Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
(٢٣) - سنّ}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
وقيل: الذرية: آباؤهم الذين حملوا في سفينة نوح عليه السلام، وهي
السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات التي أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل
زوجين اثنين، حفاظاً على أصول المخلوقات. والمعنى: أن الله حمل آباء هؤلاء
وأجدادهم في سفينة نوح.
﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَرْكَبُونَ (49)﴾ أي وخلقنا للناس مثل تلك السفن
سفناً برية وهي الإبل، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبون عليها، لكن قال
الرازي: الضمير في ﴿مِثْلِهِ،﴾ عائد إلى الفُلْك، على قول الأكثرين، فيكون
هذا كقوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ: أَزْوَُ
﴾ [ص: ٥٨/٣٨] وعلى هذا
٥٨
فالأظهر أن يكون المراد الفلك الآخر الموجود في زمانهم، وليس المراد الإبل.
ويؤيد هذا قوله تعالى هنا: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾. ولو كان المراد الإبل،
لكان قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِثْلِهِ، مَا يَكَبُونَ ﴿٨) فاصلاً بين متصلين.
ويحتمل أن يعود الضمير إلى معلوم غير مذكور تقديره: من مثل ما ذكرنا من
المخلوقات، مثل قوله تعالى هنا: ﴿لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ،﴾(١) وعلى هذا، الآية
تشمل كل وسائل النقل الحديثة من سيارات وقطارات وطائرات. ونظير الآية
قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَّكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
﴾ [النحل: ٨/١٦].
ودليل رحمته ولطفه تعالى حفظ الركاب في تلك الوسائط، فقال: ﴿وَإِن نَّشَأْ
نُغْرِقُهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُقَدُونَ ﴾﴾ أي وإن نرد إغراقهم في الماء مع
حمولاتهم، فلا مغيث لهم يغيثهم مما هم فيه، أو ينجيهم من الغرق، ولا هم
ينقذون مما أصابهم.
﴿ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَنَعًا إِلَى حِينٍ
إلَّا﴾ هنا: استثناء منقطع،
٤٤
(١) تفسير الرازي ٨١/٢٦، تفسير الألوسي: ٢٧/٢٣
٢٢
لُهُ (٢٣) - يسرّ}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
تقديره: ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونحفظكم من الغرق،
ونسلمكم إلى أجل مسمى، ونمتعكم بالحياة الدنيا إلى وقت معلوم عند الله عز
وجل، وهو الموت.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - من الأدلة الدالة على وجود الله وتوحيده وكمال قدرته على البعث
وإحياء الموتى وغير ذلك: إحياء الأرض الهامدة بالنبات الأخضر، وإخراج
الحب منه، الذي هو قوام الحياة وأساس القوت والمعاش.
أَ - ومن الأدلة أيضاً خلق بساتين في الأرض من نخيل وأعناب، وتفجير
الينابيع في البساتين للأكل من ثمر ماء العيون، أو من ثمر المذكور وهو ثمر
الجنات والنخيل، ومن الذي عملته أيدي الناس من الثمار، ومن أصناف
الحلاوات والأطعمة، ومما اتخذوا من الحبوب كالخبز وأنواع الحلويات.
وخصص النخيل والأعناب بالذكر؛ لأنهما أعلى الثمار، كما تقدم.
◌َّ - تستوجب هذه النعم شكر الخالق المنعم المتفضل، وشكره بعبادته،
والإذعان لسلطانه وإرادته.
٤ - يجب تنزيه الخالق عما لا يليق به، والبعد عن صنيع الكفار الذين
عبدوا غير الله، مع ما رأوا من نعمه وآثار قدرته.
ه - إن آثار قدرة الله ومظاهرها في العالم كثيرة، منها خلق النباتات والثمار
المختلفة والألوان والطعوم والأشكال والأحجام صغراً وكبراً. ومنها خلق
الأولاد والأزواج أي ذكوراً وإناثاً، ومنها خلق أصناف أخرى لا يعلمها
البشر في البر والبحر والسماء والأرض.
٢٣
الُعُ (٢٣) - يَسّ}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
وإذا كان الله قد انفرد بالخلق، فلا ينبغي أن يشرك به.
٩ - ومن العلامات الدالة أيضاً على توحيد الله وقدرته ووجوب ألوهيته :
تعاقب الليل والنهار وما يتبعهما من ظلمة وضوء لتحقيق مصالح العباد،
وضبط السنين والحساب، وجريان الشمس لمستقرّ لها هو محورها أو نهاية
سيرها يوم القيامة، وتقدير القمر ذا منازل هي ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل
القمر كل ليلة بمنزل منها، فإذا صار في آخرها، عاد إلى أوّلها، فيقطع الفلك
في ثمان وعشرين ليلة، ثم يستتر، ثم يطلع هلالاً، فيعود في قطع الفلك على
المنازل، وهي منقسمة على البروج، لكل برج منزلان وثلث.
ومنها جعل مدار مستقل وسلطان منفرد لكل من الشمس والقمر
والأرض، فلا يدخل أحدها على الآخر، وإنما كل من الشمس والقمر
والنجوم يجري في فلك خاص به.
٧ - ومن دلائل قدرة الله ورحمته: حمل ذرية القرون الماضية والحاضرة
والمقبلة في السفن المملوءة بالسلع والأمتعة، وخلق وسائط أخرى للركوب
مماثلة للسفن وهي الإبل سفائن البراري، ووسائل النقل الحديثة في البر
والجو من سيارات وقطارات وطائرات ومناطيد (أو مطاود) ونحوها.
والله قادر على إغراق ركاب السفن في البحار، فيصبحون دون مغيث ولا
مجير ولا منقذ مما ألم بهم، ولكن رحمته تعالى اقتضت إبقاءهم وإنقاذهم
ليتمتعوا بمتع الحياة الدنيوية إلى آجالهم المرسومة، وأعمارهم المحدودة،
والتمتع إلى حين هو الموت.
وقد عجّل الله عذاب الأمم السالفة، وأخَّر عذاب أمة محمد وَّهِ، وإن
كذبوه، إلى يوم القيامة، تكريماً لهذا الرسول وله.
٢٤
الزُُ (٢٣) - تَسَنّ}: ٣٦ / ٤٥-٤٧
موقف الكفار من تقوى الله
وآيات اللَّه والشفقة على خلق الله
وَمَا تَأْتِهِم
٤٥
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيَكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ ثُرْهُمُونَ
مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا
رَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْطْعِمُ مَن لَّوْ بَشَاءُ اللَّهُ أَلْعَمَهُ: إِنْ
أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ
٤٧
القراءات:
{ قِيلَ﴾
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بكسرة خالصة.
البلاغة:
﴿قَالَ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بين الكفر والإيمان طباق.
﴿أَنْطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ استفهام أريد به التهكم.
المفردات اللغوية:
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُ﴾ للكفار ﴿ أَنَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ احذروا ما هو
قدّامكم من الآفات والنوازل وعذاب الدنيا، وما ستواجهون من عذاب
الآخرة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتكونوا راجين لرحمة الله. وجواب إذا محذوف
تقديره: أعرضوا، دلَّ عليه الآية التي بعدها.
﴿إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي ما تأتيهم من آية من آيات القرآن إلا أعرضوا
عنها، ولم يلتفتوا إليها ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي قال فقراء الصحابة ﴿أَنْفِقُواْ مِمَّا
٢٥
لُعُ (٢٣) - لَينَ}: ٣٦ / ٤٥-٤٧
رَزَقَّكُمُ اللَّهُ﴾ أي تصدقوا على الفقراء من الأموال التي رزقكم الله ﴿قَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استهزاءً بهم، وتهكماً بقولهم. ﴿أَنْعِمُ مَن لَّوْ بَشَآءُ اللَّهُ
أَطْعَمَهُ:﴾ في زعمكم ومعتقدكم، وقولكم: إن الرزاق هو الله، فكأنهم حاولوا
إلزام المسلمين قائلين: نحن نوافق مشيئة الله، فلا نطعم من لم يطعمه الله ﴿إِنْ
أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي ما أنتم في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا إلا
في ضلال واضح، حيث أمرتمونا ما يخالف مشيئة الله. ويجوز أن يكون هذا
جواباً لهم، أو حكاية لجواب المؤمنين لهم.
وهذا غلط منهم، ومكابرة ومجادلة بالباطل، فإن الله سبحانه أغنى بعض
خلقه، وأفقر بعضاً لحكمة يعلمها، وأمر الغني أن يطعم الفقير، وابتلاه به
فيما فرض عليه من الصدقة، ليعلم الطائع من العاصي علم بيان وانكشاف،
وإقامة حجة وبرهان.
المناسبة:
بعد بيان الآيات الدالة يقيناً وقطعاً على وجود الله وتوحيده وقدرته التامة،
أخبر الله تعالى أن الكفار مع هذا الدليل القاطع يعرضون عن آيات ربهم، ولا
يعترفون بها، وشأن العاقل الاقتناع بها، ولكن هؤلاء لا يتقون الله، ولا
يحذرون بأن يصيبهم مثل هلاك الأمم الغابرة، ولا يفكرون في آيات الله،
وليس في قلوبهم رحمة أو شفقة على عباد الله، فهم في غاية الجهل ونهاية
الغفلة، وليسوا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا مثل العامة الذين
يبنون الأمر على الأحوط.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم، وعدم اكتراثهم
بذنوبهم الماضية، ولا بما يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة، فيقول:
٢٦
لُُ (٢٣) - يسّ: ٣٦ / ٤٥-٤٧
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَنَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيَكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْهُمُونَ (39)﴾ أي وإذا
قيل لهؤلاء المعرضين عن آيات الله، المكذبين بها: احذروا أن يصيبكم مثلما
أصاب من قبلكم من الأمم، مما هو قدَّامكم، من الآفات والنوازل وعذاب
الدنيا، وخافوا ما أنتم مقدمون عليه بعد الهلاك من عذاب الآخرة، إذا
أصررتم على الكفر حتى الموت، لعلَّ الله يرحمكم باتقائكم ذلك، ويحميكم من
عذابه، ويغفر لكم.
وإذا قيل لهم ذلك أعرضوا عنه، وإذا قيل لهم: اتقوا لا يتقون.
وليس إعراضهم مقتصراً على ذلك، بل هم عن كل آية معرضون، كما قال
تعالی:
﴿ وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (*) أي وما
تجيء هؤلاء المشركين آية من آيات الله على التوحيد وصدق الرسل إلا شأنهم
الإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، وترك التأمل بها، وعدم الانتفاع بها،
لتعطيل طاقة الفكر والنظر المرشد إلى الإيمان وتصديق الرسول واله.
وفضلاً عن سوء الاعتقاد بالله ورسوله ◌َّله، تركوا الشفقة على خلق الله،
كما قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنُطْعِمُ
مَن لَّوْ بَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾﴾؟ أي وإذا طلب منهم الصدقة، وأمروا بالإنفاق مما
رزقهم الله على الفقراء والمحاويج، أجابوا المؤمنين استهزاء بهم، وتهكماً
بقولهم: هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم: لو شاء الله لأغناهم،
ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله تعالى فيهم.
وكان هذا الاحتجاج باطلاً؛ لأن الله تعالى إذا ملَّك عبداً مالاً، ثم أوجب
عليه فيه حقاً، فكأنه انتزع ذلك القدر منه، فلا معنى للاعتراض. وقد صدقوا
في قولهم: لو شاء الله أطعمهم، ولكن كذبوا في الاحتجاج بذلك.
٢٧
الجُزءُ (٢٣) - يَسَنَّ: ٣٦ / ٤٥-٤٧
وقوله: ﴿مَِّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ترغيب في الإنفاق، فإن الله رزقكم، فإذا
أنفقتم فهو يخلف لكم الرزق ثانياً كما رزقكم أولاً، وهو أيضاً ذم على البخل
الذي هو في غاية القبح، فإن أبخل البخلاء من يبخل بمال الغير، وفي هذا ذم
لهم على ترك الشفقة على خَلْق الله.
ومع هذا كله، عابوا الآمرين لهم بالإنفاق واتهموهم بالضلال، فقالوا
تتمة لكلامهم:
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي ما أنتم في أمركم لنا بالإنفاق إلا في
خطأ واضح، وانحراف عن جادة الهدى والرشاد.
وقوله ﴿إِنْ أَنْتُمُ إِلَّا﴾ يفيد الحصر. وهذا فهم خطأ من المشركين؛ لأن
حكمة الله اقتضت تفاوت الناس في الرزق، فهو يقبض الرزق عمن يشاء،
ويبسطه لمن يشاء، ﴿﴾ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ اُلْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ
﴾ [الشورى: ٢٧/٤٢] فقد أغنى قوماً،
◌ِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ لَـ
وأفقر آخرين، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالعطاء والشكر: ﴿فَأَمَّا مَنْ
٨
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاُسْتَغْنَى
فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى
أَعْطَى وَنََّى (®َ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
فَسَنْيَسِرُُ لِلْعُسْرَى
٩
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَ
[الليل: ٩٢ /٥ -١٠] .
وقال ابن جرير عن قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾: ويحتمل
أن يكون من قول الله عز وجل للكفار حين ناظروا المؤمنين، وردوا عليهم،
فقال لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَالٍ تُبِينٍ﴾ قال ابن كثير: وفي هذا نظر، والله
أعلم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أمور ثلاثة هي :
أولاً - إن المشركين قوم تملدوا في الغي والضلال والعناد والكبر، ولم
٢٨
الزُُ (٢٣) - تَسَنّ: ٣٦ / ٤٨-٥٤
يتأملوا في أحداث الماضي، ووقائع الزمان، وأحوال الأمم التي أهلكهم الله
بتكذيبهم رسلهم، ولم ينظروا في مستقبل الحياة الآخرة، فتراهم إذا قيل لهم:
اتقوا الله، لا يتقون.
ثانياً - وهم أيضاً شأنهم وديدنهم الإعراض عن آيات الله، والتكذيب لها،
وعدم الانتفاع بها، لتركهم النظر المؤدي إلى الإيمان بالله وتصديق الرسول
ثالثاً - كما أنهم أخلّوا بتعظيم الخالق، حرموا العطف والشفقة على
الإنسانية، وانعدمت عندهم عاطفة الرحمة بالمخلوقات، إذ قيل لهم: أنفقوا
مما رزقكم الله، فبخلوا وتهكموا، وهو شأن البخلاء في كل عصر.
إنكار الكفار يوم البعث وبيان أنه حق لا شك فيه
﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً
﴿ وَيَقُولُونَ مَنَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
٥٠
تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخْصِّمُونَ ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَّ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴿﴿ قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَنْ
بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
إِن كَانَتْ
٥٢
إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
فَأَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ
٥٣
شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٥٤
القراءات: ﴿يَخِضِّمُونَ﴾: قرئ:
١- (يَخَصِّمون) وهي قراءة ورش، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (يَخِصِّمُون) وهي قراءة ابن ذكوان، وعاصم، والكسائي.
٣- (يَخْصِمون) وهي قراءة حمزة.
٢٩
لِلُ (٢٣) - تَسَنَّ}: ٣٦ / ٤٨-٥٤
﴿ مَّرْقَدِنَاْ﴾:
قرأ حفص بالسكت على ألف (مرقدنا) سكتة لطيفة بدون تنفس.
وقرأ الباقون بغير سكت.
الإعراب:
﴿ يَخِصِمُونَ﴾ الأصل: يختصمون بوزن ((يفتعلون)) فحذف حركة التاء، ولم
ينقلها إلى الخاء، وأبدل من التاء صاداً، وأدغم الصادين ببعضهما، وكسر
الخاء لسكونها وسكون الصاد الأولى؛ لأن الأصل في التقاء الساكنين الكسر.
وقرئ (يخَصَّمون) بفتح الياء والخاء، بنقل تتمة التاء إلى الخاء، وقرئ أيضاً
(يَخِصّمون) بكسر الياء والخاء، وقد كسر الياء اتباعاً لكسرة الخاء، والكسر
للإتباع كثير في كلامهم، مثل قِسيّ وعِصي وخِفي. وقرئ ((يخصمون))
كيضربون، أي يخصم بعضهم بعضاً.
﴿وَنُفِيخَ فِي الصُّورِ﴾ الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل ﴿فَإِذَا
هُم﴾ إذا هنا ظرفية للمفاجأة.
﴿يَوَيَِّنَا﴾ إما منادى مضاف، فويل: هو المنادى، ونا: هو المضاف إليه،
ونداء الويل كنداء الحسرة في قوله تعالى: ﴿يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾. وإما أن
يكون المنادى محذوفاً، و﴿يَوَيِّلَنَا﴾ منصوب على المصدر، كأنهم قالوا: يا
هؤلاء ويلاً لنا، فلما أضيفت حذفت اللام الثانية.
﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ مبتدأ وخبر، و﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة محذوفة
العائد.
سقط
البلاغة:
﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا﴾ استعارة، شبه حال موتهم بحال نومهم، أي من
بعثنا من موتنا.
٣٠
لِجُ (٢٣) - يَسْتَنَّ}: ٣٦ / ٤٨-٥٤
﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي تقول لهم الملائكة ذلك،
أي وعدكم به الرحمن.
المفردات اللغوية:
﴿مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ﴾ متى يتحقق ويجيء ما وعدتمونا به وهو وعد البعث ﴿مَا
يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً﴾ هي نفخة إسرافيل الأولى في الصور،
وهي التي يموت بها أهل الأرض جميعاً ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أي تأخذهم
الصيحة فجأة في غفلة عنها، وهم يتخاصمون في معاملاتهم ومتاجرهم
وأکلهم وشربهم وغير ذلك.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أن يوصوا في شيء من أمورهم بما لهم وما عليهم
﴿ وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يستطيعون الرجوع من أسواقهم وأشغالهم
إلى منازلهم، بل يموتون فيها ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ﴾ أي نفخ فيه النفخة الثانية
للبعث، وبين النفختين أربعون سنة ﴿فَإِذَا هُم﴾ المقبورون ﴿مِّنَ اُلْأَحْدَاثِ﴾
القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون بسرعة، أو يسرعون.
﴿قَالُواْ﴾ أي الكفار منهم ﴿يَوَيَِّنَا﴾ يا هلاكنا، والويل: مصدر لا فعل له
من لفظه وهو الهلاك ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا﴾؟ من أخرجنا من موتنا؛ لأنهم
بسبب ما رأوا من الهول، وما داهمهم من الفزع، ظنوا أنهم كانوا نياماً ﴿هَذَا
مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ أي هذا البعث الذي وعد به الرحمن ﴿ وَصَدَفَ اُلْمُرْسَلُونَ﴾
أي وصدق فيه الأنبياء المرسلون، والمعنى: رجعوا إلى أنفسهم، فاعترفوا أنهم
كانوا في الموت وبعثوا، وأقروا بصدق الرسل يوم لا ينفع التصديق أو
الإقرار.
﴿ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴿6﴾ أي
ما كانت الفعلة إلا النفخة الأخيرة التي نفخها إسرافيل في الصور، فإذا هم
مجموعون عندنا بسرعة بمجرد تلك الصيحة للحساب والجزاء والعقاب. قال
٣١
الُزُ (٢٣) - تَسَنَّ}: ٣٦ / ٤٨-٥٤
البيضاوي: وفي كل ذلك تهوين أمر البعث والحشر، واستغناؤهما عن
الأسباب المألوفة في الدنيا. وتنكير ﴿صَيْحَةً﴾ للتكثير.
﴿ فَالْيَّوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
أي يقال لهم ذلك، تصويراً للموعود، وتمكيناً له في النفوس.
٥٤
المناسبة:
بعد بيان إعراض الكفار عن التقوى، وامتناعهم من الإنفاق، أبان الله
تعالى سبب ذلك وهو إنكارهم للبعث، واستعجالهم له، استهزاء به، ثم
أوضح أنه حق لا مرية فيه، وأنه سيأتيهم الموت بغتة، وهم في غفلة عنه، وأن
البعث أمر سهل على الله لا يحتاج إلا إلى نفخة واحدة في الصور.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم:
﴿وَيَقُولُونَ مَنَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴿3﴾؟ أي ويقول المشركون
استعجالاً للبعث استهزاء وسخرية وتهكماً بالمؤمنين: متى يأتي هذا الوعد
بالبعث الذي وعدمونا به، وتهددوننا به، إن كنتم صادقين فيما تقولون
وتعدون؟!
والخطاب للرسول وَل والمؤمنين الذين دعوهم إلى الإيمان بالله وباليوم
الآخر، فأجابهم الله تعالى:
﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (ج)﴾ أي ما
ينتظرون للعذاب والقيامة إلا نفخة واحدة في الصور، هي نفخة الفزع التي
يموت بها جميع أهل الأرض فجأة، وهم يختصمون فيما بينهم في البيع والشراء
ونحوهما من أمور الدنيا أي وهم متشاغلون في شؤون الحياة من معاملة
٣٢
الُ (٢٣) - سنّ: ٣٦ / ٤٨-٥٤
وحديث وطعام وشراب وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذّْنَهُم بَغْنَةً وَهُمْ لَا
يَشْعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥/٧] وقال سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ
تَأْنِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
[الزخرف: ٤٣ /٦٦] .
وقوله جل وعز: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً﴾ هي النفخة الأولى في الصور، كما
قال عكرمة، ويؤيده ما رواه ابن جرير عن ابن عمر قال: ليُنْفَخَنَّ في الصور،
والناس في طُرقهم وأسواقهم ومجالسهم، حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين
يتساومانه، فما يُرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور، فيصعق به، وهي
التي قال الله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِمُونَ
٤٩
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لتقومَنَّ
الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبَهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومَنَّ
الساعة، والرجل يَليط(١) حوضه، فلا يسقي منه، ولتقومَنَّ الساعةُ، وقد
انصرف الرجل بلبن لقحته (نعجته)، فلا يْعَمُه، ولتقومنَّ الساعة وقد رفع
أُكلته إلى فيه (فمه)، فلا يطعَمُها)).
ثم أبان تعالى سرعة حدوث الموت العام أو الصيحة، فقال:
أي لا يستطيع
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَّةً وَلَّ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (@)
بعضهم أن یوصي إلى بعض بما له من أملاك وما عليه من ديون، بل يموتون في
أسواقهم ومواضعهم، ولا يتمكنون من الرجوع إلى منازلهم التي كانوا
خارجين عنها.
ثم أخبر الله تعالى عن نفخة ثانية هي نفخة البعث والنشور من القبور،
فقال :
(١) يليط حوضه، وفي رواية: ((يلوط حوضه)) أي يطينه.
٣٣
الُُ (٢٣) - تَسَنَّ}: ٣٦ / ٤٨-٥٤
(@) أي ونفخ
﴿ وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ اُلْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
في الصور نفخة ثانية للبعث والنشور من القبور، فإذا جميع المخلوقين يخرجون
من القبور، يسرعون المشي إلى لقاء ربهم للحساب والجزاء، كما قال تعالى:
[المعارج: ٤٣/٧٠].
١٤٣
{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَا كَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ
ثم ذكر ما يطرأ عليهم بعد البعث من الأهوال والمخاوف فقال تعالى:
﴿قَالُوْ يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن ◌َّرْقَدِنَّا﴾ أي قال المبعوثون: يا هلاكنا من
الذي بعثنا من قبورنا بعد موتنا؟ وهي قبورهم التي كانوا يعتقدون في دار
الدنيا أنهم لا يبعثون منها، وظنوا لما شاهدوا من الأهوال وما استبد بهم من
الفزع، أنهم كانوا نياماً.
وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة
کالرقاد.
﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي هذا ما وعد به الله
وصدق في الإخبار عنه الأنبياء المرسلون، فهم رجعوا إلى أنفسهم، فاعترفوا
أنهم بعثوا من الموت، وأقروا بصدق الرسل، يوم لا ينفع التصديق. فهذا
الكلام من قول الكفار، وهو رأي عبد الرحمن بن زيد، واختاره الشوكاني
وغيره.
واختار ابن جرير وابن كثير أن هذا جواب الملائكة أو جواب المؤمنين،
كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُم
بِهِ، تُكَذِّبُونَ (٣)﴾ [الصافات: ٢٠/٣٧-٢١].
ثم أوضح الله تعالى سرعة البعث، فقال:
﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةَ وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (®﴾ أي
ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، فإذا هم أحياء مجموعون لدينا بسرعة
٣٤
الُعُ (٢٣) - تسرّ}: ٣٦ / ٤٨-٥٤
للحساب والجزاء، كما قال تعالى: ﴿فَإَِّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴿ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ
١٤٠
[النازعات: ١٣/٧٩-١٤] وقال عز وجل: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْيح
اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧/١٦].
وأردف بعدئذ ما يكون في ذلك من القضاء العادل، فقال تعالى:
﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٥٤
أي في يوم القيامة لا تبخس نفس شيئاً من عملها مهما قلّ، ولا توفون إلا ما
عملتم من خير أو شر.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
ا - كان الرد الحاسم على استعجال الكفار قيام الساعة استهزاء أنها تأتي
فجأة كلمح البصر أو هي أقرب، وتحدث بنفخة واحدة هي نفخة إسرافيل في
وقت يختصم الناس في أمور دنياهم، فيموتون في مكانهم، وهذه نفخة
الصَّعْق.
أَ - من آثار الموت المفاجئ بتلك النفخة أنهم لا يتمكنون من العودة إلى
ديارهم إذا كانوا خارجين منها، ولا يستطيعون الإيصاء إلى غيرهم بما لهم
وما عليهم. وقيل: لا يستطيع أن يوصي بعضهم بعضاً بالتوبة، بل يموتون في
أسواقهم ومواضعهم.
ءَّ - ثم تأتي النفخة الثانية وهي نفخة البعث والنشور من القبور، فهما
نفختان، لا ثلاث، بدليل هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ اُلْأَجْدَاثِ
وروى المبارك بن فضالة عن الحسن البصرى قال :
.
إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
٥١
قال رسول الله وتلقى: ((بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل
حيّ، والأخرى يحيي الله بها كلَّ ميت)).
٣٥
الُ (٢٣) - تَسَنّ}: ٣٦ / ٥٥-٥٨
٤ - يتعجب أهل البعث ويذهلون ويفزعون مما يرون من شدائد
الأهوال، فيتساءلون عمن أخرجهم من قبورهم، مفضلين عذاب القبر؛ لأنه
بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد.
٥ - النفخة الثانية أيضاً وهي نفخة البعث والنشور سريعة جداً، فإذا
حدثت تجمّع الناس جميعاً وحضروا مسرعين إلى لقاء ربهم للحساب والجزاء،
كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨/٥٤].
أَ - الحساب حق وعدل، والجزاء قائم على العدل المطلق، فلا ينقص من
ثواب العمل أي شيء مهما قل، ولا يجزى الناس إلا على وفق ما عملوا من
خير أو شر.
جزاء المحسنين
هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَالٍ عَلَى
٥٥
﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى سُغُلٍ فَكِهُونَ
اْأَرَّبِكِ مُتَّكِئُونَ ﴿٨ لَهُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ﴿٨ سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ
٥٨
رَّحِيمٍ
القراءات:
ظِلَالِ
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ُلَل).
الإعراب:
(®)﴾ ﴿أَصْحَبَ﴾: اسم
﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ
﴿إِنَّ﴾، وخبرها: إما ﴿فِ شُغُلٍ﴾ وإما ﴿فَكِهُونَ﴾. و﴿فِىِ شُغُلٍ﴾: متعلق بـ
فَكِهُونَ﴾ ويجوز أن يكونا خبرين. ولا يجوز جعل ﴿اَلْيَوْمَ﴾ خبراً؛ لأنه
٣٦
الجُزُ (٢٣) - سنّ}: ٣٦ / ٥٥-٥٨
ظرف زمان، وظروف الزمان لا تكون أخباراً عن الجثث. و﴿ اَلْيَوْمَ﴾ منصوب
على الظرف، وعامله ﴿فِ شُغُلٍ﴾ وتقديره: إن أصحاب الجنة كائنون في شغُل
اليوم.
: مبتدأ ،
﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِى ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَابِكِ مُتَكِنُونَ
﴿ وَأَزْوَجُهُمْ﴾: عطف عليه، و﴿مُتَّكِئُونَ﴾: خبر المبتدأ، و﴿فِى ظِلَالٍ﴾:
متعلق بـ ﴿ مُتَّكِئُونَ﴾. و﴿عَلَى الْأَرَآبِكِ﴾: صفة ل﴿ظِلَلٍ﴾ ويجوز جعل: ﴿فِى
ظِلَلٍ﴾ و﴿عَلَى الْأَرَابِكِ﴾ و﴿ مُتَّكِئُونَ﴾ أخباراً متعددة لمبتدأ واحد.
﴿لَهُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ﴾ ﴿فَكِهَةٌ﴾: مبتدأ، و﴿لَهُمْ﴾: خبره، و﴿فِيهَا﴾:
معمول الخبر، وهو ﴿لَهُمْ﴾ ويجوز جعل كل من ﴿لَهُمْ﴾ و﴿فِيهَا﴾ خبرين
للمبتدأ الذي هو ﴿فَكِهَةٌ﴾، ويجوز أيضاً جعل ﴿لَهُمْ﴾ وصفاً لـ ﴿فَكِهَةٌ﴾
فلما تقدم صار في موضع نصب على الحال، ويجوز أيضاً جعل ﴿فِيهَا﴾ صفة
ل﴿ فَكِهَةٌ﴾ فلما تقدم عليها صار في موضع نصب على الحال.
﴿وَلَهُم ◌َا يَدَّعُونَ﴾ ﴿مَا﴾: إما اسم موصول بمعنى الذي: مبتدأ،
﴿وَلَهُمْ﴾ خبره، وصلته: ﴿يَذَّعُونَ﴾، والعائد محذوف، وإما نكرة موصوفة،
وصفتها ﴿يَدَّعُونَ﴾ وإما مصدرية، فتكون مع ﴿يَدَّعُونَ﴾ في تأويل المصدر.
ويدعون أي يتمنون ويشتهون، وأصله (يَدْتَعيون) بوزن (يفتعلون) فأبدل من
التاء دالاً، ونقلت حركة الياء إلى ما قبلها، فسكنت الياء، والواو بعدها
ساكنة، فاجتمع ساكنان، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.
﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ زَّحِيمٍ (﴾﴾ ﴿سَلَمٌ﴾: بدل مما يدعون، مرفوع على
البدل من ﴿مَّا﴾ أي ولهم أن يسلم الله عليهم، وهذا منى أهل الجنة.
و﴿قَوْلًا﴾: مصدر مؤكد لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ، سَلَمٌ﴾ قال
الزمخشري: والأوجه أن ينتصب على الاختصاص. ويصح جعل ﴿سَلَمٌ﴾
وصفاً لـ ﴿مَا﴾ إذا جعلتها نكرة موصوفة، أي ولهم شيء يدعونه سلام،
ويصح جعله خبراً ل﴿ مَا﴾.
٣٧
الُهُ (٢٣) - تسرّ}: ٣٦ / ٥٥-٥٨
المفردات اللغوية:
﴿فِيِ شُغُلٍ﴾ الشغل: الشأن الذي يشغل الإنسان عما سواه، إما لمسرة أو
لمساءة. والمراد به هنا: أنهم مشغولون بما هم فيه من اللذات، بما لا عين
رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يشتغلون بذلك عن
الاهتمام بأمر أهل النار. وهو شغل متعة، لا شغل تعب؛ لأن الجنة لا نَصَب
فيها. ﴿فَكِهُونَ﴾ متنعمون متلذذون . ﴿فِى ظِلَلٍ﴾ جمع ظل، وهو ما لا تصيبه
الشمس. ﴿اَلْأَرَابِكِ﴾ جمع أريكة: وهو السرير المزيَّن في قُبَّة أو بيت، أو
الفراش، فالأرائك: الأسرّة التي في الحجال. ﴿يَدَّعُونَ﴾ أي يتمنون
ویشتهون.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى حدوث البعث لا شك فيه، وما يكون في يوم القيامة
من الجزاء العادل، بَيَّن هنا ما أعده للمحسنين، ثم أعقبه في الآيات التالية بما
أعده للمسيئين، ترغيباً في العمل الصالح، وترهيباً من سوء الأعمال.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن حال أهل الجنة فيقول:
﴾ أي إن المؤمنين الصالحين
﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَلَكِهُونَ
إذا نزلوا في روضات الجنات يوم القيامة، كانوا في شغل عن غيرهم، بما
يتمتعون به من اللذات، والنعيم المقيم، والفوز العظيم، بما لا عين رأت،
ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فهم في شغل عما فيه أهل النار من العذاب، وهم متنعمون متلذذون
معجبون بالنعیم.
وليس التمتع وحدهم وإنما هم في أنس وسرور مع أزواجهم، فقال تعالى:
٣٨
الُزْءُ (٢٣) - يسنّ}: ٣٦ / ٥٥-٥٨
أي إنهم وحلائلهم في
﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَابِكِ مُتَكِنُونَ
الجنة في ظلال الأشجار التي لا تصيبها الشمس؛ لأنه لا شمس فيها، وهم
فيها متكئون على السرر المستورة بالخيام والحجال (المظلة الساترة). والأرائك
كما بينا: الأسرّة التي في الحجال. وهذه المتعة في الظلال، وعلى الأسرّة
والفرش الوثيرة الناعمة هي حلم الإنسان وغاية ما يطمح إليه.
والمتعة ليست روحية وإنما هي مادية، فقال تعالى:
﴿لَهُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ وَهُم ◌َا يَدَعُونَ
أي تقدم لهم الفواكه من جميع
٥٧
أنواعها، ولهم غير ذلك كل ما يتمنون ويشتهون، فمهما طلبوا وجدوا من
جميع أصناف الملاذٌ.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ﴾ ولم يقل ((يأكلون)) إشارة إلى اختيارهم وملكهم
وقدرتهم.
والنعمة الأسمى من كل ما يجدون: سلام الله عليهم، فقال تعالى:
﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ تَحِيمٍ ﴾﴾ أي إن ما يتمنونه هو تحية الله لهم
بالسلام أي الأمان من كل مكروه، يقول لهم: سلام عليكم يا أهل الجنة،
كما قال تعالى: ﴿يَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤/٣٣] أو بوساطة
الملائكة، كما قال تعالى: ﴿ وَاَلْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ، سَلَمُّ عَلَيْكُمْ بِمَا
[الرعد: ٢٣/١٣-٢٤] والمعنى أن الله يسلم عليهم
صَبْتُ فِعْمَ عُقْبَىَ الدَّارِ ()
بوساطة الملائكة، أو بغير وساطة، مبالغة في تعظيمهم، وذلك متمناهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يلي:
ا - إن أصحاب الجنة يتمتعون فيها متعة مادية وليست روحية فقط، فهم
٣٩
الجُزُ (٢٣) - تتز}: ٣٦ / ٥٩-٦٨
في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي في النار،
وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم.
أَ - يتمتع أهل الجنة بنعيمها هم وأزواجهم، تحت ستور تظللهم، وعلى
الأرائك (أي الشرر في الحجال، كالناموسيات) متكئون.
◌َّ - لهم أنواع من الفاكهة لا تعد ولا تحصى، ولهم كل ما يتمنون
ويشتهون، فمهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ.
٤ - ولهم أكمل الأشياء وآخرها الذي لا شيء فوقه وهو السلام من الله
الرب الرحيم، إما بوساطة الملائكة، أو بغير وساطة، مبالغة في تعظيمهم،
وذلك أقصى ما يتمنونه.
جزاء المجرمين
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِيّ ◌َادَمَ أَن لَّا
٥٩
﴿ وَأَمْتَلُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
وَأَنِ أَعْبُدُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ
٦٠
تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (
هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى
٦٣
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًاً أَفَمَ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى
أَصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الَلَّ
كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (
أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيَدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
وَلَوْ نَشَآءُ
٦٥
لَطَمَسْنَا عَلَ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُواْ الْصِرَطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ
وَلَوْ نَشَآءُ
لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا أَسْتَطَعُواْ مُضِيًّا وَلَا يَجِعُونَ
وَمَن نُّعَمِّرْهُ
٦٨
نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِّ أَفَلَا يَعْقِلُونَ
القراءات: ﴿ وَأَنِ أَعْبُدُونِ﴾: قرئ:
١- (وأنِ اعبدوني) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.
٤٠
لُزُ (٢٣) - تَسَنّ}: ٣٦ / ٥٩-٦٨
٢- (وأنُ اعبدوني) وهي قراءة الباقين.
طٌ﴾، ﴿الصِّرَطَ﴾:
وقرأ قنبل (سراط، السراط) . ﴿جِبِلًا﴾: قرئ:
١- (جِبِلاً) وهي قراءة نافع، وعاصم.
٢- (ُبُلاً) وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (جُبْلاً) وهي قراءة أبي عمرو، وابن عامر. ﴿نُنَكِّسْهُ﴾: قرئ:
١- (نُنگِّسْه) وهي قراءة عاصم، وحمزة.
٢- (نَنْكُسْه) وهي قراءة الباقين.
﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾:
وقرأ نافع، وابن ذكوان (أفلا تعقلون).
الإعراب:
﴿أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر،
وتقديره: ألم أعهد إليكم بألا تعبدوا، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به.
﴿أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ قُّبِينٌ، وَأَنِ أَعْبُدُونِ﴾ بينهما
ج
البلاغة:
طباق السلب، أحدهما سلب والآخر إيجاب.
﴿أَفَمَ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ.
﴿فَمَا أُسْتَطَعُواْ مُضِيًّا وَلَا يَزَّجِعُونَ﴾ بين المضي والرجوع طباق.