Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
الُ (٢٣) - الزُّفَرّ: ٣٩ /٨-٩
والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون
الأليب
﴿ أُوْلُواْ
يَتَذكرِ ﴾ يتعظ
أصحاب العقول.
سبب النزول:
نزول الآية (٩):
﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ﴾؟: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ
قَنِثُ﴾ الآية، قال: نزلت في عثمان بن عفان، وأخرج ابن سعد عن ابن
عباس قال: نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج جويبر عن ابن عباس قال:
نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة.
المناسبة:
بعد بيان فساد مذهب المشركين في عبادة الأصنام، وأنه لا دليل لهم على
عبادتها، وبيان أن الله تعالى هو الذي يجب أن يعبد، وأن الله غني عما سواه
من المخلوقات لا يفتقر إلى عبادتهم، ذكر الله تعالى هنا تناقض الكفار بالرجوع
إلى الله وقت الشدة، وتركه وقت الرخاء. ثم أردفه ببيان مدى صلابة المؤمنين
في دينهم، وتمسكهم بمبدئهم، فهم لا يرجعون إلا إلى الله، ولا يعتمدون إلا
علی فضل الله.
التفسير والبيان:
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيَبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا
كَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ هذا موقف
متناقض من الكفار، فإذا أصاب الكافر شدة من مرض أو فقر أو خوف،
تضرع إلى ربه، راجعاً إليه تائباً، مستغيئاً به في تفريج كربته، وكشف ما نزل
به، ثم إذا منحه نعمة أو أعطاه وملكه، وصار في حال رخاء ورفاهية، نسي
ذلك الدعاء والتضرع، أو نسي ربه الذي کان يدعوه من قبل.

٢٨٢
الُ (٢٣) - الرَّثِزّ: ٣٩ / ٨-٩
وجعل لله شركاء من الأصنام أو غيرها، يعبدها، ليصير وتكون نتيجته
وعاقبته الضلال والإضلال، يضل بنفسه، ويضل الناس بعمله هذا ويمنعهم
من توحيد الله والدخول في الإسلام، فسبيل الله: الإسلام والتوحيد،
والأنداد الأوثان والأصنام، ولام ﴿لِيُضِلَ﴾ لام العاقبة.
والمعنى الأول (وهو أنه عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله) مثل قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ اُلُُّّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَّدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ فَمَّا نَجَنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ
أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا (جَ﴾
[الإسراء: ١٧ /٦٧] .
والمعنى الثاني (وهو أنه في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع) مثل
قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الضُُّّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَيِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ
ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرِّ مَّسَّهُ﴾ [يونس: ١٢/١٠].
والمعنى الثالث (جعل الأنداد الشركاء لله) كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَنَ
[العاديات: ٦/١٠٠] .
لِرَبِّهِ، لَكُنُورٌ ﴾
لكل هذا هدّد الله وأوعد ذلك الكافر المتناقض على ما فعل، فقال:
﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًاْ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ قل أيها الرسول لمن هذه
حالته وطريقته ومسلكه: استمتع أيها الإنسان بكفرك تمتعاً قليلاً أو زماناً قليلاً
هو مدة أجلك، فمتاع الدنيا قليل، فإنك في الآخرة من أصحاب النار
الخالدين فيها أبداً، ومصيرك إليها عن قريب، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ
مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠/١٤] وقوله سبحانه: ﴿نُمِنْعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ
نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظٍ
[لقمان: ٢٤/٣١] .
ثم ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين القانتين الذين لا يعتمدون دائماً إلا على
ربهم، فقال :

٢٨٣
لِلْجُ (٢٣) - الرَُّثِزّ: ٣٩/ ٨-٩
﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾
أي أذلك الكافر أحسن حالاً ومآلاً، أم المؤمن بالله، الذي هو مطيع خاشع
يصلي لله في ساعات الليل، وخشوعه مستمر حال سجوده وحال قيامه، يخاف
الآخرة، ويرجو رحمة ربه، فيجمع بين الخوف والرجاء، وتلك هي العبادة
الكاملة، التي يفوز بها صاحبها؟! الجواب واضح. قال أبو حيان: وفي الآية
دليل على فضل قيام الليل وأنه أرجح من قيام النهار.
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أي
هل يستوي العلماء والجهال؟ إنما يتعظ بآيات الله ويتدبرها أهل العقول
السليمة، لا الجهلاء، وإنما يعرف الفرق بين الصنفين العاقل، لا الجاهل.
لا يستوي الفريقان، فإن العالم الذي يدرك الحق ويعرف منهج الاستقامة،
فيتبعه ويعمل به، لا يستوي أبداً مع الجاهل الذي يخبط خبط عشواء، ويسير
في متاهة وضلال.
والمراد بالإتيان بهذه الآية لنفي استواء الفريقين بطريق الاستفهام: هو
تأكيد نفي المساواة بين الفريقين الأولين: الكافر المتناقض والمؤمن المطيع
الخاشع، فكما أنه لا يستوي العالم والجاهل، لا يستوي المؤمن والمشرك الذي
جعل لله أنداداً ليضل عن سبيل الله، الأول في قمة الخير والعلم، والآخر في
أسفل دركات الشر والجهل.
قال أبو حيان: دلت الآية على أن كمال الإنسان محصور في هذين
المقصودين: العلم والعمل، فكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا
يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. والمراد بالعلم هنا: ما أدى إلى
معرفة الله، ونجاة العبد من سخطه.

٢٨٤
لِلَزُ (٢٣) - الرُّفِزّ: ٣٩ /٨-٩
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى وجود موقفين متعارضين بين الناس، فريق الكافرين
وفريق المؤمنين.
أما الكافر: فهو متناقض، تراه يستغيث بالله راجعاً إليه مخبتاً مطيعاً له إذا
أصابته شدة من مرض أو فقر أو خوف، لإزالة تلك الشدة عنه، فإن سلم
ونجا وعوفي، وصار في حال اطمئنان واستقرار ورخاء ورفاهية، بفضل من
الله وحده، نسي ربه الذي كان يدعوه من قبل في كشف الضر عنه.
ولا يقتصر أمره على مجرد النسيان والهجر أو الترك، وإنما يتجاوز ذلك إلى
اعتقاد الشرك بالله، واتخاذ الأوثان والأصنام شركاء لله.
بل لا يقتصر في ذلك على أن يضل نفسه، بل يضل غيره بفعله أو قوله،
ويدعوه إلى أن يشاركه في ذلك فيزداد إثماً على إثمه.
لهذا حق أن يُوجَّه له التهديد الشديد والوعيد الأكيد بأن يتمتع بكفره زمناً
قليلاً، فإن مصيره في النهاية إلى النار.
وأما المؤمن: فهو سوي غير متناقض، مستقيم غير مضطرب، صلب في
دينه غير متزعزع، يثبت في جميع أحواله على حال واحدة، من الإيمان الراسخ
بالله، والاستقامة على أمر الله، فهو إذن ليس كالكافر الذي مضى ذكره.
تراه مصلياً خاشعاً لربه في جنح الظلام، والناس نيام، يناجي ربه، جامعاً
بين الخوف والرجاء.
ثم أكد الله تعالى وجه الفرق بين المؤمن والكافر بالمقارنة بين العالم
والجاهل، فكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا
يستوي المطيع والعاصي. ثم إن الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم
ويعملون به، فأما من لم ينتفع بعلمه ولم يعمل به، فهو بمنزلة من لم يعلم، وفي
- - -

٢٨٥
اِلُ (٢٣) - الزَُّثِّزْ: ٣٩ / ٨-٩
هذا إشارة إلى أن الكافر أو المشرك أو العاصي جاهل وإن كان عالماً بعلوم
الدنيا، فإنما يتذكر ويعتبر ويتعظ بهذه المقارنات أصحاب العقول من المؤمنين.
ويلاحظ الترتيب في تعداد أوصاف المؤمن، بدأ فيها بذكر العمل في وصفه
بكونه قانتاً ساجداً قائماً، ثم ختمها بذكر العلم في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في العمل
والعلم، فالعمل هو البداية، والعلم هو النهاية.
ثم إنه تعالى نبَّه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل بالمواظبة عليه، فإن
القنوت عبارة عن كون الرجل قائماً دائماً بما يجب عليه من الطاعات.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ تنبيه عظيم على فضيلة العلم
وفضل العلماء.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ يدل على أن إدراك التفاوت
بين العلماء والجهال ومعرفته لا يكون إلا من أولي الألباب، أي العقول
السليمة.
قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون: العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء
يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء؟
فأجاب العالم بأن هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم؛ لأن العلماء علموا ما في
المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع، فلا جرم
ترکوه(١).
(١) تفسير الرازي: ٢٥١/٢٦

٢٨٦
الجُزُ (٢٣) - الزُّفَزّ: ٣٩ / ١٠-٢٠
نصائح للمؤمنين في العبادة
ووعدهم ووعيد عبدة الأصنام
ج
﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ
وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿ قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الذِينَ
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
١٣
قُلْ إِنِّ أَخَافُ إِنْ
فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن
عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِ ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِيِنِى
دُونِّ قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ
اَلْمُبِيِنُ ﴿ لَم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُظْلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَخْنِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُحَوِّفُ اللَّهُ بِهِ،
وَالَّذِينَ أُجْتَبُوْ اُلَّهُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ
عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَأَتَّقُونِ
الْبُشْرَىَّ فَبَشِّرْ عِبَادِ (
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَشَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
هَدَنُهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَنْتَ
تُنقِذُ مَنْ فِ النَّارِ ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى
مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرِّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ اُلْمِيعَادَ
القراءات:
﴿إِّ أُمِرْتُ﴾ :
وقرأ نافع (إنيَّ ◌ُمرت).
﴿ إِنِّّ أَخَافُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أخاف).
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ﴿حَسَنَةٌ﴾: مبتدأ، وخبره:
ج
ج
الإعراب:

٢٨٧
الُ (٢٣) - الزَُّثِّرّ: ١٠/٣٩-٢٠
الجار والمجرور قبله، و﴿فِى﴾ يتعلق بـ ﴿أَحْسَنُواْ﴾ إذا أريد بالحسنة: الجنة، وبـ
(حَسَنَةٌ﴾ إذا أريد بالحسنة ما يعطى للعبد في الدنيا، مما يستحب فيها،
والوجه الأول أوجه؛ لأن الدنيا ليست بدار جزاء.
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِيِنِ ﴿﴾ ﴿اَللَّهَ﴾: منصوب بـ ﴿أَعْبُدُ}
و﴿يُخْلِصًا﴾: حال من ضمير ﴿أَعْبُدُ﴾ أو من ضمير ﴿قُلِ﴾ و﴿دِينِ﴾ مفعول
مُخْلِصًا﴾.
﴿ وَالَّذِينَ أُجْتَبُواْ الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ ﴿أَنْ﴾: مصدرية في موضع نصب
بدل من مفعول ﴿أُجْتَنَبُوا﴾ تقديره: والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت. و﴿لَّمُ
الْبُشْرَىَّ﴾ ﴿لَهُمُ﴾: في موضع رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿ وَالَّذِينَ﴾ و﴿ اَلْبُشْرَىَّ﴾
مرفوع ب﴿لَهُمُ﴾ لوقوعه خبراً للمبتدأ.
البلاغة:
﴿فَوْقِهَا﴾ و﴿تَحْنِهَا﴾ بينهما طباق.
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الذُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ جناس اشتقاق.
﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ تُطَلَلُ مِّنَ النَّارِ﴾ أسلوب تهكمي؛ لأن إطلاق الظلة على
النار المحرقة تهكم.
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ وضع فيه الظاهر موضع ضمير
﴿ وَاُلَّذِينَ أَجْتَنَبُواْ﴾ للدلالة على مبدأ اجتنابهم والتمييز بين الحق والباطل.
﴿مَن فِ النَّارِ﴾ وضع فيه الظاهر موضع الضمير، للدلالة على أنه واقع في
العذاب.
﴿لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُظْلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَّخْنِهِمْ تُظَلَلٌ﴾ ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِّنْ فَوْقِهَا
غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾ مقابلة بين حال أهل النار وحال أهل الجنة.

٢٨٨
الجُرُ (٢٣) - الزَُّثِزّ: ٣٩ / ١٠-٢٠
﴿أَفَنْتَ تُقِذُ مَن فِ النَّارِ﴾ مجاز مرسل، أطلق المسبب (دخول جهنم)
وأراد السبب (الكفر والضلال)؛ لأن الضلال سبب لدخول النار.
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ عذاب ربكم بلزوم طاعته. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى
هَذِهِ الذُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أي للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنةٍ في
الآخرة، وقيل: حسنة في الدنيا هي الصحة والعافية. ﴿ وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ﴾
فمن تعسر عليه الإحسان بالطاعة في وطنه، فليهاجر إلى مكان يتمكن فيه من
الطاعة وترك المنكرات ومخالطة الكفار. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ﴾ على مشاق
الطاعة من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لأجل الطاعة . ﴿أَجْرَهُم بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾ بغير مكيال ولا ميزان.
﴿ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ أي أعبده عبادة خالصة من الشرك والرياء، موحداً له.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ بأن أكون. ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة. ﴿إِنْ عَصَيْتُ
رَبِّ﴾ بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ
من الشرك، وهو أمر
عَظِيمٍ﴾ لعظمة ما فيه. ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِيِنِىِ
بالإخبار عن إخلاصه وأن يكون مخلصاً له دينه، بعد الأمر بالإخبار عن كونه
مأموراً بالعبادة والإخلاص خائفاً على المخالفة من العقاب، قطعاً لأطماعهم،
ولذا رتب عليه قوله:
﴿فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونٌِ﴾ غيره، وهذا تهديد لهم . ﴿اُلْخَسِرِينَ﴾ أي
الكاملين في الخسران الذين خسروا ﴿أَنفُسَهُمْ﴾ بالضلال ﴿ وَأَهْلِهِمْ﴾
بالإضلال، ونوع الخسارة: التخليد في النار وعدم الوصول إلى الجنة.
﴿اَلْمُبِينُ﴾ البَيِّن الواضح ﴿ظُلَلٌ﴾ طبقات من النار، جمع ظُلَّة. ﴿ ذَلِكَ يُحَوِّفُ.
اَللَّهُ بِهِ، عِبَادَهُ﴾ ذلك العذاب هو الذي يخوف به عباده المؤمنين ليتقوه، بدليل
نهاية الآية: ﴿يَعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾.

٢٨٩
لُ (٢٣) - الرَُّزّ: ٣٩ / ١٠-٢٠
﴿ الطّغُوتَ﴾ البالغ غاية الطغيان، فهو مشتق من الطغيان للمبالغة، والتاء
فيه مزيدة للتأكيد مثل رحموت وملكوت (واسع الرحمة والملك) والطاغوت:
كل ما عبد من دون الله من الأوثان وغيرها . ﴿أَن يَعْبُدُوهَا﴾ بدل اشتمال من
الطاغوت. ﴿وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ﴾ أقبلوا ورجعوا. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىَّ﴾ بالجنة والثواب.
﴿هَدَئُهُمُ اللَّهُ﴾ لدينه. ﴿أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أصحاب العقول.
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيَّهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِ النَّارِ ﴾﴾ ﴿حَقَّ﴾
ثبت ووجب، و﴿تُقِذُ﴾ تخرج، والهمزة للإنكار، والكلام جملة شرطية
معطوفة على محذوف، دلَّ عليه الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق
عليه العذاب، فأنت تنقذه. والمعنى: لا تقدر على هدايته، فتنقذه من النار.
﴿اَنَّقَوْ رَبَّهُمْ﴾ بأن أطاعوه. ﴿غُرَفٌ﴾ جمع غرفة وهي الحجرة. ﴿نَّجْرِى مِن
تَحْنِهَا الْأَنْهَرِّ﴾ أي من تحت تلك الغرف. ﴿ وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد، منصوب
بفعله المقدر؛ لأن قوله: ﴿لَمْ عُرَفٌ﴾ في معنى الوعد. ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾
الوعد؛ لأن الْخُلْف نقص، وهو على الله تعالى محال.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧ - ١٨):
فَبَشِرْ عِبَادٍ﴾: أخرج جويبر عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت ﴿لَهَا
سَبْعَةُ أَبْوَبٍ﴾ الآية، أتى رجل من الأنصار النبي وَّ، فقال: يا رسول الله،
إن لي سبعة مماليك، وإني قد أعتقت لكل باب منها مملوكاً، فنزلت فيه
الآية: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
نزول الآية (١٧):
﴿ وَالَّذِينَ اجْتَبُواْ الطَّاغُوتَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن هذه
الآية نزلت في ثلاثة نَفَر، كانوا في الجاهلية يقولون: ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: زيد
ابن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.

٢٩٠
الجُعُ (٢٣) - الزُّفَشِرّ: ٣٩ / ١٠-٢٠
المناسبة:
بعد نفي المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم، أمر الله تعالى رسوله وَله
بأن ينصح المؤمنين بجملة نصائح تتضمن الأمر بالتقوى والاستمرار بالطاعة،
والأمر بإخلاص الدين لله في العبادة، حتى تكون خالية من الشرك والرياء،
والتحذير من خسارة النفس والأهل لئلا يَصْلَوْا نار جهنم، ثم ذكر الله تعالى
تهديده ووعيده لعبدة الأصنام، وأردفه بوعد المبتعدين عن عبادتها وعن كل
ألوان الشرك، ليقترن الوعد بالوعيد، والترهيب بالترغيب، كما هي عادة
القرآن.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ قل أيها الرسول: يا عباد الله الذين
آمنوا بالله رباً وبالإسلام ديناً، اتقوا عذاب ربكم باتباع أوامره واجتناب
نواهيه، والاستمرار على طاعته وتقواه.
وعلة الأمر:
لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ لمن أحسن العمل في هذه الدنيا
ج
حسنة في الدنيا وهي الصحة والعافية والظفر والغنيمة والعِزة والسلطان، وفي
الآخرة وهي الجنة والمثوبة الطيبة الجزيلة. وتنكير ﴿حَسَنَةٌ﴾ للتعظيم للدلالة
على كمالها.
ثم رغبهم في الهجرة للتمكن من التقوى والطاعة، فقال:
﴿ وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ﴾ أي إذا لم تتمكنوا من التقوى في بلد، فهاجروا إلى
حيث تمكن طاعة الله، والعمل بما أمر به، والترك لما نهى عنه، وجاهدوا،
واعتزلوا الأوثان ومستنقعات الكفر، أسوة بالأنبياء والصالحين، كما قال
تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيَهَا﴾ [النساء: ٩٧/٤].

٢٩١
الُ (٢٣) - الزُّمَيِّزْ: ١٠/٣٩-٢٠
ثم ذكر أجرهم على الهجرة والصبر على مفارقة الأوطان، فقال:
﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي إنما يوفيهم الله أجرهم في الجنة
في مقابلة صبرهم على الهجرة وترك الأوطان بغير حساب، أي بغير كيل ولا
وزن، وبما لا يقدر على حصره وحسبانه حاصر وحاسب.
وهذا دليل على أن مجرد الإيمان بالقلب أو إعلان الإسلام دون تقوى ولا
عمل بأوامر الله واجتناب نواهيه لا يكفي إطلاقاً.
ثم ضمَّ تعالى إلى الأمر بالتقوى الأمر بالإخلاص في العبادة والطاعة،
فقال :
﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اَللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (4) أي إنما أمرت بإخلاص
العبادة لله وحده، إخلاصاً خالياً من الشرك والرياء وغير ذلك. وهذا وإن
كان أمراً للرسول بَّر، فهو لوم على عبادة الأوثان، من قبيل ((إياك أعني
واسمعي يا جارة)).
· أي وأمرت بأن أكون أول المسلمين
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَلَ الْمُسْلِينَ
من هذه الأمة في مخالفة دين الآباء الوثنيين، وتوحيد الله، وأول من انقاد لله
تعالى من أهل العصر أو القوم؛ لأنه أول من خالف عبّاد الأصنام.
﴿قُلْ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِىِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (®﴾ أي قل لهؤلاء المشركين
عبدة الأوثان: إني أخشى إن عصيت ربي بترك إخلاص العبادة له وتوحيده،
وترك الدعوة المعادية للشرك وتضليل أهله عذاب يوم شديد الهول، وهو يوم
القيامة. وهذا تعريض بهم بطريق الأولى والأحرى.
ثم أكد الأمر بالإخلاص في الطاعة للدلالة على أنه يعبد الله وحده،
ولترسيخ المعنى في الأذهان، فقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِبِنِ ﴾ قل أيها
الرسول لهؤلاء المشركين مرة أخرى: أمرني ربي أن أعبده وحده لا شريك

٢٩٢
الُ (٢٣) - الزَُّثِّرّ: ٣٩ /١٠-٢٠
له(١)، وأن يكون تعبُّدي خالصاً لله غير مشوب بشرك ولا رياء ولا غيرهما،
فلا أعبد غيره، لا استقلالاً، ولا على جهة الشركة.
ثم هددهم وأوعدهم قائلاً:
﴿فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونٍِ﴾ أي اعبدوا ما أردتم أن تعبدوه من غير الله،
من الأوثان والأصنام، فسوف تجازون بعملكم، وهذا الأمر للتهديد والتقريع
والتوبيخ والتبرؤ منهم.
ثم حذرهم من عاقبة الخسران يوم القيامة قائلاً:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ
الْمُبِينُ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: إنما الخاسرون كل الخسران هم الذين
خسروا أنفسهم بالضلال والشرك والمعاصي، وخسروا أتباعهم من الأهل
حيث أضلوهم وأوقعوهم في العذاب الدائم يوم القيامة، وهذا هو الخسران
البَيِّن الظاهر الواضح، فلا خسران أعظم منه؛ إذ لا مجال لتعويض الخسارة.
ثم وصف حالهم في النار لبيان نوع الخسران فقال:
﴿لَّمْ مِّنِ فَوْقِهِمْ تُظَلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِهِمْ تُظَلَلٌ﴾ أي لهم أطباق متراكمة من
النار الملتهبة عليهم، من فوقهم ومن تحتهم، أي إن النار محيطة بهم من كل
جانب، كما قال تعالى: ﴿لَهُم مِّن جَهَتََّ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍِّ وَكَذَلِكَ
[الأعراف: ٤١/٧] وقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ اٌلْعَذَابُ مِن
٤١
نَجْزِى اٌلَِّلِمِينَ
﴿6﴾ [العنكبوت: ٥٥/٢٩].
فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
وسمى ما تحتهم ظللاً؛ لأنها تظلل من تحتها من أهل النار؛ ففي كل طبقة
من طبقات النار طائفة من طوائف الكفار.
(١) إن تقديم المفعول في الآية: ﴿اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ على الفعل يفيد القصر، أي لا أعبد أحداً غير الله.
1

٢٩٣
الُهُ (٢٣) - الزُِّزْ: ٣٩/ ١٠-٢٠
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ، عِبَادَهُ يَعِبَادٍ فَأَنَّقُونِ﴾ أي ذلك العذاب الشديد الذي
يخبر به الله خبراً كائناً لا محالة ليرهب به عباده، لينزجروا عن المعاصي والمآثم
والمحارم، فيا عبادي اخشوا بأسي وسطوتي، وعذابي ونقمتي. وهذا التحذير
والتنبيه نعمة عظمى صادرة من فيض رحمة الله وفضله، حتى لا يفاجأ الناس
بالعذاب، ومن أنذر فقد أعذر.
وبعد إيراد هذا الوعيد لعبدة الأصنام، ذكر الله تعالى وعده لمن اجتنب
عبادتها، فقال:
﴿وَلَّذِنَ اجْتَبُواْ الَّغُونَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَّ﴾ أي والذين
أعرضوا عن عبادة الأصنام والشيطان، وأقبلوا على عبادة الله معرضين عما
سواه، لهم البشارة العظمى بالثواب الجزيل، وهو الجنة، إما على ألسنة
الرسل، أو حين الموت أو عند البعث. وهي بشارة شاملة لمن نزلت الآية في
حقهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب، والآية كقوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي
اُلْأَخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤/١٠].
والطاغوت(١): يطلق على الواحد والجمع، ويشمل عبادة الأوثان
والشيطان؛ لأن الشيطان هو الآمر بتلك العبادة والمزيّن لها، فهو سبب الكفر
والعصيان.
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي بشر بالجنة أيها
الرسول عبادي المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت، والذين يستمعون
القول الحق، من كتاب الله وسنة رسوله، فيفهمونه، فيتبعون أحسن ما
يؤمرون به، فيعملون بما فيه، كما قال تعالى لموسى عليه السلام: ﴿فَخُذْهَا
بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥/٧].
(١) وقرئ: الطواغيت.

٢٩٤
الجُزُ (٢٣) - الزَُّّ: ٣٩ / ١٠-٢٠
وهذا مدح لهم بأنهم نُقَّاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن، والفاضل
والأفضل.
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أي هؤلاء المتصفون
بهذه الصفة هم الذين وفقهم للصواب في الدنيا والآخرة، وهم ذوو العقول
الصحيحة والفطر المستقيمة.
ثم بيَّن تعالى أضداد المذكورين قائلاً : .
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِىِ النَّارِ ﴿3﴾ أي أأنت
مالك أمر الناس، فمن وجب عليه العذاب لإعراضه وعناده، فأنت تخلصه
من النار؟ والمعنى: إنك لا تقدر على هدايته، فتنقذه من عذاب النار. والآية
مواساة وإيناس لرسول الله وَالر؛ لأنه كان حريصاً على إيمان قومه، فأعلمه الله
أن من كان من أهل الضلالة والهلاك، لا تستطيع هدايته.
ثم أعاد الله تعالى الإخبار عن جزاء المتقين السعداء للحض على التقوى،
فقال :
﴿ لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّيْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرِّ
﴾ أي لكن أولئك الذين اتقوا عذاب ربهم
وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ
بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لهم في الجنة غرف مبنية محكمة البناء، وهي
القصور الشاهقة ذات الطبقات المزخرفات العالية؛ لأن الجنة درجات بعضها
فوق بعض، والنار دركات بعضها تحت بعض، والجنة تجري فيها من تحت
تلك الغرف أنهار عذبة الماء، وفي ذلك كمال بهجتها وزيادة رونقها، ثم أكد
تعالى حسن هذا الجزاء، فأخبر أنه وعد من الله وعده للمتقين المؤمنين، ووعد
الله حق ثابت، لا ينقض ولا يخلف.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:

٢٩٥
لُ (٢٣) - الزُّفِزّ: ٣٩ / ١٠-٢٠
اً - أمر الله المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى: وهي امتثال المأمورات
واجتناب المنهيات، مما يدل على أن الإيمان وحده لا يكفي، كما يدل على أن
الإيمان يبقى مع المعصية.
اً - للتقوى فوائد جُلّ، فللمتقين حسنة في الدنيا من صحة وعافية ونصر
وسلطان وجاه وغنى، وحسنة في الآخرة بالثواب الجزيل والعطاء الكثير
الدائم.
◌ًا - لا عذر للمقصرين في الإحسان والطاعة، فمن صدَّ عن طاعة الله في
بلد، فعليه المهاجرة إلى بلد آخر يتمكن فيه من الاشتغال بالطاعات
والعبادات، اقتداءً بالأنبياء والصالحين في هجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا
إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم.
چ
والمقصود من الآية ﴿ وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَهُ﴾ الترغيب في الهجرة من مكة حيث
كانت واجبة في صدر الإسلام، والصبر على مفارقة الأوطان.
٤ - الصبر: هو الرضا بمفارقة الأوطان والأهل، واحتمال البلايا
وفجائع الدنيا في طاعة الله تعالى. وثواب الصبر مفتوح غير مقيد بحدود، فكل
من رضي بما أصابه، وترك ما نهي عنه، فلا مقدار لأجره. وهذا يشابه ثواب
الصوم، لقوله ويل عن ربه فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: ((الصوم لي وأنا
أجزي به)).
عن الحسين رضي الله عنه قال: سمعت جدي رسول الله وَاله يقول: ((أدّ
الفرائض تكن من أعبد الناس، وعليك بالقنوع تكن من أغنى الناس، يا بني
إن في الجنة شجرة يقال لها: شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم
ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصبّ عليهم الأجر صبّاً)) ثم تلا النبي وَّ:
﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

٢٩٦
الُعُ (٢٣) - الرَُّزّ: ٣٩ /١٠-٢٠
قال النحاس: لفظ صابر يمدح به، وإنما هو لمن صبر عن المعاصي، وإذا
أردت أنه صبر على المصيبة قلت: صابر على كذا.
ثم إن الأجر على الصبر إنما هو بحسب الوعد من الله، لا بحسب
الاستحقاق.
٥ - أمر الله تعالى رسوله وليه مرتين في هذه الآيات للتأكيد بإخلاص
العبادة والطاعة لله وحده لا شريك له، دون أن تكون مشوية بشائبة الشرك أو
الرياء أو غير ذلك. وأمة الرسول وَله من بعده مأمورة بذلك؛ لأن أمر
الرسول وَ﴿ أمر للأمة، والبدء به تعليم وإرشاد وجعله قدوة لأمته.
كذلك أمر الله تعالى رسوله ول# بأن يكون أول المسلمين من هذه الأمة،
وكان ذلك فعلاً، فإنه كان أول من خالف دين آبائه، وخلع الأصنام
وحطمها، وأسلم لله وآمن به، ودعا إلى ذلك.
وأمر الرسول وَليل أيضاً بأن يخاف عذاب يوم القيامة.
وكل هذه الأوامر تعريض بالمشركين وتعليم وإرشاد للمؤمنين.
أَ - قوله تعالى: ﴿فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونٌِ﴾ ليس إباحة ولا إذناً وإقراراً
لعبادتهم الأصنام، وإنما هو أمر تهديد ووعيد وتقريع، كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ
مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١] وقوله: ﴿أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥/٦].
لاً - إن الخسارة الكبرى التي لا تعوض للمشركين والكافرين هي خسارة
النفس والأهل يوم القيامة بسبب الضلال عن الدين الحق، والإضلال للأتباع
عن دين الله. قال ابن عباس: ليس من أحد إلا وخلق الله له زوجة في الجنة،
فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله. ومن عمل بطاعة الله، كان له ذلك المنزل
والأهل إلا ما كان له قبل ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَرِثُونَ
[المؤمنون: ١٠/٢٣] .
١٠

٢٩٧
لِلُ (٢٣) - الرَّزّ: ٣٩ /١٠-٢٠
٨ - للكفار عذاب يحيط بهم من كل جانب في نار جهنم يوم القيامة. وهو
عذاب شديد، لذا خوَّف الله به عباده المؤمنين وأولياءه المتقين، فيا أولياء الله،
اتقوا الله ربّكم من هذا العذاب، بإخلاص التوحيد والطاعة. وهذا وعيد
شديد لعبدة الأصنام.
١ - وعد الله بالجنة المؤمنين الذين اجتنبوا عبادة الأوثان والشيطان الذي
زين لهم تلك العبادة، والذين أنابوا إلى الله، أي رجعوا بالكلية إلى عبادته
وطاعته.
وهؤلاء فعلاً هم الذين انتفعوا بعقولهم، وهم الذين ميَّزوا بين الحق
والباطل، وبين الحسن والقبيح، ففهموا أوامر الله، واتبعوا كتاب الله وسنة
رسوله .
٠ ١- الهداية بيد الله تعالى وحده، لذا خاطب الله رسوله ول# مسلياً له:
أفأنت تنقذ من النار من حقت عليه كلمة العذاب؟ ويلاحظ أن الهداية
والضلال من خلق الله تعالى وإيجاده، كخلق جميع أعمال الإنسان، أما
تحصيلهما واكتسابهما واختيارهما فمن العبد، قال تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ
اٌلْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧/١٨].
١١ - لما بيّن الله تعالى أن للكفار ظللاً من النار من فوقهم ومن تحتهم، بیَّن
أن للمتقين غرفاً فوقها غرف، أي علالٍ مرتفعة فوقها علالي مبنية كبناء منازل
الأرض؛ لأن للجنة درجات يعلو بعضها بعضاً، وللنار دركات بعضها أسفل
من بعض.
والجنة مزدانة بأبهى أنواع الجمال، فهي تجري من تحت غرفها الأنهار، أي
هي جامعة لأسباب النزهة، وقد وعد الله بها عباده الأتقياء وعداً محققاً كائناً
لا شك فيه، كما أوعد الكافرين بالنار، وإن الله لا يخلف الميعاد الذي وعد به
الفريقين.

٢٩٨
الُ (٢٣) - الزَّكِزّ: ٣٩ / ٢١
حال الدنيا
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَلَكَهُ يَنَبِيَعَ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ،
زَرْعًا تُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ, ثُمَّ يَهِيِجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ خُطَمًا إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ
الإعراب:
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَمًا﴾ ﴿يَجْعَلُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وقرئ بالنصب،
وهي قراءة ضعيفة.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعلم ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ من السحاب مطراً ﴿فَسَلَكَهُ يَبِعَ
أدخله عيوناً وأمكنة نبع، والينابيع: جمع ينبوع: وهو عين الماء ﴿يَهِيجُ﴾
بيبس ويجف ﴿فَتَرَهُ مُصْفَرًا﴾ تشاهده بعد الخضرة مثلاً مصفراً ﴿أَلْوَنُهُ﴾
أنواعه وأصنافه ﴿حُطَمًا﴾ فُتاتاً مكسراً ﴿لَذِكْرَى﴾ تذكيراً بأنه لا بدَّ من
صانع حكيم دبره وسوّاه ﴿لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ لأصحاب العقول، فهم لا
غيرهم الذين يتذكرون به للدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى الآخرة بصفات تقتضي الرغبة فيها، وفي طاعة
الله، وصف الدنيا بصفة تستوجب النفرة منها، وهي قصر مدتها وسرعة
زوالها. وإنما قدم وصف الآخرة؛ لأن الترغيب في الآخرة مقصود بالذات،
والتنفير عن الدنيا مقصود عرضاً.
التفسير والبيان:
ألم تشاهد أيها الرسول وكل مخاطب أن الله أنزل من السحاب مطراً،

٢٩٩
الجُ (٢٣) - الزَّثِّرّ: ٣٩ /٢١
فأدخله وأسكنه في الأرض، ثم أخرج منها عيوناً متدفقة بالماء، ثم تسقى به
الأرض، فيُخرج بذلك الماء من الأرض زرعاً مختلفاً أنواعه، كَـ (بُرِّ وشعير
وخضار) وغيرها، ومختلفاً ألوانه، من أصفر وأخضر وأبيض وأحمر وغيرها
من الألوان البديعة الأخاذة.
ثم بيبس ويجف، فتراه مصفراً بعد خضرته ونضارته، ثم يصير متفتناً
متكسراً، وإنّ فيما تقدم ذكره من إنزال المطر وإخراج الزرع به موعظة ينتفع
بها أهل العقول الصحيحة، وتذكرة وتنبيهاً على حكمة فاعل ذلك وقدرته.
فهؤلاء يعلمون بأن حال الحياة الدنيا كحال هذا الزرع في سرعة الزوال
والانقطاع، وذهاب بهجتها، وتلاشي رونقها ونضارتها، ولم يبق لديهم شك
في أن الله قادر على البعث والحشر.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ
السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوُهُ الْرَّجُّ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
مُقْنَدِرًا (٣)﴾ [الكهف: ٤٥/١٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية تدل على قدرة الله في إحياء الخلق، والتمييز بين المؤمن والكافر،
فهو قادر على ذلك، كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء، أي إنزال المطر
من السحاب.
وهي أيضاً ترغب في الآخرة لخلودها، وتنفر من الدنيا لتوقيتها وقصر
مدتها وسرعة زوالها وانقضائها.
فهذه الدنيا الفانية متاعها زائل، وزخرفها باهت، وهي متحولة متغيرة لا
تبقى على حال واحدة، ونهايتها محتومة، كما قال تعالى: ﴿كُلَّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ
٢٦
﴾ [الرحمن: ٢٦/٥٥-٢٧] وقال
وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَاِ
سبحانه: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُمْ﴾ [القصص: ٨٨/٢٨].

٣٠٠
اِلُحُ (٢٣) - الزَُّكِزّ: ٣٩ /٢٢-٢٦
والخلاصة: إن الآية مَثَل لحال الدنيا، يتعظ بها كل ذي عقل سليم، بعيد
النظر، عميق الفكر والتأمل، ينظر إلى المستقبل الحتمي نظرة اليقظ الخَذِر،
المستعدّ العامل.
الهداية للإسلام
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّهِ، فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم
مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَتِكَ فِى ضَكَلِ مُبِينٍ ﴿﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَِهًا
مَّثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى
ذِكْرِ اللَّهَ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
أَفَمَن يَّقِى بِوَجْهِهِ، سُوْءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَقِيلَ لِلَّلِينَ ذُوقُواْ مَا كُ
٢٣)
كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَنُهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
٢٤
تَكْسِبُونَ
فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْىَ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرٌ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
٢٥
٢٦٦
القراءات:
﴿ وَقِيلَ﴾ :
بإشمام كسرة القاف الضم قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
الإعراب:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا﴾ كتاباً بدل من أحسن.
﴿ وَقِيلَ لِلطَّالِمِينَ﴾ الواو للحال، وقد: مقدّرة.
﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾؟ إيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه
البلاغة: