Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
لِلُ (٢٣) - الرُّهَزّ: ٣٩ /٢٢-٢٦
لحذف خبره وتقديره: كمن طبع الله على قلبه؟ ومثله: ﴿أَفَمَنْ يَنَّفِى بِوَجْهِهِ،﴾
وجوابه كمن أمن منه بدخول الجنة.
﴿وَقِيلَ لِلَّالِمِينَ﴾ أي وقيل لهم، وضع الظاهر موضع الضمير تسجيلاً
للظلم عليهم وإشعاراً بما يوجب القول لهم، وهو: ﴿ذُوقُواْ مَا كُمُ
تَكْسِبُونَ﴾.
﴿يَهْدِى﴾ و﴿يُضْلِلِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿شَرَحَ﴾ فتح وبسط، والمراد: خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبول
الإسلام ﴿صَدْرَهُ﴾ أي قلبه، فاهتدى، من حيث إن الصدر محل القلب منبع
الروح المتعلق بالنفس القابلة للإسلام، وجواب الاستفهام محذوف تقديره:
كمن طبع الله على قلبه، بدليل ما بعده وهو: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْفَسِيَةِ قُلُوبُهُم﴾ ويل :
كلمة عذاب، والقاسية قلوبهم: المعرضة عن قبول القرآن، والقسوة: جمود
القلب وصلابته. وقوله المتقدم: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِِّّ﴾ يعني نور المعرفة
والاهتداء إلى الحق، والنور: البصيرة والهدى، قال وَالر: ((إذا دخل النور
القلب انشرح وانفسح)) وسيأتي الحديث بتمامه (ُبِينٍ﴾ بيِّن واضح.
﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ أي القرآن ﴿كِتَبًا﴾ قرآناً ﴿مُّتَشَبِهَا﴾ في النظم
والمعنى، أي يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز، وحسن النظم، والدقة، وصحة
المعنى والإحكام ﴿مَثَانِىَ﴾ جمع مثنى، من التثنية: التكرار، أي ثنى فيه الوعد
والوعيد وغيرهما ﴿نَقْشَعِرُّ مِنْهُ﴾ تضطرب وتتحرك وترتعد خوفاً عند ذكر
وعيده ﴿يَخْشَوْنَ﴾ يخافون ﴿تَلِينُ﴾ تطمئن وتسكن ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهَ﴾ عند ذكر
وعده ﴿ذَلِكَ﴾ الكتاب ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ هدايته ﴿وَمَن
يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ومن يخذله ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَارٍ﴾ يخرجه من الضلالة.
٣٠٢
لُ (٢٣) - الرمزّ: ٢٢/٣٩-٢٦
﴿ أَفَمَنْ يَنَِّى بِوَجْهِهِ، سُوّءَ الْعَذَابِ﴾ يجعله دَرَقة (ترساً) يقي به نفسه أشد
العذاب، بأن يُلْقى في النار مغلولة يداه إلى عنقه، والجواب محذوف تقديره:
كمن أمن منه بدخول الجنة ﴿لِلطَّلِمِينَ﴾ كفار مكة وأمثالهم ﴿ذُوقُواْ مَا كُمُ
تَكْسِبُونَ﴾ أي ذوقوا وباله وجزاءه.
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي كذبوا رسلهم في إتيان العذاب ﴿فَأَنَنُهُمُ
اُلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ من الجهة التي لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم
منها ﴿اَلْخِرْىَ﴾ الذل والهوان ﴿فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ كالقتل والسبي والإجلاء
والخسف والمسخ ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ لو كان المكذبون يعلمون عذاب الآخرة
ما كذبوا.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٣):
﴿اللَّهُ نَزَّلَ﴾ : روى الحاكم وغيره عن سعد بن أبي وقاص قال: نزل على
النبي ◌َّ القرآن، فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا؟
فنزل ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اٌلْحَدِيثِ﴾. وعن ابن عباس: أن قوماً من الصحابة
قالوا: يا رسول الله، حَدّثنا بأحاديث حسان وبأخبار الدهر، فنزل: ﴿اَللَّهُ
نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى ما يوجب الإقبال على الآخرة بطاعة الله تعالى، وما
يوجب الإعراض عن الدنيا، أوضح أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا
إذا شرح الله الصدور ونوَّر القلوب، ثم أوضح أن من أضله الله فلا هادي له،
وأن من يلقى في النار ليس كمن آمن وأمن، فدخل الجنة، وأن مكذبي الرسل
لهم عذاب شديد في الدنيا والآخرة.
٣٠٣
الجزءُ (٢٣) - الزُِّزّ: ٢٢/٣٩-٢٦
التفسير والبيان:
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِِّ﴾ أي أفمن وسَّع
الله صدره للإسلام، فقبله واهتدى بهديه، فهو بسبب هذه الهداية على بصيرة
ونور من ربه يفيض عليه، أي نور المعرفة والاهتداء إلى الحق، كمن قسا قلبه
لسوء اختياره وغفلته وجهالته، فصار في ظلمات الضلالة وبليّات الجهالة؟!
والمعنى: أنه لا يستوي المهتدي المهدي الموفق للإسلام والحق ومن هو
قاسي القلب، البعيد عن الحق، كما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُ فِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجِ
مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢/٦] وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَةُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ
لِلْإِسْلَمِّ﴾ [الأنعام: ١٢٥/٦].
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قلنا: يا رسول الله، قوله تعالى:
﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِِّّ﴾ كيف انشرح صدره؟
قال: ((إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح، قلنا: يا رسول الله، وما علامة
ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد
للموت قبل نزوله».
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر: أن رجلاً قال:
يا رسول الله، أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرُهم للموت ذكراً، وأحسنهم له
استعداداً، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع، قالوا: فما آية ذلك یا
نبي الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد
للموت قبل نزول الموت)).
ثم ذكر عقاب قساة القلوب للدلالة على الكلام المحذوف الذي قدر، فقال:
﴿فَوَيْلٌ لِلْفَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَكَ فِ ضَلَلِ مُّبِينٍ﴾ أي فالعذاب
٣٠٤
الجُ (٢٣) - الرَّثِزّ: ٣٩ / ٢٢-٢٦
الشديد لمن لا تلين قلوبهم عند ذكر الله، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم، أولئك
قساة القلوب في ضلال واضح عن الحق، وغَواية ظاهرة لكل الناس.
أخرج الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((لا تُكْثروا الكلام
بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من
الله القلب القاسي)).
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَ ل قال: ((قال الله تعالى: اطلبوا
الحوائج من السُّمَحاء، فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية
قلوبهم، فإني جعلت فيهم سخطي)).
وقال مالك بن دينار: ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما
غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم.
ثم وصف الله القرآن الذي يشرح الصدر، فقال:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُتَشَِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهَّ﴾ أي اللـه(١) نزل
أحسن الأحاديث وهو القرآن، لما فيه من الخيرات والبركات والمنافع العامة
والخاصة، وهو كتاب يشبه بعضه بعضاً في جمال النظم وحسن الإحكام
والإعجاز، وصحة المعاني، وقوة المباني، وبلوغه أعلى درجات البلاغة،
وتثنى فيه القصص وتردد، وتتكرر فيه المواعظ والأحكام من أوامر ونواه
ووعد ووعيد، ويثنى في التلاوة فلا يملّ سامعه، ولا يسأم قارئه.
إذا ذُكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله، كما قال الزجاج،
(١) الابتداء باسم الله وإسناد ضمير ﴿نَزَّلَ﴾ إليه: فيه تفخيم للمنزَّل ورفع منه، كما تقول: الملك
أكرم فلاناً.
٣٠٥
الجُزْءُ (٢٣) - الزُِّزّ: ٣٩ / ٢٢-٢٦
وتضطرب النفس وترتعد بالخوف مما فيه من الوعيد. ثم تسكن وتطمئن الجلود
والقلوب عند سماع آيات الرحمة، قال قتادة: هذا نعت أولياء الله، نعتهم بأنها
تقشعر جلودهم، ثم تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم
والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان.
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: كان أصحاب النبي
وَّ إذا قرئ عليهم القرآن، كما نعتهم الله، تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم.
قيل لها: فإن أناساً اليوم إذا قرئ عليهم القرآن، خرّ أحدهم مغشياً عليه،
فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ أي ذلك الكتاب أو القرآن هو
هداية الله يهدي به من يشاء هدايته ويوفقه للإيمان، وهذه صفة من هداه الله،
ومن كان على خلاف ذلك، فهو ممن أضله الله.
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي من يخذله الله عن الإيمان بالقرآن من
الفساق والفجرة، فلا مرشد له.
ثم أبان الله تعالى سبب التفرقة بين المهتدي والضال، فقال:
﴿أَفَمَن يَنَّقِى بِوَجْهِهِ، سُوّءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ هذا مثل قوله تعالى:
﴿أَفَنَ يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرُّ أَم مَّن يَأْتِيّ ءَامِنَّا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١].
والمعنى: أمن يتقحم نار جهنم، فلا يجد ما يتقي به سوى وجهه، ليتقي
العذاب الشديد يوم القيامة، كمن هو آمن لا يعتريه شيء من المخاوف أو
المكروه، ولا يحتاج إلى اتقاء المخاوف، بل هو سالم من كل سوء، مطمئن في
جنة الله؟! أي لا يستوي هذا وذاك، كما قال عز وجل: ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى
[الملك: ٦٧ /٢٢] .
٢٣
وَجْهِهِ أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ
﴿وَقِيلَ لِلّلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي: وحين يقال للكافرين:
.
٣٠٦
الجزءُ (٢٣) - الرُِّزّ: ٣٩ / ٢٢-٢٦
ذوقوا جزاء كسبكم من المعاصي في الدنيا، كقوله تعالى ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥/٩].
ثم ذكر تعالى عذاب مكذبي الرسل من الأمم الماضية في الدنيا، فقال:
فَأَذَاقَهُمُ
٢٥
﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
اللَّهُ الْخِزْىَ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
أي إن
بعض الأمم الماضية الذين كذبوا الرسل، أهلكهم الله بذنوبهم، وأتاهم
العذاب من جهة لا يترقبون إتيان العذاب منها، وذلك عند أمنهم وغفلتهم،
فأذاقهم الله الذل والهوان بما أنزل بهم من العذاب والنكال، كالخسف
والمسخ والقتل والسبي والأسر وغير ذلك.
ثم إن عذاب الآخرة أشد وأنكى وأعظم مما أصابهم في الدنيا، لكونه في
غاية الشدة والدوام، لو كانوا ممن يعلم ويتفكر ويعمل بمقتضى علمه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - لا یستوي المهتدي الذي شرح الله صدره للإسلام، فهو علی هدی من
ربه، ومن طبع على قلبه وحرم الهداية، فالويل ثم الويل لقساة القلوب
المعرضين عن ذكر الله، فهم في ضلال واضح.
أَ - القرآن الكريم هو أحسن الحديث، أي إن أحسن ما يسمع هو ما أنزله
الله وهو القرآن، وهذه هي الصفة الأولى للقرآن.
ومن خصائصه وصفاته: أنه متشابه بعضه مع بعض في الحسن والحكمة
والإحكام أي في النظم والمعنى، ويصدق بعضه بعضاً، ليس فيه تناقض ولا
اختلاف. وأنه مثاني أي تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام، وتثنى تلاوته
فلا يملّ منه، وأنه يجمع بين الترهيب والترغيب، فالنفس المؤمنة به تضطرب
٣٠٧
الجُ (٢٣) - الزَّظَرّ: ٣٩ /٢٧-٣١
وتخاف مما فيه من الوعيد، ثم تطمئن وتسكن عند سماع آيات الرحمة. وأنه
هدى الله الذي يهدي به من يشاء هدايته، وأما من يضله ويخذله من الفساق
والفجار المعرضين عنه، فلا مرشد له. فهذه صفات خمس للقرآن المجيد.
◌َّ - لا يستوي عقلاً وعدلاً وواقعاً رجلان: أحدهما يرمى به مكتوفاً في
النار، فأول شيء تمس منه النار وجهه، ومن هو آمن من العذاب لا يتعرض
لشيء من المكروه والمخاوف. ويقال للظالمين الكافرين تبكيتاً وتوبيخاً: ﴿ذُوقُواْ
مَا كُمُ تَكْسِبُونَ﴾ .
٤ - إن عقاب الأمم الماضية المكذبة بالرسل نوعان: عقاب في الدنيا
بالمسخ والخسف والزلزلة والصيحة والريح الصرصر والغرق والقتل والأسر
والتشريد والذل والهوان ونحو ذلك، مما أتاهم من جهة لا يحتسبون إتيان
العذاب منها، وعقاب آخر أشد وأنكى وأكبر وأعظم مما أصابهم في الدنيا،
لو علموا به وتفكروا وتأملوا، وعملوا بمقتضى علمهم.
والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب.
عربية القرآن وضرب الأمثال فيه
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ
٣٧
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ
قُرْءَانًا عَرَبِبًّا غَيْرَ ذِى عَوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَّبِّتُونَ ﴿٣ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْنَصِمُونَ
٢٩
٣١
القراءات:
﴿ اَلْقُرْءَانِ﴾، ﴿قُرْءَانًا
٠٠
٣٠٨
لُجُرُ (٢٣) - الزُّفِزّ: ٣٩/ ٢٧-٣١
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران، قراناً).
﴿سَلَمَا﴾ :
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (سَالِماً).
الإعراب:
﴿قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾ ﴿قُرْءَانًا﴾: توطئة للحال أو حال مؤكدة، و﴿عَرَبِيًّا﴾:
حال من القرآن.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾ تقديره: ضرب الله مثلاً مَثَل
رجل، فحذف المضاف.
و ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ مرفوع بالظرف على المذهبين: البصري والكوفي؛ لأن
الظرف وقع صفة لقوله: ﴿رَّجُلًا﴾. و﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾ معطوف على قوله:
﴿رَّجُلًا﴾ الأول، أي مثل رجل سالم.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ تمييز.
المفردات اللغوية:
﴿ضَرَبْنَا﴾ جعلنا ﴿مِن كُلِّ مَثَلِ﴾ يحتاج إليه الناظر في أمر دينه
﴿ يَنَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون ﴿غَيْرَ ذِى عَوَجِ﴾ لا اختلال فيه بوجه من الوجوه، ولا
لَبْس ولا اختلاف ﴿ يَنَّقُونَ﴾ الكفر.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ للمشرك والموحد، وضرب المثل: تشبيه حال غريبة
بحال أخرى مثلها ﴿ مُتَشَكِسُونَ﴾ متنازعون مختلفون لسوء أخلاقهم وطباعهم
﴿سَلَمًا﴾ سالماً خالصاً ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ أي لا يستوي العبد المملوك
لجماعة، والعبد لواحد، فإن الأول يحتار فيمن يخدم من سادته إذا طلبوه وهو
مثل للمشرك، والثاني مثل للموحد.
٣٠٩
لُ (٢٣) - الرّحِزّ: ٣٩ / ٢٧-٣١
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كل الحمد له وحده، لا يشاركه فيه على الحقيقة سواه؛ لأنه
المنعم بالذات والمالك على الإطلاق ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر أهل مكة
والكفار لا يعلمون ما ينتظرهم من العذاب، فيشركون بالله غيره؛ لفرط
جهلهم.
﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (®) إنك يا محمد ميت، والكل سواء في
الموت، ستموت ويموتون، فلا شماتة بالموت. نزلت الآية لما استبطؤوا موته
وَلجه. والميِّت (بالتشديد) من سيموت، والميْت (بالتخفيف) من مات (ثُمَّ
إِنَّكُمْ﴾ أيها الناس، فيه تغليب المخاطب على الغائب ﴿تَخْصِمُونَ﴾ تحتكمون
للقضاء فيما حدث بينكم من المظالم.
المناسبة:
بعد بيان صفات القرآن الخمس المتقدمة والتي على رأسها أنه ﴿أَحْسَنَ
اَلْحَدِيثِ﴾ ذكر تعالى خواصَ أخرى للقرآن: هي أنه يضرب فيه الأمثال للناس
تخويفاً وتحذيراً، وأنه قرآن متلو إلى يوم القيامة، وأنه عربي اللسان، وغير ذي
عوج، أي بريء من التناقض.
ثم ذكر فيه مثلاً عجيباً للمؤمن الموحد والمشرك، يدل على فساد مذهب
المشركين، بعد أن أفاض تعالى في شرح وعيد الكفار في هذه السورة.
التفسير والبيان:
﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ
٢٧
قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عَوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٨﴾ أي لقد بيّنا للناس المطلوب فيه
بضرب الأمثال. من كل مثل يحتاجون إليه في أمر دينهم، ومن أمثال القرون
الخالية تخويفاً لهم وتحذيراً، والمثل يقرِّب المعنى إلى الذهن، لعلهم يتعظون،
فيعتبرون. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا
٣١٠
الجُرَعُ (٢٣) - الرُّفِزّ: ٣٩ / ٢٧-٣١
[العنكبوت: ٤٣/٢٩]. والخلاصة: إن الحكمة في ضرب
٤٣
اُلْعَالِمُونَ
الأمثال للناس هي أن تكون عظة وذكرى لهم ليتقوا ربهم، ويرتدعوا عن
غیھم.
ووصف القرآن بصفات ثلاث: هي كونه قرآناً أي كونه متلواً في المحاريب
إلى قيام القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
[الحجر: ٩/١٥]. وكونه عربياً بلسان عربي مبين، أي أعجز الفصحاء والبلغاء
عن معارضته، كما قال سبحانه: ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ
بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيْرًا
٨٨)
[الإسراء: ٨٨/١٧]. وكونه غير ذي عوج، أي براءته من التناقض، كما قال
تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢/٤].
وذلك لعلهم يتقون ما حذرناهم منه من بأس الله وسطوته.
وإِنما قدم ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ﴾ على ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ لأن التذكر متقدم على
الاتقاء، لأنه إذا اتعظ به وفهم معناه، حصل الاتقاء والاحتراز.
ثم ذكر تعالى مثلاً للمؤمن الموحد والكافر المشرك، فقال:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَُّ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾؟ أي ضرب الله مثلاً للمشرك في صنعه لا في معبوده، الذي
يعبد أكثر من إله، بحالة رجل عبد مملوك يملكه عدد من الرجال، مختلفون
فيما بينهم، متنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، متعاسرون، لسوء
أخلاقهم وطباعهم، كل له رأي وحاجة، فإذا طلب كل واحد من السادة من
هذا العبد شيئاً أو حاجة، فماذا يفعل، وكيف يرضي جميع الشركاء؟ كذلك
المشرك في عبادته آلهة متعددة لا يتمكن من إرضاء جميع تلك الآلهة.
وضرب الله مثلاً آخر للمؤمن الموحد بحالة رجل آخر مملوك لشخص
واحد، لا يشاركه فيه غيره، فإذا طلب منه شيئاً لبَّاه دون ارتباك ولا حيرة،
٣١١
لِلُ (٢٣) - الزُّفِرّ: ٣٩ / ٢٧-٣١
وهذا كالمسلم الذي لا يعبد إلا الله، ولا يسعى لإرضاء غير ربه، فهل يكون
في طمأنينة أم في حيرة؟
هذان المملوكان هل يستويان صفة وحالاً؟ أي لا يستوي هذا وهذا،
فكذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا
يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟
ولما كان هذا المثل ظاهراً بيّناً جلياً، قال تعالى:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي الحمد لله على إقامة الحجة عليهم،
وعلى أن الحمد لله لا لغيره، وعلى التوفيق للإسلام والحق، بل أكثر الناس لا
يعلمون هذا الفرق، فيشركون مع الله غيره.
ونظراً لجهل أكثر الناس بالحق وعدم انتفاعهم بهذا المثل، أخبر تعالى
تهديداً بالموت بأن مصير الخلائق كلهم إلى الله، وهناك يتقاضون في المظالم بين
يدي الله، فقال:
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
﴿إِنَّكَ مَيْتٌ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ (
٣١
﴾ أي إنك أيها الرسول ستموت، وهم سيموتون، ثم يحصل التقاضي عند
الله، فيما اختلفتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك، وسيحكم الله بينكم يوم
القيامة، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين
المشركين المكذبين.
وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ نعي أجل رسول وَّه وإعلام الصحابة بأنه يموت ولا
يخلد في الدنيا، فقد كان بعضهم يعتقد أنه لا يموت، وهو أيضاً حثّ لكفار
قريش على انتهاز الفرصة، والمسارعة إلى الإيمان، وتلقي الوحي عن النبي
مَثّر؛ لأن إقامته فيهم قليلة، وليس خالداً بينهم.
ليس خاصاً
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
٣١٢
الُ (٢٣) - الرَّحِزّ: ٣٩ /٢٧-٣١
بالمؤمنين والكافرين في التخاصم بينهم في الدار الآخرة، وإنما هي شاملة لكل
متنازعين في الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الآخرة. وهو دليل على أن
محمداً مَّ﴿ سيخاصم قومه ويحتج عليهم بأنه قد بلغهم الرسالة وأنذرهم، وهم
یخاصمونه، ويعتذرون بما لا معنى له.
روى الترمذي - وقال: حسن صحيح - عن الزبير بن العوام رضي الله عنه
قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله وَله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَيِّتُونَ
٣٠
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (3) قال الزبير رضي الله عنه:
أي، رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا، مع خواص الذنوب؟ قال
التر: «نعم لیکررن علیکم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه".
وروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول وَله :
((أول الخصمين يوم القيامة جاران)).
وروى الإمام أحمد أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال
رسول الله قال: ((والذي نفسي بيده، إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا)).
وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَالى: (يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة، فتخاصمه الرعية، فيفلحون
عليه، فيقال له: سدّ ركناً من أركان جهنم)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الآتي:
اً - القرآن الكريم كتاب شامل كامل لم يترك شيئاً من أمر الدنيا والآخرة
إلا بينه وأجلاه، حتى بالأمثال الموضحة للناس معانيه ومراميه، قال تعالى:
﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ اُلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨/٦].
٣١٣
◌ِلُ (٢٣) - الزُّفِرّ: ٣٩ / ٢٧-٣١
والقرآن الكريم عظة وتذكير، وسبب اتقاء الكفر وتكذيب الرسل.
وخواصه: أنه قرآن متلو في المحاريب وغيرها إلى يوم القيامة، ونزل بلسان
عربي مبين، ولا تناقض ولا اختلاف فيه.
أَ - إن مذهب المشركين في عبادة الأوثان وتعدد الآلهة فاسد باطل لا يقبله
عاقل صحيح العقل، ومن عوامل بطلانه وتهافته أنه لا يحقق لذويه غاياتهم،
وأبسط دليل على ذلك هو هذا المثل الذي ضربه القرآن هنا للمؤمن الموحد
والكافر المشرك.
مثل الأول الذي يعبد الله وحده: مثل رجل عبد مملوك لسيد واحد،
يستطيع إرضاءه وتحقيق مراده. ومثل الثاني الذي يعبد آلهة متعددة: مثل رجل
عبد مملوك لعدة شركاء، يطلبون منه في الخدمة مطالب متعارضة، فكيف
يستطيع إرضاء الكل؟ وأخلاقهم متباينة، ونياتهم متغايرة، لا يلقاه أحد إلا
استخدمه في حوائجه الخاصة، فتراه يلقى منهم العناء والنَّصب والتعب
الشديد، وهو مع ذلك لا يرضي واحداً منهم بخدمته، لكثرة الحقوق
والواجبات الملقاة على عاتقه، ما يجعله ينفر ويأبق ويهرب ولا يستمر على هذا
النحو من العذاب.
أما الذي يخدم واحداً لا ينازعه فيه أحد، إذا أطاعه وحده، عرف ذلك
له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأيهما أقل تعباً أو على هدى مستقيم؟!
لذا ختم الله تعالى بيانه بتعليمنا فضله علينا، وإرشادنا إلى حمده وشكره
والثناء عليه على أن هدانا للإسلام، ووفقنا للحق، بعد ظهور الحجة على
الكافرين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون الحق، فيتبعونه.
◌َّ - إن مصير جميع الخلائق إلى الله لحسابهم وتصفية منازعاتهم والقضاء
العدل فيهم، سواء المؤمنون والكافرون، فيتخاصم الكافر والمؤمن والظالم
والمظلوم، وورد في خبر عن ابن منده عن ابن عباس: ((إن الخصومة تبلغ يوم
القيامة إلى أن يحاجّ الروح الجسد)).
٣١٤
لُرُ (٢٣) - الرُّشَيْر: ٣٩ / ٢٧-٣١
وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((من كان عنده مظلمة
لأخيه من عِرْض أو مال، فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن
كان له عمل صالح، أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من
سیئات صاحبه، فحملت علیه)).
وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أن رسول الله وَ ◌ّه قال:
((أتدرون من المفلسُ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال
رسول الله وَله: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي قد
شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا،
فُيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْضى ما
عليه، أُخذ من خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طرح في النار)).
وقال أبو سعيد الخدري: كنا نقول: ربنا واحد، ودیننا واحد، ونبينا
واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صِفِّين، وشدَّ بعضنا على بعض
بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا.
تم الجزء الثالث والعشرين ولله الحمد
>
٠.٠
النَّفَيُِّ المُنَُّ
في العقيدة والشريعة والمنهج
الجُزءُ الرَّائِخْ وَالْعُشِرُونْ
٣١٧
الُعُ (٢٤) - الزُّفِرّ: ٣٩ /٣٢-٣٧
وعيد المكذبين ووعد المصدقين
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ، أَلَيْسَ فِى
وَأَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّكَ بِنْ أُوْلَتِكَ هُمُ
جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَافِرِينَ
٣٤
اُلْمُنَّقُونَ ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِهِمَّ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
لِيُكَفِرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِى كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴿ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهٌ وَيُخَوِفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ، وَمَنْ
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَا لَهُ مِن مُضِلُّ أَلَيْسَ اَللَّهُ
٣٦
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
٣٧
بِعَزِيزِ ذِى أَثِقَامٍ
القراءات:
عَبْدَةٌ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي (عِبادَه).
الإعراب:
﴿ وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِنْ أُوْلَبِّكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
٣٣
{وَالَّذِى﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿أُوْلَكَ﴾. وإنما جاز أن يقع ﴿أُوْلَّكَ﴾ خبراً
للذي، و﴿أُوْلَّكَ﴾ جمع، و﴿ وَلَّذِى﴾ واحد؛ لأن ﴿ وَالَّذِى﴾ يراد به الجنس،
فلهذا جاز أن يقع خبره جمعاً.
البلاغة:
﴿مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ﴾ فيه إقامة الظاهر مقام المضمر، أي مثوى لهم.
[يُضْلِلِ﴾ و﴿هَادٍ﴾ و﴿يَهْدِ﴾ و﴿قُضِلٍ﴾ بينهما طباق.
٣١٨
الدُّعُ (٢٤) - الأفرّ: ٣٢/٣٩-٣٧
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ استفهام إنكار للنفي، مبالغة في الإثبات،
صِى
والعبد: رسول الله وَّة، ويحتمل إرادة الجنس، وفسر بالأنبياء. وهكذا كل
استفهام إنكاري مثل: ﴿أَلَّمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١/٩٤]، ﴿أَمْ أَعْهَدْ﴾ [يس: ٣٦/
٦٠] دخل على نفي، يفيد معنى التقرير والتثبيت بالدليل؛ إذ نفي النفي إثبات.
المفردات اللغوية:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد أظلم ﴿مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ بنسبة الشريك
والولد إليه ﴿وَكَذّبَ بِالصِّدْقٍ﴾ وهو القرآن الذي نزل على محمد وَثلّة
﴿مَثْوَى﴾ مُقاماً ومأوى ﴿لِلْكَفِرِينَ﴾ اللام تحتمل العهد (أي كفار قريش)
والجنس: جميع الكفار، وذلك يكفيهم جزاء لأعمالهم.
﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو النبي ◌َِّ ﴿وَصَدَّقَ بِهِمْ﴾ هم أتباعه
المؤمنون، كأبي بكر الصديق، ف﴿ وَالَّذِى﴾: بمعنى الذين، لذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الشركَ ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم ﴿أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ
وَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ﴾ أسوأ وأحسن بمعني السيئ والحسن، كقولهم:
الناقص والأشج أعدلا بني مروان .﴿وَيَجْرِبَهُمْ أَجْرَهُ﴾: ويعطيهم ثوابهم على
الطاعات في الدنيا. و﴿الَّذِى عَمِلُواْ﴾ فيما عملوه من المعاصي. وخصَّ الأسوأ
للمبالغة، فإنه إذا كفِّر كان غيره أولى بذلك. ويقابلهم بالأحسن في زيادة
الأجر وعظمه لفرط إخلاصهم في أعمالهم.
﴿يِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ أي يكفي عبده النبي ◌َّ وعيد المشركين وكيدهم
﴿ وَيُخَوِّقُونَكَ﴾ الخطاب للنبيِ بََّ، والتخويف من قريش ﴿بِأَلَّذِينَ مِنْ
دُونِهِ﴾ أي الأصنام، بأن تقتله أو تخبله ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ تركه في
الضلال والاعتقاد بما لا ينفع ولا يضر ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يهديهم إلى
الرشاد ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ يوفقه للإيمان ﴿بِعَزِيزٍ﴾ غالب منيع قوي قاهر
﴿ذِى أَنْتِقَاءٍ﴾ أي ينتقم ممن عاداه وعادى رسوله وَ له.
٠
٣١٩
لُعُ (٢٤) - الزُّفِرّ: ٣٩ /٣٢-٣٧
ويقال: (بلى) بعد كل من الاستفهامات الثلاثة في الآيات: ﴿أَلَيْسَ فِى
جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ﴾ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى
أَنِقَامِ﴾؟
سبب النزول:
نزول الآية (٣٦):
﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ﴾: أخرج عبد الرزاق عن معمر: قال لي رجل: قالوا للنبي
وَ﴾: لتكُفَّنَّ عن شتم آلهتنا أو لنأمرنها فلتُخبِّلنَّك: فنزلت: ﴿وَيُحَوِّفُونَكَ
◌ِالَّذِينَ مِن دُونِهِّ﴾.
المناسبة:
بعد أن بالغ واستقصى الله تعالى في بيان وعيد الكفار، وأردفه بذكر مثل
يدل على فساد مذهبهم وقبح طريقتهم في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أتى هنا
بأسوأ اعتقادهم وهو تكذيب الله بإثبات ولد له أو شريك، وتكذيب الرسول
رَله بعد إثبات صدقه بالأدلة القاطعة، وختمه بوعيدهم في جهنم.
ثم أتبعه بوعد الصادق المصدوق ووعد أتباعه المصدقين المؤمنين من تكفير
السيئات ومنحهم أفضل الثواب، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد.
التفسير والبيان:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ:﴾ هذا نوع
آخر من قبائح أفعال الكفار المشركين، وهو أنهم يكذبون الله، ويكذبون
القائل المحق وهو رسوله الكريم معلقة، والمعنى: لا أحد أظلم ممن كذب على
الله، فزعم أن له ولداً أو شريكاً أو صاحبة وحرَّم وحلل من غير أمر الله،
وكذب بما جاء به رسول الله وَله من دعوة الناس إلى التوحيد، وأمرهم
بالقيام بفرائض الشرع، ونهيهم عن محرّماته، وإخبارهم بالبعث والنشور.
٣٢٠
الُعُ (٢٤) - الرُّصَرّ: ٣٩ /٣٢-٣٧
فهم جمعوا بين طرفي الباطل: كذب على الله تعالى، وتكذيب رسول الله وَل
بعد قيام الأدلة القاطعة على كونه صادقاً في ادعاء النبوة.
وقوله: ﴿إِذْ جَآءَهُ؟﴾ أي وقت مجيئه فاجأه بالتكذيب من غير فكر ولا تروِّ
ولا نظر، بل وقت مجيئه كذب به.
ثم أردفه بوعيدهم فقال:
﴿ أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ﴾؟ بلى، أي أليس في نار جهنم
الواسعة العريضة مقام ومأوى وسكنى لهؤلاء الكافرين. وفيه تنبيه على علة
كذبهم وتكذيبهم، وهو الكفر. والمراد: ألا يكفيهم العذاب في جهنم جزاء
على أعمالهم؟ وهو استفهام تقرير وإثبات، لا نفي.
ثم أتبع الوعيد السابق بوعد الصادقين المصدقين، فقال:
﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَقَ بِهٌِ أُوْلَبِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣)﴾ أي أما
الذي جاء بالصدق والقول الحق وهو رسول الله وَله وخاتم الأنبياء وإمام
الرسل، والذين صدقوا به وآمنوا بأنه رسول من عند الله وهم أتباعه
المؤمنون، وأيقنوا أن القرآن كلام الله تبيان كل شيء وخير وسعادة للبشرية
جمعاء، فأولئك هم الذين اتقوا الله، وتجنبوا الشرك، وتبرؤوا من الأصنام
والأوثان.
وثواب هؤلاء ما قال تعالى:
﴿لَهُم مَّا يَشَدَءُونَ عِندَ رَبِمَّ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
أي لهم ما
(٣٤)
يطلبون عند ربهم في الجنان، من رفع الدرجات، ودفع المضرّات، وتكفير
السيئات، فضلاً عن أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر
على قلب بشر، وذلك جزاء الذين أحسنوا في أعمالهم. والإحسان كما ثبت في
الصحيح لدى الشيخين عن عمر عن رسول الله وَلفيه، قال: ((الإحسان: أن
تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)).