Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
لِلُ (٢٣) - القَنَافَاتِ: ٣٧ / ٨٣-١٠١
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ أي اذكر، فهو متعلق بمحذوف، وحقيقة المجيء بالشيء:
نقله من مكانه، والمراد هنا الإقبال على الله سليم القلب مخلصاً ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
من الشك وغيره، الناصح لله في خلقه، السالم من جميع العلل والآفات
النفسية كالرياء وغيره من النيات السيئة ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ﴾ موبخاً، وهو
في هذه الحالة السليمة و﴿إِذْ﴾ بدل من إذ الأولى أو ظرف لجاء. ﴿مَاذَا
تَعْبُدُونَ﴾ ما الذي تعبدون؟
﴿أَبِفْكًا﴾ الإفك: أسوأ الكذب ﴿ءَالِهَةَّ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أي أتريدون آلهة
◌ِ﴾ إذا
من دون الله للإفك، أي أتعبدون غير الله؟ ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
لقيتموه، وقد عبدتم غيره، وما ترون يصنع بكم؟ والمعنى: إنكار ما يوجب
ظناً، فضلاً عن قطع (أي يقين) يصدّ عن عبادته، وهو كالحجة على ما قبله.
﴿فَظَرَ نَظْرَةً فِىِ النُّجُومِ (3) أوهمهم أنه يعتمد على النجوم، حين سألوه
أن يعبد معهم ﴿فَقَالَ إِنِ سَقِيمُ (٨) مريض عليل، أراد أن يتخلف عنهم في
خروجهم من الغد يوم عيد لهم، فاعتل بالسقم ﴿فَنَوَلَّوْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٦)﴾ أي
تركوه وذهبوا إلى عيدهم ﴿فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَنِهِمْ﴾ ذهب أو مال خفية إلى أصنامهم
وعندها الطعام، ومنه يقال: روغان الثعلب أي الميل ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال
استهزاء وسخرية: ألا تأكلون من الطعام الذي صنعوه لكم؟ فلم ينطقوا.
{يَ﴾﴾ لا تجيبوني، وقد علم أنها جمادات لا تنطق
﴿مَا لَكُمْ لَا نَنطِقُونَ
﴿فَرَعَ عَلَيْهِمْ ضَرْبَا بِأَلْيَمِينِ
٩٣
· مال عليهم يضربهم بقوة وشدة، فكسرهم
(٤) أي أقبل إليه عبدة تلك الأصنام يسرعون المشي، لما
﴿ فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُونَ
علموا بما صنعه بها، فقالوا: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا
) أي قال لهم موبخاً: أتعبدون أصناماً أنتم تنحتونها؟ ﴿وَاللَّهُ
نَنْحِنُونَ ®
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ أي خلقكم وخلق الذي تصنعونه، فاعبدوه وحده.
)) أي تشاوروا فيما بينهم أن
٩٧
قَالُواْ أَبْنُواْ لَهُ بُلِيَنًا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ

١٢٢
لِلُعُ (٢٣) - الصَّا فَاتِيَ: ٣٧ / ٨٣-١٠١
يبنوا له بنياناً من حجارة، ويملؤوه حطباً، ويضرموه، ثم يلقوه فيه. والجحيم:
النار الشديدة ﴿فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدً﴾ بإلقائه في النار لتهلكه ﴿فَعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾
المقهورين، فصارت النار بعد إلقائه عليها برداً وسلاماً، ولم تؤثر فيه.
﴿ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينِ﴾ مهاجر من بلد قومي دار الكفر إلى حيث أمرني
بالمهاجرة إليه وهو الشام، أو إلى حيث أتمكن من عبادته ﴿هَبْ لِ مِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ أي ولداً صالحاً يعينني على طاعتك، ويؤنسني في الغربة ﴿فَبَشَّرْنَهُ
(4) أي بصبي ذكر يكبر ويصير حليماً، أي ذا حلم كثير.
بِغُلَمٍ حَلِيمٍ
المناسبة:
هذه قصة ثانية تبين مدى الصلة الوثيقة والارتباط العميق بين الأنبياء في
رسالاتهم، افتتحت بأن إبراهيم عليه السلام من شيعة نوح، أي من أهل بيته
وعلى دينه ومنهاجه، فهما مصدر الخير والسعادة للناس، فكانت قصة إبراهيم
أبي الأنبياء بعد قصة نوح أبي البشر الثاني عليهما السلام، والأول نجاه الله من
الغرق، والثاني نجاه الله من النار.
التفسير والبيان:
وَإِنَّ مِنْ شِيَعَتِهِ، لَإِزَهِيمَ (1)﴾ أي وإن إبراهيم عليه السلام ممن
سار على دين نوح عليه السلام ومنهجه وسلك طريقه في الدعوة إلى توحيد الله
والإيمان به وبالبعث، وغير ذلك من أصول الشريعة، وإن اختلفا في الفروع،
وقد يكونان متفقين فيها.
(4) أي اذكر حين أقبل على ربه بقلب مخلص
﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
صادق الإيمان، خال من شوائب الشرك والشك والرياء، ناصح لله في خلقه،
كأنه جاءه بتحفة من عنده لربه، فاستحق الفوز والرضوان.
ومن خصاله وأعماله المجيدة:

١٢٣
لُزُ (٢٣) - الصَّا فَاتِ: ٣٧ / ٨٣-١٠١
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾﴾؟ أي من مظاهر إخلاصه لربه
حين قال لجماعته: ما الذي تعبدونه من هذه الأصنام من دون الله؟ وهذا
إنكار على عبادتهم وتوبيخ على منهجهم وخطتهم، ولوم صريح على عبادة
الأصنام والأنداد، لذا قال:
﴿ أَبِفِكًا ءَالِهَةٌ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿ فَمَا ظَنُّكُمُ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي أتريدون آلهة
من دون الله تعبدونها إفكاً وكذباً، دون حجة ولا دليل، وما ظنكم إذا لقيتم
ربكم أنه فاعل بكم، وقد عبدتم معه غيره، وما ترونه يصنع بكم؟ فهو
استفهام توبيخ وتحذير وتوعد، أي أيّ شيء ظنكم بمن هو يستحق لأن تعبدوه
إذ هو رب العالمين، حتى تركتم عبادته وعدلتم به الأصنام؟ !!
﴿فَظَرَ نَظْرَةُّ فِ النُّجُومِ
· أي نظر إبراهيم في علوم النجوم وفي
(٨٨)
معانيها لا أنه نظر إليها تعظيماً وتقديساً كما كان يفعل قومه، مريداً بذلك أن
يوهمهم أنه يعلم ما يعلمون.
أو إن المراد تأمل في الكون والسماء وأطال الفكر، قال قتادة: إن العرب
تقول للشخص إذا تفكر وأطال الفكرة: نظر في النجوم، أي أطال الفكرة
فيما هو فيه.
﴿فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ ﴾﴾ أي مريض عليل، قاصداً بذلك أنه مريض القلب
من إقبال قومه على الكفر والشرك وعبادة الأوثان.
والخلاصة: إن نظر إبراهيم في النجوم، وقوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ من قبيل
التورية، فإنه أراد شيئاً، وفهموا منه شيئاً آخر، تمهيداً لخطته التي بيَّتها في أن
يكايد أصنامهم، حينما سيخرجون من الغد في يوم عيد لهم، وذلك بالتخلف
عن الخروج معهم، دون أن يطلعوا على ما بَيَّت عليه النية.
وبه يتبين أن إبراهيم عليه السلام لم يقدم على النظر إلى النجوم كما يفعل
عبدتها، فذلك غير جائز، ولم يكن كاذباً في قوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾.

١٢٤
الزُءُ (٢٣) - القَنَافَاتَّ: ٣٧ / ٨٣-١٠١
٩٠
أي تركوه وذهبوا إلى عيدهم ومعبدهم.
فَنَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُذْبِرِينَ
﴿فَرَغَ إِلَى ءَالِهَنِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (®﴾؟ أي فمال خفية وذهب في سرعة
إلى تلك الأصنام التي كانوا يعبدونها، وقد وضعوا لها الطعام في عيدهم
لتباركه، وقال لها تهكماً واستهزاء: ألا تأكلون من هذا الطعام المقدم إليكم؟
﴿مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ ﴿4﴾؟ أي ما الذي يمنعكم من النطق والجواب عن
سؤالي؟ ومراده التهكم والاحتقار؛ لأنه يعلم أنها جمادات لا تنطق.
٩٣
فمال عليهم يضربهم بقوة وشدة حتى
﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ
حطمهم إلا كبيراً لهم، كما في سورة الأنبياء.
﴿فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِقُونَ ﴿٤﴾ أي فأقبل إليه قومه بعد عودتهم من عيدهم
مسرعين، يسألون عمن كسرها، وقد قيل: إنه إبراهيم، وعرفوا أنه هو،
فقالوا له: نحن نعبدها وأنت تكسرها؟ !!
ولما جاؤوا يعاتبونه، أخذ يؤنبهم ويعيبهم، فقال: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُونَ
؟ أي أتعبدون من دون الله أصناماً أنتم تصنعونها وتنحتونها بأيديكم؟
٩٥
﴾ أي والله هو الجدير بالعبادة، لأنه
٩٦
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
الخالق، خلقكم وخلق تلك الأصنام التي تعملونها بأيديكم. وفيه دلالة على
أن الله خلق الإنسان وخلق أعماله. روى البخاري عن حذيفة رضي الله عنه
مرفوعاً قال: ((إن الله تعالی یصنع کل صانع وصنعته)).
فلما قامت عليهم الحجة لجؤوا إلى الانتقام بالقوة والإيذاء، فقالوا:
(4) أي ابنوا له بنياناً واسعاً
﴿ قَالُواْ أَبْنُواْ لَهُ بُلْيَنًا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ
واملؤوه حطباً كثيراً، وأضرموا فيه النار، ثم ألقوه في تلك النار المسعرة.
﴿فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا فَعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ
أي أرادوا به سوءاً بحيلة
٩٨

١٢٥
الُعُ (٢٣) - الصَّا فَاتِ: ٣٧ / ٨٣-١٠١
ومكر، وإحراقه في النار، فأنجيناه منها، وجعلناها برداً وسلاماً عليه، ولم
تؤثر فيه أدنى تأثير، وجعلنا له النصر والغلبة، وجعلناهم المهزومين المغلوبين
الأذلّين حيث أبطلنا كيدهم.
ولما نجا إبراهيم عليه السلام ونصره الله على قومه، وأيس من إيمانهم قرر
الهجرة ومفارقتهم، كما قال تعالى:
﴿وَقَالَ إِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينِ
﴾ أي إني مهاجر من بلد قومي الذين
٩٩
آذوني، تعصباً للأصنام، وكفراً بالله، وتكذيباً لرسله، إلى حيث أمرني
بالمهاجرة إليه، حيث أتمكن من عبادته، وإنه سيهديني إلى ما فيه صلاح ديني
ودنياي، وهو الأرض المقدسة بالشام.
وهذا دليل على وجوب الهجرة من المكان إلى مكان آخر، إذا لم يتمكن
المؤمن من إقامة شعائر دينه.
وفي أثناء الهجرة دعا ربه بأن يرزقه الولد، فقال:
﴾ أي رب هب لي ولداً صالحاً يعينني على
﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِينَ
طاعتك، ويؤنسني في الغربة.
﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ (٣)﴾ أي فبشرناه بصبي ذكر يكبر ويصير ذا حلم
كثير. وهذا الغلام كما قال ابن كثير: هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد
بُثِّر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل
الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد، ولإبراهيم عليه
السلام ست وثمانون سنة (٨٦) وولد إسحاق، وعمر إبراهيم عليه السلام
تسع وتسعون سنة (٩٩).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:

١٢٦
لُ (٢٣) - الصَّا فَاتَّ: ٣٧ / ٨٣-١٠١
راً - الأنبياء والرسل وإن طال الزمان بينهم مهمتهم واحدة وهي الدعوة
إلى توحيد الله والإيمان بالرسل وبالبعث، وإلى أصول الأخلاق والفضائل.
أَ - كان إبراهيم الخليل عليه السلام ذا قلب مخلص من الشرك والشك،
ناصح الله عز وجل في خلقه، عالم بأن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله
يبعث من في القبور.
٣ - من جملة آثار سلامة قلب إبراهيم عليه السلام أن دعا أباه وقومه إلى
التوحيد، فقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾؟ قاصداً بذلك الكلام تقبيح طريقتهم ولومهم
على فعلهم.
٤ - ندّد بعبادتهم الأصنام، مبيناً أنها إفك وأسوأ الكذب، وحذر من
سخط الله حين لقائه، وقد عبدوا غيره.
٥ - لجأ إلى الإيهام وأخذ بالتورية في أمرين أظهر فيهما شيئاً، وأراد شيئاً
آخر، وهما النظر في النجوم، وقوله: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾، قاصداً بالأول أنه يعلم
بعلوم النجوم، وأنه تفكر فيما يعمل لما كلّفوه الخروج معهم، وبالثاني أنه
سيمرض مرض الموت؛ لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب، ثم يموت،
فتوهموا هم أنه سقيم الآن، وهذا تورية وتعريض؛ كما قال للملِك لما سأله
عن سارّة: هي أختي، يعني أخوة الدين.
وفي الصحيح الذي أخرجه أحمد والشيخان عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ:
(لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كَذَبات)) والكذب تعريضاً
وتورية أمر جائز مباح. وقيل: أراد أنه سقيم النفس لكفرهم ووثنيتهم.
أَ - دبر إبراهيم عليه السلام خطة ناجحة لتحطيم الأصنام، فقد مكث في
البلدة حينما خرج القوم لعيدهم ومعبدهم، بعد أن قدموا طعاماً لأصنامهم
لتباركه بزعمهم، أو للسدنة، فجاء إليهم، وخاطبهم كما يخاطب العقلاء

١٢٧
الجُزُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَ: ٣٧ / ٨٣-١٠١
٩٣
قائلاً على جهة التهكم والاستهزاء: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ
فلم يجيبوا، وهو يعلم ذلك، فانهال عليهم ضرباً بقوة وشدة، حتى دمرهم إلا
كبيراً لهم، كما في سورة الأنبياء، لإلزام القوم بالحجة، وتعريفهم خطأهم
وأن هذه الأصنام لا تقدر حماية أنفسها.
٧ - أقبل إليه القوم مسرعين، بعد أن عرفوا أن الفاعل هو إبراهيم،
فقالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال محتجاً: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُونَ﴾؟ أي أتعبدون
أصناماً أنتم تنحتونها بأيديكم، والنحت: النجر والبري.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٨٦)﴾ أي خلقكم وخلق ما تعملونه من
الأصنام بالخشب والحجارة وغيرهما، وبإيجاز: خلقكم وعملكم.
وقد استدل أهل السنة بهذه الآية على أن الأفعال خلق الله عز وجل،
واكتسابٌ للعباد، وفي هذا إبطال مذاهب القدرية والجبرية. أخرج البخاري
عن أبي هريرة مرفوعاً كما تقدم عن النبي وَ لّ قال: ((إن الله خالق كل صانع
وصنعته)) وأخرجه البيهقي من حديث حُذيفة قال: قال رسول الله وَ له: ((إن
الله عز وجل صنع كل صانع وصنعتَه، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه)).
٨ - تشاور القوم في أمر إبراهيم عليه السلام لما غلبهم بالحجة فقالوا : ابنوا
له بنياناً، تملؤونه حطباً، فتضرمونه، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال عبد الله بن
عمرو بن العاص: فلما صار في البنيان قال: حسبي الله ونعم الوكيل.
وأرادوا بإبراهيم الكيد، أي المكر والاحتيال لإهلاكه، فجعلهم الله
المقهورين المغلوبين الأذلين، إذ نفذت حجته من حيث لم يمكنهم دفعها، ولم
ينفذ فيه مکرهم ولا کیدهم.
ـة - الهجرة والعزلة واجبة إذا لم يتمكن المسلم من إقامة شعائر دينه، وأول
من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام، وذلك حين خلصه الله من النار ﴿وَقَالَ إِنِ

١٢٨
المُعُ (٢٣) - الصَّافَاتَ: ٣٧ /١٠٢-١١٣
ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ﴾ أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى حيث أتمكن من عبادة
ربي، فإنه ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فيما نويت إلى الصواب. قال مقاتل: هو أول من هاجر
من الخلق مع لوط وسارّة، إلى الأرض المقدسة وهي أرض الشام.
٠١ - مشروعية الدعاء بالولد، فلما عرف إبراهيم عليه السلام أن الله
مخلصه، دعا الله ليعضُده بولد يأنس به في غربته، فقال: رب هب لي ولداً
صالحاً من الصالحين، فبشره الله تعالى على لسان الملائكة - كما تقدم في هود -
بغلام يكون حليماً في كبره، فكأنه بُثِّر ببقاء ذلك الولد؛ لأن الصغير لا
یوصف بذلك.
- ٢ -
قصة الذبيح
﴿فَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّىَّ إِّ أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا
فَلَمَّاً
١٠٣
تَرَىْ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌّ سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَكَإِبَهِيمُ ﴿٨ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ
أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ
تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وَفَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ
إِنَّ هَذَا لَوَ الْبَوُاْ أَلْمُبِينُ
١٠٥
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ اُلْآَخِرِينَ
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
١٠٩
١٠٧
سَلَمُ عَلَى إِبْزَهِيمَ
١٠٨
إِنَّهُ، مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾
وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ
١٢
وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْطَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ
وَعَلَىّ إِسْحَقَّ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَائِمٌ لِنَفْسِهِ، مُّبِينٌ
١١٣
القراءات:
﴿يَبُنَىَّ﴾.
وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون (يا بُنِيِّ).
﴿إِنِّ أَرَىْ فِ اَلْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾:

١٢٩
اِجُزءُ (٢٣) - الضَّافَاتَّ: ٣٧ / ١٠٢-١١٣
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أرى في المنام أنيَ أذبحك).
﴿ مَاذَا تَرَىّ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي (ماذا تُرِي).
يَأَبَتِ﴾:
وقرأ ابن عامر (يا أبتَ).
سَتَجِدُنِىِّ إِن﴾:
وقرأ نافع (ستجدني إن).
﴿الرُّنْيَأْ﴾:
وقرأ السوسي (الرُّويا).
﴿نَبِيًّا﴾ :
وقرأ نافع (نبيئاً).
الإعراب:
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ﴾ ﴿مَعَهُ﴾ متعلق بمحذوف لا يبلغ، فإن بلوغهما لم يكن
معاً، كأنه قال: فلما بلغ السعي، فقيل: مع من؟ فقيل: معه.
﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىّ﴾ من الرأي، وليس من رؤية العين، و﴿مَاذَا﴾ في
موضع نصب بـ (تَرَىْ﴾. ويجوز جعل (ما) استفهامية في موضع رفع مبتدأ،
و(ذا) بمعنى الذي في موضع خبر المبتدأ.
() في جواب (لَّ)) ثلاثة أوجه: إما محذوف
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ
تقديره: فلما أسلما رُحما أو سعدا، وإما ﴿وَنَدَيْنَهُ﴾ والواو زائدة، وإما .
﴿وَتَلَّهُ﴾ والواو زائدة، والوجه الأول أوجه.

١٣٠
الُعُ (٢٣) - القَنَافَاتِ: ٣٧ / ١٠٢-١١٣
البلاغة:
﴿ ◌ُحْسِنُ وَظَائِمٌ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ أي وصل إلى السن التي تمكنه من أن يسعى معه في
أعماله ويعينه، قيل: بلغ سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة سنة ﴿إِنّ أَرَى﴾
أي رأيت، ورؤيا الأنبياء حق، وأفعالهم بأمر الله تعالى. قيل: إنه رأى ليلة
التروية أن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح رَوّى أنه من
الله أو من الشيطان، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، ثم رأى
مثله في الليلة الثالثة، فهمّ بنحره، ولهذا سميت الأيام الثلاثة بالتروية وعرفة
والنحر.
من الذبيح؟
قال البيضاوي: والأظهر أن المخاطب به إسماعيل؛ لأنه الذي وهب له إثر
الهجرة، ولأن البشارة بإسحاق معطوفة على البشارة بهذا الغلام، ولقوله وَليقت
فيما رواه الحاكم في المناقب: ((أنا ابن الذبيحين)) فأحدهما جدّه إسماعيل،
والآخر أبوه عبد الله، فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولداً، إن سهل الله له
حفر بئر زمزم، أو بلغ بنوه عشرة، فلما سهل الله له ذلك، أقرع، فخرج
السهم على عبد الله، ففداه بمئة من الإبل، ولذلك ثبتت الدية مئة، ولأن ذلك
كان بمكة، وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة، حتى احترقا معها في أيام ابن
الزبير، ولم يكن إسحاق ثمة، ولأن البشارة بإسحاق كانت مقرونة بولادة
يعقوب منه، فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقاً.
وما روي أنه و ﴿ سئل: أي النسب أشرف؟ فقال: ((يوسف صدّيق الله،
ابن يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله))

١٣١
الُ (٢٣) - الصَنَافَاتِ: ٣٧ /١٠٢-١١٣
فالصحيح أنه قال: ((يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) والزوائد من
الراوي. وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك، لم يثبت(١).
وقال ابن كثير: وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق،
وحكي ذلك عن طائف من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله
عنهم أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقياً إلا عن أحبار
أهل الكتاب، وأُخذ ذلك مسلّماً من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد
ومرشد إلى أنه - الذبيح - إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه
(٢)
الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْخَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ
﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىّ﴾ من الرأي، شاوره ليتهيأ للذبح، وينقاد للأمر به،
وليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله، فيثبت، ويسلّم الأمر لله ﴿يَأَبَتِ﴾ التاء
عوض عن ياء الإضافة ﴿أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾ أي ما تؤمر به، وإنما ذكر بلفظ
المضارع لتكرر الرؤيا ﴿مِنَ الصَّبِينَ﴾ على الذبح أو على قضاء الله.
﴿فَلَمََّ أَسْلَمَا﴾ استسلما لأمر الله، وخضعا وانقادا له ﴿وَتَلَّهُ﴾ كبّه على
وجهه، لئلا يرى فيه تغيراً يرق له، فلا يذبحه، أو أضجعه على شقه، فوقع
جبينه على الأرض. وكان ذلك عند الصخرة بمنى. والجبين: أحد جانبي
الجبهة، والجبهة: بين جبينين، واللام في قوله ﴿لِلْجَبِينِ﴾ لبيان ما صرع عليه،
كقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩/١٧]. ﴿صَدَّقْتَ
الرُّهُيَأَ﴾ حققت ما طلب منك بالعزم والإتيان بالمقدمات ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى
اَلْمُحْسِنِينَ﴾ أي كما جزيناك نجزي المحسنين لأنفسهم بامتثال الأمر، وهذا
تعليل لتفريج تلك الشدة عنهما، وهو إحسانهما ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذبح المأمور به
﴿لَّوَ الْبَلَوُاْ الْمُبِينُ﴾ الاختبار الظاهر الذي يتميز فيه المخلص من غيره.
(١) تفسير البيضاوي: ٥٩٥
(٢) تفسير ابن كثير: ١٤/٤

١٣٢
لُجُزْءُ (٢٣) - القَنَافَاتِيَ: ٣٧ / ١٠٢-١١٣
وَفَدَيْنَهُ﴾ أي المأمور بذبحه، وهو إسماعيل عليه السلام على الأرجح، وقيل:
إسحاق ﴿بِذِبْجٍ﴾ بكبش يذبح بدله ﴿عَظِيمٍ﴾ عظيم الجثة، سمين. واستدل به
الحنفية على أن من نذر ذبح ولده، لزمه ذبح شاة.
6) أبقينا عليه ثناء حسناً في الأجيال اللاحقة
﴿ وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ
١١٠
أي سلام منا عليه ﴿ كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
سَلَمُ عَ إِزَهِيمَ (9َا﴾
أي مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين لأنفسهم بطاعة الله تعالى ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
(LiD @ علة الإحسان.
الْمُؤْمِنِينَ
﴿وَبَشَّرْنَهُ بِسْحَقَ﴾ بشارة بولد آخر بأن يوجد إسحاق، وهو دليل على أن
الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق ﴿نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ مقضياً نبوته، مقدراً
كونه من الصالحين ﴿ وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ﴾ على إبراهيم في أولاده ﴿وَعَلَّ إِسْحَقَّ﴾ ولد
إبراهيم، بأن جعلنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم، أي أكثر الأنبياء من
نسله، مثل أيوب وشعيب عليهما السلام. ﴿مُحْسِنٌ﴾ مؤمن ﴿ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،﴾
كافر عاص ﴿مُبِيرٌ﴾ بَيِّن الكفر، ظاهر الظلم. قال البيضاوي: وفي ذلك
تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأنّ الظلم في أعقاب
إبراهيم وإسحاق لا يعود عليهما بنقيصة وعيب.
المناسبة:
هذه تتمة القصة الثانية - قصة إبراهيم عليه السلام، فبعد أن قال سبحانه
وتعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ ﴾﴾ أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به
وبلوغه سن الطاقة على العمل. ثم أتبعه بقصة الذبيح إسماعيل والفداء، ثم
بشره تعالى بإسحاق نبياً من الصالحين، مباركاً عليه وعلى إسحاق، وجعل
أكثر الأنبياء من نسلهما، وأن من ذريتهما محسن فاعل للخير، وظالم لنفسه
بالمعاصي.

١٣٣
الجُزُ (٢٣) - القَنَافَاتِيَ: ٣٧ /١٠٢-١١٣
التفسير والبيان:
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّىَّ إِنَّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَنْظُرْ مَاذَا
تَرَىّ﴾ أي فلما كبر إسماعيل وشبّ وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي
والعمل، قال الفرّاء: ((كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة)) قال إبراهيم لابنه
المأمور بذبحه وهو ابنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه
قال له: يا
الذبيح، وقال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْخَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ
بني إني رأيت في المنام أني أذبحك، فما رأيك؟ وقد أخبره بذلك ليستعد لتنفيذ
أمر الله، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله، وليعلم صبره لأمر الله، وإلا
فرؤيا الأنبياء وحي لازم الامتثال.
وأما ما ذكر في التوراة: ((اذبح بِكْرك وحيدك إسحاق)) فكلمة إسحاق من
زياداتهم وتحريفهم لكتاب الله، وإلا فإن ((إسحاق)) لم يكن بكر إبراهيم، ولم
يكن وحيده، بل الذي كان كذلك هو إسماعيل. ثم لما بذل إبراهيم ابنه للذبح
وأطاع، أعطاه الله ولداً آخر هو إسحاق.
فأجابه إسماعيل معلناً الطاعة قائلاً:
﴿قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ﴾ أي قال
إسماعيل: امض لما أمرك الله من ذيجي، وافعل ما أوحي إليك، سأصبر على
القضاء الإلهي، وأحتسب ذلك عند الله عز وجل. وهذا مصداق وصفه
السابق بالحلم، ومصداق ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِنَبِ إِشْمَعِيلٌ
وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ
إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا (@)
(٥٥)﴾ [مريم: ٥٤/١٩-٥٥].
عِنْدَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا
وبدأ تنفيذ أمر الله، فقال تعالى:
٢٠٣
أي فلما استسلما وانقادا لأمر الله
﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ

١٣٤
الجُزُ (٢٣) - القَنَافَاتِيَ: ٣٧ / ١٠٢-١١٣
وأطاعاه، وفوّضا أمرهما إلى الله، وأكب إبراهيم ابنه على وجهه حتى لا تأخذه
العاطفة فيتردد في الذبح، أو ألقاه على جنبه، فوقع جبينه (جانب الجبهة) على
الأرض والموضع الذي أراد ذبحه فيه: هو المنحر بمنى عند الجمار.
قال مجاهد: قال إسماعيل لأبيه: لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي، عسى أن
ترحمني، فلا تُجِهِزْ علي، اربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي للأرض، ففعل.
روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما أمر إبراهيم
على نبينا وعليه الصلاة والسلام بالمناسك، عرض له الشيطان عند السعي،
فسابقه فسبقه إبراهيم عليه السلام، ثم ذهب به جبريل عليه السلام إلى جمرة
العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم عرض له
عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات، وثم تلَّه للجبين، وعلى إسماعيل
على نبينا وعليه الصلاة والسلام قميص أبيض، فقال له: يا أبت، إنه ليس لي
ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من
خلفه: ﴿أَنْ يَإَِهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَأْ﴾ فالتفت إبراهيم، فإذا بكبش أبيض
أقرن أعين، قال ابن عباس: لقد رأيتنا أن نتتبع ذلك الضرب من الكباش.
﴿ وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَإِبْرَهِيمُ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُِّيَأَ﴾ لما أضجعه للذبح ناداه من
خلفه من الجبل ملَك: قد حصل المقصود من رؤياك، وتحقق المطلوب وصرت
مصدِّقاً بمجرد العزم، وإن لم تذبح، وأتيت بما أمكنك.
ثم عدد الله تعالى نعمه على إبراهيم وهي:
اً - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي مثلما جازيناك بالعفو عن الذبح،
والتخلص من الشدة والمحنة، نجزي كل محسن على طاعته، ونثيبه على فعله.
وهو تعليل لما أنعم الله على إبراهيم وابنه من الفرج بعد الشدة والسلامة من
المحنة.

١٣٥
الُ (٢٣) - القَنَافَاتِيَ: ٣٧ /١٠٢-١١٣
ثم عظم الله تعالى شأن هذه المحنة في العادة، فقال:
أي إن هذا الاختبار لهو الاختبار
﴿ إِنَّ هَذَا لَّوَ اَلْبَلَوْ اَلْمُبِينُ (٦َ﴾
الصعب الواضح والمحنة التي لا محنة أصعب منها، حيث اختبره الله في مدى
طاعته بذبح ولده، فصبر محتسباً الأجر عند ربه. وقيل: إن هذا لهو النعمة
الظاهرة، يقال: أبلاه الله إبلاء وبلاء: إذا أنعم عليه.
٢ - ﴿﴿ وَفَدَيْنَهُ
أي جعلنا له فداء ولده بتقديم كبش عظيم
١٠٧
عَظِيمٍ
بِذِبْچ
الجثة سمين، أو عظيم القدر. قال الحسن البصري: ما فُدِي إسماعيل إلا بتيس
من الأروى (وَعْل) هبط عليه من تَبِير، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه. وهذا قول
علي رضي الله عنه.
وفي هذا دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر. وهو مذهب
المالكية، لطيب اللحم.
سَلَمُ عَلَىَ إِزَهِيمَ
١٠٨
مَ - ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآَخِرِينَ
الأمم القادمة ثناء حسناً وذكراً جميلاً، فأحبَّه أتباع الملل كلها، اليهودية
والنصرانية والإسلام، وكذا أهل الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَأَجْعَل لِِّ لِسَانَ
[الشعراء: ٨٤/٢٦-٨٥].
٨٥
صِدْقٍ فِ الْآَخِينَ ﴿ وَلَجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
﴾ أي أبقينا له في
١٠٩
سلام منا على إبراهيم ومن الملائكة والإنس والجن. وقيل: السلام: هو
الثناء الجميل.
كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ (13)﴾ أي مثل هذا الجزاء نجزي جميع المحسنين
بالفرج بعد الشدة. ولم يذكر هنا ((إنا)) كأمثاله اكتفاء بذكره السابق عن ذكره
هنا مرة ثانية.
٤ - ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ (٢٣)﴾ أي ووهبناه ولداً آخر وهو
إسحاق، وجعلناه نبياً صالحاً من زمرة الصالحين. وهذه هي النعمة الرابعة.

١٣٦
لُعُ (٢٣) - الصَّا فَاتِيَ: ٣٧ / ١٠٢-١١٣
٥ - ﴿ وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقَّ﴾ أي تابعنا إمدادهما بالنعم والبركات
الدنيوية والأخروية، ومنها كثرة الولد والذرية، وجعل أكثر الأنبياء من
نسلهما ونسل إسماعيل.
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنُ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِيرٌ﴾ أي إن بعض ذريتهما محسن
فاعل للخيرات، وبعضها ظالم لنفسه بالكفر والمعاصي.
وهذا دليل على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال، وأن النفع ليس
بالوراثة والنسب أو الانتماء، وإنما الانتفاع بالأعمال، وأنه لا يعيب
الأصول ولا ينتقصهم سوء بعض ذريتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
اً - أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام في المنام ثلاث ليال متتابعات، لا في
اليقظة بذبح ابنه؛ لأنه تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقاً؛ لتقوية
الدلالة على كونهم صادقين. قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: ﴿إِّ أَرَى
فِى الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ﴾. وقال سبحانه في حق يوسف عليه السلام: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ
أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَنِدِينَ﴾ [يوسف: ٤/١٢]. وقال
تعالى في حق محمد وَ له خاتم النبيين: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّؤْيَا بِالْحَقِّ
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧/٤٨].
أَ - احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد
وقوعه، فإنه سبحانه أمر بالذبح، وما أراد وقوعه.
٣ - احتجوا أيضاً بالآية على جواز نسخ الحكم قبل وجود زمن الامتثال.

١٣٧
لِزُ (٢٣) - الصَنَّافَاتِ: ٣٧ / ١٠٢-١١٣
٤ - إن الذبيح بحسب دلالة هذه الآيات وترتيبها هو إسماعيل عليه السلام؛
لأنه هو المبشر به أولاً، وأما إسحاق فبشّر به بعد إسماعيل، مما يدل على أن
إسماعيل هو الابن الأكبر، وهو الذي كان ذبيحاً بالاتفاق عند الأكثرين. ولو
كان الذبيح إسحاق، لكان الذبح يقع ببيت المقدس، لا بالمنحر من منى،
وهذا موضع الذبح اتفاقاً.
ويؤيده أدلة أخرى منها :
قول النبي وَ﴿ فيما رواه الحاكم في المناقب: ((أنا ابن الذبيحين)) أي
إسماعيل، وأبيه عبد الله الذي نذر أبوه عبد المطلب أن يذبح ولداً إذا رزق
عشرة من الولد، أو إذا سهل الله عليه حفر بئر زمزم، فتم له الأمران،
فأقرع، فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا له: افد ابنك بمئة
من الإبل، فقداه بمئة من الإبل.
ومنها: ما نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن
الذبيح، فقال: يا أصمعي، أين عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان
إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة.
ومنها: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر، دون إسحاق، في قوله
تعالى: ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلُّ مِّنَ الصَّبِينَ (9)﴾ [الأنبياء:
٢١/ ٨٥] وهو صبره على الذبح، ووصَفَه أيضاً بصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ
كَانَ صَادِقَ اُلْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤/١٩] لأنه وعد أباه الصبر على الذبح، فوفى به.
تے
ومنها : الآثار الصحيحة المقطوع بها بأن الذبيح إسماعيل عليه السلام،
وهو منقول عن ابن عباس، وابن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وأبي الطّفَيْل
عامر بن واثلة من الصحابة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن
البصري، ومجاهد، والشعبي، ويوسف بن مِهْران، والربيع بن أنس، ومحمد
ابن كعب القُرَظي، والكلبي، وعلقمة، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح

١٣٨
الزُعُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَ: ٣٧ / ١٠٢-١١٣
من التابعين رضي الله عنهم، قالوا: الذبيح إسماعيل(١). قال القرطبي: وهذا
القول أقوى في النقل عن النبي رَّه وعن الصحابة والتابعين.
ولكن اليهود حسدوا العرب على هذا الفضل بأن يكون أبوهم إسماعيل هو
الذبيح، فزادوا في التوراة وحرفوها، ودسّوا في روايات الآثار وبعض
الأحاديث أن الذبيح إسحاق، وسرى ذلك بين بعض الصحابة وبعض
المسلمين محتجين بدليلين :
الأول - إنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال:
﴿إِنِّ ذَاهِبُ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ والمراد منه بالإجماع مهاجرته إلى الشام، ثم قال:
﴿فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ ﴾﴾ فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحاق.
ثم قال بعده: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ والغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك
الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح
هو إسحاق. وكذلك آخر الآية يدل أيضاً على ذلك؛ لأنه تعالى لما تمم قصة
الذبيح قال بعده: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ (19)﴾ وإنما بشره بهذه
النبوة لتحمّله هذه الشدائد في قصة الذبيح، فأول الآية وآخرها يدل على أن
الذبيح هو إسحاق عليه السلام.
الثاني - ما اشتهر من كتاب يعقوب عليه السلام ونصه: ((من يعقوب
إسرائيل نبي الله بن إسحاق ذبيج الله بن إبراهيم خليل الله)).
وهذا هو المروي الصحيح عن عبد الله بن مسعود: أن رجلاً قال له: يا
ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح
الله بن إبراهيم خليل الله عليه السلام.
(١) تفسير ابن كثير: ١٧/٤-١٩، تفسير الرازي: ١٥٣/٢٦ وبعدها، تفسير القرطبي: ١٥/
١٠٠، تفسير الخازن ٢٢/٦

١٣٩
الُُ (٢٣) - القَنَافَاتَِ: ٣٧ / ١٠٢-١١٣
وروي ذلك أيضاً عن عمر، وجابر، والعباس، وكعب الأحبار من
الصحابة، وعن بعض التابعين مثل قتادة، ومسروق، وعكرمة، وعطاء،
ومقاتل، والزهري، والسّي، وعن مالك بن أنس، كلهم قالوا: الذبيح
إسحاق. لكن يلاحظ أن لكعب الأحبار في هذه الأخبار ضلعاً واضحاً، وهي
أخبار من الكتب القديمة غير موثوقة، وتلقاها بعض المسلمين عنه، وسرت
فيما بينهم. وقد نقلنا عن ابن كثير والبيضاوي تفنيد هذه الروايات.
وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح؟ وهذا مذهب ثالث.
- الحكمة في مشاورة إبراهيم ابنه بقوله: ﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىَّ﴾: أن
يُطلع ابنه على هذه الواقعة، ليظهر له صبره في طاعة الله، فتكون فيه قرة عين
لإبراهيم، والصبر درجة عالية، وليحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة،
والثناء الحسن في الدنيا، فقال إسماعيل: ﴿سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾.
وإنما علَّق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن، وأنه تحول عن
معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. قال بعض
أهل الإشارة: لما استثنى، وفقه الله للصبر.
أَ - قوله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي انقادا لأمر الله: دليل على أن الأب والابن كانا
في درجة واحدة من التسليم والتفويض لأمر الله تعالى.
لاً - عدد الله تعالى بمناسبة هذه القصة على إبراهيم عليه السلام - كما تقدم
- نعماً خمساً: هي جزاؤه الحسن ﴿إِنَّا كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي نجزيهم
بالخلاص من الشدائد في الدنيا والآخرة، والفداء العظيم بالكبش، والثناء
الحسن بين الأمم والسلام من الله، وبشارته بولد آخر، وجعل أكثر الأنبياء
من بني إسرائيل وغيرهم من ذريته وذرية إسحاق وإسماعيل.
٨ - الفداء بالكبش دليل - كما تقدم - على أن الأضحية بالغنم أفضل من
الإبل والبقر.

١٤٠
لِلُعُ (٢٣) - الصَّا فَاتِ: ٣٧ / ١٠٢- ١١٣
واختلف العلماء: هل الأضحية أفضل أو الصدقة بثمنها؟ قال مالك
وأصحابه: الضحية أفضل إلا بمنى؛ لأنه ليس موضع الأضحية. وقال
أصحاب الرأي: إن الضحية أفضل، كذلك قال أحمد بن حنبل: الضحية
أفضل من الصدقة؛ لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد. ومعلوم أن صلاة
العيد أفضل من سائر النوافل، وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوع كله.
وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان، منها ما خرّجه الترمذي عن
عائشة أن رسول الله وَّه قال: ((ما عَمِل آدمي من عمل يوم النحر أحبَّ إلى
الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن
الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً)).
والأضحية عند الجمهور ليست بواجبة، ولكنها سنة ومعروف.
وقال أبو حنيفة: الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل
الأمصار، ولا تجب على المسافر. وخالفه أبو يوسف ومحمد، فقالا: ليست
بواجبة ولكنها سنة، غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها.
والذي يُضَحى به بإجماع المسلمين: الأزواج الثمانية: وهي الضأن والمعز
والإبل والبقر. والأخيران يجزئ الواحد منهما عن سبعة.
ويُتَّقى من الضحايا - كما روى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة)
عن البراء بن عازب - أربع: ((العرجاء البين ضَلَعُها (عرجها)، والعوراء
البَيِّن عَوَرُها، والمريضة البَيِّن مرضُها، والعجفاء التي لا تُنْقي)) (١). وفي الخبر
الذي رواه أحمد والأربعة عن علي: ((أمرنا رسول الله وَلقر أن نستشرف العين
والأذن .. )).
(١) النِّقْي: مُّ العظام وشحمها، يريد أنه لا يوجد فيها شحم لهزالها وضعفها.
شر