Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
الُ (٢٣) - لَنَّ}: ٣٦ / ٧٧-٨٣
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ أي إن الله يسر لكم
الانتفاع بالحطب، تحرقونه للطبخ والدفء، وقد كان أخضر رطباً، أو إن
هناك شجراً يسمى الْمَرْخ، وشجراً آخر يسمى العَفار، إذا قطع منهما عودان،
وضرب أحدهما على الآخر، انقدحت منهما النار، وهما أخضران، وفي أمثال
العرب: ((في كل شيء نار، واستمجد المرخ والعَفار))، ﴿فَإِذَا أَنْتُم ◌ِنْهُ
تُوقِدُونَ﴾ تقدحون منه النار، وتوقدونها من ذلك الشجر، بعد أن كان أخضر.
وهذا دالّ على القدرة على البعث، فإنه تعالى جمع فيه بين الماء والنار والخشب،
فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب. وإبراز الشيء من ضدّه: وهو
اقتداح النار من الشيء الأخضر أبدع شيء، وهو دالٌ على قدرة الله تعالى.
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَىّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي
إن من قدر على خلق السماوات والأرض، وهما في غاية العظم، يقدر على
إعادة خلق البشر الذي هو صغير ضعيف ﴿بَلَى﴾ أي هو قادر على ذلك،
و﴿بَلَى﴾ كلمة جواب كنعم، تأتي بعد كلام منفي، وكان الجواب من الله
للدلالة على أنه لا جواب سواه. ﴿وَهُوَ الْخَلْقُ﴾ الكثير الخلق ﴿اٌلْعَلِيمُ﴾
الواسع العلم بكل شيء، فهو كثير المخلوقات والمعلومات.
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ﴾ شأنه في الإيجاد. ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ خلق شيء. ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ.
كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي فهو يكون، أي يحدث، وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده
من غير تأخر وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة، قطعاً للشبهة في قياس
قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، ﴿فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ﴾ أي تنزيهه عما
ضربوا له من المثل، وتعجيب مما قالوا فيه، ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ الملك التام
والقدرة، كالرحموت والرهبوت والجبروت، زيدت الواو والتاء للمبالغة
﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تردون في الآخرة.

٦٢
لُ (٢٣) - تَسَنَّ: ٣٦ / ٧٧-٨٣
سبب النزول:
أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى
رسول الله وَّ بعظم حائل، ففتّه، فقال: يا محمد: أيُبعث هذا بعدما أرَمَّ؟
قال: نعم، يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت
الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ اُلْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ إلى آخر السورة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير وقتادة والسُّدِّي
نحوه، وسّوا الإنسان أُبي بن خلَف. وهذا هو الأصح كما قال أبو حيان، لما
رواه ابن وهب عن مالك.
وبناء عليه، قال المفسّرون: إن أُبِي بن خلَف الْجُمَحي جاء إلى رسول الله
وَّلوه بعظم حائل، ففتته بين يديه، وقال: يا محمد، يبعث الله هذا بعدما أرمَّ؟
فقال: نعم، يبعث الله هذا، ويميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت
هذه الآيات.
وعلى أي حال، يقول علماء أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ، لا
بخصوص السبب، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُحَدِلُكَ فِى
زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١/٥٨] نزلت في امرأة واحدة، وأراد الكل في الحكم،
فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر، فهذه الآية ردّ عليه، فتكون الآية عامة.
المناسبة:
· بعد بيان الأدلة الدّالة على قدرة الله عزّ وجلّ، ووجوب طاعته وعبادته،
وبطلان الشرك به، ذكر تعالى شبهة منكري البعث، وأجاب عنها بأجوبة
ثلاثة: هي أن الإعادة مثل البدء بل أهون، وقدرة الله على إيجاد النار من
الشجر الأخضر، وخلق ما هو أعظم من الإنسان، وهو خلق السماوات
والأرض، وفي النهاية: فورية تكوين الأشياء بقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
a

٦٣
الُرُ (٢٣) - يَسَنَّ: ٣٦ / ٧٧-٨٣
التفسير والبيان:
﴿أَوَلَّمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيٌ مُّبِينٌ
VV
يعلم كل إنسان أننا بدأنا خلقه من نطفة (مني) من ماء مهين، هي أضعف
الأشياء، ثم جعلناه بشراً سويّاً، ثم تراه يفاجئنا بأنه ناطق مجادل بيِّن جريء في
جدله، فقوله ﴿خَصِيمٌ﴾ ناطق، و﴿مُّبِينٌ﴾ إشارة إلى قوة عقله.
والمراد: أو لم يستدلّ من أنكر البعث بالبدء على الإعادة، فإن الله ابتدأ
خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء ضعيف حقير، كما
فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَرٍ مَّكِينٍ ﴿ إِلَ قَدَرٍ
قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقَكُمْ مِنْ مَّاءِ مَّهِينٍ
مَّعْلُومٍ (َ﴾ [المرسلات: ٢٠/٧٧-٢٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن
تُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢/٧٦] أي من نطفة من أخلاط متفرقة.
فشأن هذا المخلوق أن يشكر النعمة، لا أن يطغى ويتجبر، وينكر البعث
والإعادة.
أي
﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ, قَالَ مَن يُحِ اَلْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ
وذكر أمراً عجيباً كالمثل في الغرابة على استبعاد إعادة الله ذي القدرة العظيمة
للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى
الوجود، فأنكر أن الله يحيي العظام البالية، قائساً قدرة الله على قدرة العبد،
حيث لم یکن ذلك في مقدور البشر.
فأجابه الله تعالى بقوله:
﴾ أي قل
(٧٩
﴿قُلْ يُحِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ
أيها الرسول لهذا المشرك المنكر البعث: يحيي الله تلك العظام البالية الذي أبدع
خلقها وأوجدها في المرة الأولى من غير شيء من العدم ولم يكن شيئاً مذكوراً،
وهو لا تخفى عليه خافية من الأشياء، سواء أكانت مجموعة أم مجزأة مشتتة في

٦٤
الُ (٢٣) - يَسَّ}: ٣٦ / ٧٧-٨٣
أنحاء الأرض، ولا يخرج عن علمه أي شيء كائناً ما كان، ولو في أعماق
الأرض أو البحر أو أجواف الإنسان أو الحيوان أو اختلط بالتراب والنبات.
وقد قال العلماء: إن الذرَّة لا تفنى، وتقرر نظرية (لافوازيه) المعروفة: أنه لا
يوجد شيء من العدم، والموجود لا ينعدم.
ودلیل ثانٍ هو :
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ
٨٠
أي وهو الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء، حتى صار خضراً نضراً ذا ثمر
يانع، ثم أعاده إلى أن صار حطباً يابساً توقد به النار، ومن قدر على ذلك،
فهو قادر على ما يريد، لا يمنعه شيء، فهذا التحوّل والتقلّب من عنصر
الرطوبة إلى عنصر الحرارة، يدل على إمكان إعادة الرطوبة إلى ما كان يابساً
بالياً. والمشاهد أن شجر السّنط يوقد به النار وهو أخضر.
وقيل: المراد بذلك شجر الْمَرْخ والعَفار ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من
أراد قدح نار، وليس معه زناد، فيأخذ عودين أخضرين منهما، ويقدح
أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد تماماً. ومثل ذلك احتكاك
السّحب المولّد لشرارة البرق.
ودليل ثالث أعجب مما سبق:
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى
أي إن من خلق السماوات السَّبع بما فيها من
وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ
الكواكب السيارة والثَّوابت، والأرضين السَّبع بما فيها من جبال ورمال
وبحار وقفار، وهي أعظم من خلق الإنسان، إن من خلق ذلك قادر على خلق
مثل البشر وإعادة الأجسام، وهي أصغر وأضعف من السماوات والأرض،
بلى هو قادر على ذلك، وهو الكثير الخلق، الواسع العلم، فقوله ﴿الْخَلَّقُ﴾
إشارة إلى كمال القدرة، وقوله ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ إشارة إلى شمول العلم.

٦٥
الْجُ (٢٣) - تسرّ}: ٣٦ / ٧٧-٨٣
والخلاصة: إن خلق الأشياء العظيمة برهان قاطع على خلق ما دونها، كما
قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:
٥٧/٤٠]، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ
يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَنْ يُحِنِّىَ الْمَوْنَى بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٣٣
[الأحقاف: ٣٣/٤٦] .
وتأكيداً للبيان ونتيجة لما سبق، قال تعالى:
أي إنما شأنه
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
سبحانه في إيجاد الأشياء وإرادتها أن يقول للشيء:
فإذا هو كائن
کن
فوراً، من غير توقُّف على شيء آخر أصلاً.
ومقتضى ثبوت القدرة التامة لله تعالى: تنزيهه عما وصفوه به، فقال:
﴿فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوْتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣)﴾ أي تنزّه الله عما
لا يليق به من السوء أو النقص، فهو الذي له ملكية الأشياء كلها، وله القدرة
الكاملة على التّصرف فيها كما يريد، وبيده مفاتح كلّ شيء، وإليه لا إلى غيره
مرجع العباد بعد البعث في الدار الآخرة، فيجازي كل إنسان بما عمل،
فليعبده الناس جميعاً وليوحّدوه ويطيعوه، تحقيقاً لمصلحتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - عجباً لأمر الإنسان، سواء العاص بن وائل السَّهْمي، أو أُبيّ بن
خلَف الْجُمَحي (وهو الأصح) أو أمية بن خلف أو غيرهم، كيف خلقه الله
من يسير الماء، وأضعف الأشياء، ثم يصبح مخاصماً ربّه، مجادلاً في الخصومة،
مبيّناً للحجة، أي إنه صار بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً خصيماً مبيناً. قال أبو
حيان: قبَّح تعالى إنكار الكفرة البعث حيث قرر أن عنصره الذي خلق منه هو

٦٦
الجزءُ (٢٣) - يَسَّ}: ٣٦ / ٧٧-٨٣
نطفة ماء مهين خارج من مخرج النجاسة، أفضى به مهانة أصله أن يخاصم
الباري تعالى، ويقول: من يحيي الميت بعد ما رمَّ مع علمه أنه منشأ من موات.
أَ - لقد نسي هذا الإنسان الضعيف المخلوق أن الله أنشأه من نطفة، ثم
جعله إنساناً حيّاً سوياً، فهذا دليل حاضر من نفسه على إمكان البعث، وقد
احتج الله عزّ وجلّ على منكري البعث بالنشأة الأولى، فكيف يقول الإنسان:
من يحيي هذه العظام البالية؟!
والجواب: أنّ النّشأة الثانية مثل النّشأة الأولى، فمن قدر على النّشأة الأولى
قدر على النّشأة الثانية، وأن الله عالم بكلِّ الأشياء، سواء الأجسام العظام أو
الذّرات الصغار.
◌َّ - في قوله تعالى: ﴿مَن يُحْيِ اٌلْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ دليل على أن في العظام
حياة، وأنها تنجس بالموت، وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي: لا حياة
فيها.
٤ - من أدلة وحدانيته تعالى وكمال قدرته على إحياء الموتى: ما يشاهده
الناس من إخراج المحروق اليابس من العود الندي الطري، فإن الشجر
الأخضر من الماء، والماء بارد رطب ضدّ النار، وهما لا يجتمعان، فأخرج الله
منه النار، فيدلّ ذلك على أنه تعالى هو القادر على إخراج الضدّ من الضدّ،
وهو على كلِّ شيء قدير.
هَ - إنّ الذي خلق السماوات والأرض التي هي أعظم من خلق الناس
قادر على أن يبعثهم مرة أخرى.
أَ - إذا أراد الله خلق شيء لا يحتاج إلى تعب ومعالجة، وإنما أمره نافذٌ
فوراً، ولا يتوقف على شيء آخر.
لاً - إن الله تعالى نزّه نفسه عن العجز والشرك، لتعليم الناس، وإبراز
الحقيقة، فبيده مفاتح كلّ شيء، ومردّ الناس ومصيرهم بعد مماتهم إليه تعالى،
ليحاسب كلّ امرئ على ما قدم في دنياه من خير أو شرّ.

٦٧
الُعُ (٢٣) السورة (٣٧) الضَّافَاتِبُ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ الصَّافَاتِ
مڪية، وهي مئة واثنتان وثمانون آية
تسميتها:
سميت سورة (الصّافات) لافتتاحها بالقَسَم الإلهي بالصّافات وهم الملائكة
الأطهار الذين يصطفُّون في السماء كصفوف الناس في الصلاة في الدنيا.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من نواحٍ ثلاث:
﴾ السورة المتقدمة
اً - وجود الشبه بين أول هذه السورة وآخر ﴿يَسّ (
في بيان قدرته تعالى الشاملة لكل شيء في السماوات والأرض، ومنه المعاد
هو المنشئ السريع الإنجاز
وإحياء الموتى؛ لأن الله تعالى كما في ﴿يس
للأشياء، ولأنه كما في مطلع هذه السورة واحد لا شريك له؛ لأن سرعة
الإنجاز لا تتهيأ إلا إذا كان الخالق الموجد واحداً.
اً - هذه السورة بعد ﴿يس (4) كالأعراف بعد الأنعام، وكالشعراء بعد
الفرقان في تفصيل أحوال القرون الماضية، المشار إليهم وإلى إهلاكهم في سورة
﴿يَسّ ﴾﴾ المتقدمة في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ
(3) [٣١].
الْقُرُونِ أَهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ

٦٨
الْجُ (٢٣) السورة (٣٧) الضَّافَاتِ
◌َ - توضح هذه السورة ما أجمل في السورة السابقة من أحوال المؤمنين
وأحوال الكافرين في الدنيا والآخرة.
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة كسائر السُّور المكية في بيان أصول الاعتقاد: وهي
التوحيد، والوحي والنبوة، وإثبات البعث والجزاء.
وقد تحدثت عن مغيبات ثلاثة: هي الملائكة، والجنّ، والبعث والجزاء في
الآخرة، فابتدأت بالكلام عن الملائكة الصّافات قوائمها أو أجنحتها في
السماء استعداداً لتنفيذ أمر الله، والزّاجرات السَّحاب لتصريفه كيفما يشاء
الله، والذين أقسم الله بهم للدلالة على التوحيد وخلق السماوات والأرض،
وتزيينها بالكواكب.
ثم أشارت إلى الجنّ ومطاردتهم بالشّهب الثاقبة المرصودة لهذا الغرض،
للرّدّ على المشركين الجاهليين الذين زعموا وجود نسب وقرابة بين الله تعالى
وبين الجنّ، وأبانت موقف المشركين من البعث وإنكاره وأحوالهم في الدنيا
والآخرة، وردت عليهم ردّاً قاطعاً حاسماً بأنهم محشورون في زجرة ﴿صَيْحَةً﴾
واحدة وهم داخرون ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ وأنهم لا يفتنون إلا ذوي العقول
الضعيفة، وتوبيخهم على قولهم: الملائكة بنات الله، وتنزيه الله عن ذلك.
وأبانت هذه السورة أيضاً سوء أحوال الكافرين في القيامة، وذكرتهم
بالحوار الذي دار بينهم وبين المؤمنين في الدنيا، ثم حسمت الأمر ببيان مآل
كل من الفريقين، حيث يخلد المؤمنون في الجنة التي وصف نعيمها، ويخلد
الكافرون في النار التي وصف جحيمها، للعبرة والعظة وبيان العاقبة.
وناسب هذا الاستعراض التذكير الموجز بقصص بعض الأنبياء السابقين،
وهم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وموسى، وهارون، وإلياس، ولوط،

٦٩
الْجُزْءُ (٢٣) - القَنَّافَاتِيَ: ٣٧ /١-٥
ويونس عليهم السلام. ولكنها فضَّلت قصة إبراهيم في موقفين حاسمين:
أولهما - تحطيمه الأوثان. وثانيهما - إقدامه على ذبح ابنه، ليتجلى للناس جميعاً
مدى (الإيمان والابتلاء والتضحية) فإنه بادر لتنفيذ أمر ربِّه، ممتحناً صبره،
مجتازاً بالإيمان والصدق محنة الابتلاء، مضحّياً في سبيل رضوان الله بابنه الذي
رزقه، فأكرمه الله بالفداء الذي جعل سنّة في الأضحية.
كذلك فصلت السورة قصة يونس عليه السلام العجيبة، وإنقاذه من بطن
الحوت، لتوبته وكونه من الذاكرين الله، المصلِّين له.
وختمت السورة بالإشارة إلى ما بدئت به من وصف الملائكة بأنهم
الصَّافون المسبِّحون، وبيان نصرة الله لأنبيائه وأوليائه في الدنيا والآخرة،
ومدح المرسلين وسلام الله عليهم، وتنزيه الله عن أوصاف المشركين، وثناؤه
على نفسه وحمده لذاته بأنه ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ و﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
فضل هذه السُّورة:
أخرج النّسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله
﴿ل﴿ يأمرنا بالتّخفيف، ويؤمّنا بالصّافات)).
إعلان وحدانية الله
،فَالتَّلِيَتِ ذِكْرًا ﴿ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ
٣
﴿وَالصَّنَفَّتِ صَفَّا ﴿ فَالزَّحِرَتِ زَحْرًا
رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ
٤
البلاغة:
التأكيد بإن واللام بسبب إنكار المخاطبين
﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَِّدٌ (جم)
للوحدانية.

٧٠
لُهُ (٢٣) - الضَّافَاتِ: ٣٧ /١-٥
المفردات اللغوية:
﴿ وَالقَّنَفَّتِ صَفَّا (٦) أقسم الله بالملائكة التي تصف في السماء للعبادة
كصفوف الناس في الصلاة في الدنيا، انتظاراً لتنفيذ أمر الله، ويكون ترتيبهم
في الصفوف بحسب مراتبهم في التقدّم والفضيلة. ﴿فَالزَّجِرَتِ زَجْرًّا
الملائكة التي تزجر السحاب أي تسوقه. وأصل الزّجر: الدّفع بقوة الصوت،
يقال: زجرت الإبل والغنم: أي أفزعتها بالصوت والصياح، ثم استعمل في
السوق والحثّ على الشيء.
﴿فَالَّلِيَتِ ذِكْرًا (٣) الملائكة التي تتلو القرآن وتقرؤه. ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ
٤
هذا جواب القسم بالملائكة على أن الله واحد لا شريك له، وهو
خطاب للمشركين الذين أنكروا التوحيد. ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
وَرَبُّ الْمَشَرِقِ ﴾﴾ ربّ ذلك كله: أي خالقه ومالكه، و﴿الْمَشَرِقِ﴾:
مشارق الشمس، أي وربّ المغارب أيضاً، فللشمس كلّ يوم مشرق ومغرب.
والمعنى: أن وجود هذه المخلوقات على هذا النحو البديع من أوضح الأدلَّة على
وجود الله وقدرته.
التفسير والبيان:
أقسم الله تعالى بالملائكة الصّافّات صفوفاً للعبادة أو الصّافّات أجنحتها في
السماء، انتظاراً لأمر الله تعالى، والذين هم يقومون بوظائف متعددة، منها :
أنهم يسوقون السُّحب إلى مكان معين بالتدبير المأمور به فيها، أو أنهم يزجرون
الناس ويردعونهم عن المعاصي بإلهام الخير، ويزجرون الشياطين عن الوسوسة
والإغواء.
ومنها: أنهم يتلون آيات الله على أنبيائه، أو على أوليائه. لقد أقسم الله بأن
معبودكم أيها المخاطبون الذي يجب إخلاص العبادة له، هو واحد لا شريك
له، وهو خالق السماوات والأرض وما بينهما من العوالم والمخلوقات،

٧١
الْجُزُ (٢٣) - الضَّافَاتِيَ: ٣٧ /١-٥
ومالك ذلك كله، وهو ربّ مشارق الشمس ومغاربها، فأعلنوا في نفوسكم
توحيد الله، وأخلصوا له العبادة، وأفردوه بالطاعة، فوجود هذه المخلوقات
من أوضح الدلائل على وجود الصانع وقدرته ووحدانيته.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - أقسم الله تعالى بالملائكة، ولله أن يقسم بما يشاء، في أي وقت يشاء.
اً - ذكرت الآيات صفات ثلاثاً للملائكة، وهي: أولاً - وقوف الملائكة
صفوفاً إما لأداء العبادات كما أخبر تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ
١٦٥)
[الصافات: ١٦٥/٣٧]، وإما أنها تصف أجنحتها في الهواء منتظرين وصول أمر
الله إليهم، وثانياً - زجر السحاب، أي سوقه وتحريكه والإتيان به من موضع
إلى موضع، أو زجر الناس عن المعاصي بالإلهام والتأثير في القلوب، أو زجر
الشياطين عن التّعرض لبني آدم بالشّر والإيذاء. وثالثاً - قراءة كتاب الله تعالى
في الصلاة، وعلى الأنبياء، والأولياء للتذكير بها وغرس الشرائع في النفوس،
والصفة الثالثة مذكورة في آية أخرى هي: ﴿فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا (جَ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا
[المرسلات: ٧٧ /٥-٦] .
هذا .. وقد ورد في السنّة النّبوية حديثان صحيحان عن كيفية صفوف
الملائكة :
الأول - ما أخرجه مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَله: ((فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفُنا كصفوف الملائكة، وجعلت
لنا الأرض كلها مسجداً، وجعل لنا ترابها طهوراً إذا لم نجد الماء».
والثاني - ما أخرجه مسلم أيضاً والنسائي وابن ماجه عن جابر بن سمرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وسلم: ((ألا تصفّون كما تصِفّ الملائكة عند

٧٢
لُ (٢٣) - الصَّافَاتَّ: ٣٧ /٦-١٠
ريّهم؟ قلنا: وكيف تصفّ الملائكة عند ربِهم؟ قال ◌َله: يتمّون الصُّفوف
المتقدّمة، ويتراصّون في الصَّف)».
٣ - كان جواب هذا القسم العظيم أن الله واحد لا شريك له، ولا ثاني
له، فهو قَسَم مشفوع بالبرهان الذي يثبت وحدانية الله تعالى.
وفي كلّ شيء له آية تدلُّ على أنه واحد
٤ - الدّليل على وجود الله الصانع ووحدانيته وقدرته كونه الخالق المالك
السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات، ولمشارق الشمس ومغاربها،
فللشمس كل يوم مشرق ومغرب بعدد أيام السّنة، تطلع كل يوم من واحد
منها، وتغرب في واحد، ولها في كل عام مشرقان: أقصى مشرق في الشمال،
وأقصى مشرق في الجنوب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب، لدلالتها عليه،
وقد صرح بها في قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَرِقِ وَلْغَرِبِ إِنَّا لَقَدِرُونَ
[الرحمن:
١٧
[المعارج: ٧٠/ ٤٠]، وفي آية أخرى: ﴿رَبُّ الْشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغَرِبَيْنِ
٥٥/ ١٧] ، يعني في الشتاء والصيف للشمس والقمر، فالآية الأولى لبيان مشرق
الشمس الخاص كل يوم، والآية الثانية تبين أن لها في كل عام مشرقين.
تزيين السماء بالكواكب
لَا
V
وَحِفْظًا مِّنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ
﴿إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ
دُخُورًا وَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبُّ
٨
يَسَمَّعُونَ إلَى الْعَلَإِ اُلْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ
١٠
القراءات: ﴿بِزِنَةِ الْكَوَكِبِ﴾: قرئ:
١- (بزينةٍ الكواكبِ) وهي قراءة حفص، وحمزة.
٢- (بزينةِ الكواكبِ) وهي قراءة الباقين. ﴿لَّا يَسَّمَّعُونَ﴾: قرئ:

٧٣
لِزُ (٢٣) - الصَّافَاتَّ: ٣٧ /٦-١٠
١- (لا يَسَّمَّعُون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (لا يَسْمَعون) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿بِنَةٍ الْكَوَكِبِ﴾ ﴿الْكَوَكِبِ﴾: بدل من (زينة)، وقرئ بنصب
(الكواكب): إما بأن أعمل الزينة في الكواكب، أي زيَّنًا الكواكب، مثل
﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِ يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَةِ ﴿ يَنِبِمًا﴾ أي أن أطعم يتيماً، وإما بنصبه على
البدل من موضع ﴿بِينَةٍ﴾ وهو النصب، وإما بنصبه بـ (أعني). وقرئ بترك
تنوين (بزينة) وجرّ ﴿اَلْكَوَكِبِ﴾ على وجهين: الجر على الإضافة، أو بدل من
(زينة) وحذف تنوين (بزينة) لالتقاء الساكنين. والإضافة للبيان، أي المبينة بـ
﴿اَلْكَوَكِبِ﴾.
وَحِفْظًا﴾ منصوب بفعل مقدر، أي حفظناها بالشّهب.
﴿لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ اَلْأَعْلَى﴾ أتى بـ ﴿إِلَى﴾ وإن كان ﴿يَسَمَّعُونَ﴾ لا يفتقر
إلى حرف جرّ، إما بحمل ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾ على (يصغون)، وإما بحذف المفعول،
وتقديره: لا يسّمّعون القول، مائلين إلى الملأ الأعلى.
﴿ُحُوراً﴾ منصوب على المصدر، تقديره: يدحرون دحوراً.
البلاغة:
﴿كُلِّ جَانِبٍ﴾ ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ وكذلك في الآية بعدها
﴿طِينٍ لَازِبٍ﴾ فيها ما يسمى بمراعاة الفواصل أحد المحسنات البديعية.
المفردات اللغوية:
﴿السَّمَآءَ الذُّنْيَا﴾ هي أقرب السماوات لأهل الأرض، أي القربى منكم،

٧٤.
الُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ / ٦-١٠
وهي مؤنث الأدنى . ﴿اٌلْكَوَكِبِ﴾ هي النجوم والأجرام السماوية، وتزيين
السماء إما بها أو بضوئها. ﴿مَّارِدٍ﴾ عاتٍ خارج عن الطاعة، وحفظ السماء
من الشياطين برميها بالشهب . ﴿لَّا يَسَمَّعُونَ إِلَى الْعَلَاِ الْأَعْلَى﴾ كلام مستأنف
مبتدأ لبيان حالهم بعدما حفظ الله السماء منهم، ولا يجوز جعله صفة لكل
شيطان، فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون. و﴿ يَسَّمَّعُونَ﴾
أي يتسمّعون. و﴿الْمَلَا﴾ الجماعة المجتمعون على رأي، والمراد بهم هنا الملائكة
في السماء. و﴿اَلْعَلَا اَلْأَعْلَى﴾ أهل السماء الدنيا فما فوقها. ﴿ وَيُقْذَفُونَ﴾ يرجمون
بالشهب، وهم الشياطين . ﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾ من آفاق السماء.
﴿دُخُوراً﴾ طرداً وإبعاداً. ﴿وَهُمْ﴾ في الآخرة. ﴿عَذَابٌ وَاصِبُ﴾ دائم أو
شديد. ﴿اْخَطْفَةَ﴾ مصدر للمرة الواحدة، وهي الاختلاس والأخذ بسرعة
على غرّة. والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ من ضمير ﴿يَسَّمَّعُونَ﴾
أي لا يسمع إلا الشيطان الذي سمع الكلمة من الملائكة، فأخذها بسرعة.
﴿فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ﴾ شعلة ساطعة من النار، وهي ما يرى كأن كوكباً انقض.
﴿ تَاقِبٌ﴾ مضيء فيحرقه، أو يثقب ما ينزل عليه.
المناسبة:
هذه الآيات تتضمن دليلاً آخر على وجود الله تعالى وقدرته، ذكر بعد
الدليل الأول وهو خلق السماوات والأرض، وتبين أنه تعالى زيّن السماء
الدنيا القريبة من البشر لمنفعتين، هما: تحصيل الزينة، والحفظ من الشيطان
المارد.
وبالرغم من أن هذه الثوابت مركوزة - كما قال الرازي - في الكرة الثامنة،
ما عدا القمر في السادسة، فإن التعبير جاء على وفق الرؤية والنظر حسب
الظاهر، فأهل الأرض إذا نظروا إلى السماء، يرونها ويشاهدونها مزينة بهذه
الكواكب، كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة.

٧٥
لِجُ (٢٣) - الصَّافَاتَ: ٣٧ /٦-١٠
التفسير والبيان:
٥ جمّل الله سبحانه السماء الدنيا
﴿إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ
التي هي أقرب السماوات إلى الأرض بزينة جميلة فائقة الجمال هي الكواكب،
فإنها في أعين الناظرين لها كالجواهر المتلألئة.
﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ (٣)﴾ أي وحفظناها حفظاً من كلِّ شيطان
عاتٍ متمرد عن الطاعة، إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب
فأحرقه، لذا قال تعالى:
لَّا يَسَمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي لا تقدر الشياطين أن يتسمّعوا لحديث
الملأ الأعلى وهم الملائكة أهل السماء الدنيا فما فوقها؛ لأنهم يرمون
بالشهب، وذلك إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى من شرعه وقدره.
وهاتان الخاصتان أو المنفعتان للشهب والكواكب، جاءت آيات كثيرة
تقررهما مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَا اُلسَّمَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا
﴾ [الملك: ٥/٦٧]، وقوله عزّ وجلّ:
٥
لِلِشَّيَطِيْنِّ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ
وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَانِ
١٦
﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِىِ السَّمَآءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ
﴾ [الحجر: ١٦/١٥-١٨].
١٨
رَحِيمٍ ﴿ إِلَّا مَنِ أُسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ
﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانٍِ﴾ أي يرمون بالشُّهب من كلِّ جهة يقصدون
السماء منها، إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع.
﴿دُخُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبُ (٤) أي يدحرون دحوراً، ويطردون ويمنعون
من الوصول إلى ذلك، ولهم في الآخرة عذاب دائم مستمر موجع، كما قال
تعالى في الآية المتقدمة: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.
﴾ أى إلا من اختطف من
١٠
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَُِ شِهَابٌ ثَاقِبٌ
الشياطين الخطفة، وهي الكلمة، يسمعها من السماء، فيلقيها إلى الذي تحته،

٧٦
الجُزُءُ (٢٣) - القَنَافَاتِ: ٣٧ /٦-١٠
ويلقيها الآخر إلى من تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها
بقدر الله تعالى قبل أن يأتيه الشهاب، فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن،
كما جاء في الحديث.
فخاطف الكلمة العارضة يتبعه الله بنجم مضيء، أو بشعلة مستنيرة،
فتحرقه، وربما لا تحرقه، فيلقي إلى إخوانه الكهان ما خطفه. والخطف: أخذ
الشيء بسرعة. والثاقب: المضيء.
والملحوظ الثابت أن الشياطين قبل بعثة نبينا محمد وَ ل﴿ كانت تُرمى أحياناً،
وأحياناً لا تُرمى، وبعد البعثة تعرضوا للرمي من كل جانب، وزيد في حفظ
السماء، فلم يتمكنوا من استراق السمع، إلا بأن يختطف أحدهم كلمة،
فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض، فيلقيها إلى إخوانه، وبهذا بطلت
الكهانة، وثبتت النبوة والرسالة(١)، وأصبح المقرر شرعاً منعهم من التنصُّت،
﴾ [الشعراء: ٢١٢/٢٦]، وقال
كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
سبحانه واصفاً المرحلتين: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا
وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِّ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبَا
وَشُهُبًا
(٢)) [الجن: ٨/٧٢-٩].
رَّصَدًا
قال الرازي: دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلاً
قبل مجيء النبي وَّر، فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي وَّلـ
بزمان طويل، ذكروا ذلك، وتكلموا في سبب حدوثه، وإذا ثبت أن ذلك كان
موجوداً قبل مجيء النبي وَّر، امتنع حمله على مجيء النبي ◌َّر، والأقرب أن
هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي ◌َّر، لكنها كثرت في زمان النبي ◌َلآ،
فصارت بسبب الكثرة معجزة(٢).
(١) تفسير القرطبي ٦٦/١٥
(٢) تفسير الرازي ١٢١/٢٦

٧٧
الجُزُ (٢٣) - الضَّا فَاتِ: ٣٧ /٦-١٠
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن تزيين السماء الدنيا بالكواكب لمنفعتين، هما: تحصيل الزينة،
والحفظ من الشيطان المارد.
اً - وصف تعالى أولئك الشياطين بصفات ثلاث: هي أنهم لا يسّمعون إلى
الملأ الأعلى وهم الملائكة، وأنهم يقذفون من كل جانب دحوراً، أي طرداً
وإبعاداً، ولهم عذاب واصب، أي دائم مستمر موجع.
وسميت الملائكة بالملأ الأعلى؛ لأنهم يسكنون السماوات، وأما الإنس
والجنّ فهم الملأ الأسفل؛ لأنهم سكان الأرض.
واختلف العلماء على قولين: هل كان هذا القذف قبل المبعث، أو بعده
لأجل المبعث؟ وقد جاءت الأحاديث عن ابن عباس بذلك، وستذكر في
سورة ((الجن)). ويجمع بينها كما تقدم بأنها كانت تُرمى وقتاً، ولا ترمى وقتاً،
وتُرمى من جانب ولا تُرمى من جانب، فصاروا يُرمون دائماً واصباً من كل
جانب.
◌َّ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ استثناء من قوله: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن
كُلِّ جَانِبٍ﴾ أي لا يسمع الشياطين شيئاً مما يوحيه الله تعالى مما يقوله من
شرعه وقدره إلا الشيطان الذي خطف الخطفة، أي اختلس الكلمة على وجه
المسارقة.
ومضمون الأحاديث الصحاح في هذا: أن الشياطين كانت تصعد إلى
السماء، لاستراق السمع، فيقضي الله أمراً من أمور الأرض، فيتحدث به
أهل السماء، فيسمعه منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته، فربما
أحرقه شهاب، وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه، كما بيَّنا، فتنزل تلك

٧٨
اِلُعُ (٢٣) - القَنَّافَاتِيَ: ٣٧ /١١-٢١
الكلمة إلى الكهان، فيكذبون معها مئة كذبة، وتصدق تلك الكلمة، فيصدّق
الجاهلون جميع الكلام، فلما جاء الله بالإسلام، حرست السماء بشدة، فلا
يفلت شيطان سمع شيئاً. والكواكب الراجمة: هي التي يراها الناس تنقضّ.
وليست بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن هذه لا ترى حركتها، والراجمة
ترى حركتها؛ لأنها قريبة منا.
الحشر والنشر والقيامة - إثبات المعاد
بَلْ
فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَاً إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍ لََّزِبٍ
عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
١٣
وَإِذَا ذُكِرُواْ لَا يَذَّكُرُونَ (﴿ وَإِذَا رَأَوْ ءَايَّةً يَسْتَسْخِرُونَ
١٤
وَقَالُواْ
إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينُ
) أَوَ ءَابَآؤُنَا
◌َِذَا مِنْنَا وَكُنَّا نُرَبًا وَعِظَمَا أَمِنَا لَمَبْعُونُونَ
١٥
الْأَوَّلُونَ ﴿٣ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَخِرُونَ
فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ
١٩
هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ
وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ أَـ
القراءات: ﴿عَجِبْتَ﴾: قرئ:
١- (عجبتُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (عجبتَ) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿أَعِذَا﴾ ... ﴿أَنَا﴾: قرئ:
١- (إذا .. أَثِّنا) وهي قراءة ابن عامر.
١- (أئذا ... إنّا) وهي قراءة نافع، والكسائي.
٣- (أئذا .. أثِّنا) وهي قراءة باقي السبعة.
مِنْنَا
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (مُتْنا).

٧٩
لِلُزُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ /١١-٢١
﴿أَوَ ءَابَآ ؤُنَا﴾:
وقرأ قالون، وابن عامر (أَوْ آباؤنا).
:
وقرأ الكسائي (نَعِم).
الإعراب:
تاء ﴿عَجِبْتَ﴾ بالفتح: تاء المخاطب. وقرئ
١٢
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
بالضم: إما إخباراً عن الله من إنكار الكفار البعث، مع بيان القدرة على
الابتداء، حتى بلغ هذا الإنكار منزلة يقال فيه: عجبت، وإما بتقدير: قل
عجبت، وحذف القول في كلام العرب كثير.
٠
﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ﴾ قال الزمخشري: ﴿فَإِنَّمَا﴾ جواب شرط مقدر،
وتقديره: إذا كان ذلك، فما هي إلا زجرة واحدة.
البلاغة:
طباق بين التعجب والسخرية.
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
المفردات اللغوية:
فَأَسْتَّفِهِمْ﴾ فاستخبر مشركي مكة المنكرين للبعث أو بني آدم، إما على
سبيل التقرير أو التوبيخ. ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ أهم أقوى أجساماً
وأعظم أعضاء وأشق إيجاداً، أم من خلقنا من الملائكة والسماوات والأرض
وما بينهما، والمشارق، والكواكب، والشهب الثواقب؟ والإتيان بمن هنا:
لتغليب العقلاء . ﴿إِنَّا خَلَقْنَهُم﴾ أي خلقنا أصلهم آدم. ﴿مِّن طِينٍ لََّزِبٍ﴾ أي
لزج يلصق باليد. والمعنى: كيف يستبعدون المعاد، وهم مخلوقون من هذا

٨٠
الجُزءُ (٢٣) - القَنَّا فَاتِ: ٣٧ /١١-٢١
الخلق الضعيف؟ وإن خلقهم ضعيف، فلا يتكبروا بإنكار النبي والقرآن
المؤدي إلى هلاكهم اليسير.
﴿بَلّ﴾ للانتقال من غرض إلى آخر، وهو الإخبار بحال النبي وَّ وبحالهم
﴿عَجِبْتَ﴾ يا محمد من تكذيبهم إياك، ومن إنكارهم قدرة الله تعالى وإنكار
البعث. ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ أي وهم يستهزئون من تعجبك ومما تقوله من إثبات
البعث.
﴿ وَإِذَا ذُكِرُواْ لَا يَذَّكُرُونَ (٣)﴾ أي وإذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون.
﴿وَإِذَا رَأَوْ ءَايَةً﴾ معجزة دالة على الصدق من معجزات الرسول وَليقال،
كانشقاق القمر. ﴿يَسْتَسْخِّرُونَ﴾ يبالغون في السخرية والاستهزاء. ﴿وَقَالُواْ إِنْ
هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾﴾ أي وقالوا: ما هذا الذي تأتينا به وهو القرآن إلا
سحر ظاهر واضح.
﴿ أَعِذَا مِنْنَا وَكُنَا نُرَبًا وَعِظَمَا أَِنَا لَمَبْعُوتُونَ (
﴾ أي أنبعث إذا متنا، وكرروا
١٦
الهمزة مبالغة في الإنكار، وإشعاراً بأن البعث في رأيهم مستنكر في نفسه، وفي
الهمزة للاستفهام، وهو
١٧
هذه الحالة أشد استنكاراً . ﴿أَوَ ءَابَآؤُنَا الْأَوَّلُونَ (إ
عطف بالواو على محل إن واسمها: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرُ سُّبِينٌ﴾ أو عطف على
ضمير: ﴿لَمَبْعُوتُونَ﴾ والفاصل همزة الاستفهام، أي أو آباؤنا الأولون
مبعوثون؟
﴿قُلْ نَعَمْ﴾ تبعثون. ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون ذليلون. ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ
وَحِدَةٌ﴾ أي صيحة واحدة، وهو جواب شرط مقدر، أي إذا كان ذلك، فإنما
البعث زجرة، أي صيحة واحدة هي النفخة الثانية، يقال: زجر الراعي
غنمه، أي صاح عليها وأمرها بالإعادة . ﴿﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي فإذا الخلائق
قيام من مراقدهم أحياء، ينظرون ما يفعل بهم . ﴿وَقَالُواْ﴾ الكفار. ﴿يَوَيْلَنَا
هلاكنا، وهو مصدر لا فعل له من لفظه، ويقال وقت الهلاك . ﴿الدِّينِ