Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
الزُ (٢٣) - الضَّافَاتَِ: ٣٧ / ٣٨-٦١
أي إن جزاءكم لحق وعدل لا ظلم
٣٩
﴿ وَمَا تُجْزَّوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (
فيه، وهو عقابكم على أعمالكم من الكفر والمعاصي، فهي سبب الجزاء:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦/٤١] ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:
٤٩/١٨] .
بعد بيان حال المجرمين المتكبرين عن قبول التوحيد المصرّين على إنكار
النبوة، ذكر تعالى حال المخلصين في كيفية الثواب، فقال:
فَوَّكَةٌ وَهُمْ تُكْرَمُونَ
أُوْلَكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
أي ولكن عباد الله الذين أخلصهم الله لطاعته وتوحيده، وأخلصوا
العمل لله، ناجون لا يذوقون العذاب ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز عن
) إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرِ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ
سيئاتهم، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [العصر: ١/١٠٣-٣] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ
(٣٨)
[المدثر: ٣٨/٧٤-٣٩]. و﴿اَلْمُخْلَصِينَ﴾ صفة مدح؛ لأن
(٣٩
إِلَّ أَصْحَبَ الْيِينِ
كونهم عباد الله يلزم منه أن يكونوا مخلصين.
ولهؤلاء المخلصين رزق من الله، معلوم حسنه وطيبه ودوامه دون انقطاع في
الجنة، يعطونه بكرة وعشياً، وإن لم يكن ثمة بكرة وعشية، فيتمتعون بلذيذ
الفواكه المتنوعة أي الثمار كلها، فهي أطيب ما يأكلونه، وذلك الأكل حاصل
مع الإكرام والتعظيم، فهم يخدمون ويرفهون، ولهم أيضاً إكرام عظيم برفع
درجاتهم في الجنة عند ربهم، ويسمعون كلامه ويلقونه في رحاب الجنان.
وفي هذا دلالة على أن تناولهم الفاكهة إنما هو تلذذ لا للتغذي والقوت؛
لأنهم مستغنون عنه؛ لأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد. ووصف ﴿رِزْقٌ﴾
بمعلوم، أي عندهم.
وبعد بيان مأكولهم، وصف الله تعالى مساكنهم، فقال:
١٠٢
لُعُ (٢٣) - الضَافَاتَّ: ٣٧ / ٣٨-٦١
عَلَى سُرُرٍ مُنَقَبِلِينَ (®﴾ أي إن هذا الرزق يأتيهم في
٤٣
﴿فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ
جنات ذات نعيم مقيم ومتاع دائم، وهم على أسرة يتكئون عليها، ينظر
بعضهم إلى وجوه بعض، بسرور وابتهاج، لا ينظر بعضهم في قفا بعض،
فصاروا يجمعون بين المتعة المادية الجسدية، والمتعة الروحية الإنسانية.
وبعد بيان صفة المأكل والمسكن ذكر تعالى صفة الشراب، فقال:
﴿ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسِ مِّن مَعِينٍ ﴾﴾ أي يدار عليهم بآنية من خمر تجري في
أنهر، والمعين: الماء الجاري، فهي تخرج من العيون كما يخرج الماء دون
انقطاع، وسمي معيناً لظهوره.
ثم وصف الله تعالى خمر الجنة البعيدة عن آفات خمر الدنيا، فقال:
بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَِّرِبِينَ ﴿٨َ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَقُونَ ﴾﴾(١) أي
ذات لون أبيض شديد البياض، لذيذة الطعم، طيبة الرائحة، لا كخمر الدنيا
المرّة ذات النكهة المزعجة، وهي لا تذهب بالعقول، ولا تؤدي إلى صداع
الرأس، ووجع البطن، وأنواع الأمراض، كما هو شأن ثمر الدنيا، فهي
بخلاف خمر الدنيا في جميع تلك الأوصاف، لا تضر النفس والعقل والمال
والشخصية، بسبب نزع مادة الغول أي الكحول منها. وفي هذا إيماء إلى مفاسد
خمر الدنيا من صداع وفساد وسكر، وعربدة وهذيان، وإفساد للدم، وجهاز
الهضم کله.
وبعد بيان صفة مشروبهم ذكر تعالى صفة زوجاتهم، فقال:
﴿ وَعِندَهُمْ فَصِرَتُ الطَّرْفِ عِينٌ
٤٨
آی
لديهم زوجات عفيفات، لا
(١) لذة: صفة بالمصدر على سبيل المبالغة، أو على حذف، أي ذات لذة، أو على تأنيث لذ بمعنى
لذيذ.
١٠٣
لُجُزْءُ (٢٣) - الصَّافَاتَِ: ٣٧ / ٣٨-٦١
ينظرن إلى غير أزواجهن، ولا يردن غيرهم، ذوات عيون واسعة حسان.
والعين جمع عيناء: وهي النجلاء الواسعة في جمال، الحسناء المنظر، وبه يتبين
أنه تعالى وصف عيونهن بالحسن والعفة، كما قال تعالى في الحور العين:
﴿خَيْرَكُّ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠/٥٥].
كَأَنَّهُنَّ بَيْضُ مَّكْنُونٌ ﴾﴾ أي كأن ألوانهن من البياض المشوب بأدنى
الصفرة، كالبيض المحصون المصون المستور الذي لم تمسه الأيدي، ولم يتلوث
بالريح والغبار. وهذا اللون أحسن ألوان النساء.
وبعد بيان ألوان المتعة المادية لأهل الجنة في المآكل والمشارب والمساكن
والأزواج، ذكر الله تعالى بعض أنواع المتع النفسية، فقال:
أي أقدم بعضهم حال شربهم
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ يَنَسَآءَ لُونَ
واجتماعهم ومعاشرتهم في مجالسهم، يسأل بعضاً آخر عن أحوالهم التي كانوا
عليها في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها، وذلك من تمام نعيم الجنة.
ومن موضوعات التساؤل قوله تعالى:
أَعِذَ
٥٢
يَقُولُ أَِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ
٥١
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنَّىِ كَانَ لِ قَرِينٌ
مِنْنَا وَكُنَّا تُرَبًا وَعِظَامًا أَيِّنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ أي قال مؤمن من أهل الجنة: كان لي
صاحب في الدنيا كافر بالبعث منكر له، يقول: أنحن إذا متنا وصرنا تراباً
متفتاً وعظاماً بالية، أنكون محاسبين بعدئذ على أعمالنا، ومبعوثين نجازى على
ما قدمنا في الدنيا؟ فذلك أمر مستحيل غير معقول ولا مقدور لأحد، فهل
أنت مصدق مثل هذه الخرافات؟
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُم مُطَّلِعُونَ (®﴾؟ قال المؤمن لجلسائه: انظروا معي إلى أهل
النار لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة، كيف يعذب، وكيف
يجازى الجزاء الأوفى؟
١٠٤
لِزُعُ (٢٣) - القَنَّا فَاتَ: ٣٧ /٣٨-٦١
﴿ فَأَطَّلَعَ فَرَاهُ فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾﴾ أي فنظر ذلك المؤمن إلى أهل النار،
فرأى قرينه في وسط جهنم، يتلظى بحرّها.
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدَتَ لَتُدِينِ ﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
٥٧
أي قال المؤمن لقرينه الكافر على جهة التوبيخ: لقد قاربت أن توقعني في
الردى والهلاك بالإغواء، وتهلكني بدعوتك إياي إلى إنكار البعث والقيامة،
ولولا رحمة ربي وعصمته من الضلال، وتوفيقه وإرشاده لي إلى الحق، وهدايته
لي إلى الإسلام، لكنت من المحضرين معك في النار للعذاب.
ثم عاد ذلك المؤمن إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة، فقال:
أي قال
٣٥٩
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَّتِنَ ﴿ إِلَّا مَوْنَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
المؤمن لجلسائه ابتهاجاً وسروراً بما أنعم عليهم من نعيم الجنة الدائم: أنحن
مخلّدون منعمون أبداً، فلا نموت إلا الموتة الأولى الحادثة في الدنيا، ولسنا
مُعَذَّبين كما يُعَذَّب الكفار أصحاب النار؟
هذه حال المؤمنين وصفتهم وما قضى الله لهم ألا يذوقوا إلا الموتة الأولى،
بخلاف الكفار، فإنهم فيما هم فيه من العذاب يتمنون الموت كل ساعة.
والمؤمن يقول هذا القول تحدثاً بنعمة الله واغتباطاً بحاله وبمسمع من قرينه
توبيخاً له، يزداد به عذاباً، وأما المؤمن فيسعد ويغبط نفسه بالخلود في الجنة،
والإقامة في النعيم، بلا موت ولا عناء.
لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ
﴿إِنَّ هَذَا لَمُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
أى إن
٦١
هذا النعيم الدائم المقيم وهذا الفضل العميم الذي نحن فيه لهو النجاح الباهر،
والفوز الأكبر الذي لا يوصف، ولمثل هذا النعيم والفوز، ليعمل العاملون في
الدنيا، ليحظوا به، لا أن يعملوا فحسب لحظوظ الدنيا الفانية، المقترنة
بالمخاطر والآلام والمتاعب الكثيرة.
١٠٥
لُعُ (٢٣) - القَافَاتِيَ: ٣٧ / ٣٨-٦١
والخلاصة: إن المطلوب هو العمل للآخرة وللجنة الخالدة، لا أن يقصر
العمل على المكاسب الدنيوية فقط.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - إن عذاب الكفار والمجرمين أمر حق وعدل ومؤكد الوقوع.
أَ - هذا الجزاء يكون بسبب العمل المنكر وهو الشرك والمعاصي، وهذا ردّ
على من قد يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن
یعذب عباده؟
◌ًّ - إن تنفيذ الأمر الإلهي واجتناب القبيح والمعصية يتطلبان الترغيب في
الثواب، والترهيب من العقاب، لذا استثنى الله من الإخبار بالعذاب عباده
الذين أخلصوا العمل لله تعالى، فهم ناجون غير معذبين.
٤ - إن ثواب المؤمنين المخلصين هو الجنة، وفيها الرزق المعلوم الصفات
وهو الدائم الذي لا ينقطع، المشتمل على أطيب المآكل من الثمار المختلفة
الرطبة واليابسة، في بساتين يتنعمون فيها، ولهم إكرام من الله جلّ وعزّ برفع
الدرجات وسماع كلامه ولقائه.
ولا ينظر بعضهم في قفا بعض، وإنما يجلسون على أسرّة يتكئون عليها
متقابلين وجهاً لوجه، غير متدابرین.
وذلك الرزق مشتمل أيضاً على أطيب المشارب من خمور تقدم لهم بكؤوس
مترعة، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها، وإنما تجري كما تجري العيون على
وجه الأرض، وخمر الجنة أشد بياضاً من اللبن، طيبة الطعم، وطيبة الريح،
لا تغتال عقولهم، ولا تذهب بها بشربها، ولا يصيبهم منها مرض ولا
صداع، ولا یسکرون منها.
١٠٦
الجزءُ (٢٣) - الصَّافَاتَّ: ٣٧ / ٣٨-٦١
ولهم أزواج من النساء العفيفات اللاتي قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا
ينظرن إلى غيرهم، وهن حسان العيون، ذوات جمال ولون بديع كبيض النعام
المصون، يخالط لونها صفرة قليلة، وهو أحسن ألوان النساء.
٥ - يتجاذب أهل الجنة أطراف الأحاديث المسلّية التي يتذكرونها في الدنيا،
إتماماً للأنس في الجنة، فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم
وعليهم في الدنيا.
ومن موضوعات أحاديثهم: قصة المؤمن والكافر، يقول المؤمن من أهل
الجنة: كان لي في الدنيا قرين أي صديق ملازم، فسألني متعجباً: هل أنت من
المصدقين بالبعث والجزاء؟ وهل نحن مجزيون محاسبون بعد الموت، وهل يعقل
أن نعود أحياء بعد أن متنا وصرنا تراباً وعظاماً نخرة؟
وتتمة الموضوع أن يقول المؤمن لأهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار
لننظر كيف حال ذلك القرين ومآلّه؟ فلم يفعلوا، وإنما اطلع هو، فوجد قرينه
معذباً في وسط النار. فيقول له مويخاً: والله، لقد قاربت أن توقعني في النار،
وتهلكني، ولولا فضل ربي ورحمته وعصمته من الضلال والباطل، وإنعامه
بالإرشاد والتوفيق إلى الحق، لكنت محضراً معك في النار مثلك.
٩ - ثم يعود ذلك المؤمن إلى خطاب جلسائه الذين هم من أهل الجنة، بعد
أن يعلموا أنهم لا يموتون حين يمثل الموت بصورة كبش أملح فيذبح، بعد أن
كانوا لا يعلمون بذلك في أول دخولهم في الجنة، فيقول مغتبطاً مبتهجاً: أنحن
مخلَّدون منعمون، فما نحن بميتين ولا مُعذّبين؟
لاً - النتيجة من القصة والحديث المتبادل: هي أن الظفر بنعيم الجنان هو
الفوز الأعظم، ولمثل هذا العطاء والفضل ينبغي أن يعمل العاملون العمل
الصالح المؤدي إلى تلك النعمة الكبرى.
١٠٧
لُ (٢٣) - الصَنَافَاتَ: ٣٧ / ٦٢-٧٤
لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
٦٠
يحتمل أن يكون من كلام المؤمن لما رأى ما أعدَّ الله له في الجنة وما
أعطاه، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة، ويحتمل أن يكون هو من قول الله
عز وجل لأهل الدنيا، أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء، فليعمل
العاملون لمثل هذا، كما تقدم إيجازه.
جزاء الظالمين وأنواع العذاب في جهنم
إِنَّهَا
﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةً لِّلِظَّالِمِينَ
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ
شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىِّ أَصْلِ الْجَحِيمِ
فَإِنَّهُمْ
٦٥
لَ كِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (3)
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ
٦٧
ثُمَّ إِنَّ
مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِينَ
فَهُمْ عَلَى ءَاتَّرِهِمْ يُهْرَعُونَ
٦٩
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم ◌ُنذِرِينَ
٧٠
VY
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ ﴿﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
٧٤
القراءات:
﴿ اَلْمُخْلَصِينَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (المخلِصين).
الإعراب:
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِىّ أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴿﴾ ﴿فِىّ أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾: إما
وصف لشجرة، وإما خبر بعد خبر، وإما في موضع نصب على الحال من
ضمير ﴿تَخْرُجُ﴾. و﴿فِىّ أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾: أي منبتها في قعر جهنم، وأغصانها
ترتفع إلی درکاتها.
٠٠
١٠٨
لُعُ (٢٣) - القَافَاتِ: ٣٧ / ٦٢-٧٤
البلاغة:
﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴿4﴾ في قوله: ﴿خَيْرٌ﴾ أسلوب تهكمي
للتهکم به.
﴿ُّنْذِرِينَ﴾ ﴿اٌلْمُنذَرِينَ﴾ بينهما جناس ناقص، يراد بالأول الرسل،
وبالثاني الأمم.
تشبيه مرسل مجمل حذف منه وجه
٦٥
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّمُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ
الشبه، أي في الهول والشناعة وتناهي القبح.
المفردات اللغوية:
﴿أَذَلِكَ﴾ المذكور لهم . ﴿خَيْرُ نُزُلًا﴾ ضيافة، والنزل: ما يعد للنازل ضيفاً
وغيره من طعام وشراب . ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ﴾ شجرة معدة لأهل النار، وهي
شجرة صغيرة الورق تنبت بتهامة، لها ثمر مرّ كريه الرائحة، يكره أهل النار
على تناوله، فهم يتزقمونه. والتزقم: البلع مع الجهد والألم . ﴿إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةً
، أي أنبتناها في قعر جهنم، لتكون محنة للكافرين من أهل
لِلظَّالِمِينَ
مكة، إذ قالوا: كيف ذلك، والنار تحرق الشجر، فكيف تنبته؟ ولم يعلموا أن
من قدر على خلق ما يعيش في النار، فهو أقدر على خلق الشجر في النار
وحفظه من الإحراق، وهناك أشياء نشاهدها اليوم غير قابلة للاحتراق.
﴿فِيّ أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي تنبت في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.
﴿طَلْعُهَا﴾ ثمرها أو حملها المشبّه بطلع النخل، وأصل الطلع: ثمر النخلة أول
ظهوره، أطلق على ثمر هذه الشجرة مجازاً . ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾ شبه
المحسوس بالمتخيل، وإن كان غير مرئي، للدلالة على أن ثمرها في غاية القبح،
ونهاية البشاعة، كتشبيه الفائق في الحسن بالملَك، وقيل: الشياطين: حيات
هائلة قبيحة المنظر، لها أعراف . ﴿فَإِنَّهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا﴾ فإن الكفار لآكلون من
١٠٩
الُعُ (٢٣) - القَنَا فَاتِ: ٣٧ / ٦٢-٧٤
تلك الشجرة مع قبحها لشدة جوعهم . ﴿فَمَالُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ الملء: حشو
الوعاء بما لا زيادة عليه . ﴿لَشَوْبًا﴾ الشوب: الخلط، يقال: شاب الطعام أو
الشراب: خلطه بشيء آخر. ﴿حَيمٍ﴾ ماء شديد الحرارة، يشربونه، فيختلط
بالمأكول من شجرة الزقوم، فيصير شوباً له.
﴿مَرْجِعَهُمْ﴾ مصيرهم. ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ إلى دركاتها أو إلى نفسها، وهذا
دليل على أنهم يخرجون من النار لشراب الحميم، وأنه خارجها؛ لقوله تعالى:
﴿هَذِهِ جَهَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ،َانٍ
[الرحمن: ٤٣/٥٥-٤٤] يوردون إليه، كما تورد الإبلُ إلى الماء، ثم يردّون إلى
الجحيم.
﴿أَلْفَوْ﴾ وجدوا، ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يزعجون إلى اتباعهم، ويسرعون إسراعاً
شديداً، وهو تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد بتقليد الآباء في الضلال.
والإهراع: الإسراع الشديد. ﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ قبل قومك. ﴿أَكْثَرُ
اُلْأَوَّلِينَ﴾ من الأمم الماضية.
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ تُنْذِرِينَ ﴿٢﴾ أنبياء أنذروهم من العواقب. ﴿فَانْظُرْ
١) أي مصير الكافرين من الأمم وهو
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ
(9) إلا الذين تنبهوا بإنذارهم،
العذاب. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
فأخلصوا دينهم لله، فنجوا من العذاب، والمخلصين: بفتح اللام: هم الذين
أخلصهم الله للعبادة والطاعة، ويكسر اللام: هم الذين أخلصوا في العبادة.
المناسبة:
بعد بيان ما أعده الله تعالى للأبرار في جنات النعيم من مآكل ومشارب
وغيرها، ذكر تعالى ما أعده للأشرار في نار جهنم، من أنواع المآكل والمشارب
بسبب تقليدهم الآباء في الكفر بالله وعبادة الأصنام والأوثان.
١١٠
الُهُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ /٦٢-٧٤
التفسير والبيان:
﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴿4﴾ أهذا المذكور من نعيم الجنة وما
فيها من مآكل ومشارب وملاذ وغيرها خير ضيافةً وعطاء، أم شجرة الزقوم
ذات الطعم المرّ الشنيع، التي في جهنم؟ وهذا نوع من التهكم والسخرية بهم،
فهو طعام أهل النار يتزقمونه، وهو نزلهم وضيافتهم.
﴿إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةً لِّلِظَِّلِمِينَ ﴾﴾ أي إنا جعلنا تلك الشجرة اختباراً
للكافرين، حين افتتنوا بها وكذبوا بوجودها، فقالوا: كيف تكون الشجرة في
النار، والنار تحرق ما فيها؟
وهذا الاستبعاد لجهلهم بأن بعض الأشياء غير قابل للاحتراق، ولأنهم لم
يعلموا ولم يلاحظوا أن من قدر على خلق إنسان يعيش في النار، فهو أقدر على
خلق شجر فيها لا يحترق.
وصفات تلك الشجرة ما قاله تعالى:
اً - ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىِّ أَصْلِ الْجَحِيمِ
أي إنها شجرة تنبت في
٦٤
قعر النار وقرار جهنم، وترتفع أغصانها إلى دركاتها.
◌َ - ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ ﴾ أي إن ثمرها وما تحملها كأنه في
تناهي قبحه وشناعة منظره كأنه رؤوس الشياطين، تبشيعاً لها وتكريهاً
لذكرها، فشبَّه المحسوس بالمتخيل غير المرئي، والعرب تشبِّه قبيح الوجه
بالشيطان، وتشبه جميل الصورة بالملَك، كما جاء في القرآن حكاية على لسان
صواحبات يوسف عليه السلام: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾
[يوسف: ٣١/١٢].
وقيل: إن الشياطين هي حيَّات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح
الحيات.
١١١
الُ (٢٣) - القَنَّافَاتِيَ: ٣٧ / ٦٢ -٧٤
ثم ذكر الله تعالى أن هذه الشجرة مأكل الكفار أهل النار، فقال:
﴿فَإِنَّهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (®﴾ أي إنهم يأكلون من ثمر هذه
الشجرة السيئ الريح والطعم والطبع، فيملؤون بطونهم منه، بالإكراه
والاضطرار؛ لأنهم لا يجدون غير هذه الشجرة ونحوها، كما قال تعالى:
﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّا مِن ضَرِيحِ ﴿َ لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوعِ (+﴾ [الغاشية:
٦/٨٨-٧] فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة.
روى ابن أبي حاتم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله
عنهما أن رسول الله وَله تلا هذه الآية، وقال: ((اتقوا الله حق تقاته، فلو أن
قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم،
فكيف بمن يكون طعامه؟))(١).
وبعد وصف طعامهم، وصف تعالى شرابهم بما هو أبشع منه، قائلاً :
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٣)﴾ أي ثم إن لهم بعد الأكل منها
لشراباً من ماء شديد الحرارة يخالط طعامهم. والمقصود من كلمة ﴿ثُمَّ﴾ بيان
أن حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول. ومكان هذا الماء خارج
جهنم؛ لقوله تعالى:
﴿ُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (4) أي مرجعهم بعد شرب الحميم وأكل
الزقوم إلى دار الجحيم. وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في
الجحيم، مما يدل على أن الحميم في موضع خارج عن الجحيم، فهم يوردون
الحميم لشربه، كما تورد الإبل إلى الماء، ثم يردّون إلى الجحيم، كما قال
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ
٤٣
تعالى: ﴿هَذِهِ، جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ
﴾ [الرحمن: ٤٣/٥٥-٤٤].
٤٤
(١) قال الترمذي: حسن صحيح.
١١٢
لُجُرُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَّ: ٣٧ / ٦٢ -٧٤
وبعد وصف عذابهم في أكلهم وشربهم ذكر الله تعالى علة العذاب قائلاً:
١﴾ أي إنهم
VO
فَهُمْ عَلَى مَاتَزِهِمْ يُهْرَعُونَ
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُمْ ضَالِينَ (4)
وجدوا وصادفوا آباءهم على الضلال، فاقتدوا بهم وقلدوهم، من غير تعقل
ولا تدبر، ولا حجة وبرهان، فهم يتبعون آباءهم في سرعة، كأنهم حُرّضوا
على ذلك، وأزعجوا إلى اتباع آبائهم.
ثم بيّن الله تعالى أن الكفر ظاهرة قديمة، وأتباعه كُثُر، إيناساً للرسول وَيه
في كفر قومه وتكذيبهم، فقال:
(٤) أي إن أكثر الأمم الماضية كانوا
﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَلِينَ
ضالين، يجعلون مع الله آلهة أخرى.
ولكن رحمته تعالى لم تتركهم دون إنذار، فقال:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم ◌ُنْذِرِينَ (٣)﴾ أي أرسل الله في الأمم الماضية أنبياء
ورسلاً ينذرونهم بأس الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به، وعبد
غيره، لكنهم تمادوا في مخالفة رسلهم وتكذيبهم فأهلكهم الله، كما قال:
﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (9َ)) فانظر أيها الرسول
والمخاطب كيف كان مصير الكافرين المكذبين، أهلكهم الله ودمَّرهم وصاروا
إلى النار، مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ثم استثنى تعالى منهم المؤمنين
قائلاً :
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٣)﴾ أي لكن نجّى الله عباده الذين اصطفاهم
وأخلصهم لطاعته، بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد، والعمل بأوامر الله،
ففازوا بجنان الخلد، ونصرهم في الدنيا.
ويفهم من هذا الإيناس للرسول و # أنه يجب عليه أن يكون له أسوة بمن
١١٣
اِجُزْءُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ / ٦٢-٧٤
تقدمه من الرسل، فيصبر كما صبروا، ويستمر على دعوته، وإن تمرد المرسل
إليهم، فليس عليه إلا البلاغ.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - لا مجال للمقارنة بين ما أعده الله لعباده الأبرار من نعيم في الجنان،
وما أعده للأشرار من عذاب في النيران.
أَ - إن طعام أهل النار هو الزقّوم الثمر المرّ الكريه الطعم والرائحة،
العسير البلع، المؤلم الأكل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
٤٣
كَغَلِ اَلْحَمِيمِ
طَعَامُ الْأَثِمِ ﴿ كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِىِ اُلْبُطُونِ ()
٤٦
[الدخان: ٤٤ / ٤٣ -٤٦] .
◌ّ - إن الإخبار عن وجود شجرة الزقوم في قعر جهنم فتنة وابتلاء واختبار
للكفار الذين قالوا: كيف تكون الشجرة في النار وهي تحرق بالنار؟ لكن كان
هذا القول جهلاً منهم؛ إذ إن هناك أشياء نشاهدها اليوم غير قابلة
للاحتراق، ولا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجراً من جنسها لا
تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيّات والعقارب وخَزَنة
النار.
٤ - وصف الله تعالى هذه الشجرة بصفتين: الأولى - إنها شجرة تخرج في
أصل الجحيم أي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. والصفة
الثانية - ثمرها وحملها في قبحه وشناعته كأنه رؤوس الشياطين، وهذا الشبه
متصور في نفوس العرب، وإن كان غير مرئي. ومن ذلك قولهم لكل قبيح: هو
كصورة الشيطان، ولكل صورة حسنة كصورة الملك.
ومنه قوله تعالى مخبراً عن صواحبات يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا
مَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١/١٢] وهذا تشبيه تخييلي.
١١٤
الُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ / ٦٢-٧٤
وقال الزجاج والفرّاء: الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من
أقبح الحيَّات وأخبثها وأخفها جسماً.
٥ - لا يكتفي أهل النار بتناول شيء قليل من الزقوم، وإنما يأكلون منه
بالإكراه حتى تمتلئ منه بطونهم، فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة.
وبعد الأكل من الشجرة يشربون الماء المغلي الشديد الحرارة الذي يخالط
طعام الزقوم، قال الله تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمَّعَاءَ هُمْ﴾ [ محمد: ١٥/٤٧]
. قيل: يمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة الحميم،
تغليظاً لعذابهم، وتجديداً لبلائهم.
.أَ - يشرب أهل النار من ماء الحميم ويأكلون الزقوم من مكان خارج
فهذا يدل على أنهم كانوا
٦٨
جهنم؛ للآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْمَحِيمِ
حين أكلوا الزقوم في عذاب غير النار، ثم يردون إليها. والحميم كما قال
مقاتل خارج الجحيم، فهم يوردون الحميم لشربه، ثم يردون إلى الجحيم؛
﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ
لقوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ
﴾ [الرحمن: ٤٣/٥٥-٤٤].
٤٤
لاً - إن سبب عذابهم الذي استحقوه هو تقليدهم آباءهم في الكفر بالله
وتكذيب الرسل وعبادة الأصنام والأوثان، فكأنهم يُسْتَحثون من خلفهم،
ويسرعون إلى تقليدهم، ويُزْعَجون من شدة الإسراع.
٨ - لقد كفر بالله وكذب الرسل وضلَّ كثير من الأمم الماضية، ولكن الله
أرسل إليهم رسلاً أنذروهم العذاب فكفروا، فكان مصيرهم الدمار والهلاك
وولوج النار.
٩ - ينجي الله دائماً عباده المؤمنين الذين استخلصهم من الكفر، وأخلصوا
لله النية والعمل، ففازوا بنعيم الجنان، ونصرهم الله في الدنيا.
١١٥
المُ (٢٣) - القَنَافَاتِ: ٣٧ / ٧٥-٨٢
قصة نوح عليه السلام
وَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
﴿ وَلَقَدْ نَادَثَنَا نُوعُ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (9َ)
٧٦
سَلَمُ عَلَى نُوجِ فِى
٧٨
) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ اُلْآَخِينَ
VV
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
٧٩
اُلْعَلَمِينَ
﴿ إِنَُّ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨) ثُمَّ أَغْرَقْنَا
٨٢
اُلَْخَرِينَ
الإعراب:
﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ المخصوص بالمدح محذوف، تقديره: فلنعم المجيبون
نحن، كقوله تعالى: ﴿نِعَمَ اُلْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤/٣٨] أي أيوب.
﴿سَلَمُ عَلَى نُوجِ﴾ ﴿سَلَمُ﴾: مبتدأ، و﴿عَلَى نُوحٍ﴾: خبره، وجاز الابتداء
بالنكرة؛ لأنه في معنى الدعاء، كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ [المطففين:
١/٨٣] وقرئ (سلاماً) بالنصب على أنه مفعول ﴿وَتَرَكْنَا﴾ تقديره: تركنا عليه في
الآخرين سلاماً، أي ثناء حسناً.
البلاغة:
VA
كناية، كنى بذلك عن الذكر الجميل والثناء
﴿وَتَكِّنَا عَلَيْهِ فِ اْلْآَخِينَ
الحسن.
المفردات اللغوية:
﴿نَادَننَا نُوحٌ﴾ دعانا حين أيس من قومه، فالمراد من النداء الاستغاثة،
بقوله: ﴿أَنِ مَغُلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠/٥٤]. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ له نحن، أي
فأجبناه أحسن الإجابة، والتقدير: فوالله لنعم المجيبون نحن، فحذف ما حذف
لقيام ما يدل عليه. ونوع الجواب: أنا أهلكناهم بالغرق.
١١٦
الزُعُ (٢٣) - القَنَافَاتِيَ: ٣٧ / ٧٥-٨٢
﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي الغرق أو أذى قومه، والكرب: الغم الشديد
(*) أي أبقينا ذريته متناسلين إلى يوم القيامة،
{وَجَعَلْنَا ذُرِيََّهُ هُمُ الْبَاقِينَ
فالناس كلهم من نسله عليه السلام، وكان له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو
العرب وفارس والروم، وحام: وهو أبو السودان، ويافث: أبو الترك والخزر
ويأجوج ومأجوج من الصين واليابان ونحوهم. روي أنه مات كل من معه في
السفينة غير بنيه وأزواجهم.
﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآَخِينَ ﴿3﴾ أبقينا عليه ثناء حسناً بين الأنبياء والأمم إلى
يوم القيامة، فمفعول ﴿وَرَّكْنَا﴾ محذوف، كما في الثناء السابق بقوله: ﴿فَلَنِعْمَ
الْمُجِيبُونَ﴾. ﴿سَلَمُ عَلَى نُوحٍ فِ اَلْعَمِينَ (®﴾ هذا الكلام جيء به على
الحكاية، والمعنى: يسلمون عليه تسليماً، أي يثنون عليه ثناء حسناً ويدعون له
ويترحمون عليه. وقيل: هو سلام من الله عليه ﴿إِنَّا كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
٨٠
﴾ أي مثل ذلك الجزاء الذي جازيناه نجزي المحسنين ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
الْمُؤْمِنِينَ (ج) تعليل لإحسانه بالإيمان، إظهاراً لجلالة قدره وأصالة أمره
﴾ أي كفار قومه.
٨٢
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ
المناسبة:
هذه الآيات شروع في تفصيل القصص بعد إجمالها، فبعد ذكر ضلال كثير
من الأمم السابقة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
وقوله: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ ()﴾ أتبعه بتفصيل قصص
الأنبياء عليهم السلام، وهذه هي القصة الأولى - قصة نوح عليه السلام مع
قومه، في بيان بليغ موجز.
التفسير والبيان:
﴿ وَلَقَدْ نَادَلَنَا نُوٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
أي تالله لقد دعانا نوح عليه
Vo
١١٧
الجُزُ (٢٣) - الصَّافَاتِيَ: ٣٧ / ٧٥-٨٢
السلام، واستغاث بنا، ودعا على قومه بالهلاك حيث قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى
اُلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦/٧١] بعد أن طال دعاؤهم إلى الإيمان،
فكذبوه وآذوه وهموا بقتله ولم يؤمن معه إلا القليل، مع طول المدة التي لبثها
فيهم وهي ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولم يزدهم دعاؤه إلا فراراً.
فأجاب الله دعاءه أحسن الإجابة، وأهلك قومه بالطوفان.
أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان النبي ◌َّ إذا
(9) قال:
صلَّ في بيتي، فمرَّ بهذه الآية: ﴿وَلَقَدْ نَادَنَنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
صدقتَ ربنا، أنت أقرب من دُعي، وأقرب من بُغي، فنعم المدعو، ونعم
المعطي، ونعم المسؤول، ونعم المولى، أنت ربنا، ونعم النصير)).
وبعد بيان أنه سبحانه نعم المجيب على سبيل الإجمال، بين أن الإنعام حصل
في الإجابة من وجوه:
أي ونجينا نوحاً وأهل
أَ - ﴿وَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
دينه، وهم من آمن معه وهم ثمانون، من الغم الشديد وهو الغرق.
أَ - ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٣)﴾ أي وجعلنا ذريته وحدهم دون غيرهم
هم الباقين على قيد الحياة، وأهلكنا من كفر بدعائه، ولم نبق منهم باقية، ومن
كان معه في السفينة من المؤمنين ماتوا كما قيل، ولم يبق إلا أولاده وذريته.
والآية تفید الحصر، وهو يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته قد فنوا.
قال ابن عباس: ذريته بنوه الثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب
وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك.
◌َ - ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآَخِينَ
من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة.
أي أبقينا له ثناء حسناً فيمن يأتي بعده
VA
١١٨
لُزُ (٢٣) - الصَّافَاتَّ: ٣٧ / ٧٥-٨٢
﴾ أي وقلنا: عليك يا نوح سلام منا في
٧٩
﴿سَلَمُ عَلَى نُوحٍ فِ اَلْعَلَمِينَ
الملائكة وعالمي الإنس والجن. أو معناه أن الذي أبقي عليه من الذكر الجميل
والثناء الحسن: أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم. ويؤيد التفسير الأول
آية: ﴿قِيلَ يَنْنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِّنَا وَبَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن ◌َّعَكَّ﴾
[هود: ٤٨/١١] .
وعلة أنواع الإنعام السابقة ما قاله تعالى:
)﴾ أي هكذا نجزي من أحسن من العباد في
٨٠
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
طاعة الله عز وجل، أو خصصنا نوحاً عليه السلام بتلك النعم التي منها إبقاء
ذكره الحسن في ألسنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسناً.
وعلة إحسانه ما قاله سبحانه :
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي إن السبب في كون نوح محسناً هو كونه
عبداً لله مؤمناً. وهذا دليل على أن الإيمان بالله تعالى وإطاعته أعظم الدرجات
وأشرف المقامات.
أي أغرقنا كفار قومه بالطوفان وأهلكناهم،
٨٢
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْأَخَرِينَ
ولم نبق منهم أحداً، وتلك عظة وعبرة: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ
﴾ [ق: ٣٧/٥٠].
قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت قصة نوح عليه السلام على الآتي:
اَ - أجاب الله تعالى دعاء نوح عليه السلام بإهلاك قومه، فالداعي
مضطر، والمدعو وهو الله عز وجل نعم المقصود المجيب.
أَ - كانت النعمة العظمى هي إجابة الدعاء، وكانت مظاهر الإنعام على
١١٩
لُ (٢٣) - الضَّا فَاتِيَ: ٣٧ / ٨٣-١٠١
نوح ثلاثة: هي نجاة نوح ومن آمن معه، وجعل ذريته أصول البشر والأعراق
والأجناس، وإبقاء الذِكر الجميل والثناء الحسن. وقال قوم: كان لغير ولد نوح
أيضاً نسل، بدليل قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٌ﴾ [الإسراء: ٣/١٧].
ومما أبقي عليه: السلام الدائم في الأنبياء والأمم، أو أن الله كافأه أيضاً
بالسلام منه عليه سلاماً يذكر بين الأمم إلى يوم القيامة.
- أهلك الله بالغرق قوم نوح عليه السلام، ولم يبق أثراً لذريتهم.
٤ - وتلك النعم على نوح لأجل أنه كان محسناً، وعلة إحسانه أنه كان عبد
الله المؤمن المصدِّق الموحد الموقن.
قصة إبراهيم عليه السلام
- ١ -
تحطيم الأصنام
إِذْ قَالَ
٨٤
إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (
وَإِنَّ مِنْ شِيعَيْهِ، لَاتَهِيمَ لَ
فَمَا ظَتُكُمْ بِرَبِّ
لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَبِفِكًا ءَالِهَةٌ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ
M
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِ النُّجُومِ
اُلْعَلَمِينَ
فَنَوَلَّوْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ
٨٩
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا
٩٣
مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ
٩١
فَرَغَ إِلَى ءَالِهَنِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ
٩٠
وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
٩٥
قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ
٩٤
فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَرِفُونَ
بِاَلْيَمِينِ
تَعْمَلُونَ
قَالُواْ أَبْنُواْ لَهُ بُنْيَتْنًا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ
فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا لَعَلْنَهُمُ
رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِحِينَ
٩٩
وَقَالَ إِنِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِی سَهْدِنِ
٩٨
اُلْأَسْفَلِينَ
١٠٠
١٠١
فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ
القراءات:
﴿يَزِفُّونَ﴾ :
١٢٠
المُ (٢٣) - القَنَّافَاتَ: ٣٧ / ٨٣-١٠١
وقرأ حمزة (يُزِقُون).
الإعراب:
﴿أَبِفِكًا ءَالِهَةٌ﴾ إفكاً: منصوب بـ ﴿تُرِيدُونَ﴾ تقديره: أتريدون إفكاً،
و﴿عَالِهَةً﴾ بدل منصوب من ((إفكاً)).
(ما): مصدرية في موضع نصب بالعطف
٩٦ ٤
﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
على الكاف والميم في الفعل المتقدم، وهي مع الفعل مصدر، تقديره: خلقكم
وعملكم. ويجوز أن تكون (ما) استفهامية في موضع نصب بـ﴿ تَعْمَلُونَ﴾ على
التحقير لعملهم والتصغير له، والوجه الأول أظهر.
البلاغة:
◌َ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ، لَإِزَهِيمَ
٨٤
سَقِيٌ
بينها ما يسمى بمراعاة الفواصل من
حليمِ ﴾
المحیمِ ﴾
المحسنات البديعية، زيادة في الروعة والجمال.
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿3﴾ في ﴿جَاءَ﴾ استعارة تبعية، شبه إقباله على
ربه مخلصاً بمن قدم على الملك بهدية ثمينة، ففاز بالرضى والقبول.
﴿أَبْنُواْ لَهُ بُلْيَنًا﴾ بينهما جناس اشتقاق . .
المفردات اللغوية:
{ شِيعَتِهِ﴾ ممن سار على دينه ومنهاجه في الإيمان وأصول الشريعة، قال
البيضاوي: ((ولا يبعد اتفاق شرعهما في الفروع أو غالباً، وكان بينهما ألفان
وست مئة وأربعون سنة (٢٦٤٠) وكان بينهما نبيّان: هود وصالح صلوات الله
عليهم)). وأصل كلمة الشيعة: أتباع الرجل وأنصاره، وكل قوم اجتمعوا على
أمر، فهم متشيعون له، ثم صارت بعد موت سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله
عنه تطلق على جماعة خاصة في مواجهة أهل السنة.