Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
◌ِلُ (٢٣) - القَنَافَاتَ: ٣٧ / ١٤٩-١٧٠
﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأصل:
وتجعلون، للإهمال والإبعاد من رحمة الله.
المفردات اللغوية:
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ استخبرهم واطلب منهم الفتيا توبيخاً لهم، وهو معطوف
على مثله في أول السورة، فإنه تعالى أمر رسوله أولاً باستفتاء قريش عن وجه
إنكارهم البعث، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة، حيث جعلوا لله
البنات، ولأنفسهم البنين، في قولهم: الملائكة بنات الله. ﴿أَلِرَبِكَ الْبَنَاتُ﴾
بزعمهم أن الملائكة بنات الله. ﴿وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ فيختصون بالأعلى،
ويجعلون لله الأدنى .﴿وَهُمْ شَهِدُونَ﴾ الخلق؛ لأن أمثال ذلك لا يعرف إلا
بالشهود أو الحضور.
﴾ بمعنى ((بل)) الإضرابية، مع همزة الاستفهام. ﴿إِفْكِهِمْ﴾ الإفك:
أشد الكذب. ﴿ وَلَدَ اللَّهُ﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله .﴿لَكَذِبُونَ﴾ فیما ادعوه،
وتدينوا به. ﴿أَصْطَفَى﴾ اختار، والاصطفاء: أخذ صفوة الشيء. وهو استفهام
إنكار واستبعاد.
هذا الحكم الفاسد الذي لا يرتضيه عقل.
١٥٤)
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
﴿أَفَلَا نَذَكَّرُونَ ([®)﴾ أنه منزه عن ذلك من الولد والشريك والند والنظير.
(سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ حجة واضحة، نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته،
أو أن الله ولداً. ﴿فَأَنُواْ بِكِنَبِكُمْ﴾ الذي أنزل عليكم. ﴿إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ في
ادعائكم أو قولكم ذلك.
﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ أي جعل المشركون بينه تعالى وبين الملائكة
نسباً أي صلة وارتباطاً بقولهم: إنها بنات الله، وسموا بالجِنَّة لاستتارهم عن
الأبصار. ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾ إن الكفرة قائلي ذلك. ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ للنار
للعذاب فيها. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيهاً لله.﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من الولد (بأن الله ولداً)

١٦٢
الُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ / ١٤٩-١٧٠
أي لكن عباد الله الذين اصطفاهم
والنسب ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
ربهم ينزهون الله تعالى عما يصفه هؤلاء، وهو استثناء منقطع.
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُونَ (٣)﴾ من الأصنام، وهو عود لخطابهم. ﴿مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾
على الله ﴿يِفَكِنِينَ﴾ أحداً، مفسدين الناس بالإغواء، حاملين إياهم على
الضلال والفتنة. وعليه: متعلق بفاتنين. ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (٣)﴾ إلا
من سبق في علم الله تعالى أنه من أهل النار يصلاها لا محالة، يقال: صَلي
النار: دخلها.
4) أي قال جبريل للنبي وَّ: ما منا معشر
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
الملائكة أحد إلا له مقام معلوم في السماوات، يعبد الله فيه لا يتجاوزه. وهذا
﴾ صفوفاً
١٦٥
اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم. ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُونَ
في أداء الطاعة ومنازل الخدمة . ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْسَُبِّحُونَ (1)﴾ المنزهون الله عما لا
، أي وإن كان كفار مكة ليقولون . ﴿وَإِن﴾
يليق به . ﴿﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ
مخففة من الثقيلة أي وإنهم.
كتاباً من الكتب التي أنزلت على الأمم
١٦٨)
﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ
لأخلصنا العبادة له، ولم تخالف
١٦٩
الماضية. ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
مثلهم . ﴿فَكَفَرُواْ بَِّ﴾ أي لما جاءهم القرآن الذي هو أشرف الأذكار والمهيمن
عليها كفروا به . ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم.
سبب النزول:
نزول الآية (١٥٨):
﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ﴾: أخرج جويبر عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآيات في
ثلاثة أحياء من قريش: سُليم، وخُزاعة، وجُهَيْنة: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلِنَّةِ
نَسَبَّ﴾. ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا: إن قريشاً وأجناس العرب:
جُهَيْنة وبني سلمة، وخُزاعة، وبني مُلَيح قالوا: الملائكة بنات الله.

١٦٣
لِلُ (٢٣) - الضَّافَاتِ: ٣٧ / ١٤٩ -١٧٠
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد قال: قال كبار قريش: الملائكة
بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سراة
الجن، فأنزل الله ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.
نزول الآية (١٦٥):
﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ﴾ : أخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك قال: كان الناس
﴾ فأمرهم النبي وَلّ أن
١٦٥
يصلون متبددين، فأنزل الله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ
يصفّوا.
المناسبة:
بعد افتتاح هذه السورة بتوبيخ المشركين على إنكارهم البعث، وبعد بيان
قصص الأنبياء التي هي في الأعم الأغلب درس بليغ للمشركين، بدأ الله تعالى
ببيان عقائد المشركين وتفنيدها وتقبيحها، ومن تلك العقائد: إثبات الأولاد
الله تعالى، ونسبة البنات الله بقولهم: ((الملائكة بنات الله)) وجعل البنين
لأنفسهم، ثم افتراؤهم بجعل الملائكة إناثاً لا ذكوراً، ثم أعلن تعالى حملته
الشديدة على المشركين، فأبان أنهم عاجزون عن إضلال أحد إلا إذا كان هو
من أهل الضلال وأصحاب الجحيم، في علم الله السابق. وناسب بعدئذ إيراد
تصريح الملائكة بعبوديتهم الله للرد على المشركين الذين زعموا أنهم بنات الله.
التفسير والبيان:
عطف الله تعالى هذه الآيات على قوله في أول السورة: ﴿فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ
خَلْقًا أَمَ مَنْ خَلَقْنَاً﴾ فقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَتِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ
أي استخبرهم يا محمد على سبيل التوبيخ، وسلهم مؤنباً ومقرعاً ومنكراً على
هؤلاء المشركين في قسمتهم وسفه عقولهم، في جعلهم لأنفسهم البنين، وهو
النوع الجيد، ولله تعالى البنات التي يكرهونها أشد الكره، كما قال تعالى ﴿ وَإِذَا

١٦٤
الُعُ (٢٣) - الصَّا فَاتِيَ: ٣٧ / ١٤٩ -١٧٠
بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ, مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿6﴾ [النحل: ٥٨/١٦] أى
يسوؤه ذلك، ولا يختار لنفسه إلا البنين، فكيف يجعلون الله أدنى الجنسين وهو
الإناث، ولهم أعلاها وهم الذكور؟
والمراد بالآية: بيان جور القسمة وإظهار شدة الغرابة، كيف نسبوا إلى الله
تعالى النوع الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ كما في قوله عز وجل: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ
[النجم: ٢١/٥٣- ٢٢].
◌ِلَّكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيْرَىّ
٢١
وَلَهُ الْأُنثَى
بل كيف حكموا على
١٥٠
﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَنَّا وَهُمْ شَهِدُونَ
الملائكة أنهم إناث، وما شاهدوا خلقهم؟ وهذا انتقال عن الكلام الأول إلى
ما هو أشد منه، فكيف جعلوهم إناثاً، وهم لم يحضروا عند خَلْقنا لهم، وذلك
لا يعلم إلا بالمشاهدة، ولم يشهدوا، فلم يقم لهم دليل يدل على قولهم، لا من
النقل الصحيح، ولا من العقل السليم.
ونظير الآية قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَّأَ
[الزخرف: ٤٣ /١٩] أي
١٩
أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ
ويسألون عن ذلك يوم القيامة.
﴿ أَاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونٌَ
(8) أي إن
وَلَدَ اللَّهُ وَلِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
١٥١
قولهم هذا هو من الكذب والافتراء، الذي لا دليل له ولا شبهة دليل. فكيف
يقولون: صدر منه الولد، إنهم فيما يقولون أكذب الكاذبين.
وبه يتبين أنهم ذكروا في الملائكة ثلاثة أوصاف في غاية الكفر والكذب،
وهي أنهم جعلوهم بنات الله، فنسبوا الولد لله، وجعلوا ذلك الولد أنثى، ثم
عبدوهم من دون الله.
ثم أنكر الله تعالى عليهم حكمهم الجائر فقال:
﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَّحْكُمُونَ
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ
أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ
١٥٤

١٦٥
لُ (٢٣) - القَنَافَاتِ: ٣٧ / ١٤٩ - ١٧٠
المعنى: أي شيء يحمله على اختيار البنات دون البنين؟ كما قال تعالى:
١٥٥
{أَفَأَصْفَتَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَئِكَةِ إِنَّأَ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ فَوْلًا عَظِيمًا
٤٠
[الإسراء: ١٧/ ٤٠] أي كيف يعقل تفضيله البنات على البنين، مع أن
البنين أفضل؟
أليس لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون؟ أفلا تعتبرون وتتفكرون فتتذكروا
بطلان قولكم؟
المعنى: بل
١١٥٧
،فَأَنُواْ بِكِنَبِكُمْ إِنْ كُمْ صَدِقِينَ
١٥
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِيرٌ
ألكم حجة واضحة على هذا القول؟ فإن كان لكم برهان، فهاتوا برهاناً على
ذلك، مستنداً إلى كتاب منزَّل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه، إن
صدقتم في ادعائكم.
ويلاحظ من تتابع هذه الاستفهامات وتكرارها مدى التوبيخ والتبكيت
والإنكار الشديد لأقاويلهم، وتسفيه أحلامهم، فإن ما يقولونه لا يمكن
استناده إلى عقل، بل لا يجوِّزه العقل أصلاً.
ثم أكد الله تعالى افتراء المشركين على الله بنسبة الملائكة إليه نسباً، فقال:
﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلِنَّةِ نَسَبًا﴾ أي جعل المشركون بين الله وبين الجن وهم
هنا الملائكة صلة نسب، فقالوا: الملائكة بنات الله، وسموا جناً لاجتنانهم
واستتارهم عن الأبصار.
والقائل بهذه المقالة كنانة وخزاعة، قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن،
فزوجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن، تعالى
الله عما يقولون علواً كبيراً. وما هذا إلا وهم واختراع القصاصين منهم،
وقيل: القائل هم اليهود، قالوا لعنهم الله: إن الله صاهر الجن، فكانت
الملائكة من بينهم. وكل هذا بسبب تشبيه الخالق عز وجل بالبشر، ووصفه
بالمادية الجسدية، وهو كفر.

١٦٦
لُ (٢٣) - القَنَا فَاتَّ: ٣٧ / ١٤٩-١٧٠
ثم أخبر الله تعالى عن عذابهم قائلاً:
﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي وتالله، لقد علمت الملائكة الذين
ادعى المشركون أن بينهم وبينه تعالى نسباً، إن أولئك المشركين لمحضرون
للحساب والعذاب في النار، لكذبهم وافترائهم بقولهم المتقدم.
ثم نزَّه الله تعالى نفسه عن كل ما لا يليق به من نقائص البشر، قائلاً:
﴾ أي تنزه الله تعالى وتقدس عن أن يكون له
١٥٩
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (
ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون، وتعالى علواً كبيراً.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾ أي لكن عباد الله المخلصين وهم المتّبعون
للحق المنزل على كل نبي مرسل ناجون، فلا يُحضرون إلى عذاب النار، وهذا
استثناء منقطع.
ثم تحدى الله تعالى المشركين، وأثبت عجزهم عن إضلال أحد أو فتنته،
فقال مخاطباً المشركين:
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ
مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ (٣)
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ الَّـ
(4))(١) أي فإنكم وآلهتكم التي تعبدون من دون الله لستم بقادرين على فتنة
أحد عن دينه وإضلاله إلا من هو أضل منكم ممن هو من أهل الجحيم الذي
سبق في علم الله تعالى أنهم لما علم من سوء استعدادهم ممن يدخلون النار
ويصلونها، وهم المصرّون على الكفر، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ
◌ِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَ أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩/٧] فهذا النوع من الناس: هو الذي ينقاد
(١) هذا محمول على معنى ﴿مَنْ﴾ ومعناها جماعة، فالتقدير: صالون، ثم حذفت النون للإضافة،
وحذفت الواو لالتقاء الساكنين.

١٦٧
الجُزُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ / ١٤٩ -١٧٠
للشرك والضلالة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفٍ
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
٨
[الذاريات: ٨/٥١-٩] أي إنما يضل به من هو مأفوك مبطل.
٩
ثم نزه الله تعالى الملائكة مما نسبوا إليه من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم
بنات الله.
هذا حكاية من الله تعالى عما تقوله
مٌعَلَوَمُ
مَقَامُ
وَمَا مِنَّا إِلَّا
الملائكة معناه: وما منا مَلَك إلا له مرتبة معلومة من المعرفة والعبادة والمكان،
لا يتجاوزها. والمراد به الإشارة إلى درجاتهم في طاعة الله تعالى، مبالغة في
العبودية لله عز وجل. قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله وَله: ((ما
من السماء الدنيا موضع إلا عليه مَلَك ساجد، أو قائم))(١).
وَإِنَّا لَنَحْنُ الْسُسَبِّحُونَ (1)﴾ أي قالت الملائكة أيضاً:
١٦٥
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ
وإنا لنحن الصافون صفوفاً في مواقف العبودية، وإنا لنحن المسبحون باللسان
وبالصلاة، المنزهون الله تعالى عما لا يليق به، فنحن عبيد فقراء لله. والمقصود
أن صفات الملائكة هي التذلل والعبادة لله، وليسوا كما وصفهم به الكفار من
أنهم بنات الله، وهو إشارة إلى درجاتهم في المعارف، كما أن الأول إشارة إلى
درجاتهم في الطاعة.
ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سَثْرة قال: ((خرج علينا رسول الله وَالخلال،
ونحن في المسجد، فقال: ألا تَصفُّون كما تصفُّ الملائكة عند ربها، فقلنا: يا
رسول الله، كيف تصفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يُتُّون الصفوف الأُوَل،
ويتراصُون في الصف)).
وفي صحيح مسلم أيضاً عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
(١) رواه ابن مردويه عن أنس بلفظ: «أطت السماء، ويحق لها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما
فيها موضع شبر، إلا وفيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمده)).

١٦٨
الُعُ (٢٣) - الضَّافَاتِ: ٣٧ / ١٤٩ -١٧٠
وَ له: ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت
لنا الأرض مسجداً، وتربتها طهوراً)).
وكان عمر رضي الله عنه إذا قام للصلاة يقول: أقيموا صفوفكم،
واستووا، إنما يريد الله بكم هَدْي الملائكة عند ربها، ويقرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ
تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فیکېر.
١٩٥)
الصَّافُونَ
ثم ذكّر تعالى بما كان يقول المشركون قبل البعثة النبوية: ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ
١٦٧
لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ
١٦٨
لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
فَكَفَرُواْ بِهِ،
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١)﴾ أي إن المشركين كانوا قبل بعثة النبي ◌َّ، إذا عُيّروا
بالجهل، قالوا: لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل،
لأخلصنا العبادة لله، ولم نكفر به، فجاءهم محمد رَّ بالذِّكْر المبين فكفروا به،
وسوف يعلمون عاقبة كفرهم ومغبته. وهذا وعيد أكید وتهديد شديد على
كفرهم بربهم وبالقرآن وبالرسول واله.
وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَيْنِ جَ هُمْ نَذِيْرٌ لَّيَكُونُنَّ
أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِّ فَلَمَّا جَآءَ هُ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٩)﴾ [فاطر: ٤٢/٣٥]
وقوله سبحانه: ﴿أَنْ تَقُولُوَأْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّاً
عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِينَ ﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوَّ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ
فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّنْ زَبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةُ فَمَنْ أَظْلَمُ مِعَن كَذَّبَ بِئَايَتِ
اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا سُوّءَ اُلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ
(ج))﴾ [الأنعام: ١٥٦/٦-١٥٧] .
يَصْدِفُنَ
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما هو آت:
اً - من أكاذيب المشركين الوثنيين وافتراءاتهم أنهم قالوا: البنات لله.

:
١٦٩
الُعُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ /١٤٩ - ١٧٠
والملائكة بنات الله، والملائكة إناث، وكل ذلك باطل؛ لأنهم نسبوا لله الولد
وهو الذي لم يلد ولم يولد، وكانوا يستنكفون من البنت، والشيء الذي
يستنكف المخلوق منه، كيف يمكن إثباته للخالق، ولم يشهدوا كيفية تخليق الله
الملائكة، فكيف يزعمون أنهم إناث؟ !!
أَ - لكل هذا وبخهم الله تعالى بجمل متتابعة متكررة من الاستفهامات
المذكورة في الآيات، والتي تناقض الحس والعقل والمنطق والنظر، ولا دليل
عليها من نقل يوثق به، ولا تعتمد على حجة وبرهان.
◌َّ - قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، جاعلين نسباً بينه وبينهم،
والملائكة مبرؤون من هذا الزعم، ويعلمون يقيناً أن أولئك الكفار محضرون
للعذاب في نار جهنم.
٤ - نّه الله تعالى نفسه عما قالوا من الكذب، وعما وصفوا من المزاعم،
وذلك تنزيه واجب واقع لا شك فيه، يستحق ربنا به تمام الحمد والشكر على
تعريفنا بما يجب لذاته الكريمة من تقديس.
٥ - إن عباد الله المخلصين لله العبادة، المتبعين أوامر ربهم، هم الناجون.
أَ - لا يقر هؤلاء الكفار ولا آلهتهم التي يعبدون من دون الله على حمل أحد
على الضلال إلا إذا كان سبق في علم الله أنه من أهل النار، لإصراره على
الكفر، وعدم استعداده للإيمان.
قال الرازي: وهذا دليل لأهل السنة على أنه لا تأثير لإغواء الشيطان
ووسوسته، وإنما المؤثر قضاء الله وتقديره؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
تصريح بأنه لا تأثير لقولهم، ولا تأثير الأحوال
١٦٢
مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ
معبوديهم في وقوع الفتنة والضلال. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ

١٧٠
الُ (٢٣) - الضَّافَاتِيَّ: ٣٧ /١٤٩-١٧٠
يعني إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره(١). وهي ردّ على القدرية.
فإن حكم الله وقدره لا جبر فيه ولا إكراه.
لاً - وصف الملائكة أنفسهم بثلاث صفات، تعظيماً لله عز وجل، واعترافاً
بالعبودية له، وإنكاراً منهم عبادة من عبدهم، وهي: أن لكل واحد منهم
مرتبة لا يتجاوزها، ودرجة لا يتعدى عنها، وإنهم صافون صفوفاً في أداء
الطاعات ومنازل الخدمة والعبودية، وأنهم دائماً يسبحون الله تعالى،
والتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به.
وجاءت الصفتان الثانية والثالثة بصفة الحصر، ومعناه: أنهم في مواقف
العبودية لا غيرهم، وأنهم هم المسبحون لا غيرهم، وذلك يدل على أن
طاعات البشر ومعارفهم بالنسبة إلى طاعات الملائكة وإلى معارفهم كالعدم،
حتى يصح هذا الحصر، كما ذكر الرازي. ثم عقب على ذلك قائلاً: فكيف
يجوز مع هذا الحصر أن يقال: البشر تقرب درجته من الملَك، فضلاً عن أن
يقال: هل هو أفضل منه أم لا؟ !!
٨ - إن أخبار قريش عجيبة وغريبة، سواء قبل البعثة النبوية أم بعدها. فقد
كانوا يتمنون قبل بعثة النبي ◌َّل لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان
من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله، ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد
الأذكار، والكتاب المهيمن على كل الكتب، وهو القرآن، فكفروا به، وكذبوا
رسول الله صَلّة، وما وفوا بما قالوا: فاستحقوا الوعيد والتهديد، وهو أنهم
سوف يعلمون مغبة كفرهم، وعاقبة تكذيبهم.
(١) تفسير الرازي: ١٧٠/٢٦

١٧١
الجُ (٢٣) - القَنَافَاتِ: ٣٧ / ١٧١-١٨٢
نصر جند الله تعالى
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ
١٧٢
إِنَّهُمْ لَهُ الْمَنْصُورُونَ
١٧١
﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
فَنَوَلَ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
١٧
الْغَلِبُونَ
أَفِعَذَابِنَا
وَأَبْصِرُهُمْ فَسَوْفَ يُصِرُونَ لَِّ
٧٦
يَسْتَعْجِلُونَ (
فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٣) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
٧٩
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
(١٧٨)
سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (9َ وَسَلَمُ
١٨٢
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
عَلَى الْمُرْسَلِينَ
الإعراب:
: ﴿لَمُ﴾: ضمير فصل بين اسم ((إن)) وهو (هم))
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
وخبرها ﴿اَلْمَنْصُورُونَ﴾ وأدخلت اللام على الضمير. ولا يجوز أن يكون
﴿لَّمُ﴾(صفة لاسم ((إن))؛ لأن اللام لا تدخل على الصفة. ويجوز جعل
﴿لَهُمُ﴾ مبتدأ، و﴿ الْمَنْصُورُونَ﴾ خبره، والجملة منهما في موضع رفع خبر (إن)».
البلاغة:
﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحِهِمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبه العذاب النازل بهم بجيش هجم
عليهم بغتة، فلم ينتصحوا بكلام ناصح، ولا استعدوا للدفاع، حتى هزمهم
وأفناهم.
المفردات اللغوية:
﴾ أي وعدناهم بالنصر والغلبة،
١٧١
﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
وذلك بقوله تعالى: ﴿لَأَغْلِيَنَ أَنَا وَرُسُلِىّ﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨] وقوله هنا: ﴿إِنَّهُمْ
﴾. وإنما سماها كلمة وهي كلمات
١٧٢
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَالِبُونَ
لَمُمُ الْمَنْصُورُونَ
لانتظامها في معنی واحد.

١٧٢
لُعُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَ: ٣٧ / ١٧١-١٨٢
الغالبون في الحرب وغيرها، وهذا باعتبار
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ
أي إن جندنا
الغالب، وبشرط نصرة دين الله . ﴿ وَإِنَّ جُنَدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ
المؤمنين أتباع الرسل غالبون الكفار في الدنيا بالحجة والنصرة عليهم، فإن لم
ينتصروا في الدنيا انتصروا في الآخرة.
﴿فَنَوَلَ عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم . ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي إلى أن يحين موعد نصرك
عليهم وهو في عهد النبوة يوم بدر أو يوم الفتح - فتح مكة. ﴿ وَأَبْصِرُهُمْ﴾ انظر
إليهم وارتقب ما ينالهم من الأسر والقتل في الدنيا، والتعذيب في الآخرة حين
نزول العذاب بهم. ﴿فَسَوْفَ يُصِرُونَ﴾ عاقبة كفرهم، وما قضينا لك من التأييد
والنصر في الدنيا، والثواب في الآخرة. وسوف للوعيد لا للتبعيد.
روي أنه
هذا قول من الله يتضمن التهديد لهم،
﴿ أَفِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
لما نزل. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالوا: متى هذا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ
بِسَاحَنِهِمْ﴾ أي إذا نزل العذاب بفِنائهم: وهو المكان الواسع، قال الفراء:
العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم. ﴿فَسَآءَ صَبَاعُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي بئس
صباحاً صباح المنذرين بالعذاب. وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر لتسجيل صفة
الإنذار عليهم.
١) كرره تأكيداً لتهديدهم، وتسلية للنبي وقدله.
﴿ وَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَ
﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبة والقوة. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولداً. ﴿وَسَلَمُ عَلَى
الْمُرْسَلِينَ
المبلغين عن الله التوحيد والشرائع. ﴿وَاْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
﴾ على نصرهم وهلاك الكافرين.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧٦):
﴿ أَفَعَذَابِنَا﴾: أخرج جويبر عن ابن عباس قال: قالوا: يا محمد، أرنا

١٧٣
لِزُ (٢٣) - الضَّافَاتِيَ: ٣٧ / ١٧١-١٨٢
العذاب الذي تخوفنا به، عجّلْه لنا، فنزلت: ﴿أَفِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
صحيح على شرط الشيخين.
@ وهو
التفسير والبيان:
وَإِنَّ جُندَنَا
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ
﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
أي لقد سبق وعدنا بالنصر والظفر على الكفار في الدنيا
◌َهُمُ الْغَالِبُونَ ◌َا.
والآخرة لعبادنا الرسل الذين أرسلناهم للإنذار والتبشير، ففي الدنيا : تكون
الغلبة والقهر لهم بالأسر والقتل والتشريد أو الإجلاء أو بالحجة والبرهان،
ونحو ذلك، وفي الآخرة: الظفر بالجنة، والنجاة من النار، وهذا في الأعم
الأغلب. وجند الله: حزبه، وهم الرسل وأتباعهم.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلَنَ أَنَا وَرُسُلِىَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ
عَزِيزٌ (٨)) [المجادلة: ٢١/٥٨] وقوله سبحانه:
مُسْلَنَ
لَنَنصُرُ رُسَـ
وَالَّذِينَ
ءَمَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ (٥)﴾ [غافر: ٥١/٤٠].
وشرط النصر معروف، وهو الإيمان الصحيح بالله عز وجل، والعمل
بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتزام دين الله شرعاً ودستوراً ونظاماً
ومنهج حياة؛ قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧/٣٠]
وقال سبحانه: ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧/٤٧] وقال عز
وجل: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨/٧].
) أي أعرض عنهم، واصبر على أذاهم لك، إلى
﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
مدة معلومة عند الله سبحانه، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر.
أي أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من
١٧٥
﴿وَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك، كالأسر والقتل، وسوف يبصرون كل
ما وعدتهم به من العقاب، وما وعدناك به من النصر وانتشار دينك في
الآفاق، وذلك حين لا ينفعهم الإبصار. وكرر تعالى ذلك تأكيداً.

١٧٤
لُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَّ: ٣٧ / ١٧١-١٨٢
والمراد بالأمر بإبصارهم على الحال المنتظرة الموعودة: الدلالة على أنها كائنة
واقعة لا محالة، وأن حدوثها قريب، وفي ذلك تسلية للرسول وَالر وتنفيس عنه
عما يناله من أذى كفار قومه قریش.
ثم وبخهم الله تعالى وهددهم على طلبهم تعجيل العذاب قائلاً:
أي كيف يجرؤون على استعجال عذابنا
﴿أَفِعَذَاِنَا يَسْتَعْجِلُونَ.
الشديد؟ والواقع أنهم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك،
قائلين: متى هذا العذاب؟ والعذاب نازل بهم قطعاً لا محالة.
﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (٣)﴾ أي فإذا نزل العذاب بهم أو
بمحَلَّتهم، فبئس ذلك اليوم يومهم، لإهلاكهم ودمارهم. ورد في الصحيحين
عن أنس رضي الله عنه قال: صبّح رسول الله بَ ل خيبر، فلما خرجوا
بفؤوسهم ومساحيهم، ورأوا الجيش، رجعوا وهم يقولون: محمد والله، محمد
والخميس - الجيش - فقال النبي وَّر: ((الله أكبر، خَرِبت خيبر، إنا إذا نزلنا
بساحة قوم، فساء صباح المنذرين)) ورواه أحمد أيضاً بلفظ آخر، وهو صحيح
على شرط الشيخين.
﴾ أي وأعرض أيها
١١٧٩
(١٧) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُصِرُونَ
﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
الرسول عن هؤلاء المشركين إلى أجل آخر يحين فيه هلاكهم، وانظر إليهم
وارتقبهم، فسوف يرون ما يحل بهم من عقاب.
وهذا تأكيد لما تقدم من الأمر بالكف عنهم، والصبر على أذاهم.
ثم ختمت السورة بخاتمة عظيمة فيه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ومدحه
للرسل الكرام، فقال سبحانه:
وَاْلَحَمْدُ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
١٨٠
﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
أي تنزيهاً لربك أيها الرسول وتقديساً وتبرئة عما
١٨٢
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ

١٧٥
لِلُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَ: ٣٧ / ١٧١-١٨٢
يقول الظالمون المكذبون المفترون المعتدون، فهو رب القوة والغلبة والعزة التي
لا ترام، وسلام الله على الرسل الكرام الذين أرسلهم إلى أقوامهم، في الدنيا
والآخرة، لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيقته، والحمد والشكر لله في
الأولى والآخرة في كل حال، فهو رب الثقلين: الإنس والجن، دون سواه.
وهذا تعليم من الله للمؤمنين أن يقولوا ذلك.
روى ابن أبي حاتم عن الشعبي، والبغوي عن علي كرم الله وجهه، قال:
قال رسول الله وَر: ((من سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر، يوم
القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا
وَاْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
١١٨٠
يَصِفُونَ
١٨٣
ووردت أحاديث في كفارة المجلس: ((سبحانك اللهم وبحَمْدك، لا إلهَ إلا أنتَ
أستغفرك وأتوبُ إليك)).
وذكر الثعلبي عن أبي سعيد الخدري قال: ((سمعت رسول الله وَل غير مرة
ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا
يَصِفُونَ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَذِينَ
﴿٨َ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
١٨٢
((
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - سبق الوعد الإلهي بنصر المرسلين بالحجة والغلبة، ونصر جند الله وهم
الرسل وأتباعه على أعدائهم، وذلك على الغالب. والنصر إما بقوة الحجة، أو
بالدولة والاستيلاء، أو بالدوام والثبات.
أَ - كان النبي وَيه والمؤمنون في مكة قبل الهجرة مأمورين بالكف عن
المشركين، والصفح عنهم، والصبر على أذاهم، وترك مقاتلتهم.
ـَّ ـ هدّد الله المشركين وأوعدهم بما سينالهم من عذاب الدنيا والآخرة،
وحينئذ سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار.

١٧٦
الجُزءُ (٢٣) - القَنَافَاتَِ: ٣٧ / ١٧١-١٨٢
٤ - من الحماقة الشديدة استعجال الكفار وقوع عذاب الله، فإنه لا داعي
للاستعجال، والعذاب واقع بهم لا محالة، وهو عذاب شديد مدمر، فإذا حلَّ
بهم أو بديارهم فبئس صباح الذين أنذروا بالعذاب.
٥ - يسن ختم الصلاة والمجلس بآية: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٨٠
وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (َ)) وفي هذه الآية
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (َّا
أنواع ثلاثة من صفات الله تعالى: وهي تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق
بصفات الألوهية وهو كلمة ﴿سُبْحَنَ﴾، ووصفه بكل ما يليق بصفات
الألوهية وهو قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ وكونه منزهاً عن الشريك والنظير.
وقوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يدل على أنه القادر على جميع الحوادث التي خلقها.
وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (®) كلمة محتوية على أقصى
الدرجات وأكمل النهايات في معرفة إله العالم. والمهم أن يعرف العاقل كيف
يعامل نفسه ويعامل الناس في الدنيا.

١٧٧
لُ (٢٣) السورة (٣٨) ظِرْ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ ضِْ
مڪية، وهي ثمان وثمانون آية
تسميتها:
سميت سورة ﴿صَّّ﴾ لافتتاحها بهذا الحرف العربي أحد أحرف الهجاء
الثمانية والعشرين، للدلالة على أن هذا القرآن العظيم مكوّن ومنظوم من
حروف الهجاء العربية، ومع ذلك لم يستطع العرب الفصحاء الإتيان بمثل
أقصر سورة منه، فبدأ به بهذه السورة كغيرها من السور المبدوءة بحروف
هجائية، بقصد تحدي العرب، وإثبات إعجاز القرآن.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها من وجهين :
الأول - أن الله تعالى حكى في آخر سورة الصافات التي قبلها قول الكفار:
(٢) ثم كفروا به،
لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
١٩٨
﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ
ثم افتتح هذه السورة بالقسم بالقرآن ذي الذكر، لتفصيل المجمل هناك.
الثاني - أن هذه السورة بعد الصافات، كـ ﴿طسَّ﴾ النمل بعد الشعراء،
وكـ ﴿طه (®) والأنبياء بعد مريم، وكـ ﴿يُوسُفُ﴾ بعد هود، في كونها متممة
لها بذكر من بقي من الأنبياء ممن لم يذكر في تلك، مثل داود، وسليمان،
وأيوب، وآدم، وأشار إلى بقية من ذكر.

١٧٨
الدُُّ (٢٣) السورة (٣٨)
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة كسائر السور المكية في بيان أصول العقيدة الإسلامية
((التوحيد، والنبوة، والبعث)) من خلال مناقشة المشركين في عقائدهم المناقضة
لتلك الأصول، وإيراد قصص الأنبياء للعظة والعبرة، وبيان حال الكفار
والمشركين يوم القيامة، ووصف عذاب أهل النار، ونعيم أهل الجنة.
ابتدأت السورة بالوصف الناقد لصفات المشركين من الكبرياء وإباء الحق
والإعراض عنه، مع تذكيرهم بعاقبة الماضين الذين حادوا عن الحق،
فهلكوا، مثل قوم نوح وعاد وفرعون وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة.
ومن أهم تلك الصفات ثلاث: إنكار الوحدانية، وإنكار نبوة محمد دولار،
وإنكار البعث والحساب.
ثم ذكرت قصة داود وسليمان وأيوب مفصلاً، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب
وإسماعيل واليسع وذي الكفل مجملاً عليهم السلام.
وانتقل البيان إلى الغاية الكبرى وهي إثبات البعث والحساب ووصف نعيم
أهل الجنة وعذاب أهل النار.
ثم توجت السورة بقصة بدء الخلق - قصة آدم عليه السلام وسجود الملائكة
له إلا إبليس، وطرده من الجنة، وصبّ اللعنة عليه إلى يوم القيامة، وتوعده
وأتباعه بملء جهنم منهم.
وختمت السورة ببيان إخلاص النبي ◌ُّ في تبليغ رسالته دون طلب أجر،
مما يدل على نبوته، وأردفه بإعلان كون القرآن رسالة الثقلين: الإنس
والجن، وأن المشركين بعد موتهم يعلمون حقيقة أمره.

١٧٩
الُهُ (٢٣) - ظِرْ: ٣٨ /١-١١
مناقشة المشركين في عقائدهم
(جَ كَمْ أَهْلَكْنَا
﴿صَّّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ وَشِقَاقٍ
وَعَجِبُواْ أَنْ جََّهُمْ مُّنْذِرٌ مِّنْهُمٌّ وَقَالَ
مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ
٥
الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَابٌ ﴿ أَجَعَلَ الْأَلِهَةَ إِلَهَا وَحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ
وَأَنْطَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَىَّ ◌َالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴿ مَا سَمِعْنَا
أَهُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِ
◌ِهَذَا فِىِ الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَآ إِلَّا أُخْتِلَقُ
شَكٍ مِّن ذِكْرِىّ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ اَلْعَزِيزِ الْوَهَّابِ
جُنْدٌ مَّا
١٠
﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا فَلْيَتَّقُواْ فِ الْأَسْبَبِ
هُنَالِكَ مَهْزُوُمُ مِّنَ الْأَحْزَابِ
القراءات:
وَالْقُرْءَانِ »:
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (والقران).
الإعراب:
﴿صََّ﴾ قرئ ((صاد)) بسكون الدال وفتحها وكسرها بلا تنوين وبتنوين.
فمن قرأ بالسكون فعلى الأصل؛ لأن الأصل في حروف الهجاء البناء،
والأصل في البناء أن يكون على السكون. ومن قرأ بالفتح جعله اسماً للسورة،
كأنه قال: اقرأ صادَ. ومن قرأ بالكسر بغير تنوين فهو إما أمر من المصاداة
وهي المقابلة، أي قابل القرآن بعملك، وإما بإعمال حرف القسم مع حذفه،
مثل: الله لأفعلن، وفيه ضعف. ومن قرأ بالكسر مع التنوين شبهه بالأصوات
التي تنون للفرق بين التعريف والتنكير، مثل صه وصهٍ.

١٨٠
لُحُ (٢٣) - ضِزٌ: ٣٨ /١-١١
{ وَالْقُرْءَانِ﴾ مجرور على القسم، وجوابه إما ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾
وإما ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، وإما ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ وإما ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ وتقديره:
لكم أهلكنا، فحذفت اللام، كما حذفت في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّنَهَا
[الشمس: ٩/٩١] أي لقد أفلح.
٩
﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (لات): حرف بمعنى ليس، وله اسم وخبر، أي
ولات الحين حين مناص. والجملة حال من فاعل نادوا. ومن قرأ ( وَلَاتَ
حِينُ مَنَاص ) بالرفع، أضمر الخبر، وهو شاذ لا يقاس عليه. وتاء (لات)
التأنيث الكلمة، وهي عند البصريين بمنزلة تاء الفعل، مثل: ضربتْ وذهبتْ،
والوقف عليها بالتاء، وعليه خط المصحف، وهي عند الكوفيين بمنزلة تاء
الاسم، نحو: ضاربة وذاهبة، والوقف عليها بالهاء، والأقيس مذهب
البصريين؛ لأن الحرف إلى الفعل أقرب منه إلى الاسم.
﴿أَنِ آمْشُواْ﴾ أن مفسرة، تقديره: أي امشوا، وهو من المشاية: كثيرة
النتاج، دعا لهم بكثرة الماشية.
(®) (جُندٌ﴾ مبتدأ، و﴿مَا﴾
﴿جُنْدُ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ اْأَحْزَابِ
زائدة، و﴿هُنَالِكَ﴾ صفة جند، تقديره: جند كائن هنالك، و﴿مَهْزُومٌ﴾ خبر
المبتدأ. وقيل: هنالك متعلق بمهزوم، والأول أوجه.
البلاغة:
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبِّلِهِم مِّن قَرْذٍ﴾ أي أهل قرن، فهو مجاز مرسل، والقرن:
مئة عام.
﴿وَقَالَ الْكَفِرُونَ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير، والأصل: وقالوا،
لرصد كفرهم.
كَذَّابٌ﴾ ﴿اَلْعَزِيزِ﴾ ﴿الْوَهَّابِ﴾ ﴿أََّبٌ﴾ من صيغ المبالغة.