتعظ بالآيات المستقرة في الفطر والعقول . ﴿إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ يرجع عن الشرك. ﴿فَادْعُواْ اللَّهَ﴾ اعبدوه. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك. ﴿ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ إخلاصكم له وشق عليهم. ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ﴾ أي الله عظيم الصفات، المنزه عن مشابهة المخلوقات. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خالقه ومالكه. ﴿يُلْقِى ٤٠٤ لُرُ (٢٤) - تَزَاءٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ الرُّوحَ﴾ الوحي سمي روحاً؛ لأنه كالروح للجسد . ﴿مِنْ أَمْرِهِهِ﴾ من قوله، وهذه أخبار ثلاثة بعد قوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ﴾. ﴿لِيُنْذِرَ﴾ يخوف النبي الملقى عليه الوحي الناس. ﴿يَوْمَ الثَّلَاقِ﴾ يوم اجتماع وتلاقي الخلائق للحساب أمام الله، فإنه يوم يلتقي فيه أهل السماء والأرض والعابد والمعبود والظالم والمظلوم والأعمال والعمال. ﴿ بَرِزُونَ﴾ ظاهرون لا يسترهم شيء، أو خارجون من قبورهم . ﴿لِّمَنِ اٌلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ حكاية لسؤال وما يجاب به، يسأله تعالى ويجيب نفسه، فهو القهار لخلقه. ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ بنقص الثواب وزيادة العقاب. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسب الخلائق سريعاً، يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، كما ورد في الحديث. المناسبة: بعد بيان أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله، بيَّن الله تعالى أنهم يوم القيامة يعترفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب الذي ينزل بهم، ويسألون الرجوع إلى الدنيا، ليثلافوا ما فرط منهم. وبعد ذكر ما يوجب التهديد الشديد للمشركين، ذكر ما يدل على كمال قدرته وحكمته، بإظهار البيّنات والآيات، وإنزال الرزق من السماء، وإلقاء الوحي على من يشاء من عباده، لإنذار الناس بالعذاب يوم الحساب. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن مناداة الكفار يوم القيامة وهم يتلظون في النار، فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾﴾ أي تنادي الملائكة الكافرين يوم ٤٠٥ الُرعُ (٢٤) - تَغَدَفاٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ القيامة، وهم يعذبون في نار جهنم، فيمقتون أنفسهم، ويبغضونها غاية البغض، بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار، قائلين لهم: أيها المعذِّبون أنفسهم في هذه الحالة، إن بغض الله لكم حين عُرض عليكم الإيمان في الدنيا من طريق الأنبياء، فتركتموه وكفرتم وأبيتم قبوله، أشد من بغضكم أنفسكم حين عاينتم عذاب النار يوم القيامة، ففي الآية حذف وتقديم وتأخير، أي لمقت الله إياكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم. فيجيبون بقولهم : ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمَّتَّنَا أَتْنَيْنٍ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجِ مِّن سَبِيلٍ ﴾ أي قال الكفار المعذبون: ربنا أمتنا مرتين، حين كنا نطفاً في أصلاب الآباء قبل الحياة الظاهرة، وحين أصبحنا أمواتاً بعد حياتنا الدنيوية، وأحييتنا مرتين أيضاً: الأولى في الدنيا، والثانية عند البعث، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨/٢]. فاعترفنا بذنوبنا التي ارتكبناها في الدنيا، من تكذيب الرسل، والإشراك بالله وترك توحيده، وإنكار البعث، ولكنه اعتراف وندم في وقت لا ينفعهم فيه الندم، فهل لنا طريق إلى الخروج من النار والرجوع إلى الدنيا، لنعمل غير الذي كنا نعمل؟ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ (رُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [﴾ [السجدة: ١٢/٣٢] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَىَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا نُرَدُّ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ [الأنعام: ٢٧/٦] وقال عز ٢٧ وجل: ﴿رَبَّآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون: ٢٣ /١٠٧-١٠٨] . تُكَلِمُونِ ٢٠٧ قَالَ أُخْسَئُواْ فِيهَا وَلَا ٤٠٦ الزُ (٢٤) - غَفَاعٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ فأُجيبوا بالرفض مع بيان السبب، فقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (٣) أي أنتم هكذا على وضعكم، وإن رددتم إلى الدار الدنيا: ﴿وَلَوَّ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨/٦] فلا رجعة لكم، وتظلون في العذاب، بسبب أنكم كنتم إذا دعي الله وحده دون غيره في الدنيا، كفرتم به وتركتم توحيده باستمرار، وإن يشرك به غيره من الأصنام أو غيرها، تؤمنوا بالإشراك به وتجيبوا الداعي إليه، فالحكم لله وحده دون غيره، ولا يحكم إلا بالحق وبمقتضى الحكمة، وهو المتعالي عن المماثل في ذاته وصفاته، والأكبر من أن يكون له مثل أو صاحبة أو ولد أو شريك، فقوله: ﴿اٌلْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ دلالة على الكبرياء والعظمة. ثم ذكر الله تعالى ما يدل على كمال قدرته وكبريائه وعظمته، فقال: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ (1) الله تعالى هو الذي يظهر لكم دلائل توحيده وعلامات مَن يُنِبُ قدرته، بما أودع في سمائه وأرضه من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها، وهو سبحانه الذي ينزل لكم المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه، مع أنه من ماء واحد وتراب واحد، مما يدل على قدرته وعظمة صنعه، ولكن ما يتعظ ويعتبر بتلك الآيات الباهرة إلا من يرجع إلى ربه، بالتأمل والتفكر والنظر في آيات الله، ثم بالطاعة والإذعان إليه. ولما قرر الله تعالى ما يوجب توحيده، صرح بالمطلوب وهو الإقبال بالكلية على الله تعالى، والإعراض عن غير الله، فقال: ﴿فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ (٣)﴾ أي فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم، ولو كره الكافرون منهجكم ذلك، فلا تلتفتوا إلى كراهتهم، ودعوهم يموتوا بغيظهم. ٤٠٧ الُ (٢٤) - تَغَهاٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ ثبت في الصحيح عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ص84* كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون)). وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَّ قال: ((ادعوا الله تبارك وتعالى، وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاٍ)). ثم ذكر تعالى أيضاً ثلاث صفات أخرى من صفات الجلال والعظمة، فقال : ﴿رَفِيعُ الذَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلِّقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ (6) أي هو الذي يريكم آياته، وهو رفيع الصفات، وهو صاحب العرش ومالكه وخالقه والمتصرف فيه، وذلك يقتضي علو شأنه وعِظَم سلطانه، وهو الذي ينزل الوحي على من يريد من عباده الذين يختارهم لرسالته وتبليغ أحكامه، وهم الأنبياء، ليقوموا بإنذار الناس بالعذاب يوم يلتقي أهل السماوات والأرض في المحشر، ويلتقي الأولون والآخرون. وسمي الوحي روحاً؛ لأن الناس يحيون به من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالأرواح. والمراد بقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِءٍ﴾ أي من شرائعه التي يوحي بها إلى أنبيائه ليمتثلوا ويسيروا في حياتهم بموجبها. ونظائر الآية كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَى مَن كَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلََّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ (جَ﴾ [النحل: ٢/١٦] ونحو قوله سبحانه: ﴿ وَإِنَّهُ لَنَفْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (19) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى ١٩٣ قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [١٩٤))) [الشعراء: ١٩٢/٢٦-١٩٤]. ٤٠٨ الزُ (٢٤) - تَغَفَاءٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ ومن صفات يوم القيامة أيضاً ما يلي: ﴿يَوْمَ هُم بَِزُونَّ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ لِلَّهِ الْوَجِدِ اُلْقَهَّارِ ﴾﴾ أي إن يوم التلاقي هو اليوم الذي هم فيه ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء، لاستواء الأرض، وهم خارجون من قبورهم في العراء، لا يخفى على الله شيء من أعمال العباد التي عملوها في الدنيا، سراً أو علانية، كما في آية أخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَّةٌ [الحاقة: ١٨/٦٩]. ويكون فيه الملك المطلق والسلطان الشامل لله الواحد الأحد، القاهر عباده وكل شيء بقدرته، قهرهم بالموت، ثم بالبعث الشامل. وقد أورد هذا المعنى لتقريره في الأذهان بصورة سؤال يسأل فيه الرب تعالى، يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَّوْمٌ﴾؟ أي يوم القيامة، فلا يجيبه أحد، فيجيب تعالى نفسه، فيقول: ﴿اللَّهِ اَلْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾. والخلاصة: ذكر تعالى هنا أربع صفات ليوم القيامة: هي كونه يوم التلاقي، وكون الخلق فيه ظاهرين جميعاً أمامه لا يسترهم شيء، وكونه يوماً لا يخفي الله فيه من الأعمال شيئاً، والمقصود بذلك الوعيد، فإنه تعالى إذا جمع الخلق، يجازي كلاً بحسبه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وكون الملك المطلق فيه لله عز وجل. ثم ذكر تعالى صفة خامسة وسادسة ليوم القيامة، تبينان صفات عدل الله في حكمه بين خلقه، وفضله ورحمته، فقال: ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ اَلْحِسَابِ ) أي إن يوم القيامة هذا هو يوم الجزاء وثواب كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا ظلم في الحكم فيه على أحد، بنقص من ثوابه أو بزيادة في عقابه، وإن الله سريع حسابه لعباده على أعمالهم في الدنيا، فيحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفساً واحدة كما قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا ٤٠٩ الُ (٢٤) - تغافلٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨/٣١] وقال: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِاَلْبَصَرِ (®) [القمر: ٥٠/٥٤] ولأنه تعالى لا يحتاج إلى تفكر، ويحيط علمه بكل شيء، فلا يغيب عنه مثقال ذرة. وذكر سرعة الحساب في هذا الموضع لائق جداً؛ لأنه تعالى لما بيّن أنه لا ظلم، بيَّن أنه سريع الحساب، وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال. وقد روى مسلم في صحيحه حديثاً في بيان منع الظلم في الحساب عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله (مثل﴿، فيما يحكي عن ربه عز وجل) أنه قال: ((یا عبادي إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرَّماً، فلا تَظالموا - إلى أن قال - يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله تبارك وتعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: أَ - إِن الله تعالى يحب الخير لعباده ويكره الكفر والشر لهم، لذا كان مقته وبغضه للكفار في وقت تعذيبهم بالنار أشد من بغضهم أنفسهم في ذلك الوقت؛ لأنها أوبقتهم في المعاصي. ٢ - احتج أكثر العلماء بآية: ﴿رَبَّا أَمَّتَّنَا أَتْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أُنْنَتَيْنِ﴾ في إثبات عذاب القبر، بناء على تفسير السدّي: أنهم أميتوا في الدنيا، ثم أحياهم في القبور للسؤال، ثم أميتوا ثم أُحيوا في الآخرة. وإنما جنح إلى هذا التفسير؛ لأن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على النطفة. ولو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة؟ كذلك تدل هذه الآية على حصول الحياة في القبر. ٤١٠ الُ (٢٤) - تغز فاٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ ◌ّ - يعترف الكفار بذنوبهم واستحقاقهم العقاب يوم القيامة، ويندمون على ذلك، لكن لا ينفعهم فيه الندم والاعتراف. ٤ - يطلب الكفار الرجوع إلى الدنيا للإيمان والطاعة، ولكن لا رجعة لهم. ٥ - إن تعذيب الكفار بسبب إعراضهم عن الإيمان بالله وبالبعث وبالرسل في الدنيا التي هي دار التكليف والعمل، وتركهم التوحيد، واختيارهم الشرك والمعاصي. أَ - أقام الله تعالى آيات وأدلة كثيرة على وجوده وتوحيده وقدرته وحكمته، ومنها هنا آيات السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والبحار والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا، ومنها إنزال الرزق بإنزال المطر سبب الحياة والبركة والخير. ويلاحظ أنه جمع في هذه الآية بين رعاية مصالح الأديان ومصالح الأبدان؛ لأن بإظهار الآيات قوام الأديان، وبإنزال الرزق من السماء قوام الأبدان. ولكن ما يتعظ بهذه الآيات، فيوحد الله إلا من ينيب ويرجع إلى طاعة الله، والمعنى: إنّ لمس وإدراك دلائل توحيد الله كالشيء المستقر في العقول، والاشتغال بالشرك وبعبادة غير الله مانع يحجب أنوار العقل والفكر، فإذا تخلى العبد عن الشرك، وأناب إلى الله، زال الغطاء، واستنار القلب، فحصل الفوز التام، وظهرت سبيل النجاة. ٧ - وكما أن من صفات كبرياء الله وإكرامه: كونه مظهراً للآيات، منزلاً للأرزاق، فله صفات ثلاث أخرى من صفات الجلال والعظمة، وهي كونه رفيع الصفات، خالق العرش ومدبره ومالكه، منزل الوحي والنبوة على من يشاء من عباده. وسمي الوحي روحاً؛ لأن الناس يحيون به من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالأرواح، كما تقدم. ٤١١ اِجُرُ (٢٤) - ◌َغَزْقاٍ: ٤٠ / ١٠-١٧ ٨ - ما على العباد أمام هذه الصفات العليا إلا عبادة الله وحده لا شريك له، مخلصين له العبادة والطاعة، حتى لو كره الكافرون عبادة الله، فلا تعبدوا أيها المؤمنون غيره. ـة - إنما يبعث الله الرسل لإنذار يوم البعث يوم تلاقي الخلائق جميعهم في أرض المحشر، ويوم يكونون ظاهرين في صعيد واحد، لا يسترهم شيء، الاستواء الأرض، وذلك اليوم لا يخفى على الله شيء من العباد ومن أعمالهم، وهو اليوم الذي يظهر فيه السلطان المطلق والملك التام لله الواحد القهار، ويقول سبحانه بعد فناء الخلق وهلاك كل من في السماوات ومن في الأرض: لمن الملك في هذا اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه: لله الواحد القهار. وفي تفسير آخر: أن السائل غير الله، والمجيب هم أهل المحشر، ورجح هذا القرطبي، فقال: أصح ما قيل فيه: ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يُحْشَر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يُعْصَ الله جل وعز عليها، فيؤمر منادٍ ينادي: ﴿ لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ﴾؟ فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: ﴿لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فيقول المؤمنون هذا الجواب سروراً وتلذذاً، ويقوله الكافرون غَمّاً وانقياداً. ثم أردف القرطبي قائلاً: والقول الأول ظاهر جداً؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدّعين وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل مَلِك ومُلْكه، ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبهم ودعاويهم. ودلَّ على هذا قوله الحق عند قبض الأرض والأرواح وطيّ السماء: ((أنا الملك، فأين ملوك الأرض)» كما في حديثي أبي هريرة وابن عمر، ثم يطوي الأرض بشماله والسماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟!(١). (١) تفسير القرطبي: ٣٠٠/١٥ - ٣٠١ ٤١٢ اِلُعُ (٢٤) - غزقاٍ: ٤٠ / ١٨-٢٢ ٠ ١- ومن صفات ذلك اليوم: أن تجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر، وأنه لا ظلم فيه، فلا ينقص أحد شيئاً من عمله، وأن الله سريع الحساب، فلا يحتاج إلى تفكر واستدلال؛ لأنه تعالى العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء، فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره، وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. جاء في الخبر: ((ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار)) . والخلاصة: ذكر الله تعالى ست صفات ليوم القيامة: وهي كونه يوم التلاقي، وكون الخلق بارزين ظاهرين فيه، ولا يخفى على الله منهم شيء، ويظهر فيه الملك التام لله الواحد القهار، وتجزى فيه كل نفس بما كسبت من خير أو شر، ولا ظلم في الحساب الذي هو سريع الإجراء والتنفيذ وتحقيق المطلوب. أوصاف أخرى هائلة رهيبة ليوم القيامة ﴿ وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴿ وَاللّهُ خَيرٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (®) يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِنْ اُلْبَصِيرُ قَبْلِهِمَّ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَثَارًا فِى الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقِ ﴿﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ ٢٢ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ القراءات: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ : ٤١٣ الُزُ (٢٤) - غيارٍ: ٤٠ / ١٨-٢٢ وقرأ نافع (والذين تدعون). ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾: وقرأ ابن عامر (أشد منكم). (رُسُلُهُم﴾ : وقرأ أبو عمرو (رُسْلهم). الإعراب: ﴿ وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ (4) ﴿إِذِ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْأَزِفَةِ﴾ الذي هو مفعول حَيٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ به ل﴿ وَأَنَذِرْهُمْ﴾ لا ظرف؛ لأن الإنذار لا يكون يوم الآزفة. و﴿ اَلْقُلُوبُ﴾ مبتدأ، و﴿لَدَى الْحَاجِرِ﴾ خبر. و﴿كَظِمِينَ﴾ حال من ضمير ﴿لَدَى﴾ أو حال من أصحاب القلوب. و: من في ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ زائدة، تقديره: ما للظالمين حميم ولا شفيع. و﴿يُطَاعُ﴾ جملة فعلية صفة لـ ﴿شَفِيعِ﴾. ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ﴾ ﴿فَيَنَظُرُواْ﴾ إما منصوب على جواب الاستفهام بالفاء بتقدير (أن) أو مجزوم عطفاً على ﴿يَسِيرُواْ﴾ و﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب؛ لأنها خبر ﴿ كَانَ﴾ و﴿عَقِبَةُ﴾: اسم كان المرفوع، وفي ﴿كَيْفَ﴾ ضمير يعود على العاقبة. ويجوز جعل ﴿ كَانَ﴾ تامة، فلا تحتاج إلى خبر، فيكون ﴿كَيْفَ﴾ ظرفاً ملغىَ لا ضمير فيه. وكذلك ﴿كَانُواْ﴾ في قوله: ﴿الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ﴾ يجوز فيها الوجهان، ويكون ﴿أَشَدَّ﴾ إذا جعلت ﴿ كَانَ﴾ بمعنى (وقع) حالاً. و﴿قُوَّةً﴾ تمييز. وجملة كان واسمها وخبرها مفعول: ينظروا. و﴿كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ جواب [كيْفَ﴾. ٤١٤ الُ (٢٤) - غَزَفاٍ: ٤٠ / ١٨-٢٢ البلاغة: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ﴾ أي الكفار، فيه وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك بهم، وإنه لظلمهم. ﴿ أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ اُلْأَرْضِ﴾؟ استفهام إنكاري. ﴿ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ من صيغ المبالغة. المفردات اللغوية: ﴿يَوْمَ الْأَزِفَةِ﴾ يوم القيامة، سميت بها لأزوفها، أي قربها، يقال: أزف الرحيل يأزف أزفاً: قرب ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَتَاجِرِ﴾ ترتفع خوفاً عند الحناجر أي الْخُلوق، جمع حنجرة أو حنجور كحُلْقوم لفظاً ومعنى. لِلظَّالِمِينَ﴾ الكفار ﴿كَظِمِينَ﴾ ممتلئين غماً ﴿حَمِيرٍ﴾ قريب نافع أو محب ﴿ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ مشفع أي تقبل شفاعته، ولا مفهوم للوصف ﴿يُطَاعُ﴾ إذ [الشعراء: ١٠٠/٢٦] ١٠٠ لا شفيع لهم أصلاً كما قال تعالى ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ أو له مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي لو شفعوا فَرَضاً لم يقبلوا. ﴿يَعْلَمُ﴾ الله ﴿خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ أي النظرة الخائنة، كالنظرة الثانية إلى الحرام، واستراق النظر إليه، فالمراد الأعين الخائنة: وهي التي تختلس النظر إلى المحرَّم وتسارقه ﴿وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾ القلوب، أي ما تكتمه الضمائر. والجملة خبر خامس للقلوب، للدلالة على أنه ما من خفي إلا وهو متعلَّق العلم والجزاء. ﴿وَاَللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾ لأنه المالك الحاكم على الإطلاق، فلا يقضي بشيء إلا وهو حقه ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعبدون، أي كفار مكة ﴿مِن دُونِهِ،﴾ أي الأصنام ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَئءٍ﴾ فکیف یکونون شرکاء لله؟ وهذا تهکم بهم؛ لأن الجماد لا يقال فيه: إنه يقضي أو لا ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ السميع ٤١٥ الُعُ (٢٤) - غزفاٍ: ٤٠ / ١٨-٢٢ لأقوالهم البصير بأفعالهم، وهذا تعليل وتقرير لعلمه بخائنة الأعين وقضائه بالحق، ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون، وتعريض بحال ما يدعونه من دونه. ﴿عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مآل حال الذين كذبوا الرسل قبلهم كعاد وثمود ﴿كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ قدرة وتمكناً ﴿وَءَثَارًا فِى الْأَرْضِ﴾ من قلاع ومصانع وقصور ومدائن حصينة ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أهلكهم ﴿ وَاقٍ﴾ حافظ يدفع عنهم السوء أو العذاب. ﴿بِالْبَيِّنَتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات والأحكام الواضحة ﴿إِنَّهُ قَوِىٌ﴾ متمكن مما يريده غاية التمكن ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ليس هناك عقاب أشد منه. المناسبة: بعد بیان کون الأنبياء ینذرون الناس يوم التلاق، أتى بأوصاف هائلة رهيبة أخرى ليوم القيامة، لتخويف الكفار بعذاب الآخرة، ثم خوفهم بعذاب الدنيا المماثل لإهلاك الأمم السابقة الذين كذبوا الرسل. التفسير والبيان: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَاجِرِ كَظِمِينَ﴾ أي خوف أيها ج الرسول الكفار يوم القيامة، ليؤمنوا ويقلعوا عن الشرك، ذلك اليوم الذي لكأن القلوب تزول من مواضعها من الخوف، وترتفع حتى تصير إلى الحلوق، حال كون أصحابها مكروبين ممتلئين غماً. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ خَيرٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ أي وحال كون أولئك الكافرين ليس لهم قريب ينفعهم، ولا شفيع مشفع تقبل شفاعته لهم. والمقصود بالآية تخويف الكفار وترويعهم من شدة الخوف وأهوال يوم القيامة. وفي الآية إشارة إلى أن الكفار يوم القيامة يشتد خوفهم، حتى لكأن ٤١٦ لُهُ (٢٤) - تغفلٍ: ٤٠ / ١٨-٢٢ قلوبهم لدى حلوقهم، وفيها تصريح بعدم جدوى شفاعة الأصنام كما زعموا وتأملوا. والقيامة وإن طال زمانها في تقدير الناس إلا أنها آتية من غير أي شك فيها، وكل آتٍ قريب، كما قال تعالى: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ [القمر: ١/٥٤] وقال جل وعلا: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١/٢١] وقال سبحانه: ﴿أَنَّ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١/١٦] وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الملك: ٦٧ /٢٧]. ثم أعلمهم تعالى بشمول علمه وضبطه ودقته، فقال :. ﴾ أي إن الله يعلم النظرة ﴿ يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ شَـ الخائنة التي ينظرها العبد إلى المحرَّم، ويعلم ما تُسِرّه الضمائر من أمور خيِّرة أو شريرة، حتى حديث النفس أو خواطر النفس. وهذا يعني أن علم الله تام محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها، ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حق الحياء، ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة، وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر، أي مضمرات القلوب. قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمرّ به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا ◌َخَظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لَحَظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطّلع الله تعالى من قلبه أنه ودَّ أن لو اطلع على فرجها(١). ﴿ وَاَللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾ أي والله يحكم بالحكم العادل، فيجازي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة، ويجازي كل أحد بما يستحقه من خير أو شر. (١) رواه ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة وابن المنذر. ٤١٧ الجزء (٢٤) - تغفاٍ: ٤٠ / ١٨-٢٢ ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي والذين يعبدونه من الأصنام من غير الله، لا يتمكنون من القضاء بشيء، أي فلا يحكمون بشيء، ولا يملكون شيئاً؛ لأنهم لا يعلمون شيئاً، ولا يقدرون على شيء، فالذي تجب عبادته هو القادر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء؛ فإن الله سميع لأقوال خلقه، بصير بأفعالهم، فيجازيهم عليه يوم القيامة. وهذا وعيد لهم على أقوالهم وأفعالهم وأنه يعاقبهم عليه، وتصريح بعدم جدوى عبادة الأصنام والأوثان والأنداد وغيرها من المعبودات، وتهكم بهم؛ لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه: يقضي أو لا يقضي. هذه موجبات التخويف من عذاب الآخرة، ثم خوفهم الله تعالى بعذاب الدنيا، فقال : أَوَلَمْ يَسِيُرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِذَّ كَانُوْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾﴾ أي أرشدهم الله تعالى إلى الاعتبار بغيرهم، والمعنى: أفلم يمش هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد، فينظروا مآل حال الذين مضوا من الكفار المكذبين بالأنبياء، وما حلَّ بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من كفار مكة وأمثالهم، وأبقى آثاراً في الأرض، بما عمروا فيها من الحصون والقصور، وأقاموا من المدن والحضارات. فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وما كان لهم من دافع يدفع عنهم العذاب، وللكافرين أمثالها. وهذا تحذير واضح للكافرين في كل زمان بما حلّ بالأمم الغابرة. ونظير بعض الآية: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَهُمْ فِيمَا إِن ◌َّكَّتَّكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦/٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩/٣٠]. ٤١٨ اِلُعُ (٢٤) - غَدَاءٍ: ٤٠ / ١٨-٢٢ ثم ذكر الله تعالى علة إهلاكهم وتدميرهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ أي ذلك الأخذ والإهلاك بسبب أن رسلهم كانوا يأتونهم بالحجج الواضحة على الإيمان الحق، فكفروا بما جاؤوهم به، فأهلكهم الله ودمّر عليهم، إن الله ذو قوة عظيمة وبطش شديد، يفعل كل ما يريده، لا يعجزه شيء، وعقابه أليم شديد وجيع لكل من عصاه، فيا أيها الكفار والعصاة اعتبروا واتعظوا بغيركم، فالسعيد من وُعظ بغيره. فقه الحياة أو الأحكام: موضوع الآيات شيئان: التخويف من عذاب الآخرة، والتحذير من عذاب الدنيا. أما عذاب الآخرة: فقد ذكر الله تعالى ثمانية أسباب موجبة للخوف وهي(١): اً - أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة، أي يوم القرب من العذاب لمن أذنب. ◌َ - أنه بلغ ذلك الخوف إلى أن زال القلب من الصدر وارتفع إلى الحنجرة. سَ - لا يمكنهم أن ينطقوا لشدة ما اعتراهم من الحزن والخوف، وذلك يوجب القلق والاضطراب. ٤ - ليس لهم قريب ينفعهم، ولا شفيع يطاع فيهم، فتقبل شفاعته. ٥ - أنه سبحانه عالم بكل شيء صغير أو كبير، دقيق أو جليل، وهذا يوجب شدة الخوف. - (١) تفسير الرازي: ٥٢/٢٧ ٤١٩ الجُرُ (٢٤) - غزفاٍ: ٤٠ / ٢٣-٢٧ ٩ - الله يقضي بالحق المطلق والعدل التام، وهذا أيضاً يوجب عظم الخوف. لاً - لا فائدة مما عول عليه المشركون من شفاعة الأصنام، فهم لا يقضون بشيء. ٨ - إن الله يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام ونحوها من المعبودات الباطلة، ويبصر خضوعهم وسجودهم لها. وأما عذاب الدنيا: فأمام هؤلاء الكفار المكذبين لرسول الله محمد دَله نماذج وألوان من عذاب الأمم القديمة المكذبة رسلها، وقد نزل بهم العذاب لأجل أنهم كفروا وكذبوا الرسل، وهؤلاء الحاضرون يشاهدون آثار دمارهم وهلاكهم، والله يحذر الكفار قوم الرسول من مثل أفعال أولئك الماضين، وقد ختم الكلام بقوله: ﴿إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ مبالغة في التحذير والتخويف. قصة موسى عليه السلام مع فرعون وهامان - ١ - تعذيب بني إسرائيل والتهديد بقتل موسى إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِنَايَئِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَابٌ ﴿﴿ فَمَّا جَآءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمٍ وَأُسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلٌ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهٌُ إِنَّ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ ٢٥ ضَلالٍ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اُلْفَسَادَ لاَ وَقَالَ مُوسَىّ إِنِ عُذْتُ بِرَبِّ ٢٧ وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكٍَّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ٤٢٠ الزُهُ (٢٤) - غزفاٍ: ٤٠ / ٢٣-٢٧ القراءات: ﴿ذَرُوِّ أَقْتُلْ﴾ وقرأ ابن كثير (ذرونيَ أقتل). ﴿إِنّ أَخَافُ﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أخاف). ﴿دِينَكِكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِ اْأَرْضِ اَلْفَسَادَ﴾: قرئ: ١- (دينكم وأن يُظْهِر في الأرض الفسادَ) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو. ٢- (دينكم وأن يَظْهَر في الأرض الفسادُ) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر. ٣- (دينكم أو أن يَظْهَر في الأرض الفسادُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي. ٤- (دينكم أو أن يُظهِر في الأرض الفسادَ) وهي قراءة حفص. البلاغة: ﴿ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾ فيه وضع الظاهر وهو ﴿ اَلْكَفِرِينَ﴾ موضع الضمير أي كيدهم لتعميم الحكم والدلالة على العلة وهي الكفر. ﴿كَذَابٌ﴾ صيغة مبالغة. المفردات اللغوية: ﴿َِايَاتِنَا﴾ أي المعجزات ﴿وَسُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان ﴿قُّبِينٍ﴾ ظاهر واضح، والعطف بين الآيات والسلطان لتغاير الوصفين ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ملك