Indexed OCR Text

Pages 1-20

ياأيها الذينآمنوا استيوان والرسول إذاء معكم لكيسيكم
الأفعال ١٤/٨
التَّفْسُِّ المُنَّ
في العقيدة والشريعة والمنهج
الأستاذ الدكتور وحب الأصلى
المجلد الثاني عشر
الجزءان ٢٣ - ٢٤
لفكرة
أفاق معرفة متجددة

؟ !!
(القدس)
دار الفكر - دمشق - البرامكة
٣٠٠١ ٩٧ ٩٤٧ ٠٠٩٦٣
٣٠٠١ ١١ ٠٠٩٦٣
http://www.fikr.com/
e-mail:fikr@fikr.net
التفسير المنير
في العقيدة والشريعة والمنهج
أ.د. وهبة الزحيلي
المجلد الثاني عشر
الرقم الاصطلاحي: ١٢ - ١٦٩٠٫٠١١
الرقم الدولي: 5-160-59239-1 :ISBN
الرقم الموضوعي: ٢١١ (القرآن وعلومه)
٥٨٤ ص، ١٧ × ٢٥ سم
الطبعة العاشرة: ١٤٣٠هـ= ٢٠٠٩م
ط٢ / ٢٠٠٣ م
جميع الحقوق محفوظة لدار الفكر دمشق

◌ِشِ اله ◌َلَنِ الرَّحْمَ
التَّفْسَهُ المُفْرُ
في العقيدة والشريعة والمنهج
المجلد الثاني عشر
الجزءان ٢٣ - ٢٤

٥
الُعُ (٢٣) - سنّ}: ٣٦ / ٢٨-٣٢
تتمة قصة أصحاب القرية
- تعذيب مكذبي الرسل -
وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ، مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنِزِلِينَ
٣٨
إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَكِمِدُونَ ﴿ يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْنِهِم
مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٣) أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ
أَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَجِعُونَ * وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
١٣٢
القراءات: ﴿لَّمَّا جَمِيعٌ﴾: قرئ:
١- (لَمَّا جميع) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة.
٢- (لَا جميع) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿وَمَا كُنَّا مُنِلِينَ﴾ ﴿وَمَا﴾: إما زائدة وإما اسم معطوف على ﴿جُندٍ﴾.
﴿يَحَسْرَةً﴾ نداء مشابه للمضاف، مثل: يا خيراً من زيد، ويا سائراً إلى
الشام، ونداء مثل هذه الأشياء التي لا تعقل: تنبيه للمخاطبين، كأنه يقول
لهم: تحتّروا على هذا، وادعوا الحسرة، وقولوا لها: احضري فهذا وقتك.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ ﴿كَمْ﴾: اسم للعدد في موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾
و﴿ أَّهُمْ إِلَيْهِمْ﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿كَمْ﴾. و﴿كَمْ﴾ وما بعدها
مفعول لفعل مقدر، أي
من الجملة في موضع نصب بـ ﴿يَرَوَّأْ﴾ و﴿أَ
حكمنا أو قضينا أنهم لا يرجعون.
﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا﴾ ﴿وَإِن﴾ مخففة من الثقيلة، ولما خففت بطل عملها لنقصها

٦
الُرُ (٢٣) - يس}: ٣٦ / ٢٨-٣٢
عن مشابهة الفعل، فارتفع ما بعدها بالابتداء. و﴿لَّمَّا جَمِيعٌ﴾: خبره، وما:
زائدة، وتقديره: لجميع، وأدخلت اللام في خبرها، لتفرق بينها وبين ((إن))
التي بمعنى ((ما)). ومن قرأ (لَّا جميع) بالتشديد، فمعناه ((إلا)) و((إن)) بمعنى ((ما))
وتقديره: وما كل إلا جميع، فيكون ﴿كُلّ﴾ مرفوعاً بالابتداء،
و﴿جَمِيعٌ﴾ خبره. و﴿مُضَرُونَ ﴾خبر ثان.
البلاغة:
في الآيات المتقدمة من مطلع السورة إلى هنا يوجد فيها ما يسمى بمراعاة
الفواصل، الذي يزيد في روعة البيان القرآني، ويؤثر في سمع التالي والمستمع.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ،﴾ أي لم ننزل عل قوم حبيب النجار من بعد
قتلهم له. ﴿مِن جُنْدٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الجند: العسكر، والمراد هنا الملائكة
الإهلاكهم وللانتقام منهم. ﴿وَمَا كُنّا مُنِلِينَ﴾ ملائكة لإهلاك أحد، لسبق
قضائنا وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة، لا بإنزال الجند، وهذا للدلالة على أن
إنزال الجنود من عظائم الأمور، وهو تحقير لشأنهم، وتصغير لأمرهم، فهم
ليسوا أهلاً لأن ننزل لإهلاكهم جنداً من السماء، بل أهلكناهم بصيحة
واحدة. ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً﴾ أي ما كانت عقوبتهم إلا أن صاح بهم
جبريل، فأهلكهم . ﴿فَإِذَا هُمْ خَمِدُونَ﴾ ساكتون هامدون ميتون لا يسمع لهم
حسّ، كالرماد الخامد، فالخمود: انطفاء النار، والمقصود به هنا الموت.
(يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ﴾ الحسرة: الغم على ما فات، والندم عليه،
والعباد: هؤلاء ونحوهم ممن كذب الرسل، فأهلكوا، ونداء الحسرة مجاز،
أي هذا أوانك فاحضري. ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ هذا
سبب الحسرة وهو الاستهزاء المؤدي إلى إهلاكهم.

٧
الشُرُ (٢٣) - تستن}: ٣٦ / ٢٨-٣٢
﴿أَلَمْ يَرَوْ﴾ ألم يعلموا أي أهل مكة القائلون للنبي: لست مرسلاً،
والاستفهام للتقرير، أي اعلموا . ﴿كَمْ﴾ خبرية بمعنى كثيراً، والمعنى: إنا
﴿أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمِ﴾ كثيراً. ﴿مِّنَ اُلْقُرُونِ﴾ الأمم. ﴿أَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾
أي ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم بعد هلاكهم،
وضمير ﴿أَّهُمْ﴾ عائد للمهلكين، وضمير ﴿إِلَيْهِمْ﴾ عائد للمكذبين، أفلا
يعتبرون بذلك؟!
﴿وَإِن كُلَّ لَّمَّا جَمِيعٌ﴾ ﴿وَإِن﴾: نافية بمعنى ما، و﴿لَّمَّا﴾ بمعنى إلا،
ويصح جعل ((إن)) مخففة من الثقيلة، ولما: بالتخفيف، واللام فارقة، وما:
مجموعون في الموقف بعد بعثهم . ﴿لَّدَيْنَا﴾ عندنا. ﴿مُحْضَرُونَ﴾
مزيدة .
للحساب.
المناسبة:
هذه الآيات تتمة قصة أصحاب القرية، أبان الله تعالى فيها حال المكذبين
رسلهم، وأوضح سنة الله في أمثالهم في العذاب الدنيوي، ثم ما يتعرضون له
من العذاب الأخروي. وذكرت هنا في بدء الجزء؛ لأن عدّ الأجزاء مراعى فيه
العدّ اللفظي لا الاتصال المعنوي.
التفسير والبيان:
وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنِزِلِينَ
) أي لم ننزل على قوم المؤمن حبيب النجار من بعد قتلهم له، لدعوتهم إلى
الإيمان بالله، جنداً من الملائكة، وما كنا بحاجة إلى هذا الإنزال، بل كان
الأمر أيسر علينا من ذلك، وقد سبق قضاؤنا بأن إهلاكهم بالصيحة، لا
بإنزال الجند.
وهذا لتحقير شأنهم، فإن إنزال الملائكة لعظائم الأمور، وهؤلاء لا

٨
الُرءُ (٢٣) - بسنّ}: ٣٦ / ٢٨-٣٢
يحتاجون لإهلاكهم جنداً من السماء، بل أهلكناهم بصيحة واحدة، كما قال
تعالی:
· أي ما كان إهلاكهم
﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَمِدُونَ ◌َّ
إلا بصيحة واحدة صاح بها جبريل، فأهلكهم، فإذا هم أموات لا حراك بهم.
وقوله: ﴿إِن كَانَتْ﴾ أي الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة، وقوله:
﴿وَحِدَةً﴾ تأكيد لكون الأمر هيناً عند الله، وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَلِمِدُونَ﴾ فيه
إشارة إلى سرعة الهلاك.
يَحَسْرَةٌ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْنِيِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
أي يا هؤلاء الذين كذبتم الرسل تحسروا حسرة أليمة، واندموا على ما فعلتم،
بسبب أنه ما جاء رسول يدعو إلى التوحيد والحق والخير إلا استهزئ به وكُذِّب
وجحد ما أرسل به من الحق. فقوله ﴿يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ أي هذا وقت
الحسرة على مكذبي الرسل، وتنكير ﴿يَحَسْرَةً﴾ للتكثير. وسبب التحسر
عليهم: أنهم لم يعتبروا بأمثالهم من الأمم الخالية. ولا متحسر أصلاً في
الحقيقة، إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة، حيث ظهرت الندامة
عند مواجهة العذاب ومعاينته. وقيل: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين
كذبوا الرسل.
ثم أنذر الله تعالى الأجيال الحاضرة والمستقبلة فقال:
﴿أَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم ◌ِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَجِعُونَ
٣١
أي ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل كعاد وثمود، وأنهم لا
رجعة لهم إلى الدنيا، خلافاً لما يزعم الدُّهْرِية الذين يعتقدون جهلاً منهم أنهم
يعودون إلى الدنيا كما كانوا فيها، كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَالُواْ مَا
هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَتَخْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤/٤٥].
ثم أعلمهم أيضاً بوجود الحساب والعقاب في الآخرة بعد عذاب الدنيا،
فقال تعالى:

٩
الزُُ (٢٣) - يَسَنَّ}: ٣٦ /٢٨-٣٢
أي وإن جميع الأمم الماضية
(٣٢
﴿وَإِن كُلُّ ◌َّمَّا جَمِيْعٌ لَّذَيْنَا مُحْضَرُونَ
والآتية ستُحْضَر للحساب يوم القيامة بين يدي الله عز وجل، فيجازيهم
بأعمالهم كلِّها خيرها وشرها، وهذا كقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ كُلَّا لَّمَّا لَيُوَفِيَنَّهُمْ
رَبُّكَ أَعْمَلَهُمْ﴾ [هود: ١١١/١١] .
وهذا دليل على أنه ليس من أهلكه الله تركه، بل بعده جمع وحساب،
وحبس وعقاب، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة، كما قال القائل:
ولو أنّا إذا مُتنا تُرِكْنا لكان الموتُ راحةَ كل حيّ
ولكنا إذا متنا بُعِثْنا ونُسألُ بعدَه عن كل شيّ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن تكذيب الرسل ما جاؤوا به من الحق يستدعي مزيد الألم والندامة
والحسرة.
أَ - لا رجعة لأحد إلى الدنيا بعد الموت أو الإهلاك.
٣ - إن يوم القيامة يوم الجزاء والحساب والثواب والعقاب الدائم.

١٠
اِلُعُ (٢٣) - تَيْرٌ}: ٣٦ /٣٣-٤٤
أدلة القدرة الإلهية على البعث وغيره
﴿ وَءَايَةٌ لَُّ اُلْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّتٍ مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ وَفَجَرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ (٢٢) لِيَأْ كُلُواْ
سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ
٣٥
مِن ثَمَرِهِ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمَّ أَفَلَا يَشْكُرُونَ
كُلَّهَا مِمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَءَايَةٌ لَّهُمُ
وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ
الَِّلُ نَسْلَمُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ أَّ
، وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَأَلْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ
ذَلِكَ تَقْدِيُ اُلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (
(٣٩
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِّ وَكُلُّ فِى فَلَكِ
يَسْبَحُونَ
وَءَايَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِىِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن
مِثْلِهِ، مَا يَكَبُونَ ﴿﴿ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَ صَرِيَخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (®) إِلَّا
رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ
(٤٤ )
القراءات:
﴿ اَلْمَيِّتَهُ﴾:
وقرأ نافع (الميّة). ﴿اَلْعُيُونِ﴾: قرئ:
١- (العُيون) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وحفص، وخلف.
٢- (العِيون) وهي قراءة باقي السبعة . ﴿ثَمَرِهِ،﴾ قرئ:
١- (ثُره) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (غَمره) وهي قراءة الباقين.
عَمِلَتْهُ
:(

١١
الُُ (٢٣) - تسرّ}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (عملت). ﴿ وَاَلْقَمَرَ﴾: قرئ:
١- (والقمرُ) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (والقمرَ) وهي قراءة الباقين.
٠
ذِرِيتهم
وقرأ نافع، وابن عامر (ذرياتهم).
الإعراب:
﴿ وَءَايَةٌ لَُّ اُلْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْبَيْنَهَا﴾ ﴿أَحْيَيْنَهَا﴾ خبر للأرض، والجملة
خبر لآية أو صفة لها.
﴿ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمٌ﴾ (ما): إما اسم موصول في موضع جر بالعطف على
﴿ ثَمَرِهِ،﴾. و﴿عَمِلَتْهُ﴾: الصلة، والهاء: العائد، وإما أنها نافية في قراءة
((عملتْ)) بغير هاء، والوجه الأول أوجه، لاحتياج ((عملت)) لتقدير مفعول إذا
كانت ((ما)) نافية. ﴿وَاَلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ (القمر) إما مرفوع بالابتداء
و﴿قَدَّرْنَهُ﴾ الخبر، وإما منصوب بتقدير فعل دلَّ عليه . ﴿قَدَّرْنَهُ﴾ أي قدرنا
القمر قدرناه. و﴿مَنَازِلَ﴾ أي قدرناه ذا منازل، فحذف المضاف، أو قدرنا له
منازل، فحذف حرف الجر من المفعول الأول.
﴿حَّ عَادَ كَلْعُرْجُونِ﴾ الكاف في موضع نصب على الحال من ضمير
﴿عَادَ﴾ وهو العامل فيه و(العرجون): وزنه فُعْلول نحو زُنبور وقُرقور، وليس
على وزن فُعلُون لأنه ليس في كلام العرب.
﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ أن وصلتها في تأويل المصدر في موضع رفع فاعل:
﴿يَتْبَغِى﴾. وقرئ ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ بالجر بالإضافة، وسابقُ النهارِ؛ لأن
التقدير: سابقٌ النهار، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين.

١٢
الزُعُ (٢٣) - يسّ}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
﴿وَءَايَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ﴿وَءَايَةٌ﴾ مبتدأ، وخبره إما ﴿لَمُمْ﴾ وإما ﴿أَنَّا
خَلْنَا﴾.
﴿فَلَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ ﴿صَرِيخَ﴾: مبني مع لا على الفتح، ويجوز فيه الرفع مع
التنوين، لتكرار ((لا)) مرة ثانية.
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّنَا﴾ ﴿رَحْمَةً﴾: منصوب بتقدير حذف حرف الجر، أي إلا
برحمة، أو مفعول لأجله.
البلاغة:
﴿ وَءَايَةٌ لَّهُ﴾ التنكير للتعظيم، أي آية عظيمة دالة على قدرة الله على
البعث وغيره.
وَءَايَةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْمَنْتَةُ أَحْيَيْنَهَا﴾ بين الموت والإحياء طباق.
{وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ بين الليل والنهار طباق أيضاً، وفي
قوله ﴿نَسْلَخُ﴾ استعارة تصريحية، صرح فيها بلفظ المشبه به، حيث شبه إظهار
ضوء النهار من ظلمة الليل بسلخ الجلد عن الشاة، واستعار كلمة ((السلخ))
للإزالة والإخراج.
﴿حَتَّ عَادَ كَأَلْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ تشبيه مرسل مجمل لأنه لم يذكر فيه وجه
الشبه، وهو مشتمل على ثلاثة أوضاع: الدقة، والانحناء، والصفرة.
﴿لَا الشَّمْسُ يَلْبَغِى لَا﴾ قدم الفاعل على الفعل لتقوية النفي، وللدلالة
على أن الشمس مسخرة بأمر الله، لا تسير في مدارها إلا بإرادة الله.
﴿ وَكُلُّ فِى فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ فيه تنزيل غير العاقل منزلة العاقل، حيث عبر
عن الشمس والقمر والنجوم بضمير جمع المذكر في قوله ﴿يَسْبَحُونَ﴾ بدل:
يسبح؛ لأن السباحة من صفات العقلاء.

١٣
لِلُ (٢٣) - يَسَنَّ: ٣٦ / ٣٣-٤٤
(يَأْكُلُونَ﴾ و﴿اَلْعُيُونِ﴾ و﴿يَعْلَمُونَ﴾ و﴿مُظْلِمُونَ﴾ و﴿ يَسْبَحُونَ﴾
و﴿اَلْمَشْحُونِ﴾ و﴿ يَكَبُونَ﴾ سجع لطيف غير متكلف، وكذا في قوله
﴿اَلْعَلِيمِ﴾ و﴿اَلْقَدِيرِ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَءَايَةٌ لَّهُ﴾ علامة دالة على البعث. ﴿اٌلْمَيِّنَةُ﴾ التي لا نبات فيها، وتقرأ
بتخفيف الياء أو بالتشديد، والأول أشيع لسلسها على اللسان. ﴿أَحْبَيْنَهَا﴾
بالماء فصارت حية بالنبات .﴿ وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ المراد جنس الحب كالحنطة.
﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ قدم الصلة (الجار والمجرور) على الفعل للدلالة على أن
معظم ما يؤكل ويعاش به هو الحب .(جَنَّاتٍ﴾ بساتين ذات أشجار مثمرة
كالنخيل والأعناب.﴿ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ فَتَّحنا وشققنا فيها شيئاً من
العيون.
﴿لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ،﴾ ﴿ثَمَرِهِ﴾ يقرأ بفتحتين وضمتين، أي ثمر المذكور
من النخيل وغيره . ﴿ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمٌ﴾ قيل: ما: نافية أي لم تعمل الأيدي
الثمر بل العامل له هو الله، والأصح: أنها اسم موصول عطف على الثمر،
والمراد: ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما . ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ أنعم الله
تعالى عليهم وهو أمر بالشكر، من طريق إنكار تركه .﴿سُبْحَانَ﴾ تنزيهاً لله عما
لا يليق به . ﴿اَلْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾ الأنواع والأصناف المختلفة. ﴿مِمَّا تُنْبِتُ
اُلْأَرْضُ﴾ من النبات والشجر.﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي وخلق الأزواج من
أنفسهم، وهم الذكور والإناث من بني آدم . ﴿ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ من أصناف
المخلوقات العجيبة في البرّ والبحر، والسماء والأرض، مما لم يطلعهم الله
عليه، ولم يجعل لهم طريقاً إلى معرفته.
﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ﴾ أي وعلامة دالة لهم على القدرة العظيمة وتوحيد الله
ووجوب ألوهيته .﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ نفصل منه النهار ونزيله عنه، والسلخ:

١٤
الزُ (٢٣) - لَيْسَنّ}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
إذهاب الضوء، ومجيء الظلمة. ﴿فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام
مفاجأة وبغتة. ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ آية مستقلة أخرى، تطلع
وتسير لحد معين ينتهي إليه جريانها ودورها . ﴿ذَلِكَ تَقْدِيُرُ اُلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي
ذلك الجري تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، ﴿اٌلْعَلِيمِ﴾ المحيط علمه
بكل معلوم.
﴿ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ أي جعلنا له منازل، والمنازل: جمع منزل، والمراد به
المسافات التي يقطعها القمر في يوم وليلة، وهي ثمانية وعشرون منزلاً ينزل
القمر في كل ليلة في واحد منها، فإذا صار في آخرها وهو حينئذ دقيق قوْس،
عاد إلى أولها. ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوماً، وليلة واحدة إن كان
تسعة وعشرين يوماً. والمنازل معروفة: وهي الشِّرَطان، البُطَين، الثُّريّا،
الدَّبَران، الْهَفْعَة، الْمَنْعَة، الذِّراع المبسوطة، النَّثْرة، الطَّرَف، الَجَبْهة، الزُّبْرَة،
الصَّرْفَة، العوَّاء، السِّماك الأعزل، الغَقْرِ، الزُّبانى، الإكْليل، القَلْب،
الشَّوْلة، النَّعائم، البَلَدَّة، سَعْد الذّابح، سعد بُلَع، سَعْد السُّعود، سعد
الأَخْبية، الفَرْغ المقدم، الفرغ المؤخَّر، الرِّشاء وهو بطن الحوت.
﴿حَتَّى عَادَ﴾ في آخر منازله في رأي العين. ﴿كَالْعُونِ الْقَدِيمِ﴾ كالشمراخ
المعوج؛ لأنه إذا عتق يرق ويتقوس ويصفر. و﴿اُلْقَدِيمِ﴾ العتيق.
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا﴾ لا يصح لها ويسهل. ﴿أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ في
سرعة سيره، فتجتمع معه في الليل، لأن لكل واحد منهما مداراً منفرداً، فلا
يتمكن أحدهما من الدخول على الآخر، وإن كانت في نظر العين تسبق
الشمس القمر في كل شهر مرة.
والخلاصة: إن حرف النفي ﴿لَا﴾ للدلالة على أنها مسخرة، لا يتيسر لها
إلا ما أريد بها. ﴿ وَلَا الَّيْلُ سَاِبِقُ النَّهَارِ﴾ أي لا يأتي قبل انقضائه، ولا
يسبقه، ولكن يأتي عقبه، ويجيء كل واحد منهما في وقته، ولا يسبق صاحبه.

١٥
الُعُ (٢٣) - تَسَنَّ}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
﴿ وَكُلّ﴾ التنوين عوض عن المضاف إليه، أي وكل من الشمس والقمر وبقية
الكواكب والنجوم . ﴿فِىِ فَلَكِ﴾ هو المدار الذي يدور فيه الكوكب، سمي به
لاستدارته كفلكة المغزل. ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يسيرون فيه بسهولة، وقد نزّلوا منزلة
العقلاء. ﴿وَءَةٌ لَهُمْ﴾ علامة دالة على قدرتنا. ﴿أَنَّا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وقرئ:
ذرياتهم أي أولادهم ومن يهمهم حمله الذين يبعثونهم للتجارة، وأصل
الذرية: صغار الأولاد، ثم استعملت في الصغار والكبار، وتطلق على الواحد
والجمع، وقيل: المراد آباؤهم الأقدمون الذين في أصلابهم هم وذرياتهم،
وإنما امتن الله عليهم بذكر الذرية دونهم؛ لأنه أبلغ في الامتنان عليهم،
وأدخل في التعجيب من قدرته، في حمل أصولهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح.
﴿فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة المملوءة، قيل: إنها سفينة نوح عليه السلام.
﴿ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ﴾ أي أوجدنا بتعليمهم صناعة السفن الصغار
والكبار والزوارق، مثل سفينة نوح عليه السلام، وقيل: المراد الإبل، فإنها
سفائن البر. ﴿مَا يَزْكَبُونَ﴾ فيه، ولعل ذلك إشارة إلى المركبات والقطارات
والطائرات المستحدثة. ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقُهُمْ﴾ إن نرد أغرقناهم مع إيجاد السفن.
﴿فَلَ صَرِيَخَ لَهُمْ﴾ لا مغيث. ﴿ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ ينجون. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَعًا
إِلَى حِينٍ (@) أي لا أحد ينقذهم وينجيهم إلا بإنقاذنا لرحمة وتمتيع إياهم
بلذاتهم إلى انقضاء آجالهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى ما يدل على الحشر بإحضار جميع الأمم إليه يوم
القيامة للحساب والجزاء، ذكر ما يدل على إمكان البعث بإنبات النبات من
الأرض الجدباء بالمطر، وإيجاد البساتين وتفجير الأنهار، لتوفير سبل المعاش
بها، مما يستدعي شكرهم على تلك النعم.
وبعد بيان أحوال الأرض التي هي المكان الكلي، ذكر أربع آيات دالة على

١٦
الجُزُ (٢٣) - يَسَنَّ}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
قدرته العظيمة من أحوال الأزمنة، وهي تعاقب الليل والنهار، ودوران
الشمس، ومسير القمر في منازله، وتخصيص مدار مستقل لكل من الشمس
والقمر.
ثم أردف ذلك بدليل آخر دال على القدرة المقترنة بالرحمة وهو تنقل الأولاد
والأجيال في السفن العابرة مياه البحار.
التفسير والبيان:
﴿ وَءَايَةٌ لَُّ اُلْأَرْضُ الْعَيَّتَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
(2) أي ومن العلامات الدالة على وجود الله وقدرته على البعث وإحياء
الموتى: إحياء الأرض الهامدة التي لا نبات فيها، بإنزال الماء عليها، وجعلها
تموج وتهتز بالنبات المختلف الألوان والأشكال، وإخراج الحب الذي هو رزق
للعباد ولأنعامهم، وهو معظم ما يؤكل، وأكثر ما تقوم به الحياة والمعاش.
وكما نحيي الأرض الميتة نحيي الموتى.
﴿فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ أي وأوجدنا
في الأرض التي أحييناها بساتين مشجرة من نخيل وأعناب وغيرها، وجعلنا
فيها أنهاراً موزعة في أماكن مختلفة، يحتاجون إليها. وخصص النخيل
والأعناب بالذكر من بين سائر الفواكه؛ لأن ألذ المطعوم الحلاوة، وهي فيها
أتم، ولأن التمر والعنب قوت وفاكهة خلافاً لغيرهما، ولأنهما أعم نفعاً.
﴿لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمَّ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾﴾ أي إن
القصد من إنشاء الحب والجنات أن يأكل المخلوقون من ثمر المذكور من النخيل
والأعناب، ويأكلوا مما صنعته أيديهم من تلك الغراس والزروع أو الحبوب
والثمار، كالعصير والدبس ونحوهما، وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم،
لا بقدرتهم وقوتهم، فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي
لا تعد ولا تحصى؟! وهذا أمر بالشكر من طريق إنكار تركه.

١٧
الجُزُ (٢٣) - يَسَّ}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
وقوله: ﴿مِن ثَمَرِهِ،﴾ عائد إلى ما ذكر قبل ذلك، وقال الرازي: المشهور أنه
عائد إلى الله. وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَبْدِيهِمٌ﴾ يشمل في رأي الرازي الزراعة
والتجارة.
ولما أمرهم تعالى بالشكر، وشكر الله بالعبادة، نبّه إلى أنهم لم يقتنعوا
بالترك، بل عبدوا غيره، وأتوا بالشرك، فقال:
سُبْحَنَ اَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ اُلْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ
وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي تنزيهاً عن الشريك لله الذي خلق الأنواع
والأصناف كلها من مختلف الألوان والطعوم والأشكال، من الزروع والثمار
والنبات، وخلق من النفوس الذكور والإناث، وخلق مخلوقات شتى لا
يعرفونها، كما قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨/١٦] وقال عز
[الذاريات: ٤٩/٥١] .
وجل: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ
والخلاصة: إن خالق هذا الخلق العظيم من إنسان وحيوان ونبات وخالق
أشياء لا نعلمها منزه عن الشريك والنظير، قادر على كل شيء، وفي الآية
الأمر بالتنزيه عما لا يليق بالله تعالى، كالأمر بالشكر في الآية المتقدمة.
وبعد الاستدلال على إمكان البعث والحشر بأحوال الأرض المكانية، ذكر
تعالى أدلة أربعة من أحوال الأزمنة، فقال:
أي ومن
أَ - ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسَلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ
أدلة قدرته تعالى العظيمة: خلق الليل والنهار، وتعاقب الليل والنهار دائبين،
فينزع النهار من الليل فيأتي بالضوء وتذهب الظلمة، وينزع الليل من النهار،
فيصبح الخلق في ظلمة ويذهب الضوء، وهكذا يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب
هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال تعالى: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَرَ يَطْبُهُ
حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤/٧] نتيجة لدوران الأرض حول محورها من الغرب إلى
الشرق، فتشرق الشمس على نصف الكرة الأرضية، وتغيب عن النصف
:

١٨
لِفُرُ (٢٣) - تَسَنٌ}: ٣٦ /٣٣-٤٤
الآخر، وفي كل من الظلمة والنور نفع وخير، ففي الظلام ترك العمل
وسكون النفس والراحة من العناء، وفي النور متعة ولذة وحركة وعمل من
أجل كسب الرزق.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّظَلِمُونَ﴾ أي داخلون في الظلام، وإذا للمفاجأة، أي
فهم داخلون في الظلمة مفاجأة وبغتة، لا يَدَ لهم بعدئذ، ولا بدّ من الدخول
فیه.
◌َ - ﴿ وَالشَّمْسُ تَّجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
٣٨
أي وآية مستقلة دالة على قدرته تعالى: دوران الشمس في فلكها إلى نهاية
مدارها، وذلك الدوران تقدير من الله القاهر الغالب كل شيء، المحيط علمه
بكل شيء. وهناك قولان للمفسرين في تفسير المستقر: الأول - أن المراد
مستقرها المكاني وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي
أينما كانت فهي وجميع المخلوقات تحت العرش. والثاني - أن المراد مستقرها
الزماني وهو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة (١).
وقد أثبت علماء الفلك أنه زيادة على دوران الشمس الظاهري وسط
النجوم بسبب دوران الأرض حول الشمس مرة في السنة، للشمس حركتان
أخريان: دورة حول محورها مرة في كل ستة وعشرين يوماً تقريباً، ودورة مع
توابعها من الكواكب السيارة حول مركز النظام النجومي بسرعة تقدر بنحو
مئتي ميل في الثانية. والمستقر في رأي العلماء في الحالة الأولى: هو المحور
الثابت، وفي الثانية: هو مركز النظام النجومي بأسره.
(-) أي جعل الله
◌َّ - ﴿وَالْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُجُونِ اَلْقَدِيمِ
للقمر منازل يسير فيها سيراً آخر، وهي ثمانية وعشرون منزلاً ذكرناها، ينزل
(١) تفسير ابن كثير: ٥٧١/٣ وما بعدها.

١٩
المُزُ (٢٣) - يس}: ٣٦ / ٣٣-٤٤
كل ليلة في واحد منها بمعدل ١٣ درجة في اليوم، ثم يستتر ليلتين إن كان
الشهر ثلاثين يوماً، وليلة واحدة إن كان تسعة وعشرين يوماً، فإذا صار القمر
في آخرها دق وصغر واصفر وتقوس، وعاد إلى أولها، حتى صار كالعُرْجون
القديم: وهو الغصن الذي عليه طلع النخلة، وهو أصفر عريض يعوجّ،
ويقطع منه الشماريخ، يبقى على النخل يابساً.
ويستدل بمنازل القمر على مضي الشهور، كما أن الشمس يعرف بها الليل
والنهار، كما قال عز وجل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ
وَالْحَجُّ﴾ [البقرة: ١٨٩/٢] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَاُلْقَمَرَ
نُورًا وَقَدَرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ أُلْسِنِينَ وَالْحِسَابِ﴾ [يونس: ٥/١٠] وقال تبارك
وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اُلَيْلَ وَالنَّهَرَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّتِلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ
مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِيَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ
فَصَلْتَهُ تَفْصِيلًا (﴿4﴾ [الإسراء: ١٢/١٧]. والشمس تطلع كل يوم، وتغرب في
آخره، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفاً وشتاء، يطول بسبب ذلك
النهار، ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار. وأما القمر فقدره منازل
يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلاً قليل النور، ثم يزداد نوراً في الليلة الثانية،
ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء مقتبساً من الشمس، حتى يتكامل في
الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون
القديم - عرجون النخل.
وعلماء الفلك قسموا النجوم التي تقع حول مدار القمر ثمانٍ وعشرين
مجموعة تسمى منازل القمر. وقد كان العرب يعرفون بها الأنواء (أي
الأمطار)، ويقيسون بالنسبة إليها مواقع الكواكب السيارة ومنها الشمس.
٤ - ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِى
فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ®﴾ أي لا يصح ولا يسهل لكل من الشمس والقمر أن يدرك

٢٠
الجُعُ (٢٣) - يسّ}: ٣٦ /٣٣-٤٤
أحدهما الآخر؛ لأن لكل منهما مداراً مستقلاً، لا يجتمع مع الآخر فيه،
ولأن الشمس تسير مقدار درجة في اليوم، والقمر يسير مقدار (١٣) درجة في
اليوم.
ولا تسبق آية الليل وهي القمر آية النهار وهي الشمس؛ لأن لكل منهما
مجالاً وسلطاناً، فسلطان الشمس ومجالها بالنهار، وسلطان القمر بالليل.
وكل من الشمس والقمر والأرض يسبح ويدور في فلكه في السماء، كما
يسبح السمك في الماء، فالشمس تسير في مدار لها نصف قطره (٩٣) مليون
ميل، وتتم دورتها في سنة، والقمر يدور حول الأرض كل شهر في مدار نصف
قطره (٢٤) ألف ميل، والأرض تدور حول الشمس في سنة، وحول نفسها في
يوم وليلة.
وهذا دليل على أن الله جعل لكل من الشمس والقمر والأرض مداراً
مستقلاً يدور فيه، فلا يحجب أحدهما ضوء الآخر إلا نادراً حينما يحدث
كسوف الشمس أو خسوف القمر.
وبعد بيان الدليل المكاني وهو الأرض والأدلة الزمنية الأربعة المتقدمة، أتى
تعالى بدليل آخر على قدرته، وهو تسيير الإنسان في البحر كما يسير في البر،
كما قال تعالى: ﴿وَحَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠/١٧] وقال هنا:
آي ومن دلائل
﴿وَءَايَةٌ لَُّمْ أَنَّا خَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (
قدرته ورحمته تبارك وتعالى: تسخيره البحر ليحمل السفن، وركوب الذرية،
أي الأولاد في السفن المملوءة بالبضائع التي ينقلونها من بلد إلى آخر، لتوفير
القوت والمعاش، كما قال تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ
(٣١) @ [لقمان:
اللّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ ءَايَتَِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
٣١/٣١] .